الجوار: بكسر الجيم مصدر جاور، وأصله الملازمة،؛ لملازمة الجار جاره في المسكن.
- مسألة: (وَإِذَا حَصَلَ فِي أَرْضِهِ) أي: أرض إنسان يملكها أو يملك بعضها، أو يملك نفعها أو بعضه، (أَوْ) حصل في (جِدَارِهِ أَوْ) حصل في (هَوَائِهِ غُصْنُ شَجَرَةِ غَيْرِهِ، أَوْ) حصل (غُرْفَتُهُ) أي: غرفة غيره في أرضه، فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يرضى صاحب الحق بذلك: فالحق له وقد أسقطه.
الثانية: أن لا يرضى صاحب الحق بذلك وطالبه بإزالته: (لَزِمَ) صاحبَ الغصن أو الغرفة:
١ - (إِزَالَتُهُ) أي: إزالة الغصن والغرفة التي حصلت في ملك غيره وجوبًا، إما بقطعه أو ليِّهِ إلى ناحية أخرى، وسواء أحدث ضررًا أو لا؛ لحديث أبي بكرة ﵁، وفيه: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [البخاري ٦٧، ومسلم ١٦٧٩]، وليُخلي ملك الغيرِ الواجبَ إخلاؤه.
[ ٢ / ٣١٦ ]
٢ - (وَضَمِنَ) رب الغصن أو الغرفة (مَا تَلِفَ بِهِ) أي: بسبب الغصن أو الغرفة (بَعْدَ طَلَبِ) المالك من صاحب الغصن أو الغرفة إزالته؛ لصيرورته متعديًا بإبقاء الغصن أو الغرفة.
وفي وجه وصححه في الإنصاف: لا يجبر؛ لأنه من غير فعله فلم يجبر على إزالته كما لو لم يكن ملكه، وإن تلف بها شيء لم يضمنه؛ لذلك.
٣ - (فَإِنْ أَبَى) رب الغصن أو الغرفة إزالته:
أ) (لَمْ يُجْبَرْ) على إزالته (فِي الغُصْنِ)؛ لأنه ليس من فعله.
وأما بناء الغرفة فمن فعله؛ فيجب عليه إزالتها.
ب) (وَلَوَاهُ) أي: لوى مالك الهواء الغصن إن أمكنه، فإن قطعه مع إمكان ليِّه ضمنه؛ لتعديه.
ت) (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ) ليُّه (فَلَهُ) أي: لمالك الهواء (قَطْعُهُ) إن لم يَزُل إلا بالقطع، (بِلَا حُكْمِ) حاكم؛ لأن ذلك إخلاء ملكه الواجب إخلاؤه، ولا غرم عليه؛ لأنه لا يلزمه إقرار مال غيره فى ملكه بلا رضاه.
[ ٢ / ٣١٧ ]
- مسألة: (وَيَجُوزُ فَتْحُ بَابٍ لِاسْتِطْرَاقٍ فِي دَرْبٍ) أي: طريق (نَافِذٍ) أي: عام، بالاتفاق؛ لأنه لم يتعين له مالك، ولا ضرر فيه على المجتازين.
- فرع: (لَا) يجوز (إِخْرَاجُ جَنَاحٍ) وهو الروشن على أطراف خشب أو حجر مدفونة في الحائط، (وَ) لا إخراج (سَابَاطٍ) وهو المستوفي للطريق كله على جدارين، (وَ) لا إخراج (مِيزَابٍ) ودكة ونحو ذلك في طريق نافذ؛ لأن ذلك تصرف في ملك غيره بغير إذنه، كغير النافذ، (إِلَّا) بشرطين:
١ - أن يكون (بِإِذْنِ إِمَامٍ) أو نائبه؛ لأنه نائب المسلمين فجرى مجرى إذنهم.
٢ - أن يكون (مَعَ أَمْنِ الضَّرَرِ)، فإن كان هناك ضرر لم يجز، قال شيخ الإسلام: (باتفاق العلماء)؛ لحديث عبادة ﵁: عن النبي ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [أحمد: ٢٢٧٧٨، وابن ماجه: ٢٣٤٠].
فإن أذن الإمام أو نائبه ولم يكن هناك ضرر من ذلك جاز؛ لما روى عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب قال: كان للعبَّاس ميزاب على طريقٍ، فأمر عمر بقلعه، فأتاه العبَّاس، فقال: " «وَاللهِ إِنَّهُ لَلْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ». فقال عمر للعبَّاس: «وَأَنَا أَعْزِمُ عَلَيْكَ لَمَّا صَعِدْتَ عَلَى ظَهْرِي حَتَّى تَضَعَهُ فِي المَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ»، ففعل ذلك العباس ﵁ [أحمد: ١٧٩٠]، ولأن العادة جارية به.
[ ٢ / ٣١٨ ]
وعنه واختاره شيخ الإسلام: يجوز ذلك مع انتفاء الضرر فقط، وأما الميزاب فقال شيخ الإسلام: (إخراج الميازيب إلى الدرب هو السنة)، قال في الإنصاف: (وعليه العمل في كل عصر ومصر).
- فرع: (وَفِعْلُ ذَلِكَ) أي: إخراج الجناح والساباط والدكة والميزاب ونحوه (فِي مِلْكِ جَارٍ وَدَرْبٍ مُشْتَرَكٍ) غير نافذ (حَرَامٌ بِلَا إِذْن مُسْتَحِقٍّ)؛ لأن المنع لحق المستحق؛ فإذا رضي بإسقاطه جاز.
- فرع: (وَكَذَا) يحرم (وَضْعُ خَشَبٍ) على جدار جار وجدار مشترَكٍ (إِلَّا) بشرطين:
الأول: عند الضرورة بـ (أَلَّا يُمْكِنَ) صاحبَ الخشب (تَسْقِيفٌ إِلَّا بِهِ) أي: بوضع الخشب على ذلك الجدار، فإن أمكن وضعه على غيره لم يجز وضعه عليه إلى بإذن ربه؛ لأنه تصرف في ملك غيره بما يستغني عنه، فلم يجز، كفتح الطاق، وغرز المسمار.
(وَ) الثاني: أن (لَا) يكون هناك (ضَرَرٌ) على الجدار بوضع الخشب عليه، فإن خيف الضرر لم يجز إلا بإذن صاحب الجدار؛ للحديث السابق: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
(فَـ) إن توفر الشرطان فإنه (يُجْبَرُ) الجار على تمكين جاره من وضع
[ ٢ / ٣١٩ ]
خشبه على جداره؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ»، ثم يقول أبو هريرة: «مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ، وَاللهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ» [البخاري: ٢٤٦٣، ومسلم: ١٦٠٩]، ولأنه انتفاع لا ضرر فيه، دعت الحاجة إليه، فوجب بذله كفضل الماء.
- فرع: (وَ) حكم جدار (مَسْجِدٍ)، ويتيم ونحوه (كَـ) ـحكم جدار (دَارٍ) نص عليه؛ لأنه اذا جاز فى ملك الآدمي مع شُحِّه وضيقه، فحق الله أولى.
- مسألة: (وَإِنْ طَلَبَ شَرِيكٌ) من شريكٍ له (فِي حَائِطٍ) انهدم، (أَوْ) في (سَقْفٍ انْهَدَمَ) مشاعًا بينهما أو بين سُفل أحدهما وعُلو الآخر، (شَرِيكَهُ لِلبِنَاءِ) أي: لبناء الحائط أو السقف المنهدم (مَعَهُ) فامتنع الشريك؛ (أُجْبِرَ) على البناء معه؛ لحديث عبادة السابق: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
- فرع: (كَـ) ما يُجبر الشريك على (نَقْضِ) الحائط أو السقف عند (خَوْفِ سُقُوطِـ) ـه؛ دفعًا للضرر، فإن نقضه ولم يُخف من سقوطه؛ لزمه إعادته كما كان؛ لتعديه على حصة شريكه، ولا يمكن الخروج من عهدة ذلك إلا بإعادة جميعه.
- فرع: (وَإِنْ بَنَاهُ) أي: الحائط أو السقف المنهدم شريكٌ بإذن شريكه،
[ ٢ / ٣٢٠ ]
أو بإذن حاكم، أو (بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ) بغير إذنهما؛ (رَجَعَ) على شريكه بما أنفق بالمعروف على حصة الشريك؛ لأنه قام عنه بواجب.
فإن بناه بنية التبرع لم يرجع على شريكه بشيء؛ لأنها هبة، ويحرم عليه الرجوع في الهبة.
وسبق اختيار شيخ الإسلام: أنه يرجع ما لم ينو التبرع.
- فرع: (وَكَذَا) في الأحكام السابقة ما لو احتاج شريك لعمارة (نَهْرٍ وَنَحْوِهِ)؛ كبئر وقناة مشتركة، وغُرم ذلك بينهم على حسب ملكهم فيه، ويجبر الممتنع؛ لحقِّ شركائه.