- مسألة: (وَلَا) يجوز أن (تُدْفَعَ) الزكاة (إِلَّا إِلَى الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ)؛ الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: (إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [سورة التوبة: ٦٠]، فدلت على حصر الزكاة في هؤلاء.
فلا يجوز صرفها إلى غيرهم، من بناء المساجد، وإقامة الجسور، وتكفين الموتى، وغيرها من جهات الخير، قال في الشرح الكبير: (لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أنه لا يجوز دفع هذه الزكاة إلى غير هذه الأصناف، إلا ما روي عن أنس والحسن أنهما قالا: ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة قاضية).
- فرع: (وَ) هؤلاء الأصناف (هُمْ):
[ ١ / ٥١٢ ]
الصنف الأول: (الفُقَرَاءُ): وهم من لا يجدون شيئًا من الكفاية، أو يجدون أقل من نصفها.
(وَ) الصنف الثاني: (المَساكِينُ): وهم الذين يجدون أكثر كفايتهم أو نصفها.
- فرع: يعطى الفقير والمسكين تمام كفايته مع عائلته سنة؛ لأن النبي ﷺ لم يدخر أكثر من قوت سنة؛ لحديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ: «كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ الله» [مسلم: ١٧٥٧]، لأن وجوب الزكاة يتكرر كل حول فينبغي أن يأخذ ما يكفيه إلى مثله.
واختار شيخ الإسلام: جواز إعطاء الفقير ما يصير به غنيًّا ولو كثر، بحيث يخرجه من الفقر إلى الغنى؛ لحديث قبيصة بن مخارق ﵁ مرفوعًا، وفيه: «وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ». [مسلم: ١٠٤٤]، فأباح له أن يأخذ من الزكاة حد القوام والسداد، وذلك لا يكون إلا بإعطاء المحتاج حتى يستغني.
- فرع: اختار شيخ الإسلام: جواز دفع الزكاة لمن يَعْجِز عن شراء ما يحتاج إليه من كتب العلم التي لابد منها لمصلحة دِينه ودنياه؛ لكون ذلك من سائر حاجاته، كمطعمه.
[ ١ / ٥١٣ ]
(وَ) الصنف الثالث: (العَامِلونَ عَلَيْهَا): وهم كل من يحتاج إليه في أمر الزكاة؛ كالجباة والحفاظ والرعاة ونحوهم.
- فرع: يعطى العامل عليها قدر أجرته ولو كان غنيًا؛ لحديث عمر ﵁ قال: عملت على عهد رسول الله ﷺ، فعَمَّلَنِي، وقال لي: «إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ، فَكُلْ وَتَصَدَّقْ» [البخاري: ٧١٦٣، ومسلم: ١٠٤٥]، وعمر لم يكن فقيرًا، ولأننا نعطيه من أجل عمله، لا من أجل حاجته.
(وَ) الصنف الرابع: (المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ) جمع مؤلف، وهو السيد المطاع في عشيرته.
- فرع: المؤلفة قلوبهم على قسمين:
الأول: الكفار: وهم من يُرجى بعطيتهم أحد أمرين:
١ - إسلامُه؛ لأن النبي ﷺ أعطى صفوان بن أمية تأليفًا لقلبه، قال صفوان ﵁: «وَالله لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ الله ﷺ مَا أَعْطَانِي، وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ» [مسلم: ٢٣١٣].
٢ - كفُّ شره وشر غيره؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: «هُمْ قَوْمٌ كَانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ الله ﷺ قَدْ أَسْلَمُوا، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَرْضَخُ لَهُمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ، فَإِذَا أَعْطَاهُمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ فَأَصَابُوا مِنْهَا خَيْرًا قَالُوا: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، عَابُوهُ وَتَرَكُوهُ» [تفسير الطبري: ١٦٨٤٥]، ولما في
[ ١ / ٥١٤ ]
ذلك من المصلحة العامة للمسلمين.
الثاني: المسلمون: وهم من يرجى بعطيتهم أحد أمور خمسة:
١ - قوة إيمانه؛ لما ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي ﵁ إلى النبي ﷺ بذهيبة فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كِلاب، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا! فقَالَ رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ». [البخاري: ٣٣٤٤، ومسلم: ١٠٦٤].
٢ - إسلام نظيره من المشركين؛ فإذا أُعطي هؤلاء رغب نظراؤهم في الإسلام؛ لأن أبا بكر أعطى الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، مع إسلامهما وحسن نيتهما. [أحمد في فضائل الصحابة: ٣٨٣]، ولما في ذلك من مصلحة عامة للمسلمين.
٣ - جباية الزكاة ممن لا يعطيها؛ لما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين.
٤ - الدفع عن المسلمين، كمن هو في طرف بلاد الإسلام، إذا أُعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين؛ لما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين.
٥ - كف شره، كالخوارج ونحوهم؛ لما سبق.
[ ١ / ٥١٥ ]
- فرع: يشترط في المؤلَّف قلبه أن يكون سيدًا مطاعًا؛ لأن النبي ﷺ إنما أعطى السادة والكبراء في عشائرهم وقبائلهم، ولم يعط عامة الناس، ولأن مصلحة إعطاء عامة الناس ليست كمصلحة إعطاء السادة، فلا يقاسون عليهم.
وقيل: لا يشترط أن يكون سيدًا مطاعًا فيمن يرجى إسلامه من الكفار أو يرجى قوة إيمانه من المسلمين، أو إسلام نظيره؛ لأن مصلحة الإسلام وقوة الإيمان يستوي فيها السيد المطاع وغيره.
- فرع: يعطى المؤلف قلبه مقدار ما يحصل به التأليف فقط؛ لأنه هو المقصود.
(وَ) الصنف الخامس: (فِي الرِّقَابِ)؛ ويشمل هذا الصنف ثلاثة أنواع، وهو اختيار شيخ الإسلام:
١ - المكاتب؛ لدخوله لغةً في قوله تعالى: (وَفِي الرِّقَابِ)، ولقوله: (فكاتبوهم إن علمتهم فيهم خيرًا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) قال ابن جرير: (أي: إيتاؤهم سهمهم من الزكاة المفروضة)، وذكره عن الحسن وإبراهيم وزيد بن أسلم، فيعطى وفاء دينه؛ لعجزه عن وفاء ما عليه، ولو مع قدرته على التكسب.
٢ - شراءُ رقبة لا تعتق عليه فيعتقها؛ لعموم قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهو ظاهر في تناوله للقن، ولأنه الوارد عن ابن عباس ﵄ [الأموال لأبي عبيد: ١٩٦٦].
[ ١ / ٥١٦ ]
٣ - فِكَاك الأسير المسلم؛ لأنه فك رقبة من الأسر، أشبه المكاتَب، والحاجة داعية إليه؛ لأنه يخاف عليه القتل أو الردة لحبسه في أيدي العدو، فهو أشد من حبس القنِّ في الرق.
- فرع: يُعْطَى الغارم وفاءَ دَينه؛ لاندفاع حاجته بذلك.
- فرع: لا يجزئ في الزكاة أن يُعتق رقيقًا من رقيقه؛ لأن ذلك ليس فيه إيتاء للزكاة، ولأنه بمنزلة إخراج زكاة العُروض منها.
(وَ) الصنف السادس: (الغَارِمُونَ)، والغرم في اللغة: اللزوم، وسُمي به للزوم الدَّين له، وهو نوعان:
النوع الأول: الغارم لإصلاح ذات البين: وذلك بأن يقع بين جماعة عظيمة تشاجرٌ في أموال، ويحدث بسببها عداوة، ويتوقف الصلح على من يتحمل ذلك، فيلتزم رجل ذلك المال عوضًا عما بينهم؛ ليُطْفِئ الثائرة.
- فرع: لا يخلو المتحمل لذلك المال من ثلاث حالات:
١ - أن يستقرض ويسدد لهؤلاء المتنازعين: فيُعْطى من الزكاة؛ لأنه غارم.
٢ - أن يتحمل ذلك المال في ذمته: فيُعْطى من الزكاة؛ لأنه غارم، ولحديث قبيصة السابق مرفوعًا، وفيه: «إِنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ».
[ ١ / ٥١٧ ]
٣ - أن يدفع من ماله: فلا يُعْطى من الزكاة ولو نوى الرجوع (١)؛ لأن الغرم قد سقط، فخرج عن كونه مدينًا بسبب الحمالة.
واختار ابن عثيمين: أنه يرجع على الزكاة إن نوى الرجوع، وعليه فلا يخلو من ثلاث حالات:
١) أن ينوي الرجوع على الزكاة: فله أن يرجع؛ لئلا ينسد باب الإصلاح.
٢) أن ينوي التبرع: فلا يجوز له الرجوع؛ لأنه نوى التبرع، فلا يجوز أن يرجع في تبرعه؛ لحديث عمر ﵁ قال: حَمَلْتُ على فرسٍ عتيق في سبيل الله، فأضاعه صاحبُه، فظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «لَا تَبْتَعْهُ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» [البخاري: ٢٩٧١، ومسلم: ١٦٢٠].
_________________
(١) قاعدة المذهب: من أدى عن غيره واجبًا، فلا يخلو من أمرين: أن يحتاج إلى نية، كالزكاة والكفارة والنذر: فلا يرجع ولو نوى الرجوع. ألا يحتاج إلى نية، كالقرض والنفقة والضمان وقيمة المتلف ونحوها: فلا يخلو من ثلاث حالات:
(٢) إن نوى الرجوع: فله أن يرجع، واختاره شيخ الإسلام.
(٣) إن نوى التبرع: فلا يجوز له الرجوع، واختاره شيخ الإسلام.
(٤) ألا ينوي شيئًا بل ذهل عن الرجوع والتبرع: فلا يرجع، واختار شيخ الإسلام وابن القيم: له الرجوع.
[ ١ / ٥١٨ ]
٣) ألا ينوي شيئًا: فلا يعطى من الزكاة؛ لأن الأصل عدم إعطائه من الزكاة؛ لعدم تحقق وصف الغرم فيه.
- فرع: يُعطى المُصلِح بين ذات البين من الزكاة ولو كان غنيًّا؛ لأنه من المصالح العامة، فأشبه المؤلف والعاملَ.
النوع الثاني: الغارم لنفسه: وهو المدين لحظ نفسه، ولا يخلو الدَّين من أربعة أقسام:
١ - أن يكون الدَّين في مباح: كمن تديَّن لنفقاته الشرعية أو حاجاته الأصلية، فيُعطى من الزكاة؛ لأنه غارم.
٢ - أن يكون الدَّين في معصية تاب منها: فيُعطى من الزكاة؛ لما فيه من الإعانة على التوبة، ولأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فيدخل في عموم قوله: ﴿والغارمين﴾.
٣ - أن يكون الدَّين في معصية لم يتب منها: فلا يُعطى من الزكاة؛ لما فيه من الإعانة على المحرم.
٤ - أن يكون الدين في مكروه: كمن تديَّن لسفر مباح، أو لتنزه، أو لأمور كمالية، فقياس قول المذهب: لا يُعطى من الزكاة؛ كابن السبيل إذا سافر سفرًا مكروهًا، لا يعطى من الزكاة.
- فرع: يعطى الغارم وفاء دينه؛ لاندفاع حاجته بذلك.
[ ١ / ٥١٩ ]
- فرع: إعطاء المدين من الزكاة لا يخلو من ستة أقسام:
١ - أن يُعطي مدِينًا غير مدِينِه ليقضي دينه: فيصح؛ لظاهر الآية.
٢ - أن يدفعها المزكي إلى مدينه: فيجوز؛ لأنه من جملة الغارمين، فإن رده إليه فله أخذه، ما لم يكن حيلة؛ ومعنى الحيلة: أن يُعْطِيَه بشرط أن يردَّها عليه من دينه؛ لأن من شرطها أن يتملكها تملكًا صحيحًا.
٣ - أن يدفعَ المزكي إلى الدائن من الزكاة دون إذن المدين: فيصح؛ لأن الله تعالى قال: (والغارمين) معطوفةً على (وَفِي الرِّقَابِ)، ولم يقل للغارمين، فلم يشترط فيه التمليك كباقي أهل الزكاة، ولأنه دفع الزكاة في قضاء دَين المدِين، أشبه ما لو دفعها إليه فقضى بها دينه.
٤ - أن يُبرئ ربُّ المال غريمَه من دينَه بنية الزكاة: فلا يصح؛ لأن الزكاة أخذٌ وإعطاء، كما قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣]، وهذا ليس فيه أخذ، ولأنه بمنزلة إخراج الخبيث من الطيب، لأنه سيخرج هذا الدَّين عن زكاة عين.
٥ - أن يسقط ربُّ المال عن المدِين مقدار ما على الدَّين من الزكاة: فلا يصح؛ لما تقدم.
واختار شيخ الإسلام: يصح؛ لأن الزكاة مواساة، فإذا كان المال دينًا، جاز أن تكون زكاته دينًا، ولا يكلف غيره، ولم يتيمم الخبيث لينفق، بل زكاه من جنس ماله المزكى وهو الدين.
[ ١ / ٥٢٠ ]
٦ - أن يدفع دَين الميت من الزكاة: فلا يجوز؛ لعدم أهليته، ولأن الزكاة تكون مدفوعة إلى الدائن لا إلى المدين.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه يجوز؛ لأنه لا يشترط تمليكه، قال تعالى: (والغارمين)، ولم يقل: وللغارمين.
(وَ) الصنف السابع: (فِي سَبِيلِ الله): وهم:
١ - الغزاة؛ لأن السبيل عند الإطلاق هو الغزو، قال تعالى: (قاتلوا في سبيل الله)، ولا يصح جعله في جميع وجوه الخير؛ لأن ذلك يلغي الحصر المذكور في الآية.
ويُعطون من الزكاة بشرطين:
الأول: أن تكون الزكاة للغزاة دون عُدَّتِهم، فلا يشترى بها ما يحتاج إليه الغازي ثم يصرفه إليه.
واختار ابن عثيمين: أنها تعم الغزاة وأسلحتهم وكل ما يعين على الجهاد؛ لأنها معطوفة على قوله: (وَفِي الرِّقَابِ)، فلا يشترط تمليكهم.
الثاني: أن يكون الغزاة متطوعة لا ديوان لهم، أو لهم دون ما يكفيهم؛ لأن من له راتب من الديوان يكفيه فهو مستغن به.
- فرع: يُعطَى الغازي ثمنَ السلاح والفرس إن كان فارسًا، وما يحمله
[ ١ / ٥٢١ ]
من بعير ونحوه، وثمن درعه، وسائر ما يحتاج إليه من آلات، ونفقةَ ذهاب، وإقامة بأرض العدو، ورجوع إلى بلده، ولو غنيًّا؛ لأنه مصلحة عامة.
٢ - حج فرض الفقير وعمرته؛ لحديث أم معقل ﵂ مرفوعًا: «فَإِنَّ الحَجَّ فِي سَبِيلِ الله» [أحمد: ٢٧١٠٧، وأبو داود: ١٩٨٩]، ولما صح عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «الحَجُّ فِي سَبِيلِ الله» [ابن أبي شيبة: ٣٠٨٣٧]، وصح نحوه عن ابن عباس ﵄ [أبو عبيد في الأموال: ١٩٦٦].
واختاره شيخ الإسلام في فرض الحج فقط؛ لعدم إيجابه العمرة.
(وَ) الصنف الثامن: (ابْنُ السَّبِيلِ) أي: الطريق، وسمي بذلك لملازمته له، ولا يخلو هذا الصنف من أمرين:
١ - المسافر المنقطع به في سفره: فيُعطى من الزكاة بشرط أن يكون سفره مباحًا، فلا يعطى في السفر المحرم؛ لأنه إعانة على معصية، ولا في السفر المكروه؛ لأنه لا حاجة به إلى هذا السفر.
٢ - المنشئ للسفر من بلده إلى غيرها: لا يعطى من الزكاة؛ لأن اسم ابن السبيل لا يتناوله حقيقة، لكن إن كان محتاجًا للسفر فيُعطى لفقره، لا لكونه ابن سبيل، كالسفر لعلاج ونحوه.
- فرع: يُعطى ابن السبيل من الزكاة ما يوصله إلى غرضه ثم يرجعه إلى بلده؛ لأن فيه إعانة على بلوغ الغرض الصحيح، ولو مع غناه ببلده؛ لأنه
[ ١ / ٥٢٢ ]
عاجز عن الوصول لماله.
- مسألة: (وَيَجُوزُ الاقْتِصَارُ) في الزكاة (عَلَى) صنف (وَاحِدٍ) من الأصناف الثمانية؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: ٢٧١]، ولحديث ابن عباس ﵄ حين بعث النبي ﷺ معاذًا ﵁ إلى اليمن قال: «فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» [البخاري: ١٤٩٦، ومسلم: ١٩]، فاقتصر في الآية والحديث على صنف واحد.
- مسألة: يجوز الاقتصار على واحد (مِنْ صِنْفٍ) واحد من تلك الأصناف الثمانية؛ كأن تُعطى الزكاة لفقير واحد، أو غارم واحد؛ لحديث سلمة بن صخر ﵁ لمَّا ظاهر من امرأته وعجز عن الكفارة، قال له النبي ﷺ: «انْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ» [أحمد: ١٦٤٢١، وأبو داود: ٢٢١٣، والترمذي: ٣٢٩٩، وابن ماجه: ٢٠٦٢]، ولما فيه من العُسر، وهو منفي شرعًا، والآية إنما سيقت لبيان من تصرف إليه، لا لتعميمهم.
- فرع: (وَالأَفْضَلُ) في دفع الزكاة (تَعْمِيمُهُمْ) أي: تعميم الأصناف الثمانية إن وُجدوا، (وَ) الأفضل (التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ) أي: بين تلك الأصناف بدون تفضيل؛ خروجًا من خلاف من أوجبه.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يجب تعميم الأصناف الثمانية ولا
[ ١ / ٥٢٣ ]
يستحب، وإنما ذلك راجع إلى الحاجة والمصلحة؛ والآية لا دلالة فيها على إعطاء الجميع ولا على التسوية بينهم، وقد دلت الأدلة على جواز الاقتصار على صنفٍ بل على واحدٍ.
- مسألة: (وَتُسَنُّ) الزكاة، أي: دفعها، (إِلى مَنْ لَا تَلْزَمُهُ) أي: لا تجب عليه (مُؤْنَتُهُ) أي: نفقته (مِنْ أَقارِبِهِ)، كذوي رحمه، ومن لا يرثه؛ من نحو أخ وعم؛ لحديث سلمة بن عامر ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى المسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» [أحمد: ١٦٢٣٣، والترمذي: ٦٥٨، والنسائي: ٢٥٨٢، وابن ماجه: ١٨٤٤].
فإن كانت تلزمه النفقة كالأصول، والفروع، والحواشي الوارثين، فلا يجوز دفع الزكاة إليهم؛ لأنهم مستغنون بالنفقة حينئذ عن الزكاة، ويأتي في النفقات.