الإحرام لغة: نية الدخول في التحريم.
وشرعًا: نية الدخول في النسك، لا نية أن يحج أو يعتمر.
- مسألة: (وَسُنَّ لِمُرِيدِ إِحْرَامٍ):
أولًا: (غُسْلٌ)، ذكرًا كان أو أنثى؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلالِهِ وَاغْتَسَلَ» [الترمذي ٨٣٠]، ولو حائضًا ونفساء؛ لحديث
[ ٢ / ١٩ ]
جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال لأسماء بنت عميس ﵂ وهي نفساء: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي» [مسلم ١٢١٨]، وقال - ﷺ - لعائشة ﵂ لما حاضت: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالحَجِّ» [مسلم ١٢١٣].
- فرع: (أَوْ) أي: وسن (تَيَمُّمٌ لِعُذْرٍ)؛ كمن عدم الماء أو عجز عن استعماله؛ لأنه غسل مشروع، فناب التيمم عنه؛ كالواجب.
وعنه، واختاره ابن قدامة: لا يتيمم؛ لأن الغسل يراد للنظافة الحسية، والتيمم نظافته معنوية، ولأن التيمم إنما جاء في الحدث، فلا يقاس عليه غيره.
ثانيًا: (وَ) سن لمريد الإحرام (تَنَظُّفٌ) بأخذ شعر، من حلق عانة، وقص شارب، ونتف إبط، وتقليم أظفار، وقطع رائحة كريهة؛ لقول إبراهيم النخعي: (كانوا يستحبون إذا أرادوا أن يحرموا أن يأخذوا من أظفارهم وشواربهم، وأن يستحدوا، ثم يلبسوا أحسن ثيابهم) [سعيد بن منصور، ذكره شيخ الإسلام في شرح العمدة ٤/ ١٦٣، ولم نقف عليه]، ولئلا يحتاج إليه في إحرامه فلا يتمكن منه.
واختار شيخ الإسلام: أن ذلك ليس من خصائص الإحرام؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة، لكن يشرع إن احتاج إليه، وقال: (وهكذا يشرع لمصلي الجمعة والعيد على هذا الوجه).
[ ٢ / ٢٠ ]
ثالثًا: (وَ) سن لمريد الإحرام (تَطَيُّبٌ)، سواء كان الطيب مما تبقى عينه كالمسك، أم يبقى أثره كالعود والبخور وماء الورد.
وتطيب مريد الإحرام على ثلاثة أقسام:
١ - التطيب في الرأس: مستحب؛ لقول عائشة ﵂: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ المِسْكِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» [البخاري ٢٧١، ومسلم ١١٩٠].
٢ - التطيب (فِي بَدَنٍ): مستحب؛ لقول عائشة ﵂: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» [البخاري ١٥٣٩، ومسلم ١١٨٩].
وأما حديث يعلى بن أمية - ﵁ -: جاء رجل متضَمِّخ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم في جبة، بعد ما تضمخ بطيب؟ فقال: «أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ» [البخاري ٤٩٨٥، ومسلم ١١٨٠]، فقال ابن عبد البر: (لا خلاف بين جماعة أهل العلم بالسير والآثار، أن قصة صاحب الجبة كانت عام حنين، بالجِعرانة سنة ثمان، وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر، فعند ذلك إن قدر التعارض، فحديثنا ناسخ لحديثهم)، أو لأنه تطيب بخَلُوقٍ -وهو طيب من زعفرانٍ وغيره-، والرجل منهي عن التطيب بالزعفران في غير الإحرام، ففيه أولى.
[ ٢ / ٢١ ]
وقال شيخ الإسلام (إن شاء المحرم أن يتطيب في بدنه فهو حسن، ولا يؤمر المحرم قبل الإحرام بذلك، فإن النبي ﷺ فعله ولم يأمر به الناس).
٣ - التطيب في ثوب: وأشار إليه بقوله: (وَكُرِهَ فِي ثَوْبٍ)، ولا يحرم؛ لأن المنع إنما ورد في ابتداء التطيب وابتداء لبس المطيَّب، لا استدامته، ويكره خروجًا من الخلاف، ولئلا يعرِّض نفسه لارتكاب المحذور، وله استدامة لبسه ما لم ينزعه، فإن نزعه فليس له أن يلبسه قبل غسل الطيب منه.
واختار ابن باز وابن عثيمين: أنه يحرم تطييب الثياب؛ لحديث ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ في المحرم: «وَلا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ» [البخاري ٣٦٦، ومسلم ١١٧٧].
رابعًا: (وَ) سن لمريد الإحرام (إِحْرَامٌ بِإِزَارٍ وَرِدَاءٍ)؛ لحديث ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ: «وَليُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَنَعْلَيْنِ» [أحمد ٤٨٩٩].
وسن كونهما (أَبْيَضَيْنِ)، نظيفين، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ» [أحمد ٢٢١٩، وأبو داود ٣٨٧٨، والترمذي ٩٩٤، وابن ماجه ١٤٧٢].
خامسًا: سن لمريد الإحرام أن يحرم (عَقِبَ) صلاة (فَرِيضَةٍ، أَوْ) عقب (رَكْعَتَيْنِ) من صلاة نفل؛ لحديث عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ
[ ٢ / ٢٢ ]
آتٍ مِنْ رَبِّي أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» [البخاري ١٥٣٤]، ولحديث ابن عباس ﵄ قال: «أَهَلَّ رَسُولُ الله ﷺ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ» [الترمذي ٨١٩، والنسائي ٢٧٥٣].
واختار شيخ الإسلام: أنه يستحب أن يُحرِمَ عقيب فرض إن كان وقته، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه صلَّى للإحرام ركعتين، وأما حديث عمر وابن عباس ﵃ فالمراد بهما ركعتا الظهر؛ لحديث أنس بن مالك ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا عَلَا عَلَى جَبَلِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ» [أبو داود ١٧٧٤، والنسائي ٢٩٣١].
- فرع: يصلي الركعتين النافلة (فِي غَيْرِ وَقْتِ نَهْيٍ)، وتقدم الخلاف في فعل ما له سبب في أوقات النهي، في صلاة التطوع.
- مسألة: (وَنِيَّتُهُ) أي: نية الإحرام (شَرْطٌ)، فلا يصير محرِمًا بمجرد التجرد أو التلبية من غير نية الدخول في النسك؛ لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧].
ولا يشترط مع النية تلبية ولا سوق هدي؛ لعدم الدليل على اشتراط ذلك مع النية، وقياسًا على الصوم، فتكفي فيه النية، ولا يشترط معه قول أو فعل.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: ينعقد الإحرام بنية النسك مع قولٍ
[ ٢ / ٢٣ ]
كالتلبية، أو فعلٍ كسوق الهدي؛ لأنه لا يكون محرِمًا بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته، لأن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، فلا بد من قول أو عمل يصير به محرمًا؛ كالصلاة.
- مسألة: (وَالاشْتِرَاطُ فِيهِ) أي: في الإحرام (سُنَّةٌ)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير ﵂ فقال لها: «أَرَدْتِ الحَجَّ؟» قالت: والله، ما أجدني إلا وَجِعَةً، فقال لها: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللهمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» [البخاري ٥٠٨٩، ومسلم ١٢٠٧]، وثبت الاشتراط عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود،، وابن عباس، وعمار، وعائشة ﵃ [المحلى لابن حزم ٥/ ١٠٥].
واختار شيخ الإسلام: أنه يستحب الاشتراط لمن كان خائفًا وإلا فلا؛ جمعًا بين الأدلة، لأن النبي ﷺ أمر ضباعة بنت الزبير ﵂ أن تشترط لما كانت شاكية، فخاف أن يصدها المرض عن البيت، ولم يكن يأمر بذلك كل من حج، وما ورد عن الصحابة، فقد خالفهم ابن عمر ﵄، حيث كان ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: «أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ الله ﷺ؟» [البخاري ١٨١٠].
- فرع: الاشتراط يفيد شيئين:
١ - إذا عاقه عدو، أو مرض، أو ذهاب نفقة، أو نحوه جاز له التحلل.
٢ - أنه متى حلَّ فلا دم عليه.
[ ٢ / ٢٤ ]
- مسألة: يخير مريد الإحرام بين الأنساك الثلاثة: التمتع والقران والإفراد، باتفاق الأئمة؛ لحديث عائشة ﵂: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ» [البخاري ١٥٦٢، ومسلم ١٢١١].
وأما أمر النبي ﷺ أصحابه بالتمتع [البخاري ٣١٩، ومسلم ١٢١٦] فوجوب ذلك خاص بهم؛ لقول أبي ذر ﵁: «كَانَتِ المُتْعَةُ فِي الحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً» [مسلم ١٢٢٤]، وأما الاستحباب فللأمة إلى يوم القيامة؛ قال سُراقة ﵁: تمتع رسول الله ﷺ، وتمتعنا معه، فقلنا: ألنا خاصة أم لأبد؟ قال: «بَلْ لِأَبَدٍ» [أحمد ١٧٥٩٠، والنسائي ٢٨٠٧].
- مسألة: (وَأَفْضَلُ الأَنْسَاكِ) الثلاثة (التَّمَتُّعُ)؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق هديًا، وثبت على إحرامه لسوقه الهدي، وتأسف بقوله: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَحَلَلْتُ مَعَ النَّاسِ حِينَ حَلُّوا» [البخاري ١٦٥١، ومسلم ١٢١٦].
ثم الإفراد؛ لقول عمر ﵁: «فَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ» [مسلم ١٢٢٤]، ولإتيانه بالحج تامًّا من غير احتياج إلى جبر فكان أولى، ثم القران.
واختار شيخ الإسلام: التفصيل، وأنه لا يخلو من حالين:
الأولى: إذا ساق الهدي: فإن الأفضل في حقه القران؛ لحديث عائشة
[ ٢ / ٢٥ ]
﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» [البخاري ١٥٥٦، ومسلم ١٢١١].
[وهذا هو فعل النبي ﷺ [البخاري: ٧٢٢٩، ومسلم: ١٢١١]، قال شيخ الإسلام: (الذي ينبغي أن يقال: إن الذي اختاره الله لنبيه هو أفضل الأمرين. وأما ﴿قوله ﷺ لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أفعل ذلك﴾. فهو حكم معلق على شرط والمعلق على شرط عدم عند عدمه فما استقبل من أمره ما استدبر وقد اختار الله تعالى له ما فعل واختار له أنه لم يستقبل ما استدبر)]. [*]
الثانية: إذا لم يسق الهدي: فالتمتع أفضل مطلقًا، إلا أن تكون عمرته قبل أشهر الحج ويبقى إلى الحج، فالإفراد أفضل باتفاق الأئمة (١).
- تنبيه: قال ابن مفلح نقلًا عن شيخ الإسلام: (وإن اعتمر وحج في سفرتين، أو اعتمر قبل أشهر الحج (٢)، فالإفراد أفضل باتفاق الأئمة الأربعة).
ففضَّل كون العمرة في سفرة والحج في سفرة على جمعهما بالتمتع في سفرة واحدة فقط، لا على التمتع مطلقًا، ولذا قال في موضع آخر: (لو أفرد الحج بسفرة والعمرة بسفرة فهو أفضل من المتعة المجردة)، ويدل لذلك: قول علي ﵁ في قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلهِ) [البقرة: ١٩٦]، قال: «أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٢٦٨٩]، وعلى هذا يحمل نهي أبي بكر وعمر ﵄ الناس عن التمتع، قال شيخ الإسلام فيما نقله عنه ابن القيم: (إن عمر ﵁ لم ينه عن المتعة البتة، وإنما قال: " إنه أتم لحجكم
_________________
(١) [*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفتين زيادة من هذه النسخة الإلكترونية المهداة من الناشر للبرنامج، وليست بالمطبوع
(٢) مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٠١).
(٣) أي: وبقي في مكة إلى الحج، كما قال في مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٠١): (فإن كان يسافر سفرة للعمرة، وللحج سفرة أخرى أو يسافر إلى مكة قبل أشهر الحج ويعتمر ويقيم بها حتى يحج فهذا الإفراد له أفضل باتفاق الأئمة الأربعة).
[ ٢ / ٢٦ ]
وعمرتكم أن تفصلوا بينهما "، فاختار عمر لهم أفضل الأمور، وهو إفراد كل واحد منهما بسفر ينشئه له من بلده، وهذا أفضل من القران والتمتع الخاص بدون سفرة أخرى)، ثم قال ابن القيم: (فهذا الذي اختاره عمر للناس، فظن من غلط منهم أنه نهى عن المتعة) (١).
وأما لو اعتمر قبل ذلك ثم أراد الحج في سفرة أخرى فالتمتع أفضل من الإفراد، قال شيخ الإسلام: (من سافر سفرة واحدة واعتمر فيها، ثم أراد أن يسافر أخرى للحج، فتمتعه أيضًا أفضل له من الحج، فإن كثيرًا من الصحابة الذين حجوا مع النبي ﷺ كانوا قد اعتمروا قبل ذلك، ومع هذا فأمرهم بالتمتع، لم يأمرهم بالإفراد، ولأن هذا يجمع بين عمرتين وحجة وهدي، وهذا أفضل من عمرة وحجة) (٢).
واختار شيخ الإسلام: إن القران مع سوق الهدي أفضل من تمتع بلا سوق للهدي؛ لأنه فعل النبي - ﷺ - في حجة الوداع، ولم يكن الله ليختار لنبيه - ﷺ - المفضول دون الأفضل، وأما قوله - ﷺ -: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت معكم " فإنه لم يقله لأجل أن الذي فعله مفضول، بل لأن أصحابه شق عليهم أن يحلوا من إحرامهم مع بقاءه محرمًا، فكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أمروا به عن انشراح وموافقة، وقد ينتقل عن
_________________
(١) زاد المعاد (٢/ ١٩٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٦/ ٨٨).
[ ٢ / ٢٧ ]
الأفضل إلى المفضول لما فيه من الموافقة وائتلاف القلوب.
- مسألة: (وَ) صفة التمتع: (هُوَ) ما اجتمعت فيه أربعة شروط:
١ - (أنْ يُحرِمَ بِعُمْرَةٍ)؛ ليجمع بين النسكين في سفرة واحدة.
٢ - أن يكون إحرامه (فِي أَشْهُرِ الحَجِّ)، فلو أحرم قبل أشهر الحج، ثم اعتمر فيها لم يكن متمتعًا؛ لما صح عن جابر ﵁: أنه سئل عن المرأة تجعل عليها عمرة في شهر مسمى، ثم يخلو إلا ليلة واحدة، ثم تحيض، قال: " لِتَخْرُجْ، ثُمَّ لتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لتَنْتَظِرْ حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ لتَطُفْ بِالكَعْبَةِ، ثُمَّ لتُصَلِّ" [البيهقي ٢٠١٤٥].
قال الإمام أحمد: (فجعل عمرتها في الشهر الذي أهلت فيه، لا في الشهر الذي حلت فيه).
٣ - (وَ) أن (يَفْرُغَ مِنْهَا) أي: يتحلل؛ لأنه لو أحرم بالحج قبل التحلل من العمرة لأصبح قارنًا.
٤ - (ثُمَّ) يحرم (بِهِ) أي: بالحج (فِي عَامِهِ)؛ لقوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج)، وهذا يقتضي الموالاة بينهما؛ ولأنه إذا اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج من عامه فليس بمتمتع، فهذا أولى؛ لأن التباعد بينهما أكثر.
[ ٢ / ٢٨ ]
ويدل لذلك: قول عمر ﵁: «إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٣٠٠٦]، ونحوه عن ابن عمر ﵄ [الموطأ ١/ ٣٤٤].
- مسألة: (ثُمَّ) يلي التمتع في الأفضلية (الإِفْرَادُ)؛ لما سبق، (وَهُوَ) أي: الإفراد: (أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ) فقط مفردًا، (ثُمَّ) يحرم (بِعُمْرَةٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ)، أي: من الحج، وهذا إن كان وجوب العمرة باقيًا عليه، بأن لم يكن أتى بها من قبل، وإلا فليست العمرة قيدًا في الإفراد.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا تشرع العمرة بعد الحج؛ لأن الذين حجوا مع النبي ﷺ ليس فيهم من اعتمر بعد الحج إلا عائشة، ولا كان هذا من فعل الخلفاء الراشدين، ولو لم يعتمر من قبل؛ لأنه لايرى وجوب العمرة كما تقدم.
- مسألة: (وَالقِرَانُ) له ثلاث صور:
١ - (أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا) أي: الحج والعمرة (مَعًا)؛ لحديث عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» [البخاري ١٥٣٤].
٢ - (أَوْ) يحرم (بِهَا) أي: بالعمرة، (ثُمَّ يُدْخِلَهُ) أي: يدخل الحج (عَلَيْهَا) أي: على العمرة، ويصير قارنًا، قال شيخ الإسلام: (جاز بلا
[ ٢ / ٢٩ ]
نزاع)، وظاهر كلامهم: يصح في حال العذر وغيره؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» [البخاري ١٥٥٦، ومسلم ١٢١١]، وأما في حال العذر فمن باب أولى، ويأتي.
- فرع: يشترط في إدخال الحج على العمرة أن يكون ذلك (قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي طَوَافِهَا)، فإن شرع في طواف العمرة لم يصح إدخال الحج عليها؛ لأنه شرع في التحلل من العمرة، إلا لمن معه الهدي، فيصح الإدخال ولو بعد السعي؛ لأنه لا يجوز له التحلل حتى يبلغ الهدي محله، ويأتي في باب دخول مكة.
٣ - أن يحرم بالحج ثم يدخل عليه العمرة ليصير قارنًا: لم يجز، واختاره شيخ الإسلام؛ لأنه لم يرد به أثرٌ، ولم يستفد به فائدة، بخلاف ما سبق، ولم يصر قارنًا؛ لأنه لا يلزمه بالإحرام الثاني شيء.
- مسألة: (وَ) يجب (عَلَى كُلٍّ مِنْ مُتَمَتِّعٍ وَقَارِنٍ إِذَا كَانَ أُفُقِيًّا) أي: لم يكن من حاضري المسجد الحرام: (دَمُ نُسُكٍ بِشَرْطِهِ)، اتفاقًا في الجملة.
أولًا: المتمتع: فيجب عليه دم إجماعًا؛ لقوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) [البقرة: ١٩٦]، ويجب دم التمتع بسبعة شروط:
ثلاثة منها هي شروط التمتع السابقة، وهي أيضًا شروط لدم التمتع، وهي:
[ ٢ / ٣٠ ]
الشرط الأول: أن يعتمر في أشهر الحج.
الشرط الثاني: أن يحل من العمرة قبل إحرامه بالحج.
الشرط الثالث: أن يحج من عامه.
الشرط الرابع: ألا يكون المتمتع من حاضري المسجد الحرام، فإن كان من حاضري المسجد الحرام وتمتع؛ صح تمتعه، ولم يلزمه دم التمتع؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ عائد إلى الهدي، فدل على صحة تمتعه، وعدم وجوب الهدي عليه.
- فرع: حاضرو المسجد الحرام: هم أهل مكة، وأهل الحرم، ومن كان من الحرم دون مسافة القصر؛ لأن حاضر الشيء من حلَّ فيه أو قرب منه وجاوره، بدليل أن الشارع جعل المقيم من كان دون مسافة القصر، وذلك بنفي رخص السفر عنه.
واختار ابن عثيمين: أنهم أهل مكة وأهل الحرم، أي: من كان من أهل مكة ولو كان في الحل، أو من كان في الحرم ولو كان خارج مكة؛ لأن المراد بالمسجد الحرام في الآية مسجد الكعبة، وأهله هم المقيمون عنده القريبون منه.
الشرط الخامس: ألا يسافر بين الحج والعمرة مسافة قصر فأكثر، فإن فعل بأن سافر مسافة قصر فأكثر، فأحرم بالحج فهو متمتع، لكن لا يلزمه دم
[ ٢ / ٣١ ]
التمتع؛ لما سبق من قول عمر ﵁: «إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ»؛ ولأنه إذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزمه الإحرام منه، فإذا كان بعيدًا فقد أنشأ سفرًا بعيدًا لحجه، فلم يترفَّه بترك أحد السفرين، فلم يلزمه دم.
واختار ابن قدامة: أن هذا شرط للتمتع، فمن سافر مسافة قصر لم يكن متمتعًا؛ لأثر عمر السابق.
واختار ابن عثيمين: أنه إن سافر إلى أهله ثم عاد فأحرم بالحج، فإنه يسقط عنه الهدي، ويكون مفردًا لا متمتعًا؛ لأنه أنشأ سفرًا جديدًا وانتهت أحكام السفر الأول، فلم يتمتع بجمع النسكين بسفرة واحدة، وإن سافر إلى غير أهله فلا يسقط التمتع ولا الهدي؛ لقول عمر ﵁: «إذَا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَإِذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا» [المحلى لابن حزم ٥/ ١٦٣]، فاعتبر الرجوع إلى الأهل.
الشرط السادس: أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده، أو من مسافة قصر فأكثر من مكة، فلو أحرم من دون مسافة قصر من مكة لم يكن عليه دم تمتع؛ لأنه من حاضري المسجد الحرام، وإنما يكون عليه دم مجاوزة الميقات بغير إحرام.
وعنه، واختاره ابن قدامة: أن هذا ليس بشرط، فيلزمه دم التمتع؛ لأنا نسمي المكي متمتعًا ولو لم يسافر، فلو أحرم للعمرة من دون الميقات لزمه
[ ٢ / ٣٢ ]
دمان، دمٌ للمتعة، ودمٌ لإحرامه دون الميقات.
الشرط السابع: أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها؛ لظاهر الآية.
واختار ابن قدامة: أن هذا ليس بشرط، فيلزمه دم التمتع؛ لأن النبي ﷺ أمر كل من لم يَسُقِ الهدي من المفردين والقارنين أن يحلوا، وأن يجعلوا إحرامهم عمرةً، فيكونوا متمتعين، وهم لم ينووا التمتع في ابتداء العمرة قطعًا؛ ولأنه قد حصل له الترفه بترك أحد السفرين، فلزمه دم.
ثانيًا: القارن: فيجب عليه دم اتفاقًا؛ لقوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) [البقرة: ١٩٦]، والقران داخل في مسمى التمتع؛ لأنه ترفه بسقوط أحد السفرين كالمتمتع، ولحديث جابر ﵁: «ذَبَحَ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ» [مسلم ١٣١٩]، وكانت قارنة.
ويجب دم القران بشرط: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام؛ قال تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام).
- مسألة: (وَإِنْ حَاضَتْ مُتَمَتِّعَةٌ) قبل طواف العمرة، أو حصل للحاج عارض، (فَخَشِيَتْ) الحائض، أو خشي غيرها (فَوَاتَ الحَجِّ: أَحْرَمَتْ بِهِ) وجوبًا (وَصَارَتْ قَارِنَةً)؛ لحديث جابر ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂، فوجدها تبكي، فقال: «مَا شَأْنُكِ؟»، قالت: شأني أني قد
[ ٢ / ٣٣ ]
حضت، وقد حلَّ الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن! فقال: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالحَجِّ» [مسلم ١٢١٣]؛ ولأن إدخال الحج على العمرة يجوز من غير خشية الفوات فمعها أولى؛ لكونها ممنوعة من دخول المسجد.
- مسألة: (وَتُسَنُّ التَّلْبِيَةُ)؛ لحديث أنس ﵁ قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُلَبِّي بِالحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا» [البخاري ٤٣٥٣، ومسلم ١٢٣٢]، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يُهِلُّ ملبِّدًا يقول: «لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ» [البخاري ٥٩١٥، ومسلم ١١٨٤].
- فرع: يسن رفع الصوت بالتلبية؛ لحديث أنس ﵁: «وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا» [البخاري ١٥٤٨].
- فرع: التلبية لها وقتان:
الأول: وقت مطلق: تستحب التلبية في جميع الأوقات، ويسن الإكثار منها؛ لحديث سهل بن سعد ﵁: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا» [الترمذي ٨٢٨، وابن ماجه ٢٩٢١].
(وَ) الثاني: وقت مقيد فـ (تَتَأَكَّد) التلبية في عشرة مواضع:
[ ٢ / ٣٤ ]
١ - (إِذَا عَلَا نَشَزًا)، وهو المرتفع، باتفاق الأئمة.
٢ - (أَوْ هَبَطَ وَادِيًا)، باتفاق الأئمة.
٣ - (أَوْ صَلَّى مَكْتُوبَةً)، أي: في أدبارها، باتفاق الأئمة، ولو في غير جماعة.
٤ - (أَوْ أَقْبَلَ لَيْلٌ، أَوْ) أقبل (نَهَارٌ).
٥ - وقت السحر.
لحديث جابر ﵁ قال: «كَانَ رَسُول الله ﷺ يُلَبِّي إِذا لَقِي ركبًا، أَوْ صَعِدَ أَكَمَةً، أَوْ هَبَط وَادِيًا، وَفِي أدْبَارِ المَكْتُوباتِ، وَمِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» [عزاه في البدر المنير إلى فوائد ابن ناجية، وضعفه ٦/ ١٥١].
٦ - (أَوِ الْتَقَتِ الرِّفَاقُ)، باتفاق الأئمة.
والدليل لما سبق: قال خَيثمة بن أبي سَبْرة -من التابعين-: «كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ سِتٍّ: دُبُرَ الصَّلَاةِ، وَإِذَا اسْتَقَلَّتْ بِالرَّجُلِ رَاحِلَتُهُ، وَإِذَا صَعِدَ شَرَفًا، وَإِذَا هَبَطَ وَادِيًا، وَإِذَا لَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» [مصنف ابن أبي شيبة ١٢٧٥٠]، ونحوه عن إبراهيم النخعي [مصنف ابن أبي شيبة ١٢٧٤٨].
٧ - (أَوْ رَكِبَ) دابته، (أَوْ نَزَلَ) منها؛ لأن ابن عمر ﵄: «كَانَ يُلَبِّي رَاكِبًا وَنَازِلًا وَمُضْطَجِعًا» [البيهقي ٩٠٢٣]،
[ ٢ / ٣٥ ]
٨ - (أَوْ سَمِعَ مُلَبِّيًا) آخر؛ لأنه كالمذكِّر له.
٩ - (أَوْ رَأَى البَيْتَ)؛ لأنه موضع النسك.
١٠ - (أَوْ فَعَلَ مَحْظُورًا نَاسِيًا) ثم ذكره؛ لاستشعار كونه في الحج، ورجوعه إليه.
وقال شيخ الإسلام: (يستحب الإكثار منها -أي: التلبية- عند اختلاف الأحوال، مثل: أدبار الصلوات، ومثل ما إذا صعد نشزًا، أو هبط واديًا، أو سمع ملبيًا، أو أقبل الليل والنهار، أو التقت الرفاق، وكذلك إذا فعل ما نهي عنه).
- فرع: تستحب التلبية في مكة، والبيت الحرام، وسائر مساجد الحرم، كمسجد منًى، وفي عرفات، وسائر بقاع الحرم؛ لعموم ما سبق، ولأنها مواضع النسك.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يلبي عند وقوفه بعرفة ومزدلفة؛ لعدم نقله.
- مسألة: (وَكُرِهَ إِحْرَامٌ قَبْلَ) الـ (مِيقَاتِ) المكاني، ولا يحرُمُ؛ لقول الحسن: إن عمران بن الحصين ﵁ أحرم من البصرة، فلما قدم على عمر ﵁وقد كان بلغه ذلك- أغلظ له، وقال: «يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٢٦٩٧،
[ ٢ / ٣٦ ]
وقال الحافظ بعد ذكر طرقه: وهذه أسانيد يقوي بعضها بعضًا]، فدل ذلك على كراهيته.
فإن فعل وأحرم قبله فقد انعقد إحرامه إجماعًا، وقد روي الإحرام قبل الميقات المكاني عن علي، وعثمان، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وعائشة ﵃ [المحلى لابن حزم ٥/ ٥٨].
- مسألة: (وَ) يكره إحرام (بِحَجٍّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ)، ولا يحرم، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول ابن عباس ﵄: «مِنَ السُّنَّةِ: أَلَّا يُحْرِمَ بِالحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ» [البخاري معلقًا مجزومًا ٢/ ١٤١، ووصله ابن خزيمة ٢٥٩٦]، ولأنه أحرم بالعبادة قبل وقتها، فأشبه ما لو أحرم قبل الميقات المكاني.
- فرع: فإن فعل وأحرم: انعقد إحرامه بالحج؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية البقرة: ١٨٩، فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج، وقياسًا على الإحرام قبل الميقات المكاني.
وقيل، واختاره ابن عثيمين: ينعقد إحرامه وينقلب عمرة؛ لأثر ابن عباس السابق، ولقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [الآية البقرة: ١٩٧]، وانقلابه إلى عمرة؛ لأنها حج أصغر.
وأما قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [الآية البقرة: ١٨٩]، فالهلال يكون وقتًا للشيء إذا اختلف حكمه به وجودًا وعدمًا، ولو كان جميع العام وقتًا للحج لم تكن الأهلة ميقاتًا للحج، كما لم تكن ميقاتًا للعمرة، بل الآية دالة على أن الحج مؤقت بجنس الأهلة، والجنس يحصل بهلالين أو ثلاثة.
[ ٢ / ٣٧ ]