مأخوذ من الضمن، فذمة الضامن في ضمن ذمة المضمون عنه.
وشرعًا: التزام من يصح تبرعه ما وجب أو ما يجب على غيره، مع بقائه على الغير.
وهو ثابت بالإجماع، وسنده قوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) [يوسف: ٧٢]، قال ابن عباس ﵄: «الزَّعِيمُ: الكَفِيلُ» [تفسير الطبري ١٣/ ٢٥٣]، ولحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» [أحمد ٢٢٢٩٥، وأبو داود ٣٥٦٥، والترمذي ١٢٦٥، وابن ماجه ٢٤٠٥].
- مسألة: (وَيَصِحُّ ضَمَانُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) وهو الحر المكلف الرشيد؛ لأنه إيجاب مال، فلا يصح من:
- صغير، ولا سفيه؛ لأنه إيجاب مال فلم يصح منهما؛ كالبيع والشراء.
- قنٍّ ومكاتَب؛ لأنه تبرع، إلا بإذن سيدهما؛ كما لو أذن لهما في التصرف؛ لأن الحجر عليهما لحقِّه، فإذا أذن انفك.
- مسألة: يصح ضمان في (مَا وَجَبَ) على الغير؛ كقرض وثمن مبيع؛ لما تقدم من أدلة مشروعية الضمان، (أَوْ) ما (سَيَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ)، بأن يضمن ما
[ ٢ / ٣٠١ ]
سوف يداينه زيد لعمرو ونحوه؛ لقوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم)، فدلت على ضمان حمل البعير، مع أنه لم يجب.
فيصح ضمانهما مع بقائهما على المضمون عنه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» [أحمد ١٠٥٩٩، والترمذي ١٠٧٨، وابن ماجه ٢٤١٣].
- مسألة: (لَا) يصح ضمان (الأَمَانَاتِ) كوديعة، وعين مؤجرة، ومال شركة؛ لأنها غير مضمونة على صاحب اليد فكذا ضامنه، (بَلْ) يصح ضمان (التَّعَدِّي فِيهَا)، أي: الأمانات؛ لأنها حينئذ تكون مضمونة على من هي بيده؛ كالمغصوب.
- مسألة: (وَلَا) يصح ضمان (جِزْيَةٍ)، بعد وجوبها ولا قبله، من مسلم أو كافر؛ لفوات الصَّغار إذا استوفيت من الضامن.
- مسألة: (وَشُرِطَ) لصحة الضمان: (رِضَا ضَامِنٍ فَقَطْ)؛ لأن الضمان تبرع بالتزام الحق، فاعتبر له الرضا؛ كالتبرع بالأعيان.
ولا يعتبر لصحة الضمان رضا المضمون له؛ لحديث سلمة بن الأكوع ﵁: أن النبي ﷺ أُتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟»، قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أُتي بجنازة أخرى، فقال: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟»، قالوا: نعم، قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، قال أبو قتادة: عليَّ دينه يا رسول
[ ٢ / ٣٠٢ ]
الله، فصلى عليه. [البخاري ٢٢٩٥]، فضمن أبو قتادة الميت بغير رضا المضمون له، وأقره النبي ﷺ عليه.
ولا يعتبر رضا المضمون عنه، قال في المبدع: (بغير خلاف نعلمه)؛ لحديث أبي قتادة ﵁ السابق في ضمانه عن الميت؛ ولأنه لو قُضي الدين عنه بغير إذنه ورضاه صح، فكذا إذا ضمن عنه.
- مسألة: (وَلِرَبِّ حَقٍّ) أي: للمضمون (مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) أي: من الضامن أو من المضمون عنه، وله مطالبتهما معًا، في الحياة والموت، سواء كان المضمون عنه مليئًا باذلًا أم لا؛ لأن الحق ثابت في ذمتهما، فملك مطالبه من شاء منهما؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ».
- مسألة: إن برئت ذمة المضمون عنه من الدين بإبراء أو قضاء أو حوالة ونحوها؛ برئت ذمة الضامن، قال في الشرح: (لا نعلم فيه خلافًا)؛ لأنه تَبَع له، لا عكسه، فلا يبرأ المضمون ببراءة الضامن؛ لأن الأصل لا يبرأ ببراءة التبع.
واختار السعدي وقواه ابن القيم: ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذر عليه مطالبة المضمون عنه؛ لأن الضامن فرع، والمضمون عنه أصل، وقاعدة الشريعة أن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول؛ كالتراب في الطهارة والصوم في كفارة اليمين، وأما حديث: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» فلا عموم
[ ٢ / ٣٠٣ ]
له، ولا يدل على أنه غارم في جميع الأحوال، ولهذا لو أدى الأصيل لم يكن غارمًا.