سميت بذلك: لجمعها الخلقَ الكثير، وقيل غير ذلك، قال شيخ الإسلام: (يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام).
- مسألة: صلاة الجمعة فرض عين بالإجماع؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله) [الجمعة: ٩]، ولحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ» [مسلم ٦٥٢].
- مسألة: (تَلْزَمُ) صلاةُ (الجُمُعَةِ كُلَّ):
١ - (مُسْلِمٍ)، فلا تجب على كافر وجوبَ أداء بلا خلاف؛ لحديث ابن عباس ﵄: لما بعث رسول الله ﷺ معاذًا إلى اليمن قال له: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» [البخاري ١٣٩٥، ومسلم ٢٩]، فأمرهم بأداء الصلاة بعد الإسلام، لا قبله.
لكن الكافر يتوجه إليه خطاب وجوب التكليف؛ لأن الكفار مخاطبون
[ ١ / ٣٥٨ ]
بفروع الشريعة.
٢ - (مُكَلَّفٍ)، وهو البالغ العاقل؛ فلا تجب على مجنون، ولا على صبي؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أحمد ٢٤٦٩٤، وأبو داود ٤٤٠٣، والنسائي ٣٤٣٢، وابن ماجه ٢٠٤١].
٣ - (ذَكَرٍ)، فلا تجب على المرأة؛ لحديث طارق بن شهاب ﵁ مرفوعًا: «الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» [أبو داود ١٠٦٧]، وذكره ابن المنذر إجماعًا، ولأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال.
٤ - (حُرٍّ)، فلا تجب على العبد، وفاقًا للثلاثة؛ لحديث طارق بن شهاب السابق، ولأن العبد مملوكُ المنفعة، محبوس على سيده، أشبه المحبوس بالدَّين.
٥ - (مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ) معتاد، من حجر أو قصب ونحوه، لا يرتحل عنه شتاء ولا صيفًا، سواء بعد أم قرب، سمع النداء أم لم يسمع؛ لأن المدينة كانت محالًّا متباعدة، لكل بطن من الأنصار محل، ومع ذلك وجبت عليهم الجمعة.
فلا تجب الجمعة على من فقد هذا الشرط، وهم:
[ ١ / ٣٥٩ ]
الأول: غيرُ المستوطن، وهو المسافر، وهو على ثلاثة أقسام:
١ - تجب عليه بنفسه -وهو من تنعقد به، ويؤم فيها-، وذلك إذا نوى الاستيطان.
٢ - تجب عليه بغيره -وهو من لا تنعقد به، ولا يصح أن يؤم فيها-، وذلك في ثلاث حالات: أن ينوي إقامة تمنعه القصر، أو كان سفره سفر معصية؛ لئلا تكون معصيته سببًا للتخفيف عنه، أو كان سفره فوق فرسخ ودون المسافة؛ لعموم الأخبار في وجوب الجمعة.
٣ - ألا تجب عليه بنفسه ولا بغيره، وهو المسافر سفر قصر مباح، ولم ينو الإقامة ولا الاستيطان؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصلِّ أحد منهم الجمعة في السفر مع اجتماع الخلق الكثير.
الثاني: المستوطن بغير بناء، كأهل الخيام وبيوت الشعر؛ لأن الأعراب كانوا حول المدينة، وكانوا لا يصلون الجمعة، ولا أمرهم النبي ﷺ بها.
واختار شيخ الإسلام: (أنه تجب عليهم إذا كان مبنيًّا بما جرت به عادتهم؛ من مدر، أو خشب، أو قصب، أو جريد، أو سعف، أو غير ذلك؛ لأن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك) (١)، ويدل لذلك: أن
_________________
(١) وقال في موضع آخر: (يشترط مع إقامتهم في الخيام ونحوها أن يكونوا يزرعون كما يزرع أهل القرية) [الاختيارات الفقهية ص ٤٣٩].
[ ١ / ٣٦٠ ]
أبا هريرة كتب إلى عمر ﵄ يسأله عن الجمعة وهو بالبحرين؟ فكتب إليهم: «أَنِ اجْمَعُوا حَيْثُمَا كُنْتُمْ» [معرفة السنن للبيهقي ٦٣٣٤]، ولم يشترط بناءً مخصوصًا، قال الشافعي: (معناه: في أي قرية كنتم؛ لأن مقامهم في البحرين إنما يكون في القرى).
الثالث: المستوطن ببناء خارج المصر، ولا يخلو ذلك من أمرين:
١ - أن يكون بينه وبين منارة مسجد المصر فوق الفرسخ: فلا تجب عليه؛ لأنه ليس من أهلها، ولا يسمع النداء.
٢ - أن يكون بينه وبين منارة مسجد المصر فرسخٍ فما دون: فتجب عليه بغيره؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» [أبو داود ١٠٥٦]، ومَظِنَّة سماع النداء تكون من فرسخٍ فأقلَّ، و«كان أنسٌ ﵁، في قصْره أحيانًا يُجَمِّع، وأحيانًا لا يُجَمِّعُ، وهو بالزَّاوِيَة على فَرسخين» [البخاري معلقًا مجزومًا ٢/ ٦، ووصله ابن أبي شيبة ٥٠٧٦].
وعنه: المعتبر لمن كان خارج البلد إمكانُ سماع النداء؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله) [الجمعة: ٩]، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قال: نعم، قال: «فَأَجِبْ» [مسلم ٦٥٣]، ولحديث عبد الله بن عمرو السابق.
- فرع: الفرسخ = ثلاثة أميال، والميل = ما يقرب من ألف وستمائة
[ ١ / ٣٦١ ]
متر، فيكون الفرسخ قريبًا من خمسة كيلو.
- مسألة: (وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ) قبل صلاة الإمام الجمعة فلا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون (مِمَّنْ) يجب (عَلَيْهِ) حضور (الجُمُعَةِ): فإن صلى (قَبْلَ) صلاة (الإِمَامِ) أي: قبل أن تقام الجمعة، أو قبل فراغ ما تدرك به الجمعة، (لَمْ تَصِحَّ) صلاته؛ لأنه صلى ما لم يخاطب به، وترك ما خوطب به، كما لو صلى العصر بدل الظهر، فإن صلى بعد فراغ الإمام من الصلاة، أو مما تدرك به الجمعة صَحَّتْ صلاته ظهرًا.
- فرع: يستثنى من ذلك ما لو أخَّر الإمام الجمعة تأخيرًا منكرًا، فلغيره أن يصلي ظهرًا وتجزئه عن فرضه؛ لحديث أبي ذر ﵁ مرفوعًا: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ، فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» [مسلم ٦٤٨].
الثاني: أن يكون ممن لا يجب عليه حضور الجمعة: وأشار إليه بقوله: (وإِلاّ) يجب عليه حضور الجمعة، كالعبد والمسافر والمرأة: فإن صَلَّوْا قبل تجميع الإمام (صَحّتْ) ظُهرهم؛ لأنهم أدَّوْا فرض الوقت، (وَالْأَفْضَلُ) لهم تأخير الصلاة (بَعْدَهُ) أي: بعد تجميع الإمام؛ خروجًا من الخلاف، ولأنه
[ ١ / ٣٦٢ ]
ربما زال عذره فتلزمه الجمعة.
- فرع: يستثنى من أفضلية التأخير: من دام عذره؛ كامرأة ومريض لا يرجى برؤه، فالتقديم في حقهما أفضل؛ إدراكًا لفضيلة أول الوقت، إلا في شدة الحر، على ما سبق في مواقيت الصلاة.
- مسألة: سفر من تلزمه الجمعة في يومها لا يخلو من حالين:
١ - أن يكون السفر بعد الزوال: وأشار إليه بقوله: (وَحَرُمَ سَفَرُ مَنْ تَلْزَمُهُ) أي: الجمعةُ (بَعْدَ الزَّوَالِ) حتى يصلِّيَها؛ لتركها بعد وجوبها عليه، إلا في حالتين:
أأن يأتي بها في طريقه.
ب إذا كان له عذر يبيح له ترك الجمعة، كخوف فوت رفقته بسفر مباح.
٢ - أن يكون السفر قبل الزوال، وأشار إليه بقوله: (وَكُرِهَ قَبْلَهُ) أي: قبل الزوال؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إقَامَةٍ يَوْمَ الجُمُعَةِ دَعَتْ عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ، لَا يُصْحَبُ فِي سَفَرِهِ، وَلَا يُعَانُ عَلَى حَاجَتِهِ» [عزاه الحافظ للدارقطني في الأفراد، وفيه ابن لهيعة]، وخروجًا من الخلاف، (مَا لَمْ يَأْتِ بِهَا) أي: الجمعة (فِي طَرِيقِهِ، أَوْ يَخَفْ فَوْتَ رُفْقَةٍ)؛ كما تقدم.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وقال في الفروع: (وظاهر كلام جماعة: لا يكره)؛ لقول عمر ﵁: «إِنَّ الجُمُعَةَ لَا تَمْنَعُكَ السَّفَرَ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُهَا» [عبد الرزاق ٥٥٣٦].