ويسقطانِ بكافرٍ وغيرِه، كتكفينِه؛ لعدمِ اعتبارِ النيةِ.
(يُسَنُّ التَّرْبِيعُ فِي حَمْلِهِ)؛ لما روى سعيدٌ وابنُ ماجه عن أبي عُبيدةَ بنِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ عن أبيه قال: «مَنِ اتَّبَعَ جنَازَةً فَلْيَحْمِلْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهَا؛ فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ إنْ شَاءَ فَلْيَطَّوَّعْ، وَإِنْ شَاءَ فَلْيَدَعْ»، إسناده ثقاتٌ، إلا أنَّ أبا عُبيدةَ لم يسمعْ من أبيه (١)، لكنْ
_________________
(١) لم نجده في المطبوع من سنن سعيد بن منصور، ورواه ابن ماجه (١٤٧٨)، قال البوصيري: (هذا إسناد موقوف رجاله ثقات، وحكمه الرفع، إلا أنه منقطع، فإن أبا عبيدة واسمه عامر، وقيل: اسمه كنيته، لم يسمع من أبيه شيئًا، قاله أبو حاتم، وأبو زرعة، وعمرو بن مرة وغيرهم)، وبذلك ضعّفه ابن حزم، والنووي، والألباني. وأبو عبيدة وإن كان لم يسمع من أبيه، فقد صرّح جمع من الحفاظ بصحّة روايته عنه، وذلك أن الواسطة بينه وبين أبيه ثقة، قال يعقوب بن شيبة: (إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند، يعني في الحديث المتصل، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر)، وقال ابن رجب: (وأبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه، إلا أن أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه، قاله ابن المدني وغيره)، وبنحوه قال شيخ الإسلام ابن تيمية. ينظر: مصباح الزجاجة ٢/ ٢٨، المحلى ٣/ ٣٩٧، خلاصة الأحكام ٢/ ٩٩٥، مجموع الفتاوى ٦/ ٤٠٤، شرح علل الترمذي ١/ ٥٤٤، فتح الباري لابن رجب ٧/ ٣٤٢، السلسلة الضعيفة ١٠/ ٢٣.
[ ١ / ٤٨٩ ]
كَرِهَه الآجرِّي وغيرُه إذا ازدحموا عليها (١)، فيُسنُّ أن يحمِلَه أربعةٌ.
والتَّربِيعُ: أنْ يضعَ قائمةَ السريرِ اليسرى المقدَّمةِ على كتِفِه اليمنى (٢)، ثم ينتقلُ إلى المؤخرة، ثم يضعُ قائمتَه اليمنى المقدَّمةَ على كتِفِه اليسرى، ثم ينتقلُ إلى المؤخرةِ.
(وَيُبَاحُ) أنْ يحمِلَ كلَّ واحدٍ على عاتِقِه (بَيْنَ العَمُودَيْنِ)؛ «لِأَنَّهُ ﵇ حَمَلَ جَنَازَةَ سَعْدِ بنِ مُعَاذ بَيْنَ العَمُودَيْنِ» (٣).
وإنْ كان الميتُ طفلًا فلا بأس بحَمْلِه على الأَيْدِي.
ويستحبُ أن يكونَ على نعشٍ.
_________________
(١) ينظر: الفروع ٣/ ٣٦٤.
(٢) في (أ) و(ب) و(ع) و(ق): الأيمن.
(٣) رواه ابن سعد (٣/ ٤٣١)، عن شيوخ من بني عبد الأشهل به، وفيه أيضًا: محمد بن عمر الواقدي، وهو متروك، وضعّف إسناده النووي. ينظر: الخلاصة ٢/ ٩٩٤.
[ ١ / ٤٩٠ ]
فإن كانت امرأةً استُحِبَّ تغطيةُ نعشِها بمِكَبَّة (١)؛ لأنَّه أسترُ لها، ويُروى أنَّ فاطمةَ صُنِعَ لها ذلك بأمْرِها (٢)، ويُجعَلُ فوقَ المكَبَّةِ ثوبٌ.
وكذا إنْ كان بالميت حَدَبٌ ونحوُه.
وكُرِهَ تغطيتُه بغيرِ أبيضَ.
ولا بأس بِحَمْلِهِ على دابةٍ لغَرَضٍ صحيحٍ، كبُعْدِ قبرِه.
(وَيُسَنُّ الإِسْرَاعُ بِهَا) دونَ الخَبَب (٣)؛ لقولِه ﵇: «أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ
_________________
(١) : مكبة: تعمل من خشب أو جريد أو قصب، مثل القبة فوقها ثوب. ينظر: الإقناع (١/ ٢٢٩).
(٢) رواه ابن سعد (٨/ ٢٨)، والحاكم (٤٧٦٣)، عن ابن عباس قال: «فاطمة أول من جعل لها النعش عملته لها أسماء بنت عميس، وكانت قد رأته يصنع بأرض الحبشة»، وفي إسناده الواقدي، وهو متروك. ينظر: تقريب التهذيب ص ٤٩٨. ورواه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٦٤٧)، من طريق عون بن محمد بن علي، عن أُمِّه أم جعفر ابنة محمد بن جعفر بن أبي طالب، عن أسماء بنت عميس، ورواه البيهقي (٦٩٣٠)، عن أم جعفر: أن فاطمة قالت لأسماء ..، وذكره. وعون بن محمد أورده ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأُمُّه أم جعفر مقبولة، فالحديث لا يصح. ينظر: الجرح والتعديل ٦/ ٣٨٦، تقريب التهذيب ص ٧٥٧.
(٣) قال في لسان العرب (١/ ٣٤١): (الخَبَب: ضرب من العَدْو؛ وقيل: هو مثل الرَّمَل).
[ ١ / ٤٩١ ]
فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» متفقٌ عليه (١).
(وَ) يُسَنُّ (كَوْنُ المُشَاةِ أَمَامَهَا)؛ قال ابنُ المنذر: «ثَبَتَ أنَّ النَّبي ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الجَنَازَةِ» (٢)،
(وَ) كونُ
_________________
(١) رواه البخاري (١٣١٥)، ومسلم (٩٤٤)، من حديث أبي هريرة.
(٢) رواه أحمد (٤٥٣٩)، وأبو داود (٣١٧٩)، والترمذي (١٠٠٧)، والنسائي (١٩٤٤)، وابن ماجه (١٤٨٢)، من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: «رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة»، وقد اختلف الحفاظ في وصله وإرساله، فرجّح الإرسال: ابن المبارك، وأحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، والخطيب البغدادي، قال الترمذي: (وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح)، وذلك أن ابن عُيَيْنَة خالفه مالك ومعمر وغيرهما، فرووه مرسلًا، قال ابن المبارك: (الحفاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان على قول أخذنا به وتركنا قول الآخر). وبيَّن النسائي وجه الوهم في رواية ابن عيينة، فقال: (وإنما أتى هذا عندي - والله أعلم- لأن هذا الحديث رواه الزهري عن سالم عن أبيه أنه كان يمشي أمام الجنازة، قال: وكان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، وقال: كان النبي ﷺ إنما هو من قول الزهري). وصوَّب الوصل: ابن حبان، والبيهقي، وابن الجوزي، وابن القيم، والنووي، وابن دقيق العيد، وابن الملقن، والألباني، وحجتهم في ذلك من وجهين: الأولى: جزم ابن عيينة به، فقد قال ابن المديني: (قلت لسفيان: يا أبا محمد، إن معمرًا وابن جريج يخالفانك في هذا، فقال: أستيقن الزهري حدثنيه، سمعته من فيه يعيده ويبديه عن سالم، عن أبيه)، وأجاب عن ذلك ابن حجر، فقال: (لا ينفي عنه الوهم، فإنه ضابط؛ لأنه سمعه منه عن سالم عن أبيه، والأمر كذلك، إلا أن فيه إدراجًا، لعل الزهري أدمجه إذ حدث به ابن عيينة وفصله لغيره). والثانية: أن جماعةً تابعوا ابن عيينة في وصله، منهم منصور بن المعتمر، وزياد بن سعد، وبكر بن وائل وغيرهم، مما يدل على عدم وهمه فيه. وأجيب عن ذلك: أن الحفاظ لم يعتبروا تلك المتابعات، ولذا قال النسائي بعد ذكر المتابعات: (وهذا أيضًا خطأ، والصواب مرسل). ينظر: السنن الكبرى للنسائي ٢/ ٤٣٠، العل الكبير للترمذي ١/ ١٤٤، صحيح ابن حبان ٧/ ٣١٩، السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٣٦، التحقيق لابن الجوزي ٢/ ١١، خلاصة الأحكام ٢/ ٩٩٩، تهذيب السنن ٢/ ٩٥، البدر المنير ٥/ ٢٢٥، التلخيص الحبير ٢/ ٢٦١، الإرواء ٣/ ١٨٦.
[ ١ / ٤٩٢ ]
(الرُّكْبَانِ خَلْفَهَا)؛ لما روى الترمذي وصحَّحه عن المغيرةِ بنِ شعبةَ مرفوعًا: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الجَنَازَةِ» (١).
وكُرِه ركوبٌ لغيرِ حاجةٍ وعَوْدٍ.
(وَيُكْرَهُ جُلُوسُ تَابِعِهَا حَتَّى تُوضَعَ) بالأرضِ للدفنِ، إلا لمن بَعُدَ؛ لقولِه ﵇: «مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى تُوضَعَ» متفقٌ عليه عن أبي سعيد (٢).
وكُرِه قيامٌ لها إن جاءت أو مرت به وهو جالسٌ، ورَفْعُ الصوتِ معها ولو بقراءةٍ، وأنْ تَتْبعَها امرأةٌ.
وحَرُم أنْ يَتْبعَها مع منكَرٍ إنْ عَجَزَ عن إزالتِه، وإلا وجبت.
(وَيُسَجَّى)، أي: يُغَطَّى ندبًا (قَبْرُ امْرَأَةٍ) وخُنثى (فَقَطْ)، ويُكرهُ لرجلٍ بلا عذرٍ؛ لقول عليٍّ وقد مرَّ بقومٍ دفنوا ميتًا، وبسطوا على
_________________
(١) رواه الترمذي (١٠٣١)، ورواه أحمد (١٨١٦٢)، وأبو داود (٣١٨٠)، والنسائي (١٩٤٢)، وابن ماجه (١٤٨١)، وتقدم الكلام عليه في صفحة الفقرة
(٢) رواه البخاري (١٣١٠)، ومسلم (٩٥٩).
[ ١ / ٤٩٣ ]
قبرِه الثوبَ فَجَذَبه، وقال: «إِنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا بِالنِّسَاءِ» رواه سعيد (١).
(وَاللَّحْدُ (٢) أَفْضَلُ مِنَ الشَّقِّ)؛ لقولِ سعدٍ: «الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا اللَّبِنَ عَلَيَّ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ» رواه مسلم (٣).
واللَّحدُ: هو أن يُحْفَرَ إذا بَلَغَ قرارَ القبرِ في حائطِ القبرِ مكانًا يَسَعُ الميتَ، وكونُه مما يَلي القبلةَ أفضلُ.
والشَّقُ: أن يُحْفَر في وسطِ القبرِ كالنهرِ ويُبنى جانباه، وهو مكروهٌ بلا عذرٍ، كإدخالِه خَشَبًا، وما مسَّته نارٌ (٤)، ودفنٍ في تابوتٍ.
وسُنَّ أنْ يُوَسَّعَ ويُعَمَّقَ قبرٌ بلا حدٍّ، ويكفي ما يمنعُ السباعَ والرائحةَ.
_________________
(١) لم نجده في المطبوع من سنن سعيد، ورواه البيهقي (٧٠٥١)، من طريق رجل من أهل الكوفة، عن علي بن أبي طالب، قال البيهقي: (وهو في معنى المنقطع؛ لجهالة الرجل من أهل الكوفة). وروى ابن أبي شيبة (١١٦٦٤)، وعبد الرزاق (٦٤٦٥)، والبيهقي (٧٠٥٠)، عن أبي إسحاق السبيعي: أنه حضر جنازة الحارث الأعور، فأبى عبد الله بن يزيد أن يبسطوا عليه ثوبًا، وقال: «إنه رجل»، قال أبو إسحاق: وكان عبد الله بن يزيد قد رأى النبي ﷺ. قال البيهقي: (هذا إسناد صحيح)، صحّحه ابن الملقن وابن حجر. ينظر: البدر المنير ٥/ ٣٠٨، التلخيص الحبير ٢/ ٣٠٠.
(٢) قال في المصباح المنير (٢/ ٥٥): (اللحد: الشق في جانب القبر، والجمع: لُحُود، مثل فَلْس وفُلُوس، واللُحد بالضم لغة، وجمعه: ألحاد، مثل قُفْل وأقْفَال).
(٣) رواه مسلم (٩٦٦).
(٤) في (ب): النار.
[ ١ / ٤٩٤ ]
ومَنْ مات في سفينةٍ ولم يُمْكِنْ دفنُه؛ أُلْقِي في البحرِ سَلًّا، كإدخالِه القبرَ (١)، بعد غسلِه وتكفينِه والصلاةِ عليه وتثقيلِه بشيءٍ.
(وَيَقُولُ مُدْخِلُهُ) ندبًا: (بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّة رَسُولِ اللهِ)؛ لأَمْرِه ﵇ بذلك، رواه أحمدُ عن ابنِ عمرَ (٢).
(وَيَضَعُهُ) ندبًا (فِي لَحْدِهِ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ)؛ لأنه يُشبِهُ النائمَ وهذه سنَّتُه (٣).
_________________
(١) في (ب): في القبر.
(٢) رواه أحمد (٤٨١٢)، ورواه أبو داود (٣٢١٣)، من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر مرفوعًا. صححه ابن حبان والحاكم، والألباني. ورجّح النسائي، والدارقطني وقفه، قال البيهقي: (يتفرد برفعه همام بن يحيى بهذا الإسناد، وهو ثقة، إلا أن شعبة وهشام الدستوائي روياه عن قتادة موقوفًا على ابن عمر). وقد ذكر الألباني وغيره متابعاتٍ لهمام وأنه لم يتفرد به، فروى ابن ماجه (١٥٥٠) من طريق ليث وحجاج عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، وليث وحجاج ضعيفان، فيظهر من كلام الأئمة عدم اعتبار متابعتهما هنا، ولذا قال الترمذي (١٠٤٦) بعد رواية حجاج: (حسن غريب من هذا الوجه). وأجاب الحاكم أيضًا بقوله: (همام بن يحيى ثبت مأمون إذا أسند مثل هذا الحديث لا يُعلَّل بأحد إذا أوقفه شعبة)، ثم ذكر له شاهدًا من حديث البياضي - وهو من الصحابة -. ينظر: السنن الكبرى للنسائي ٩/ ٣٩٩، صحيح ابن حبان ٧/ ٣٧٥، المستدرك ١/ ٥٢١، علل الدارقطني ١٢/ ٤١٠، السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٩١، المنتقى لابن الجارود ص ١٤٢، إرواء الغليل ٣/ ١٩٧.
(٣) في (ق): سنة.
[ ١ / ٤٩٥ ]
ويُقدَّمُ بدفنِ رجلٍ من يُقدَّمُ بغسلِه، وبعدَ الأجانبِ محارمُه مِن النساءِ، ثم الأجنبياتُ.
وبدفنِ (١) امرأةٍ محارمُها الرجالُ، فزوجٌ، فأجانبُ.
ويجبُ أنْ يكونَ الميتُ (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ)؛ لقولِه ﵇ في الكعبةِ: «قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» (٢).
ويَنْبغي أن يُدْنَى مِنَ الحائطِ لئلا يَنْكَبَّ على وجهِهِ، وأن يُسْنَدَ مِن ورائِه بترابٍ لئلا ينقلب، ويُجعلَ تحت رأسِه لبِنَةٌ، ويُشَرَّجَ اللحدُ باللَّبِن (٣)، ويُتعاهدَ خلالَه (٤) بالمدَرِ ونحوِه، ثم يُطَيَّنَ فوقَ ذلك، وحثوُ الترابِ عليه ثلاثًا باليدِ، ثم يُهالُ، وتلقينُه، والدعاءُ له بعد الدفنِ عند القبرِ، ورشُّه بماءٍ بعدَ وضعِ حصباءَ (٥) عليه.
(وَيُرْفَعُ القَبْرُ عَنِ الأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ)؛ «لأَنَّهُ ﵇ رُفِعَ قَبْرُه عَنِ الأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ» رواه الساجي مِنْ حديثِ جابرٍ (٦).
_________________
(١) في (أ): يدفن.
(٢) تقدم تخريجه صفحة الفقرة
(٣) قال في المطلع (١٥٢): (اللَّبِنُ: بفتح اللام وكسر الباء، ويجوز كسر اللام وسكون الباء).
(٤) في (ب): خلله.
(٥) في (أ) و(ب): بعدُ، ووضع حصباء.
(٦) رواه ابن حبان (٦٦٣٥)، والبيهقي (٦٧٣٦)، من طريق الفضيل بن سليمان، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله: «أن النبي ﷺ ألحد ونصب عليه اللبن نصبًا، ورفع قبره من الأرض نحوًا من شبر»، قال البيهقي بعده: (كذا وجدته)، ثم رواه بعده من طريق الدراوردي عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلًا، قال الألباني: (وكأن البيهقي يشير إلى ترجيح هذا المرسل، وهو الظاهر، فإن الذي وصله - وهو الفضيل بن سليمان - لا يحتج بمخالفته لمن هو أوثق منه، وهو وإن احتج به الشيخان فقد قال الحافظ في التقريب: صدوق له خطأ كثير)، وحكم عليه الذهبي وابن عبد الهادي بالانقطاع. ينظر: تنقيح التحقيق للذهبي ١/ ٣١٩، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ٢/ ٦٧٢، الإرواء ٣/ ٢٠٧.
[ ١ / ٤٩٦ ]
ويُكرهُ فوق شبرٍ.
ويكونُ القبرُ (مُسَنَّمًا)؛ لما روى البخاري عن سفيانَ التَّمَّارِ: «أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا» (١).
لكنْ مَنْ دُفِن بدارِ حربٍ لتَعَذُّرِ نَقْلِه فالأولى تسويتُه بالأرضِ وإخفاؤُه.
(وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ (٢)، وتزويقُهُ (٣)، وتحلِيَتُه، وهو بدعةٌ، (وَالبِنَاءُ) عليه، لَاصَقَه أَوْ لا؛ لقولِ جابرٍ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» رواه مسلم (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٩٠).
(٢) قال في المطلع (ص ١٥٢): (تجصيصه: بناؤه بالجص وهو ما يبنى به).
(٣) أي: تزيينه. ينظر: لسان العرب ١٠/ ١٥٠.
(٤) رواه مسلم (٩٧٠).
[ ١ / ٤٩٧ ]
(وَ) تُكرهُ (الكِتَابَةُ، وَالجُلُوسُ، وَالوَطْءُ عَلَيْهِ)؛ لما روى الترمذي وصحَّحه مِنْ حديثِ جابرٍ مرفوعًا: «نَهَى أَنْ تُجَصَّصَ القُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ» (١)، وروى مسلمٌ عن أبي هريرةَ مرفوعًا (٢): «لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ من أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» (٣).
(وَ) يُكرهَ (الاتِّكَاءُ إِلَيْهِ)؛ لما روى أحمدُ: أنَّ النَّبي ﷺ رأى عمرو بنَ حزمٍ متكئًا على قبرٍ، فقال: «لَا تُؤْذِهَ» (٤).
ودفنٌ بصحراءَ (٥) أفضلُ؛ لأنَّه ﵇ كان يدفنُ أصحابَه بالبقيعِ، سوى النَّبيِّ ﷺ، واختارَ صاحباه الدفنَ عندَه تشَرُّفًا وتَبرُّكًا، وجاءت
_________________
(١) رواه الترمذي (١٠٥٢)، وابن حبان (٣١٦٤)، والحاكم (١٣٦٩)، من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. صحّحه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والنووي، وابن الملقن، والألباني، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وقد خرج بإسناده غير الكتابة، فإنها لفظة صحيحة غريبة). ورواه مسلم أيضًا (٩٧٠)، من طريق ابن جريج به، بدون زيادة (وأن يكتب عليها). ينظر: خلاصة الأحكام ٢/ ١٠٢٦، البدر المنير ٥/ ٣٢٠، إرواء الغليل ٣/ ٢٠٧.
(٢) في (ب) بدل قوله: (عن أبي هريرة مرفوعًا): من حديث أبي هريرة.
(٣) رواه مسلم (٩٧١).
(٤) رواه أحمد (٣٩/ ٤٧٦)، من طريق زياد بن نعيم الحضرمي، عن عمرو بن حزم مرفوعًا. صحّح إسناده ابن عبد الهادي، والذهبي، وابن حجر، والألباني. ينظر: تنقيح التحقيق لابن عبدالهادي ٢/ ٦٧٦، تنقيح التحقيق للذهبي ١/ ٣٢٠، فتح الباري ٣/ ٢٢٤، السلسلة الصحيحة ٦/ ١١١٦.
(٥) في (ب): بالصحراء.
[ ١ / ٤٩٨ ]
أخبارٌ تدلُ على دفنِهِم كما وقع.
ويُكرَهُ الحديثُ في أمرِ الدنيا عند القبورِ، والمشيُ بالنعلِ فيها إلا خوفَ نجاسةٍ أو شوكٍ، وتبسُّمٌ، وضَحكٌ أشدُّ.
ويحرُمُ إسراجُها، واتخاذُ المساجدِ، والتخلِّي عليها وبينها.
(وَيَحْرُمُ فِيهِ)، أي: في قبرٍ واحدٍ (دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ) معًا، أو واحدًا بعد آخر، قبل بِلاءِ السابقِ؛ لأنَّه ﷺ كان يدفِنُ كلَّ ميتٍ في قبرٍ، وعلى هذا استمر فِعلُ الصحابةِ ومَن بعدَهم، وإن حَفَرَ فوَجَد عظامَ ميتٍ دفنَها وحَفَرَ في مكانٍ آخرَ، (إِلَّا لِضَرُورَةٍ)؛ ككثرةِ الموتى، وقِلَّةِ من يَدْفِنُهم، وخوفِ الفسادِ عليهم؛ لقولِه ﵇ يومَ أحدٍ: «ادْفِنُوا الاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» رواه النسائي (١).
ويُقدَّم الأفضلُ للقبلةِ، وتقدَّم (٢).
(وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ)؛ ليصيرَ كلُّ واحدٍ كأنَّه في قبرٍ مُنْفردٍ (٣).
_________________
(١) رواه النسائي (٢٠١٠)، ورواه أحمد (١٦٢٥١)، وأبو داود (٣٢١٥)، والترمذي (١٧١٣)، من طريق حميد بن هلال، عن هشام بن عامر قال: لما كان يوم أحد أصاب الناس جهد شديد، فقال النبي ﷺ: «احفروا وأوسعوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر»، فقالوا: يا رسول الله، فمن نقدم؟ قال: «قدموا أكثرهم قرآنا». صحّحه الترمذي، وابن الملقن، والألباني. ينظر: البدر المنير ٥/ ٢٩٥، الإرواء ٣/ ١٩٤.
(٢) انظر صفحة الفقرة
(٣) في (ب): منفردًا.
[ ١ / ٤٩٩ ]
وكُرِهَ الدَّفنُ عند طلوعِ الشمسِ، وقيامِها، وغروبِها، ويجوزُ ليلًا.
ويُستحبُ جَمْعُ الأقاربِ في بُقعةٍ؛ لتسهلَ زيارتُهُم، قريبًا من الشهداءِ والصالحين؛ لينتفعَ بمجاورتِهِم، في البقاعِ الشريفةِ.
ولو وصَّى أن يُدْفَنَ في ملكِه دُفِنَ مع المسلمين، ومَنْ سُبق إلى مُسَبَّلَةٍ قُدِّم، ثم يُقرَعُ.
وإنْ ماتت ذِمِّيَّةٌ حاملٌ بمسلمٍ (١) دَفَنَها مسلمٌ وحدَها إنْ أمْكنَ، وإلا فمعنا على جنبِها الأيسرِ وظَهرُها إلى القبلةِ.
(وَلَا تُكْرَهُ القِرَاءَةُ عَلَى القَبْرِ)؛ لما روى أنسٌ مرفوعًا قال: «مَنْ دَخَلَ المَقَابِرَ فَقَرَأَ فِيهَا (يس) خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِهِم حَسَنَاتٌ» (٢)، وصحَّ عن ابنِ عمرَ: «أَنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ البَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا» (٣)،
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ع) و(ق): من مسلم.
(٢) رواه الثعلبي في تفسيره (٨/ ١١٩)، بإسناده من طريق أحمد الرياحي، حدّثنا أيوب بن مدرك، عن أبي عبيدة، عن الحسن، عن أنس به، قال الألباني: (وهذا إسناد مظلم هالك مسلسل بالعلل)، ثم ذكر العلل، الأولى: جهالة أبي عبيدة. والثانية: أيوب بن مدرك، متفق على ضعفه وتركه، كذَّبه ابن معين. الثالثة: أحمد الرياحي، قال البيهقي: (مجهول). ينظر: السلسلة الضعيفة ٣/ ٣٩٧.
(٣) رواه يحيى بن معين في تاريخه (٥٢٣٨)، قال: حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، قال: حدثني عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج، عن أبيه، عن ابن عمر. حسّن =
[ ١ / ٥٠٠ ]
قاله في المبدع (١).
(وَأَيُّ قُرْبَةٍ) مِنْ دعاءٍ، واستغفارٍ، وصلاةٍ، وصومٍ، وحجٍ، وقراءةٍ، وغيرِ ذلك، (فَعَلَهَا) مسلمٌ (وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِمَيِّتٍ مُسْلِمٍ أَوْ حَيٍّ؛ نَفَعَهُ ذَلِكَ)، قال أحمدُ: (الميتُ يصلُ إليه كلَّ شيءٍ من الخيرِ؛ للنصوصِ الواردةِ فيه) (٢)، ذَكَرَ (٣) المجدُ وغيرُه (٤): (حتى لو أهداها للنبي ﷺ جاز، ووصل إليه الثوابُ).
(وَيُسَنُّ أَنْ يُصْلَحَ لأَهْلِ المَيِّتِ طَعَامٌ (٥) يُبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِمْ) ثلاثةَ أيامٍ؛ لقولِه ﵇: «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا
_________________
(١) = إسناده النووي، وأورده ابن تيمية وابن القيم في معرض الاستدلال، وقال يعقوب الدوري: (سألت يحيى بن معين عن القراءة عند القبر، فقال: حدثنا مبشر ) وذكره، وأورد الخلال قصةً عن الإمام أحمد تدل على استدلاله به، ذكرها عنه ابن القيم. وأعلّه الألباني بجهالة عبد الرحمن بن العلاء، قال فيه الحافظ: (مقبول)، وضعَّف أيضًا القصة المنسوبة للإمام أحمد التي ذكرها الخلال، على أن أصحاب المذهب ذكروها ولم يضعفوها، وفيما ورد عن أحمد وابن معين تقوية لعبد الرحمن بن العلاء، وقد ذكره ابن حبان - على تساهله - في كتابه الثقات. ينظر: الثقات ٧/ ٩٠، الأذكار للنووي ص ١٦٢، اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٢٦٤، الروح ص ١٠، تقريب التهذيب ص ٣٤٨، أحكام الجنائز ص ١٩٢.
(٢) (٢/ ٢٨٠).
(٣) ينظر: الوقوف والترجل من مسائل الإمام أحمد (ص ٨٥).
(٤) في (ب) و(ح) و(ع) و(ق): ذكره.
(٥) كابن عقيل في كتابه الفنون، انظر: الفروع ٣/ ٤٢٨، الإنصاف ٢/ ٥٦٠.
(٦) في (ب): طعامًا.
[ ١ / ٥٠١ ]
يَشْغَلُهُمْ» رواه الشافعي، وأحمد، والترمذي وحسَّنه (١).
(ويُكْرَهُ لَهُمْ)، أي: لأهلِ الميتِ (فِعْلُهُ)، أي: فِعْلُ الطعامِ (لِلنَّاسِ)؛ لما روى أحمد عن جريرٍ قال: «كُنَّا نُعِدُّ الاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ، وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ»، وإسناده ثقات (٢).
ويُكرهُ الذَّبحُ عند القبورِ، والأكلُ منه؛ لخبرِ أنسٍ: «لَا عَقْرَ فِي الإِسْلَامِ» رواه أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ (٣).
وفي معناه: الصدقةُ عند القبرِ، فإنه محدَثٌ، وفيه رياءٌ.
_________________
(١) رواه الشافعي (ص ٣٦١)، وأحمد (١٧٥١)، والترمذي (٩٩٨)، ورواه أبو داود (٣١٣٢)، وابن ماجه (١٦١٠)، والحاكم (١٣٧٧)، من طريق جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر به. صحّحه الترمذي، والحاكم، وابن السكن، والذهبي، وابن الملقن، وحسنه البغوي، والألباني. ينظر: شرح السنة للبغوي ٥/ ٤٦٠، البدر المنير ٥/ ٣٥٥، التلخيص الحبير ٢/ ٣١٦، أحكام الجنائز ص ١٦٨.
(٢) رواه أحمد (٦٩٠٥)، وابن ماجه (١٦١٢)، من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير. صحّحه النووي، والبوصيري، والألباني، واستدل به بن ابن تيمية. ينظر: المجموع للنووي ٥/ ٣٢٠، مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣١٦، مصباح الزجاجة ٢/ ٥٣، أحكام الجنائز ص ١٦٧.
(٣) رواه أحمد (١٣٠٣٢)، وأبو داود (٣٢٢٢)، من طريق معمر، عن ثابت، عن أنس، وصحّحه ابن حبان والنووي، وقال الألباني: (إسناده صحيح على شرط الشيخين). وقال أبو حاتم: (هذا حديث منكر جدًا)، وذلك أن رواية معمر عن ثابت منكرة، كما نص على ذلك ابن المديني، وابن معين، والعقيلي، وأشار البخاري إلى ضعفه، قال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: لا أعرف هذا الحديث إلا =
[ ١ / ٥٠٢ ]