ثم قال المؤلف: (فصل: السنة أن يقوم الإمام عند صدره وعند وسطها) لم يفصح المؤلف في هذا الفصل بحكم الصلاة على الميت؛ لأنه ذكرها في أول الفصل في قوله: (غسلُ الميتِ وتكفينُه والصلاةُ عليه ودفنُه فرضُ كفايةٍ).
[ ١ / ٢٧٤٩ ]
وعلى هذا فنقول: الصلاة على الميت فرض كفاية؛ لأن النبي ﷺ أمر بالصلاة على الميت فقال في قصة الرجل الذي عليه الدين: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» (٢٠)، وقال في الذي قتل نفسه بمشاقص: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» (٢١)، وقال: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٢٢).
ويشير إلى هذا قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، فإن هذا يدل على أن رسول الله ﷺ كان من هديه أن يصلي على الأموات، وهو كذلك. فالصلاة على الميت فرض كفاية، وتسقط بمكلَّف؛ يعني: لو صلَّى عليه مكلف واحد ذكر أو أنثى فإن الفرض يسقط.
قد تقولون: كيف لا يوجد إلا رجل واحد أو امرأة واحدة تصلي عليه؟
نقول: نعم، هذا ممكن؛ مثل أن يموت شخص في مكان مجهول، ولا يعلم عنه، فيصلي عليه واحد من الناس يكفي.
ومثلما يسأل عنه الآن بعد أن تنور الناس وتفتحت لهم أبواب العلم يكون عندهم أطفال صغار؛ إما سقط، أو أكبر من ذلك يدفنون في زمن الجهل بدون صلاة عليهم وبدون تكفين وبدون تغسيل، يسأل بعض الأحيان أهل البادية يقولون: إنا كنا ندفن الأموات الصغار بدون صلاة؟
نقول لهم: يصلي واحد منكم على هؤلاء الذين دفنوا ويكفي، حتى لو صلت امرأة واحدة على أحد من الناس كفى؛ لأن فرض الكفاية يسقط بواحد.
واشترطنا أن يكون مكلَّفًا؛ لأن الصلاة على الجنازة فرض، والفرض لا يقوم به إلا المكلَّف.
[ ١ / ٢٧٥٠ ]
أمَّا كيف يصلى عليه فاستمع يقول: (السنة أن يقوم الإمام عند صدره، وعند وسطها) هذه السنة، والسنة هنا ليست ضد الواجب، ولكن المراد بها الطريقة؛ يعني: الطريقة التي سنها النبي ﷺ لأمته؛ أن يقوم الإمام عند صدره، صدر من؟ صدر الرجل، بدليل قوله: (وعند وسطها) فيقف الإمام عند صدر الرجل، ويقف عند وسط المرأة، هكذا قال المؤلف ﵀، ولكن الصحيح أنه يقف عند رأس الرجل، لا عند صدره؛ لأن السنة ثبتت بذلك.
(وعند وسطها) أي: وسط المرأة؛ لأن النبي ﷺ قام على امرأة ماتت في نفاسها عند وسطها (٢٣).
والحكمة في ذلك لأن وسطها محل العجيزة والفرج، فكان الإمام عندهما ليحول بين المأمومين وبين النظر إليه، هذه من الحكمة، والله أعلم هل هناك حكم أخرى أم لا، المهم أن هذا هو السنة عند؟
طالب: من السنة ذكرت أن الحكمة ..
الشيخ: ما هو الحكمة عند، الحكم أين يقف الإمام من الرجل؟
الطالب: عند رأس الرجل.
الشيخ: وعلى رأي المؤلف؟
الطالب: قال: عند صدره.
الشيخ: عند صدره، ولكن الصحيح عند الرأس.
وقوله: (أن يقوم الإمام عند صدره) يُفْهَم منه أن هذه الصلاة كغيرها من الصلوات؛ يكون الإمام هو المتقدم والمأمومون خلفه، وقد جرت عادة كثير من الناس اليوم أن يقوم مع الإمام الذين قربوا الجنازة إلى الإمام، يقومون على يمينه غالبًا دون يساره، وأحيانًا عن يمينه وعن يساره، وكل هذا خلاف السنة.
السنة أن يتقدم الإمام، وأما الذين قدموا الجنازة إلى الإمام؛ فإن كان لهم محل في الصف الأول صفوا في الصف الأول، وإن لم يكن لهم محل صفوا بين الإمام وبين الصف الأول؛ من أجل أن يتميز الإمام بمكانه، ويكون أمام المأمومين، ثم إن قدر أن المكان ضيق لم يتسع لوقوف الإمام وصف خلفه فإنهم يكونون عن يمينه وعن شماله، وليس كلهم عن اليمين؛ لأن صف المأمومين كلهم عن يمين الإمام خلاف السنة أيضًا.
[ ١ / ٢٧٥١ ]
ودليل ذلك أنه لما كان الناس إذا كانوا ثلاثة وقاموا جماعة فإن الإمام يكون بين الاثنين، دلَّ ذلك على أنه متى كانت الصفوف مع الإمام فإنهم يكونون على يمينه وعلى يساره، خلافًا لما اعتاده كثير من الناس اليوم؛ يصف المأمومون كلهم عن يمين الإمام ولا يبقى عن يساره أحد، هذا خلاف السنة لا شك.
فإذا قال قائل: السنة إذا كانوا ثلاثة أن يتقدم الإمام؟
قلنا: نعم، هذا هو الذي آل إليه الحكم أخيرًا، والحكم الأول نسخ، لكن الذي نسخ من الحكم الأول هو كون الإمام بين الثلاثة، أما إذا كانوا لا بد أن يصفوا معه فإن السنة باقية؛ أن يكونوا على يمينه وعلى شماله.
وقول المؤلف ﵀: (ويكبر أربعًا) التكبيرات هنا يقول الفقهاء: كلها أركان؛ لأنها بمنزلة الركعات؛ كل تكبيرة عن ركعة، فيقولون: إن التكبيرات هنا كلها أركان.
بقية التكبيرات في الصلوات الأخرى؛ منها ما هو ركن، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو سنة؛ الركن في غير صلاة الجنازة تكبيرة الإحرام، والسنة تكبيرة المسبوق إذا جاء والإمام راكع، فإنه يكبِّر تكبيرة الإحرام قائمًا، ثم يركع، والأفضل أن يكبر للركوع وإن لم يكبر فلا حرج، والواجب ما عدا ذلك، هذا هو الراجح.
وذهب بعض العلماء إلى أن التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام كلها سنة، وأن الرجل لو تعمد تركها لم تبطل صلاته، لكن ما ذكرناه هو ما مشى عليه أصحاب الإمام أحمد ﵏.
(يكبر أربعًا؛ يقرأ في الأولى بعد التعوذ الفاتحة) يعني: في التكبيرة الأولى يقرأ بعد التعوذ؛ أي: بعد قول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الفاتحة.
[ ١ / ٢٧٥٢ ]
وعُلم من كلامه أنه لا استفتاح فيها؛ أي: في صلاة الجنازة، وعلل العلماء الذين يقولون بهذا بأن هذه الصلاة مبنية على التخفيف؛ ولهذا ليس فيها ركوع، وليس فيها سجود، وليس فيها قراءة مطولة زائدة على الفاتحة، بل ولا قراءة زائدة مطلقًا على قول بعض العلماء، وليس فيها تشهد، وليس فيها إلا تسليم واحد، فهي مبنية على التخفيف، إذن من التخفيف ألا يستفتح، وقال بعض أهل العلم: بل يستفتح؛ لأنها صلاة، فيستفتح لها كما يستفتح لسائر الصلوات.
يقول ﵀: (بعد الفاتحة) أفادنا أيضًا أن الفاتحة لا بد منها، وهو كذلك، فالفاتحة في صلاة الجنازة ركن؛ لقول النبي ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٢٤)، وصلاة الجنازة صلاة.
(ويصلي على النبي ﷺ في الثانية، كالتشهد) يصلي في الثانية؛ أي: في التكبيرة الثانية، (كالتشهد) يعني: كما يصلي عليه في التشهد.
والصلاة عليه ﷺ في التشهد هي: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
وإن اقتصر على قوله: اللهم صلِّ على محمد، كفى كما يكفي ذلك في التشهد.
(ويدعو في الثالثة) يعني: في التكبيرة الثالثة يدعو بالدعاء المأثور عن النبي ﷺ إن كان يعرفه، فإن لم يكن يعرفه فبأي دعاء دعا جاز، إلا أنه يخلص الدعاء للميت؛ أي: يخصه بالدعاء.
ومنه: (اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا).
(اللهم اغفر) أي: يا الله اغفر، والمغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه، ليست ستر الذنب فقط، بل لا بد من ستر وتجاوز، وهي مأخوذة من المِغْفَر الذي يُغَطَّى به الرأس عند القتال؛ لأنه يتضمن سترًا ووقاية.
[ ١ / ٢٧٥٣ ]
وقوله: (لحينا وميتنا) أي: لحينا نحن المسلمين، وميتنا كذلك نحن المسلمين، وهذا عام، أليس كذلك؟ لأنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يعم؛ يشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، والشاهد والغائب. وإنما قلت ذلك لتعتبروا فيما يأتي.
(وشاهدنا وغائبنا) هذا أيضًا عموم داخل في العموم الأول، والعموم الأول داخل فيه أيضًا؛ لأن (شاهدنا وغائبنا) يشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، والحي والميت.
(وصغيرنا وكبيرنا) مثلها.
(وذكرنا وأُنثانا) مثلما سبق، كله عام.
فإذا قال قائل: لماذا؟ قلنا: لأن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط، السنة في الدعاء أن تبسط وتطول؛ لسببين:
السبب الأول: أن إطالة الدعاء تدل على محبة الداعي؛ لأن الإنسان كلما أحب شيئًا أحب طول مناجاته، أليس كذلك؟ فأنت متصل بالله في الدعاء، فتطويلك الدعاء وبسطك بالدعاء دليل على محبتك لمناجاة الله ﷿.
ثانيًا: أن التطويل يظهر فيه من التفصيل ما يدل على شدة افتقار الإنسان إلى ربه في كل حال.
الثالث: أن ذلك أحضر للقلب.
واعتبر هذا بقول القائل: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، سره وعلانيته، وأوله وآخره، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، هذا فيه تفصيل ولَّا لا؟ تفصيل وعمومات، لكن فائدته ما أشرت إليه من قبل.
(إنك تعلم منقلبنا ومثوانا) (إنك تعلم) الجملة تعليل لما سبق؛ يعني: دعوناك بهذا الدعاء؛ لأننا نعلم أنك تعلم منقلبنا؛ أي: ما ننقلب إليه، ومثوانا؛ أي: ما نصير إليه؛ لأن المثوى والمصير معناهما واحد.
(وأنت على كل شيء قدير) تتمة الدعاء، ولكنها من زيادات بعض الفقهاء؛ لأنها لم ترد في الحديث الوارد عن النبي ﷺ.
[ ١ / ٢٧٥٤ ]
ومعناها (وأنت على كل شيء قدير): أن الله قادر على كل شيء؛ قادر على أن يوجد المعدوم، وأن يعدم الموجود، وأن يغير الحال من أحسن إلى حسن، أو من حسن إلى أردى، أو من أردى إلى حسن، أو من حسن إلى أحسن، المهم أنه على كل شيء قدير، وهذه جملة عامة لا يستثنى منها شيء.
وقول صاحب تفسير الجلالين في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السماوات وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقول: (خصَّ العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر) هذا القول منكر؛ وذلك لأن قوله: (خص العقل ذاته) أين العقل الذي خص ذاته بأنَّه ليس قادرًا عليها، أليس الله يفعل ما يريد؟ ! بلى، يفعل ما يريد، والفاعل لما يريد يفعل بنفسه، فهو قادر على أن يفعل ما شاء، وأن يدع ما شاء.
نعم، الشيء الذي لا يليق بجلاله ﷿ لا يمكن أن يكون متعلق القدرة؛ لأن أصل القدرة لا تتعلق به.
كما لو قال قائل: هل يقدر الله على أن يخلق مثله؟ نقول: هذا مستحيل؛ لأن المثلية ممتنعة، لو لم يكن من انتفاء المماثلة إلا أن الثاني مخلوق والأول خالق ..
[ ١ / ٢٧٥٥ ]
اللَّهُمَّ مَن أَحْيَيْتَه منا فَأَحْيِهِ على الإسلامِ والسُّنَّةِ، ومَن تَوَفَّيْتَه مِنَّا فَتَوَفَّهُ عليهما، اللَّهُمَّ اغْفِرْ له وارْحَمْهُ وعافِهِ واعْفُ عنه وأَكْرِمْ نُزُلَه وأَوْسِعْ مُدْخَلَه، واغْسِلْهُ بالماءِ والثلجِ والْبَرَدِ، ونَقِّهِ من الذنوبِ والخطايا كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَسِ، وأَبْدِلْهُ دارًا خيرًا من دارِه وزَوجًا خيرًا من زَوْجِه وأَدْخِلْه الجنَّةَ وأَعِذْهُ من عَذابِ القبرِ وعذابِ النارِ وأَفْسِحْ له في قَبْرِه ونَوِّرْ له فيه، وإن كان صغيرًا قالَ: " اللهمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْه، وفَرَطًا وأَجْرًا وشَفيعًا مُجَابًا، اللهمَّ ثَقِّلْ به مَوازِينَهما، وأَعْظِمْ به أُجورَهما، وأَلْحِقْهُ بصالِحِ سَلَفِ المؤمنينَ، واجْعَلْهُ في كَفالةِ إبراهيمَ، وَقِهِ برَحمَتِكَ عذابَ الجحيمِ، ويَقِفُ بعدَ الرابعةِ قليلًا ويُسَلِّمُ واحدةً عن يمينِه ويَرفَعُ يَديْهِ مع كلِّ تكبيرةٍ، وواجبُها قِيامٌ وتَكبيراتٌ أربعٌ والفاتحةُ والصلاةُ على النبيِّ ﷺ ودعوةٌ للمَيِّتِ والسلامُ، ومَن فاتَه شيءٌ من التكبيرِ قَضاهُ على صِفتِه، ومَن فاتَتْهُ الصلاةُ عليه صَلَّى على القبرِ. وعلى غائبٍ بالنِّيَّةِ إلى شَهْرٍ.
ولكنها من زيادات بعض الفقهاء؛ لأنها لم تَرِد في الحديث الوارد عن النبي ﷺ، ومعناها: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وأنت على كل شيء قدير، إن الله قادر على كل شيء، قادر على أن يوجِد المعدوم، وأن يعدم الموجود، وأن يغيِّر الحال من أحسن إلى حسن، أو من حسن إلى أردأ، أو من أردأ إلى حسن، أو من حسن إلى أحسن، المهم أنه على كل شيء قدير، وهذه جملة عامة لا يُسْتَثْنَى منها شيء.
[ ١ / ٢٧٥٦ ]
وقول صاحب تفسير الجلالين في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]، يقول: (خَصَّ العقلُ ذاتَه، فليس عليها بقادر)، هذا القول منكَر، وذلك لأن قوله: خَصَّ العقلُ ذاتَه، أين العقل الذي خص ذاته بأنه ليس قادرًا عليه، أليس الله يفعل ما يريد؟ بلى، يفعل ما يريد، والفاعل لما يريد يفعل بنفسه، فهو قادر على أن يفعل ما شاء وأن يدع ما شاء.
نعم، الشيء الذي لا يليق بجلاله ﷿ لا يمكن أن يكون متعلّق القدرة؛ لأن أصل القدرة لا تتعلق به، كما لو قال قائل: هل يقدر الله على أن يخلق مثله؟ نقول: هذا مستحيل؛ لأن المثلية ممتنعة، لو لم يكن من انتقاء المماثلة إلا أن الثاني مخلوق والأول خالق، الأول واجب الوجوب، والثاني ممكن الوجوب، لو لم يكن إلا هذا الفرق لكان كافيًا، مع أنه مستحيل.
ويذكر أن جنود الشيطان جاؤوا إليه، استمع للقصة هذه غريبة، جاؤوا إليه فقالوا له: يا سيدنا، نراك تفرح بموت الواحد من العلماء، ولا تفرح بموت آلاف العُبَّاد، كيف هذا، العابد الذي يعبد الله ليلًا ونهارًا، يسبِّح ويهلِّل، ويصوم ويتصدق، لا تفرح بالأَلْف فرحك بالواحد من العلماء؟ !
قال: نعم، أنا أدلكم على هذا، فذهب إلى عابد وقال له: يا أيها الشيخ، هل يقدر الله أن يجعل السماوات في جوف بيضة، السماوات كلها الكبرى في جوف بيضة، فقال العابد: لا، ما يصير! قال: احبسوها عندكم، قيِّدُوها، غلطة كبيرة، وذهب إلى العالم وقال له: هل يقدر الله على أن يجعل السماوات في بيضة؟ قال: نعم. قال: كيف؟ قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، إذا قال للسماوات: كونوا في جوف بيضة، كانت. فقال: انظروا الفرق بين هذا وهذا.
فالمهم أنه يجب أن نطلِق، نقول: إن الله على كل شيء قدير.
[ ١ / ٢٧٥٧ ]
فإن قال قائل عبارة تَرِد كثيرًا عند الناس: إنه على ما يشاء قدير. هل هذا جائز؟
قلنا: لا، لا يجوز إلا مقيَّدًا؛ لأنك إذا قلت: إنه على ما يشاء قدير، أوهم أن ما لا يشاء لا يقدر عليه، وهو قادر على الذي يشاء والذي لا يشاء، لكن إذا قيدت المشيئة بشيء معين صح، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩]، يعني إذا يشاء جمعه فهو قادر عليه.
وكذلك في قصة الرجل الذي أدخله الله الجنة آخر ما كان، فقال الله له: إني على ما أشاء قادر؛ لأنه يتعلق بفعل معيَّن.
() ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كيف يُكَفَّن الرجل، وكم خرقة توضع في كفنه؟
طالب: ثلاث ثياب بيض.
الشيخ: ثلاث لفائف.
الطالب: ثلاث لفائف بيض، يوضع فوق بعض، ثم نُجَمِّر هذه اللفائف، ثم يوضع عليها مستلقيًا ..
الشيخ: ويش معنى تُجَمَّر؟
الطالب: يعني تُطَيَّب.
الشيخ: تُبَخَّر؟ نعم.
الطالب: ثم يوضع عليها الميت مستلقيًا، ثم بعد ذلك يُوضَع من هذا الطِّيب في قطن، ثم توضع في إليتيه، ثم يشد بخرقة مشقوقة ..
الشيخ: على منافذ وجهه ومواضع سجوده.
الطالب: لا، الأول القطن يوضع من هذا بين إليتيه، شد هذه الإليتين بالخرقة هذه، ثم بعد ذلك يوضع الباقي من هذه القطنة على منافذ وجهه ومواضع سجوده، ثم بعد ذلك ..
الشيخ: يكفي، إلى هذا الحد، مَن يكمل؟
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يُرَد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن ..
الشيخ: العليا هي تلي الميت.
الطالب: نعم على شقه الأيمن، ويُرَد طرفها الأيسر من فوقها، طرف اللفافة العليا من فوق الشق الأيمن، ثم الثانية ثم الثالثة، ثم يُعْقَد، ويجعل الفاضل من اللفائف على رأسه إذا كان هناك فاضل، ثم يُعقد الطرفان، تُعْقَد ولا تُحَلُّ إلا في القبر.
الشيخ: إلَّا في القبر، تمام، هل يجوز أن يُكَفَّن بغير هذه اللفائف؟
طالب: إلا بعذر، إن لم تكن هناك لفائف يجوز أن يُكَفَّن ..
الشيخ: عند الضرورة.
[ ١ / ٢٧٥٨ ]
الطالب: عند الضرورة.
الشيخ: وعند غير الضرورة؟
الطالب: عند غير الضرورة مستحب.
الشيخ: إي، لكن هل يجوز أن يُكَفَّن بغيرها؟
الطالب: نعم.
الشيخ: مثل؟
الطالب: الملابس اللي ().
الشيخ: المؤلف ذكره، لا، على كل حال كل ده يكفي، هو الواجب ثوب يستر الجميع، لكن المؤلف ذكر صفة أخرى.
طالب: ().
الشيخ: لا ().
الطالب: يكفن بقميص ومئزر.
الشيخ: ولفافة، إي نعم، يعني ممكن أن نجعل اللفائف مئزرًا وقميصًا ولفافة، ما هو الواجب من الكفن؟
طالب: الثوب الواحد يستره.
الشيخ: يستر الجميع، لو كُفِّنَ في ثوب دقيق يصف البشرة، هل يجزئ أو لا؟
طالب: لا يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ؛ لأن الواجب أن يكون الثوب ساترًا، إذا كُفِّنَ بثوب أسود يجوز؟
طالب: يجوز.
الشيخ: نعم، ولكن الأفضل الأبيض. إذا لم يجد إلا ما يستر بعض بدنه، فماذا نعمل؟
طالب: نستره ().
الشيخ: نعم، أو ورق، وإذا لم يجد شيئًا من ذلك، ماذا نعمل؟
طالب: يُدْفَن هكذا.
الشيخ: يُدْفَن هكذا، فاتقوا الله ما استطعتم، بارك الله فيك، الصلاة على الميت حكمُها؟
طالب: فرض.
الشيخ: فرض؟ ما هو الدليل؟
الطالب: ().
الشيخ: مثل؟
الطالب: ().
الشيخ: نعم، ويذكر عنه أنه قال: صَلُّوا ..
الطالب: ().
الشيخ: هل في القرآن ما يدل على أن من عادتهم الصلاة على الأموات؟
طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] () أنه صلى عليهم.
الشيخ: نعم، النهي عن الصلاة على المنافقين دليل على أنه كان يصلي على غيرهم، وأنه من العادة الصلاة على الأموات.
طالب: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
الشيخ: لا لا، صلِّ عليهم، يعني عند إعطاء الزكاة، ما هو السنة في وقوف الإمام في صلاة الجنازة؟
طالب: أن يقف عند رأس الرجل، وعلى وسط المرأة ..
[ ١ / ٢٧٥٩ ]
الشيخ: وعلى وسط المرأة، أنت قلت: قال المؤلف، فهل لديك قول آخر؟
الطالب: () عند رأس الرجل.
الشيخ: عند رأس الرجل، هل هذا على سبيل الوجوب؟ لو وقف عند رِجْلَي الرجل، عند قدميه، يجزئ أو لا؟
طالب: يجزئ.
الشيخ: يجزئ، ماذا تقولون؟ صحيح، لو وقف والميِّت خارج عن موضع يكون بين يدي الإمام؟
طالب: لا بد أن يكون بين يديه.
الشيخ: لا بد أن يكون بين يديه، فأما إذا ذهب به يمينًا أو يسارًا فإنه لا يجزئ، ما هي الحكمة في أنه يكون عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة؟
طالب: يكون عند وسط المرأة لكي ().
الشيخ: يحول دون رؤية ما وراءه، عند رأس الرجل؟
الطالب: لأنه مكان العقل.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه مكان العقل.
طالب: المرأة يا شيخ يقولون: إن مكان () في وسطها ()؟
الشيخ: لا، لو كان كذا كان يقول: عند البطن.
الطالب: هو يشمل الوسط.
الشيخ: لا، عند العجيزة، كما جاء في الحديث: «عَجِيزَتِهَا» (١)، والذين قالوا: عند صدره، ذكروا فيه حديثًا عن رسول الله ﷺ، لكنه لا يقاوم الحديث الصحيح، وقالوا: إن الصدر محل القلب، ولكن إذا جاءت السنة فهي تقضي على كل شيء.
طالب: ().
الشيخ: كأنه أيش؟ عند أيش؟
الطالب: عند رأسه.
الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأنه إذا وقف عند رأسه يجعل كل الصدر على يساره، أو على يمينه.
الطالب: ().
الشيخ: لا، هذا أيضًا من المسائل التي ينبغي أن ننبه عليها، عند العامة لا بد أن يكون رأس الميت على يمين الإمام، وهذا ليس بصحيح، يعني يجوز أن يكون رأس الميت على يساره وعلى يمينه، ليس لازمًا أن يكون الرأس على يمين الإمام.
ماذا يقرأ في التكبيرة الأولى؟
طالب: الفاتحة.
الشيخ: الفاتحة، ما الدليل؟
الطالب: أن النبي ﷺ قال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٢).
الشيخ: بفاتحة الكتاب، هذا دليل، والجنازة صلاتها صلاة، دليل آخر؟
[ ١ / ٢٧٦٠ ]
الطالب: قول ابن عباس أنه من السنة قراءة الفاتحة.
الشيخ: أنها من السنة، تمام، في التكبيرة الثانية ماذا يصنع؟
طالب: يصلي على النبي.
الشيخ: يصلي على النبي ﷺ، وكيف يصلي؟
الطالب: يصلي كما يصلي في التشهد.
الشيخ: كما يصلي في التشهد، في الثالثة؟
طالب: يدعو للميت.
الشيخ: يدعو للميت، الدعاء للميت عام وخاص، الدعاء العام ما هو؟
طالب: ().
الشيخ: نعم، هذا الدعاء فيه تطويل: «لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا»، فما هي الحكمة، لو قال: لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، عَمَّت كل شيء؟
طالب: إلحاح.
الشيخ: هذا إلحاح في الدعاء، هذه واحدة.
طالب: إظهار شدة الافتقار إلى الله.
الشيخ: إظهار شدة الافتقار إلى الله.
الطالب: وكذلك محبة الداعي.
الشيخ: نعم، كذلك محبة الداعي لمن دعاه، حيث يتبسَّط معه في القول.
الطالب: لأن الأولى يكون بسط الدعاء.
الشيخ: إي، بس لماذا هذا الحكم؟
الطالب: ().
الشيخ: نعم، يعني ربما يذكر شيئًا يدعو له مع البسط.
طالب: فيه إظهار ..
الشيخ: ذكرناه.
طالب: استحضار القلب.
الشيخ: استحضار القلب، يعني ربما يستحضر في أول جملة أو لا يستحضر ثم يستحضر في الثانية.
طالب: ().
الشيخ: لا، هذه ما إليها.
الطالب: () كان يلح في الدعاء.
الشيخ: إي نعم، لكن ما هي الحكمة من هذا؟
الطالب: ().
الشيخ: إي، بس هذه إن صحت فإنما تكون في صلاة الجنازة، لكن البسط في غير صلاة الجنازة أيضًا، () من هذا، الآن نقول: زيادة الأجر والتعبد لله؛ لأن الدعاء عبادة يؤجَر عليها الإنسان.
طالب: ().
الشيخ: هذا إشكال، يقول: ذكرتم أنه لا يقرأ دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة؛ لأنها مبنية على التخفيف، فكيف نقول هنا: نبسط في الدعاء، والبسط معناه التطويل، فيقال: الدعاء هو مضمون الصلاة، ومضمون الصلاة ينبغي أن يُبْسَط فيه، أما الاستفتاح فهو خارج عن ذلك.
[ ١ / ٢٧٦١ ]
وأهم شيء أن ذلك لم يَرِد في السنة عن النبي ﷺ، ما ورد عن النبي أنه كان يستفتح في صلاة الجنازة، وهذا كافٍ.
فيه تنبيه على الكلمات، قوله: وأنت على كل شيء قدير، لم تَرِد عن النبي ﷺ، فالْأَوْلَى حذفها، وقوله: اللهم مَن أحييته منا فأَحْيِه على الإسلام والسنة، ومَن توفَّيْتَه منا فتوفَّهُ عليهما. هذه أيضًا بهذه الصيغة لم تَرِد، والوارد: «اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ» (٣).
والوارد عن النبي ﷺ أولى؛ أنَّ مَن أحياه الله يحييه الله على الإسلام والانقياد التام، ومَن أماته فليتوَفَّهُ على الإيمان.
طالب: العكس.
الشيخ: العكس أيش؟ على الإيمان، لا، اللي أحفظ: «مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ»، والحكمة من ذلك أن الاستسلام الظاهر حين الوفاة قد لا يتمكن الإنسان منه لأنه منهَك، وفي آخر قواه، فكان الدعاء له بالإيمان في هذه الحال أبلغ، ولأن الإيمان هو اليقين، ووفاة الإنسان على اليقين أبلغ، أما الإسلام فإن الإسلام ظاهر في العمل، ويكون من المؤمن حقًّا، ومن ضعيف الإيمان، ومن المنافق أيضًا، فلهذا كان الدعاء في حال الحياة بالإسلام، وعند الممات بالإيمان.
وهنا مسألة، أن الدعاء الوارد عن النبي ﷺ أولى بالمحافظة عليه من الدعاء غير الوارد، وإن كان الأمر واسعًا، لكن المحافظة على ما ورد أولى، إحنا وصلنا إلى هذا.
***
ثم قال المؤلف: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ)، هذا الدعاء الخاص، وبدأ بالدعاء العام؛ لأنه أشمل، أما الخاص فهو خاص بالميت، (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ)، المغفرة محو آثار الذنوب وسترها، والإنسان محتاج إلى ستر ذنوبه حيًّا وميتًا.
[ ١ / ٢٧٦٢ ]
(وَارْحَمْهُ) بحصول المطلوب، ولهذا يجمع بين المغفرة والرحمة كثيرًا؛ لأن بالمغفرة النجاة من المرهوب، وبالرحمة حصول المطلوب.
(وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ)، عافِه مما قد يصيبه من السوء كعذاب القبر مثلًا، (وَاعْفُ عَنْهُ) تجاوز عنه ما فرَّط فيه من الواجب في حال الحياة، فالعفو التسامح والتجاوز عن الأوامر، والمغفرة محو آثار الذنوب بالمخالفة.
(وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ)، يقال: نُزُلَه، بالضم، ويقال: نُزْلَه، بالسكون؛ وهو القِرَى، أي الإكرام الذي يقدَّم للضيف، والإنسان الراحل هو في الحقيقة قادم على دار جديدة، فتسأل الله أن يكرم نزله، أي: ضيافته.
(وَأَوْسِع مُدْخَلَهُ)، يقال: مَدْخَل ومُدْخَل، بالضم والفتح، فالمُدخل بالضم الإدخال، والمَدْخَل اسم مكان، أي: مكان الدخول، وعلى هذا فالفتح أحسن، يعني أَوْسِع مكان دخوله، والمراد به القبر، أن الله يوسِّعه له، وذلك لأن القبر إما أن يضيق على الميت حتى تختلف أضلاعه، والعياذ بالله، وإما أن يوسع له مد البصر، فأنت تسأل الله أن يوسع مدخله.
(وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ)، الغسل بالماء يعني استعمال الماء فيما تلوث وما حصل فيه أذى من أجل إزالة التلويث والأذى، وهنا المراد بالغسل غسل آثار الذنوب، وليس المراد أن يغسل شيئًا حسيًّا؛ لأن الغسل الحسي قد تم بالنسبة للميت قبل أن يُكَفَّن، ولهذا قال: (بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ).
أورد بعض العلماء على هذا إشكالًا، وقال: إن الغسل بالماء الساخن أنقى، فلماذا قال: (بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ)؟
وأجابوا عن ذلك بأن المراد غسله من آثار الذنوب، وآثار الذنوب نار محرقة، فيكون المضاد لها الماء والبرودة، وقال: (الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ).
[ ١ / ٢٧٦٣ ]
الفرق بينهما أن الثلج ما يتساقط من غير سحاب، يتساقط من الجو مثل الرذاذ ويتجمَّد، والبَرَد هو الذي يتساقط من السحاب، ويسمَّى عند بعض أهل اللغة حب الغَمَام؛ لأنه ينزل مثل الْحَبّ.
(وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَْبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ)، والحديث من الخطايا: نَقِّه من الخطايا، والخطايا جمع خطيئة، وهي ما خالَف فيه الصواب، سواء كان فعلًا للمحظور، أو تركًا للمأمور.
وأما قوله: (مِنَ الذُّنُوبِ) على ما أورده المؤلف فإنه لو صح به الحديث: «الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا» (٤)، لقلنا: الذنوب للصغائر، والخطايا للكبائر، ولكن الحديث ورد بالخطايا فقط، وبناء عليه نقول: الخطايا هنا تشمل الصغائر والكبائر.
وقال: (كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَْبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ)، هذا التشبيه لقوة التنقية، يعني: نَقِّه نقاء كاملًا، كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدنس، وخَصَّ الأبيض لأن ظهور الدنس على الأبيض أَبْيَن من ظهوره على غيره، ولهذا يكره الغسَّالون أيام الشتاء؛ لأن الناس يلبسون ثيابًا سودًا ملوَّنَة لا تتسخ سريعًا، فيكسد سوقهم، في أيام الصيف يلبسون البياض ويتسخ، يومين أو ثلاثة حسب حال الإنسان، فيكثر الورود عليهم، وينشط سوقهم، إذن الأبيض نقول: خص الأبيض؛ لأنه أكثر قبولًا للوسخ، ونقاؤه يدل على أنه ليس فيه وسخ إطلاقًا.
وقوله: (وأبْدِلْهُ دَارًا خَيرًا مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَهْلًا خَيّرًا منْ أهْلِهِ).
طلبة: ().
الشيخ: ما هي موجودة، المؤلف حذفها، وهي موجودة في الحديث.
(أبْدِلْهُ دَارًا خَيرًا مِنْ دَارِهِ)، الدار الأولى دار الدنيا، والثانية دار البرزخ، وهناك دار أخرى ثالثة؛ وهي دار الآخرة، فـ (أبْدِلْهُ دَارًا خَيرًا مِنْ دَارِهِ) يشمل الدارين؛ دار البرزخ، ودار الآخرة.
[ ١ / ٢٧٦٤ ]
(وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ) هذا فيه إشكال، سواء كان المصلَّى عليه رجلًا أم امرأة؛ لأنه إن كان المصلَّى عليه رجلًا، وقلنا: أبدله زوجًا خيرًا من زوجه، فهذا يقتضي أن الحور خير من نساء الدنيا، وإن كان امرأة فهذا يقتضي أننا نسأل الله أن يفرِّق بينها وبين زوجها، ويبدلها بخير منه، صح؟ فهذان إشكالان.
أما الجواب عن الأول: (أبدله زوجًا خيرًا من زوجه) فنقول: ليس فيه دلالة صريحة على أن الحور خير من نساء الدنيا؛ لأنه قد يكون المراد خيرًا من زوجه في الأخلاق، لا في الخيرية عند الله ﷿.
وبهذا الجواب يتضح الجواب عن الإشكال الثاني، وهو أن المرأة إذا قلنا: أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها، فإنه يعني أننا نسأل الله أن يفرِّق بينهما؟
فنقول: الجواب أن خيرية الزوج هنا ليست خيرية في العين، بل خيرية في الوصف، وهذا يتضمن أن يجمع الله بينهما في الجنة؛ لأن أهل الجنة ينزع الله ما في صدورهم من غِلٍّ، ويبقون على أصفى ما يكون، والتبديل كما يكون في العين يكون في الصفة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، فالأرض هي الأرض بعينها، لكن اختلفت، وكذلك السماوات، فهذا هو الجواب عن هذا الإشكال.
قال: (وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ)، أدخله الجنة هي دار المتقين -نسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها- كما قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
(وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)؛ لأن القبر فيه عذاب، ولكن الله تعالى قد يَقِي الإنسان عذابه إذا ألَحَّ على الله في الدعاء، كما أمر النبي ﵊، قال: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (٥).
[ ١ / ٢٧٦٥ ]
ولهذا أمر أن يتعوَّذ الإنسان من عذاب القبر في كل صلاة، إذا تشهَّد التشهد الأخير فإنه يُؤْمَر أن يتعوَّذ بالله من أربع؛ من عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، وعذاب النار معروف.
فإن قال قائل: أليس إدخال الجنة يُغْنِي عن سؤال أن يعيذه الله من عذاب القبر وعذاب النار؟
قلنا: لا، فإن الإنسان قد يدخل الجنة بعد أن يعذَّب في القبر، وبعد أن يعذَّب بالنار، فأنت تسأل الله أن يدخل الجنة نقيًّا من عذاب سابق، لا في القبر ولا في النار.
ثم هاهنا إشكال في الدعاء (اللهم اغفر له)، الضمير للمفرد المذكَّر، فإذا كان الميت أنثى فهل نقول: اللهم اغفر له، أو نقول: اللهم اغفر لها، بالتأنيث؟
نقول هكذا بالتأنيث؛ لأن ضمير الأنثى يكون مؤنثًا، فنقول: اللهم اغفر لها وارحمها، وعافها واعف عنها .. إلى آخره.
وإن كان المقدَّم اثنين، نقول: اللهم اغفر لهما، وإن كانوا جماعة: اللهم اغفر لهم؛ إذا كانوا جماعة ذكور، وإذا كانت جماعة إناث: اللهم اغفر لهن.
المهم أن الضمير يكون على حسب مَن يُدْعَى له، ونظير هذا من بعض الوجوه حديث ابن مسعود ﵁ في دعاء الغم، «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ» (٦)، تقول المرأة: اللهم إني أَمَتُك بنت عبدك بنت أَمَتِك.
الشيء الثاني، السؤال الثاني: على هذا إذا فرضنا أن الإنسان لا يدري هل المقدَّم ذكر أو أنثى، فهل يؤنِّث الضمير أو يذكِّر الضمير؟
طلبة: يجوز هذا وهذا.
الشيخ: نعم، يجوز هذا وهذا، فإن ذكرت (اللهم اغفر له)، أي: لهذا الشخص أو الميت، (اللهم اغفر لها)، أي: لهذه.
طالب: وَأَبْدِلْهَا زوجًا خيرًا من زوجها ().
الشيخ: هذا إشكال، يقول: إذا كان الميت لم يتزوج، فكيف نقول: زوجًا خيرًا من زوجه وهو لم يتزوج؟ نقول: نعم، الجواب على هذا أي خيرًا من زوجه في الدنيا لو تزوج.
طالب: ().
[ ١ / ٢٧٦٦ ]
الشيخ: لا، النص واضح؛ لأن هذا الحديث اللي ورد كان الرسول يصلِّي على رجل، لو قال: إذا صليتم على الميت فقولوا كذا، لكان قولك وجيهًا، أن نأخذ بالنص، ونؤوله نحن على ما يناسب الحال.
طالب: الزوجة أيضًا ().
الشيخ: لا، () زوجية النكاح.
الطالب: الدليل على الترتيب ()؟
الشيخ: إي نعم، الدليل على هذا، ما هناك دليل بَيِّن واضح، لكن المعروف أن الدعاء يبدأ فيه بالثناء على الله، وقد تضمَّنَتْه الفاتحة، ثم بالصلاة على النبي ﷺ، ثم بالدعاء.
الطالب: الدليل على أنه يجمع بين العام والخاص؟
الشيخ: نعم، هي وردت، ورد الدعاء العام، وورد الدعاء الخاص.
الطالب: ما ورد الجمع بينهما؟
الشيخ: لا، الجمع بينهما ما ورد، لكن العلماء قالوا: يجمع بينهم؛ لعموم قوله ﵊: «أَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ»، فلا بد من تخصيصه، وإن كان قوله: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا» يشمل.
الطالب: ().
الشيخ: لا، الاستفتاح () أبو هريرة سأل النبي ﵊: ماذا تقول؟ فلم يذكر له إلَّا نوعًا واحدًا، فدل هذا على أن الاستفتاح ما يجمع فيه بين نوعين.
طالب: ().
الشيخ: أيش؟
الطالب: ().
الشيخ: لا، وفيه أيضًا (زوجًا خيرًا من زوجه)، نفس الـ ().
الطالب: ().
الشيخ: فيه (أهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه).
الطالب: أحسن الله إليكم، الشارح يقول: ويشير بأصبعه () من الدعاء.
الشيخ: إي، شرح الروض، كيف؟
الطالب: قول المصنف.
الشيخ: يقول: لا بأس بالإشارة، في هذا نظر، إلا أن نقيسها على تحريك الأصبع في دعاء التشهد، وإلا ففيها نظر.
طالب: لماذا لا نبدأ ().
الشيخ: ممكن، نحن قلنا: إذا جعلت، لكن كونك تأتي بالشيء الخاص إذا علمت أنها أنثى، تقول: اللهم اغفر لها، أحسن.
طالب: ().
الشيخ: نعم، كيف؟
الطالب: ().
[ ١ / ٢٧٦٧ ]
الشيخ: إي نعم، يحصل هذا، الدعاء له فرض الكفاية إذا قام به مَن يكفي سقط عن الباقي، فمثلًا الصلاة على الميت تحصل بواحد، لكن دفن الميت ربما لا يكفي فيه واحد ولا اثنان ولا ثلاثة، يعني ربما يقتصر بالصلاة على واحد، ونقول: الدفن لا بد من أربعة.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، صحيح، هذا لأجل الإشارة إلى أن التنقية تكون مقرونة بما يُزِيل الأثر نهائيًّا.
***
() وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، نبدأ من أول الفصل، ما هي السنة في وقوف الإمام إذا كانت الجنازة ذَكَرًا؟
طالب: أن يكون عند صدره.
الشيخ: أن يكون عند صدره، كأنك تشير إلى أن هناك قولًا آخر؟
الطالب: إي نعم، القول الآخر أن ().
الشيخ: نعم، وإذا كان الميت أنثى؟
الطالب: يقف عند وسطها.
الشيخ: عند وسطها، ما هي الحكمة من هذا التفريق؟
طالب: ().
الشيخ: نعم، هل يستفتح في صلاة الجنازة؟
طالب: إي نعم، يستفتح.
الشيخ: ().
طالب: قلنا: إنه لا يستفتح؛ لأن الصلاة مبنيَّة على التخفيف فلا يستفتح.
الشيخ: هل يتعوَّذ أو لا يتعوَّذ؟
طالب: يتعوَّذ.
الشيخ: كيف يتعوَّذ وهي مبنية على التخفيف؟
الطالب: ().
الشيخ: من أجل قراءة القرآن؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
ما هي الحكمة في أنه يكرِّر في الدعاء «لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا» (٧) إلى آخره، نعم، نقول: الحكمة أن يكرر؛ لأنه لو قال: اللهم اغفر لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، كفى عن كل شيء؛ لأن هذا من باب الإلحاح في الدعاء، والله يحب الْمُلِحِّين في الدعاء، فائدة أخرى؟
طالب: التعبد لله.
الشيخ: التعبد لله تعالى بالدعاء؛ لأن الدعاء عبادة.
طالب: ().
الشيخ: زيادة أجر وثواب؛ لأنه كلَّمَا كَرَّر الدعاء أُثِيبَ عليه.
طالب: () يدل على شدة افتقار العبد إلى ربه.
[ ١ / ٢٧٦٨ ]
الشيخ: نعم، أنه يدل على شدة افتقار الإنسان إلى ربه.
الطالب: أدعى لحضور القلب.
الشيخ: أدعى لحضور القلب في الدعاء، خمسة.
طالب: ().
الشيخ: هذا ما هو للإفادة، لكن ما الحكمة من أن الرسول يفعل هذا؟
الطالب: أن العلماء ().
الشيخ: إي، لكن ما الحكمة من أن الرسول فعله؟
طالب: المحبة للميت.
الشيخ: محبة للميت، لا، ما يناسبه.
طالب: الافتقار إلى الله ﷿.
الشيخ: ذكرناها.
طالب: الاستحضار.
الشيخ: نعم، الاستحضار؛ لأنه قد يأتي في أول الدعاء، ويستحضر في آخره.
طالب: محبة المدعو.
الشيخ: محبة المدعو.
الطالب: محبة الداعي للمدعو؛ لأن مَن أحب شيئًا أحب مناجاته.
الشيخ: مناجاته والتبسط معه، وفيه بالنسبة لغير هذه المسألة، في غير هذا الموضع، فيه التفصيل، «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» (٨)، تفصيل.
قوله: (إِنَّكَ تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا)، ما معنى منقلبنا؟
طالب: يعني ما نصير إليه.
الشيخ: يعني معنى ننقلب إليه؟
طالب: ().
الشيخ: طيب مثوانا؟ إذن ()، ماذا تقولون يا جماعة، صح؟ المثوى: المستقَرّ، والمنقلَب حال الانقلاب، يعني إذا الإنسان مثلًا ينصرف من باب إلى آخر فهو في السفر منقلب، وإذا وصل إلى الغاية فهو مثواه، تمام.
المؤلف يقول: (مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلامِ والسُّنَّةِ)، وذكرنا أن نص الحديث على خلاف ذلك، ما هي الحكمة في التفريق؟
طالب: هو أن الإسلام الأعمال الظاهرة للناس ().
الشيخ: حتى لا تظهر مخالفته للشرع.
الطالب: والإيمان لأنها تكون أعمالًا قلبية ().
الشيخ: والميت في هذه الحال حاجته للإيمان أقوى؛ لأنه قد لا يستطيع العمل بالجوارح. (عافه واعف عنه).
طالب: ().
الشيخ: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، في القرآن، فالعطف يقتضي المغايرة.
[ ١ / ٢٧٦٩ ]
طالب: () واعف عنه ().
الشيخ: الله المستعان.
طالب: العفو أي: تجاوز عنه السوء في عذاب القبر، والمعافاة ..
الشيخ: واعف عنه.
الطالب: واعف عنه ما حصل له.
الشيخ: ().
طالب: عافِني هذه: من الستر، ()، واعف عني: تجاوز عما فرَّط فيه من واجب.
الشيخ: إذن المعافاة معناها السلامة من الفعل المحرَّم، والعفو التجاوز عن ترك الواجب، أما العافية البدنية فلا محل لها هنا.
قال المؤلف: (وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ)، هذا بقدر ثابت في القرآن والسنة، و() إجماع الأمة أيضًا، وذكرنا أدلة من القرآن هل تستحضرونها الآن؟
طالب: ().
الشيخ: أيش؟
الطالب: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
الشيخ: أحسنت، هذا من الدليل، دليل آخر من القرآن؟
طالب: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
الشيخ: إي نعم، هو على كل حال استدل بعض العلماء بهذا، وقال: التوفية تكون لتكميل الشيء، لكن فيها نظر، ﴿إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ﴿الْيَوْمَ﴾ للعهد الحضوري.
طالب: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
الشيخ: هذا قد استدل به بعض العلماء، ولكنه ()، على كل حال، القرآن فيه أدلة واضحة، طيب من السنة؟
طالب: ().
[ ١ / ٢٧٧٠ ]
الشيخ: صحيح، هذا ثبوت عذاب القبر، حديث البراء الطويل، وذكر فيه أنه يُعَذَّب ويضيق عليه القبر حتى تختلف أضلاعه.
طالب: ().
الشيخ: قال الرسول أيضًا: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمُ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (٩)، ولا يتعوَّذ من شيء غير واقع.
ثم إن إجماع المسلمين على قبول هذا الإرشاد يدل على أن المسألة إجماعية، ومع ذلك أنكر بعض الناس عذاب القبر، ولكن قولهم محدود () القرآن والسنة الثابتة.
طالب: الدليل الثاني.
الشيخ: ما يحتاج، المدلول يثبت بدليل واحد.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (وافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ)، هذا من دعاء الميت، (افسح له في قبره)، أي: وَسِّع له؛ لأن الفسحة يعني السعة، وهذا التوسيع ليس توسيعًا محسوسًا بحيث يكون قبره يتسع حتى يملأ المقبرة، ولكنه فسح غير محسوس إحساسًا دنيويًّا؛ لأنه من أحوال الآخرة.
وكما تشاهدون، أو كما ترون في المنام أن الإنسان يرى أنه في مكان فسيح، وفي نخيل، وفي أشياء تبهج نفسه، وهو لا يزال في فراشه مُتَغَطٍّ بغطائه، فعذاب القبر يشبه من بعض الوجوه ما يراه النائم، وإن كان أشد منه في الحقيقة، يعني أشد منه في كونه حقيقة.
إذن يفسح له في قبره، لكن لا يلزم منه أن يتسع القبر اتساعًا حسيًّا، وإنما قلنا ذلك لئلا يورد علينا مُورِد بأن الناس في قبورهم لا تتسع القبور أكثر مما هي عليه في الواقع، فنقول له: هذا أمر غيبي، وليس أمرًا حسيًّا معروفًا.
[ ١ / ٢٧٧١ ]
(وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ)، يعني: اجعل له فيه نورًا، هنا يقول: افسح له، نَوِّرْ له فيه، وكل الضمائر التي مرت علينا بصيغة المفرد المذكر، فلو كان الميت أنثى فإنها تكون بصيغة المفرد المؤنث، فيقال: (اللهم اغفر لها وارحمها، وعَافِهَا واعْفُ عنها .. إلى آخره)، وإن كان الميت اثنين يقول: (اللهم اغفر لهما)، وإن كان الأموات ثلاثة يقول: اللهم اغفر لهم؛ إن كانوا ذكورًا، واغفر لهن، إن كنَّ إناثًا، وإن كانوا ذكورًا وإناثًا يُغَلِّب جانب الذكورية، فيقول: اللهم اغفر لهم، وهذا إذا كان يعلم الجنازة يسهل عليه، لكن إذا كان لا يعلم فهل يذكِّر أو يؤنِّث أو يُفْرِد أو يُثَنِّي أو يجمع؟
طالب: كلاهما صواب.
الشيخ: كلاهما صواب.
الطالب: ().
الشيخ: يعني يجوز التذكير والتأنيث باعتبار القصد، فكلمة: اللهم اغفر له، أي: لمن بين أيدينا، سواء كان ذكرًا أو أنثى، واحدًا أو متعدِّدًا.
قال المؤلف: (وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ، وَفَرَطًا، وأَجْرًا، وَشَفِيعًا مُجَابًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ المُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيمِ).
ننظر في هذا الدعاء، أولًا: هل ثبت هذا الدعاء بهذه الصيغة للصغير؟
الجواب: لا، لم يثبت بهذه الصيغة للصغير، لكنه ورد أنه يصلَّى عليه ويُدْعَى له، أو يُدْعَى لوالديه، لفظان في المسألة.
ولكن العلماء -﵏- استحسنوا أن يكون هذا الدعاء: (اللَّهُمَّ اجْعلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ)، الذخر بمعنى المذخور، يعني ما هنا مصدر بمعنى اسم مفعول، أي: مذخورًا لوالديه، يرجعان إليه عند الحاجة.
(وفَرَطًا)، الفَرَط السابق السالف، وهنا يشكل، كيف نقول: إنه فرَط لوالديه لو كانَا قد ماتَا قبله؟
[ ١ / ٢٧٧٢ ]
فيقال: إنه فَرَط لوالديه في الآخرة، يتقدمهما ليكون لهما أجرُه، وذُخْرًا ().
(وأَجْرًا، وَشَفِيعًا مُجَابًا)، أجرًا يعني اجعل لهما أجرًا، وهذا ظاهر فيما إذا كانَا حَيَّيْنِ؛ لأنهما سوف يصابان به، فإذا أُصِيبَا به فصبرَا على هذه المصيبة صار أجرًا لهما، أما إذا كانَا ميتين فلا يظهر هذا، لكن لعل الفقهاء ذكروا هذا بناء على الأغلب.
يقول: (وَشَفِيعًا مُجَابًا)، الشفيع بمعنى الشافع، كالسميع بمعنى السامع، فمن هو الشفيع؟ الشفيع هو الذي يتوسط لغيره، بجلب منفعة أو دفع مضرة، وسمي شفيعًا؛ لأنه يجعل المشفوع له اثنين، بعد أن كان وِتْرًا واحدًا، فلهذا صار بضم صوته إلى صوت المشفوع له صار شفيعًا له.
وقوله: (مُجَابًا)؛ لأن الشفيع قد يُجَاب وقد لا يُجَاب، فسأل الله أن يكون شفيعًا مُجَابًا.
(اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا)، يعني موازين الأعمال، وذلك بكونه أجرًا لهما؛ لأنه كلما كان أجرًا ثقلت به الموازين، والموازين جمع ميزان، وهو ما يُوزَن به أعمال العباد يوم القيامة.
واختلف العلماء هل هو ميزان حقيقي، أو كناية عن إقامة العدل؟ فذهبت المعتزلة إلى أنه كناية عن إقامة العدل، وأنه ليس هناك ميزان حسي.
والصواب أنه ميزان حسي، لحديث صاحب البطاقة، أن ذنوبه تُجْعَل في كفة، ولا إله إلا الله في كفة (١٠).
وكذلك يظهر من قول الرسول ﵊: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ» (١١)، فإن ظاهره أنه ميزان له كفتان، ولكن هاتين الكفتين لا نعلم كيفيتهما؛ لأنه من أمور الغيب التي لم يُعْلَم عنها.
وهل الذي يوزَن العمل أو العامل أو صحائف العمل؟ على أقوال ثلاثة؛ منهم من قال: إن الذي يوزَن العمل، ومنهم من قال: إن الذي يوزَن العامل، ومنهم من قال: إن الذي يوزَن صحائف الأعمال، وذلك لاختلاف النصوص في ذلك.
[ ١ / ٢٧٧٣ ]
والصحيح أن الذي يوزَن هو العمل؛ لقول النبي ﷺ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ»، ولقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾، فهذا يدل على أن الذي يوزن أيش؟ العملُ، وهو كذلك، وهذا الصحيح.
وحجة من قال: إن الذي يوزَن صاحب العمل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، الآية، آخرها: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وحديث ابن مسعود لما قام فهبَّت الريح فجعلت تكفؤه، فضحك الناس منه؛ لأنه ﵁ كان دقيق الساقين وكان صغيرًا، فضحك الناس منه، فقال النبي ﵊: «إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ» (١٢).
فهذا يدل على أن الذي يوزَن العامل، وأما دليل من قال: إن الذي يوزَن صحائف العمل، فهو حديث صاحب البطاقة الذي يؤتَى له بسجلات عظيمة كلها ذنوب، حتى إذا رأى أنه قد هلك قيل له: إن لك عندنا حسنة، فيؤتَى ببطاقة صغيرة فيها لا إله إلا الله، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقول: إنك لا تُظْلَم شيئًا، ثم توضع البطاقة في كفة، وبقية الأعمال في كفة، فترجح بهم وتميل به (١٠).
فيقال: إن حقيقة هذا وزن الأعمال؛ لأن الصحائف إنما تثقل وتخف بما فيها من العمل، فتكون حقيقة وزنها وزنًا للعمل، وقد يقال: إن الأكثر هو وزن الأعمال، وقد توزن صحائف الأعمال، والله أعلم، لكن الراجح الذي عليه الجمهور أن الذي يوزَن هو العمل.
(وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا)، أعظِم به أجورَهما يعني: اجعل أجورَهما عظيمة، وهنا إشكال نحوي لغوي، قال: أجورَهما مع أن المضاف إليه مُثَنّى، أي لم يقل: عَظِّم به أَجْرَيْهما؟
[ ١ / ٢٧٧٤ ]
والجواب على ذلك أن الأفصح في اللغة العربية إذا أُضِيفَ إلى المثنى أن يؤتَى بالجمع، ثم بالإفراد، ثم بالتثنية، إلا أن يكون هناك داعٍ يستلزم أن يؤتَى بالتثنية أو الإفراد أو الجمع، وإلا فالأصل هو ما ذكرنا؛ أن الأفصح الجمع، ثم الإفراد، ثم التثنية، ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، مع أنه ليس لهما إلا قلبان، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]، ولم يقل: فقد صغت قلباكما، ولم يقل: فقد صغى قلبُكُما؛ لأن الأفصح هو ما ذكرنا، الجمع.
يقول: (وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ المُؤْمِنِينَ)، أي: صغار المؤمنين الذين سلفوا، وذلك أن الصغار من الولدان كانوا في كفالة إبراهيم ﵊، وقد رآهم النبي ﷺ حين عُرِجَ به عند إبراهيم، وسأل عنهم فقيل له: هؤلاء وِلْدَان المؤمنين (١٣)، ولهذا قال: (وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ).
قال: (وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيمِ)، (قِهِ) من الوقاية، يعني اجعله سالِمًا من عذاب الجحيم، وأما قوله: (برحمتك) فهو من باب التوسل بصفة الله ﷿.
وفي هذه الجملة إشكال؛ كيف يقول: قِهِ برحمتك عذاب الجحيم، وهو صغير لم يبلُغ، وليس عليه عذاب؟
قال بعض العلماء: إن النبي ﵊ أَخْبَرَ بأنه ما من إنسان إلا مَسَّتْهُ النار، ولو تَحِلَّةَ القسم (١٤)، ومن ذلك الصغار؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، فيكون هذا دعاء لهذا الصبي أن يقيه الله عذاب الجحيم إذا عرض عليها يوم القيامة.
(وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلًا، وَيُسَلِّمُ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ)، يقف قليلًا ليتميز التكبير من السلام، أو من أجل أن يترادّ إليه نَفَسُه.
[ ١ / ٢٧٧٥ ]
وقوله: (يقف قليلًا ثم يسلِّم) يظهر منه أنه لا يدعو، واختار بعض الأصحاب ﵏ أنه يدعو، ولكن بماذا؟ قال بعضهم: يدعو بقوله: اللهم لا تَحْرِمْنَا أجره، ولا تَفْتِنَّا بعده، واغفر لنا وله. وقال بعضهم: يدعو بقوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ لأن هذا الدعاء تختم به الأدعية، ولهذا جعله النبي ﵊ في منتهى كل شوط في الطواف، حيث يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
والقول بأنه يدعو بما تيسَّر أولى من السكوت؛ لأن الصلاة عبادة ليس فيها سكوت أبدًا إلا لسبب، كالاستماع إلى قراءة الإمام، ونحو ذلك.
قال: (وَيُسَلِّمُ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ)، يسلِّم واحدة عن اليمين، وإن سلَّم تلقاء وجهه فلا بأس، لكن عن اليمين أفضل، وظاهر كلام المؤلف أنه لا تُسَنُّ الزيادة على التسليمة الواحدة، وهو المذهب.
والصحيح أنه لا بأس أن يسلِّم مرة ثانية؛ لورود ذلك في بعض الأحاديث عن النبي ﷺ، لكن الذين قالوا: إنه يسلِّم واحدة، استدلوا بأثر، وفي صحته نظر، واستدلوا بالمعنى أن هذه الصلاة مبنية على التخفيف، والتسليمة الواحدة أخف، لكن لو سلَّم مرتين فلا حرج، ولا ينكَر عليه.
ثم قال: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ)، (يرفع) الضمير يعود على المصلِّي، يرفع يديه مع كل تكبيرة على صفة ما يرفعهما في صلاة الفريضة، أي يرفعهما حتى يكونَا حذو منكِبَيْه، أو حذو فروع أذنيه.
[ ١ / ٢٧٧٦ ]
وقوله: (مع كل تكبيرة)، هذا هو القول الصحيح؛ لأنه صح عن ابن عمر ﵄ موقوفًا أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة (١٥)، ومثل هذا العمل لا يثبت بالاجتهاد، فله حكم الرفع، على أن الدارقطني روى الحديث بسند جيد كما قاله الشيخ عبد العزيز بن باز، أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في كل تكبيرة (١٦)، وأعَلَّه الدارقطني بعمر بن شبة.
ولكن الشيخ عبد العزيز رد هذا التعليل بأن عمر ثقة، والزيادة من الثقة عند علماء الحديث مقبولة إذا لم تكن منافية، وهنا لا تنافي؛ لأن المسكوت عنه ليس كالمنطوق، ولا منافاة إلا إذا تعارض نُطْقَان، أما إذا كان أحدهما ناطقًا والثاني ساكتًا فهنا لا معارضة، وذلك لأن عدم النقل ليس نقلًا للعدم.
فالصحيح أنه يرفع يديه مع كل تكبيرة؛ لهذا الحديث، ولأن المعنى يقتضيه؛ لأنه إذا حَرَّك يديه اجتمع بالانتقال من التكبيرة الأولى قول وعمل، أو قول وفعل، كسائر الصلوات، فإن الصلوات يكون مع القول فعل؛ إما ركوع، وإما سجود، وإما قيام، وإما قعود، فكان من المناسب أن يكون مع القول فعل، ولا فعل هنا يناسب إلا رفع اليدين؛ لأن السجود والركوع متعدِّد، فيبقى رفع اليدين، وحينئذ يكون رفع اليدين في كل تكبيرة مؤيَّدًا بالأثر والنظر.
طالب: هل يا شيخ تظهر بعض آثار عذاب القبر؟
الشيخ: إي نعم، تظهر، لكن ليس لكل أحد، هي ظهرت للنبي ﵊، في قصة الرجلين اللَّذَيْن يُعَذَّبَان بالنميمة وعدم التنزه من البول (١٧)، وربما يُسْمَع من بعض القبور صياح، كما يذكره بعض الناس لنا، وابن القيم ﵀ في كتاب الروح ذكر من هذا أشياء.
[ ١ / ٢٧٧٧ ]
(وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلًا، وَيُسَلِّمُ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ)، يقف يعني أن يصلي على الجنازة، (يقف قليلًا، ويسلِّم واحدة عن يمينه)، واختلف العلماء ﵏ في هذه الوقفة، هل يدعو فيها أو لا؟ فقال بعضهم: إنه لا يدعو فيها، وهو ظاهر كلام المؤلف، وقال بعضهم: بل يدعو فيها فيقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ لأن هذا الدعاء ينبغي أن يُخْتَم به الدعاء، كما كان النبي ﷺ يختم به دعاء كل شوط في الطواف.
وقوله: (وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلًا، وَيُسَلِّمُ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ)، (يسلِّم واحدة عن يمينه)، وإن سلَّم مرتين فحسن؛ لأن الكل قد جاءت فيه أحاديث عن النبي ﷺ، فاختار بعض العلماء أن يسلِّم واحدة، واختار آخرون أن يسلِّم اثنتين.
والراجح أن الأمر في هذا واسع، يسلِّم أحيانًا مرة وأحيانًا مرتين، ولا حرج في ذلك، ويرفع يديه مع كل تكبيرة كما يرفعها في صلاة الفريضة والنافلة.
فهنا يرفعها في كل تكبيرة؛ لأنه ورد عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك؛ ففي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة (١٦)، ومثل هذا لا يفعله ابن عمر بمجرد الرأي، بل هذا يعتبر من المرفوع حكمًا؛ لأن كل شيء لا مجال للرأي فيه من أحكام أو أخبار فإنه في حكم الرفع إذا صدر من الصحابي.
إلا أن الأخبار يشترط فيها ألا يكون الصحابي معروفًا بالأخذ عن بني إسرائيل، خوفًا من أن يكون ما ذكره من أخبار بني إسرائيل.
ثم إنه قد رُوِيَ مرفوعًا صريحًا عن النبي ﷺ بسند قال فيه الشيخ عبد العزيز بن باز: إنه سند جيد، وعلى هذا فيكون هو المعتمَد.
[ ١ / ٢٧٧٨ ]
وما يُرْوَى عن النبي ﵊ أنه كان يكبِّر في أول تكبيرة ثم لا يعود (١٨)، فهذا إن صح فلعلَّه في بعض الأحيان، والمعنى مناسب للرفع في كل تكبيرة؛ لأن كل تكبيرة تعتبر ركعة مستقلة، كالركعات في صلاة الفريضة والنافلة، فكان الأنسب والأقوم أن يجتمع في هذا الانتقال من تكبيرة إلى أخرى أن يجتمع الفعل والقول، كما اجتمع الفعل والقول في الانتقال في الصلوات الأخرى.
وقوله: (مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ)، مر علينا في كتاب الصلاة أنه إن شاء ابتدأ الرفع مع ابتداء التكبير، وإن شاء إذا كبَّر رَفَع، وإن شاء رَفَع ثم كَبَّر، كل ذلك جاء عن النبي ﷺ.
ثم قال المؤلف: (وَوَاجِبُهَا قِيَامٌ)، (وواجبها) يعني: ما يجب فيها، وليس المراد الواجب الاصطلاحي الذي هو قسيم الركن أو الشرط، بل المراد بالواجب هنا أي ما يجب فيها، كما قلنا في قراءة الفاتحة: واجبة في الصلاة.
فقوله: (واجبها) ليس ضد، أو ليس قسيم أركانها؛ لأن هذا الذي ذكره المؤلف أركان قيام، لكن القيام واجب فيما كان فريضة منها، وعلى هذا فإذا أعيدت صلاة الجنازة مرة ثانية كان القيام في المرة الثانية سُنَّة وليس بواجب؛ لأن الصلاة المعادة ليست فريضة.
(وَوَاجِبُهَا قِيَامٌ، وَتَكْبِيرَاتٌ أَرْبَعٌ) تكبيرات أربع، أي: واجبة، ولكنها في الحقيقة أركان؛ لأن كل تكبيرة منها كالركعة.
وقوله: (أربعٌ) بالتنوين ولَّا بغير التنوين؟ يجوز الوجهان، أربعُ أو أربعٌ، وقوله: (أربع) يعني: ألَّا تقل عن أربع، وله الزيادة إلى خمس، وإلى ست، وإلى سبع، وإلى ثمانٍ، وإلى تسع، كل هذا وارد، لكن الثابت في صحيح مسلم (١٩) إِلَى خَمْسٍ.
[ ١ / ٢٧٧٩ ]
ولهذا ينبغي للأئمة أن يكبِّرُوا أحيانا على الجنازة خمس مرات، إحياءً للسنة، وسيقول بعض الناس: إن إمامنا نسي فزاد خامسة، لكن إذا فعلها مرة تلو مرة، وبَيَّنَ للناس الذين يسألون يقولون له: إنك نسيت فكبَّرْت خمسًا، أن يُبَيِّن لهم أن هذا من السنة؛ لأنه ثبت أن زيد بن أرقم صلى على جنازة كبَّر عليها خمسًا، وأخبر أن ذلك من فعل النبي ﷺ (٢٠).
قال: إذا كبَّرْنَا خمسًا فماذا نقول بعد الرابعة؟
أنا لا أعلم في هذا سُنَّةً، لكنني إذا أردت أن أُكَبِّر خمسًا جعلت دعاء الثالثة الدعاء العام، والرابعة الدعاء الخاص بالميت، وما بعد الخامسة: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ولهذا قد يعرف النبيه أنني أريد أن أُكَبِّر خمسًا إذا صار الدعاء بعد الثالثة قصيرًا.
يقول: (وَالْفَاتِحَة)، والفاتحة ركن؛ لقول النبي ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٢)، وقرأها ابن عباس ﵄ وجهر بها، وقال: ليعلموا أنها سُنَّة (٢١)، يعني أنها مشروعة، وليس المعنى أنها سُنَّة؛ إن شئت فافعلها، وإن شئت فلا، لكن أنها مشروعة.
(وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ) هذا أيضًا من واجباتها، وهو ركن على المشهور من المذهب، وهو مبني على القول بركنية الصلاة على النبي ﷺ في الصلوات، أما إذا قلنا: بأنها ليست بركن في الصلوات، فهي هنا أيضًا ليست بركن.
لكن الصلاة على النبي ﷺ في هذا المقام لها شأن، وذلك لأن الفاتحة ثناء على الله، والصلاة على النبي ﷺ صلاة عليه، والثالثة دعاء، وينبغي للداعي أن يقدم بين يديه الثناء على الله، ثم الصلاة على النبي ﷺ.
[ ١ / ٢٧٨٠ ]
وقوله: (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ)، ولم يُبَيِّن هنا، لكنه بَيَّنَ فيما سبق أنها كالتشهُّد، لكن يكفي أن يقول: اللهم صَلِّ على محمد.
(وَدَعْوَةٌ لِلْمَيِّتِ)، هذا من الأركان أيضًا؛ لقول النبي ﵊: «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» (٢٢)، ولأن هذا هو لُبُّ هذه الصلاة، أصل الصلاة على الميت إنما كانت للدعاء له، وإن كان فيها عبادة، لكن ليست مجرد عبادة لله ﷿.
(وَدَعْوَةٌ لِلْمَيِّتِ، وَالسَّلَامُ)، ركن أو واجب؟ ركن، لكنه يكفي فيه مرة واحدة كما مَرَّ.
قال: (وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ)، السلام دليله قول عائشة ﵂: كان يختم الصلاة بالتسليم (٢٣)، وهذا وإن لم يكن ظاهرًا في عموم صلاة الجنازة، لكن يصح أن يكون متمسِّكًا، ولأنها عبادة افتُتِحَت بالتكبير، فتُخْتَتَم بالتسليم كالصلاة المفروضة.
قال: (وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ)، أي على صفة ما فاته، لعموم قول الرسول ﷺ: «ما فاتكم فأتموا» (٢٤).
ويستفاد من قول المؤلف شيء من التكبير، أن التكبيرة بمنزلة الركعة، طيب وإذا دخل مع الإمام في التكبيرة الثالثة، فهل يقرأ الفاتحة، أو يدعو للميت، لأن هذا مكان الدعاء، الظاهر أنه في هذه الحال يدعو للميت، حتى على القول بأن ما يدركه المسبوق أول صلاته فينبغي في صلاة الجنازة أن يتابع الإمام فيما هو فيه، لأننا لو قلنا لهذا الذي أدرك الإمام في التكبيرة الثالثة، لو قلنا: اقرأ الفاتحة، ثم كبر الإمام للرابعة، وقلنا: صل على النبي، ثم حملت الجنازة؛ فاته الدعاء له.
وقول المؤلف: (وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ)، ظاهره الوجوب، أنه يقضيه على صفته، وظاهره أيضًا أنه يقضيه، سواء خَشِيَ حمل الجنازة أم لم يَخْشَ.
[ ١ / ٢٧٨١ ]
ووجه ذلك أنه إذا قَدَّر أن الجنازة رُفِعَت قبل أن يُتَمِّم فإنه يدعو له ولو في غيبتها للضرورة، ولكن قيَّده الأصحاب -﵏- قالوا: ما لم يَخْشَ رَفْعَها، أي رَفْع الجنازة، فإن خشي الرفع تابع وسلَّم.
والغالب في جنائزنا الغالب أنها تُرْفَع، لا يتأخرون فيها حتى يقضي الناس، وعلى هذا فيتابع التكبير ويسلِّم، ومع هذا قالوا: وله أن يسلِّم مع الإمام؛ لأن الفرض سقط بصلاة الإمام، فما بعد صلاة الإمام يعتبر نافلة، والنافلة يجوز قطعها.
فالأقوال إذن ثلاثة، المسبوق في صلاة الجنازة له ثلاث حالات؛ الحال الأولى: أن يمكن قضاء ما فات قبل أن تُحْمَل الجنازة، فهنا نقول أيش؟ اقْضِهِ ولا إشكال فيه؛ لأن عموم قوله ﵊: «مَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» يشمل هذا.
الحال الثانية: أن يخشى مِن رفعها فيتابع التكبير، وإن لم يَدْعُ إلا دعاء قليلًا للميت.
الحال الثالثة: أن يسلِّم مع الإمام، ويسقط عنه ما بقي من التكبير، وعلَّته ما ذكرت لكم؛ هو أن الفرض سقط بالصلاة الأولى التي هي صلاة الإمام، فكان ما بقي مخيَّرًا فيه، ومع هذا فليس هناك نص صحيح صريح في الموضوع، أعني في موضوع أنه يسلِّم مع الإمام، أو يتابع التكبير بدون دعاء، لكنه اجتهاد من أهل العلم ﵏.
[ ١ / ٢٧٨٢ ]
ثم قال: (وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ صَلَّى عَلَى القَبْرِ)، من فاتته الصلاة عليه فلم يُدْرِك فإنه يصلِّي على القبر إن أدركها قد دُفِنَت، وإلا صلى عليها ولا ينتظر؛ لأن الصلاة على القبر إنما تكون للضرورة، إذا لم يمكن حضور الميِّت بين يديه فإنه يصلي على القبر، ودليل ذلك قصة المرأة التي كانت تَقُمُّ المسجد؛ أي ترفع قمامته وتنظفه منها، ماتت ليلًا ولم يُؤْذَن النبي ﷺ بذلك، تحقيرًا لشأنها من وجه، ولئلا يَشُقُّوا على النبي ﷺ من وجه آخر، فلما أصبح، أو فلما سأل عنها أخبروه أنها ماتت، فقال: «هَلَّا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟»، أي: أخبرتموني، فقالوا كأنهم صغَّروا من شأنها، ثم قال: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا» (٢٥)، فخرج بنفسه ﵊، وصلَّى على قبرها، وفي هذا من عناية الرسول ﵊ بأهل الخير، حتى إنها امرأة سوداء، عنايته بأهل الخير الذين يعملون الخير الآن مما هو ظاهر، هذه ليس من عملها إلا أنها تَقُمُّ المسجد، وفيه أيضًا عناية الرسول ﷺ بالمساجد، كما جاء في حديث عائشة أن النبي ﷺ أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تُنَظَّف وتُطَيَّبَ (٢٦).
وفيه أيضًا تواضع النبي ﷺ للخروج إلى قبرها ليصلي عليها، وإلا فبإمكانه أن يدعو لها في مكانه، لكنه خرج تواضعًا لله وتعظيمًا لشأن هذه المرأة السوداء، وشكرًا لها على عملها، ولكن كيف يصلَّى على القبر صلاة الجنازة؟
المعروف إن كان رجلًا وقف عند رأسه، وإن كان أنثى عند وسط القبر، فيجعل القبر بينه وبين القبلة.
قال: (وَعَلَى غَائِبٍ بِالنِّيَّةِ)؛ لأن الغائب ليس بين يديه حتى ينوي يصلي على شيء مشاهَد، ولكن (بالنية إلى شهر)، فالصلاة على الميت إما أن يكون بين يديه، وذلك قبل الدفن أو بعده على القبر، وإما أن يكون غائبًا.
[ ١ / ٢٧٨٣ ]
لكن كلمة (غائب) ماذا تعني؟ تعني أنه غائب عن البلد، ولو دون المسافة، يصلي عليه صلاة الغائب، أما مَن في البلد فإنه لا يُشْرَع أن يصلي عليه صلاة الغائب، بل المشروع أن يخرج إلى أيش؟ إلى قبره ويصلي عليه.
ولهذا يخطئ بعض الجهال الذين يصلون على الميت في أطراف البلد وهو ميت في بلده، فإن هذا خلاف السنة، السنة أن تخرج إلى القبر وتصلي عليه.
ثم قال: (إِلَى شَهْرٍ) يصلي على الغائب وعلى القبر إلى شهر، وذلك لأن النبي ﷺ صلى على قبر إلى شهر (٢٧)، يعني إلى نهاية الشهر، هذا هو الدليل.
ولكن كون الرسول ﵊ صلَّى على قبر له شهر، لا يدل على التحديد؛ لأن هذا فعل اتفاقًا ليس مقصودًا، فلا ندري لو كان له أكثر هل يصلي أو لا؟ ولو كان له دون هل يصلي أو لا، وما فعل اتفاقًا فليس بدليل اتفاقًا؛ لأنه لم يقصد.
ولهذا نقول: الصحيح أنه يصلي على الغائب ولو بعد الشهر، ويصلي أيضًا على القبر ولو بعد الشهر.، إلا أن بعض العلماء قيَّدَه بقيد حسن، قال: بشرط أن يكون هذا المدفون قد مات في زمن يكون فيه المصلي أهلًا للصلاة، معلوم، إلا أن يكون الميت قد مات في زمن بلغ فيه المصلي أن يكون من أهل الصلاة.
ولا يُصَلِّي الإمامُ على الغالِّ ولا على قاتلِ نفسِه، ولا بأسَ بالصلاةِ عليه في المسجدِ.
(فصلٌ في حمل الميت ودفنه)
يُسَنُّ التربيعُ في حَمْلِه ويُباحُ بينَ العمودينِ، ويُسَنُّ الإسراعُ بها وكونُ الْمُشاةِ أمامَها والرُّكبانِ خَلْفَها، ويُكْرَهُ جُلوسُ تابعِها حتى تُوضَعَ، ويُسَجَّى قبرُ امرأةٍ فقط، واللَّحْدُ أَفْضَلُ من الشَّقِّ ويقولُ مُدْخِلُه " بسمِ اللهِ وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ " ويَضعُه في لَحْدِه على شِقِّه الأيمنِ مُستقبلَ القِبلةِ، ويُرفعُ القبرُ عن الأرضِ قَدْرَ شِبْرٍ مُسَنَّمًا ويُكرهُ تَجْصِيصُه والبناءُ والكتابةُ والجلوسُ والوطءُ عليه
[ ١ / ٢٧٨٤ ]
(إلى شهر) يصلي على الغائب وعلى القبر إلى شهر؛ وذلك لأن النبي ﷺ صلَّى على قبر إلى شهر (١)؛ يعني: إلى نهاية الشهر، هذا هو الدليل، ولكن كون الرسول ﵊ صلَّى على قبر له شهر لا يدل على التحديد؛ لأن هذا فُعِلَ اتفاقًا ليس مقصودًا، فلا ندري لو كان له أكثر هل يصلي أو لا؟ ولو كان له دون هل يصلي أو لا؟ وما فُعِلَ اتفاقًا فليس بدليل اتفاقًا؛ لأنه لم يقصد.
ولهذا نقول: الصحيح أنه يصلي على الغائب ولو بعد الشهر، ويصلي أيضًا على القبر ولو بعد الشهر، إلا أن بعض العلماء قيده بقيد حسن، قال: بشرط أن يكون هذا المدفون قد مات في زمنٍ يكون فيه المصلي أهلًا للصلاة، إلا أن يكون الميت قد مات في زمنٍ بلغ فيه المصلي أن يكون من أهل الصلاة.
مثال ذلك: رجل مات له عشرون سنة، فخرج إنسان يصلي عليه وله ثلاثون سنة، يصح أو لا؟ يصح، على هذا القول يصح؛ لأنه مات هذا الميت ولهذا عشر سنوات من أهل الصلاة على الميت.
مات رجل له ثلاثون سنة، وخرج شخص له عشرون سنة ليصلي عليه، لا يصح؛ لأن هذا كان معدومًا حين مات الرجل، فليس من أهل الصلاة عليه، ومن ثَمَّ لا يشرع لنا نحن أن نصلي على قبر النبي ﷺ، لا يشرع لنا، وما علمنا أن أحدًا من الناس قال: إنه يشرع أن يصلي الإنسان على قبر النبي ﷺ، أو على قبور الصحابة، لكن يقف ويدعو، هذا شيء آخر.
وقول المؤلف: (وعلى غائب) أطلق، فيشمل كل غائب؛ أي واحد يموت وتحب أن تصلي عليه فصلِّ؛ رجلًا كان أو امرأة، شريفًا أو وضيعًا، قريبًا أو بعيدًا، تصلي على كل غائب، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على أقوال ثلاثة:
[ ١ / ٢٧٨٥ ]
القول الأول: أنه يصلى على كل ميت غائب ولو صلى عليه آلاف الناس، وبناء على هذا القول اتخذ بعض العلماء عملًا لا يشك أحد أنه بدعة، فقال: إذا أردت تنام فصل صلاة الجنازة على كل من مات في اليوم والليلة، كلما أردت تنام صلِّ صلاة الغائب على من؟ كل من مات من المسلمين، انو الصلاة عليه تؤجر أجرًا كثيرًا، كم مات مثلًا في هذا اليوم والليلة؟ قد يكون آلاف ماتوا، فيكون لك أجر آلاف الصلوات، ولكن هذا القول لا شك أنه بدعة؛ لأن أعلم الناس بالشرع، وأرحم الناس بالخلق، وأحب الناس أن ينفع الناس من؟ الرسول ﵊، هل كان كل ليلة يصلي على الناس؟ ! ولا خلفاؤه الراشدون ولا عُلِمَ عن أحد من الصحابة، فهو بدعة.
وقال بعض العلماء: يصلى على الغائب إذا كان فيه غناء للمسلمين؛ يعني: منفعة، كعالم نفع الناس بعلمه، وتاجر نفع الناس بماله، ومجاهد نفع الناس بجهاده، وما أشبه ذلك يصلى عليه شكرًا له، وردًّا لجميله، وتشجيعًا لغيره أن يفعل مثل فعله، وهذا قول وسط اختاره كثير من علمائنا المعاصرين وغير المعاصرين.
والقول الثالث: لا يصلى على غائب إلا من لم يصلَّ عليه، حتى وإن كان كبيرًا في علمه أو ماله أو جاهه أو غير ذلك، فإنه لا يُصَلَّى عليه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واستدل لذلك بأن الصلاة على الجنازة عبادة، والعبادة لا تشرع إلا من الكتاب والسنة، ولم يحفظ عن النبي ﷺ أنه صلى على غائب إلا على النجاشي؛ لأنه مات بين أمة مشركة، أولًا ليسوا من أهل الصلاة، والمؤمن منهم -إن من كان منهم أحد آمن- لا يعرف عن كيفية الصلاة شيئًا، فأخبر به النبي ﵊ في اليوم الذي مات فيه، وهو في الحبشة والرسول ﷺ في المدينة، وأخبر الناس بذلك، وقال: «إِنَّهُ مَاتَ رَجُلٌ صَالِحٌ» (٢)، وفي بعض الروايات: «أَخُوكُمْ»، ثم أمرهم أن يخرجوا إلى المصَلَّى.
[ ١ / ٢٧٨٦ ]
المصَلَّى إما مصلى الجنائز؛ لأنه في عهد الرسول ﵊ للجنائز مصلًّى خاص، وإما مصلى العيد، والحديث محتمل للقولين، وبكل من القولين قال بعض العلماء؛ فمن قال: إن المراد مصلَّى العيد قال: إن النبي ﷺ أمر بذلك إظهارًا لشرف هذا الرجل، وردًّا لجميله؛ لأنه آوى الصحابة الذين هاجروا إليه، وقال: إن كونه يُصَلَّى عليه في مثل العيد أظهر.
وقال بعض العلماء: المراد المصَلَّى مصَلَّى الجنائز؛ لأن (أل) للعهد، وهذه صلاة جنازة فتحمل على المعهود في صلاة الجنازة؛ وهو مُصَلَّى الجنائز، المهم أنه لم يحفظ عن الرسول ﵊ أنه صلى على جنازة غائبة، ولا عن الصحابة، ولا شك أنه يموت العظماء وذوو الغناء في عهد النبي ﵊ وفي عهد الخلفاء الراشدين.
وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ أنه من صلي عليه فلا يُصَلَّى عليه صلاة غائب.
صلاة الغائب إلى شهر، يقول المؤلف: (إلى شهر)، وبعد الشهر لا يصلى عليه، وهذا ما لم يكن لم يُصَلَّ عليه، فإن كان لم يُصَلَّ عليه صلينا عليه ولو بعد سنين، وهذه المسألة الأخيرة ترد كثيرًا في البادية؛ في زمن الجهل يموت عندهم الرجل ويدفنونه بدون تغسيل ولا تكفين ولا صلاة، ثم يجيئون يسألون الآن: مات لنا ميت سنة الكسوف، تعرفون سنة الكسوف؟ نعم، هو سنة أظن ثلاث وسبعين، ١٣٧٣ هـ كسفت الشمس كسوفًا كليًّا، حتى صرنا نرى النجوم في الظهر، وصار الناس يحملون السرج؛ ولهذا هي مؤرخة عند البادية بسنة الكسوف، كعام الفيل في قريش، المهم على كل حال أن الذي لم يُصَلَّ عليه يُصَلَّى عليه متى علمنا أنه لم يُصَلَّ عليه وإن طالت المدة.
طالب: أحسن الله إليك () فاتحة الكتاب ما وجهه؟
الشيخ: واللهِ لا وجه له، ما أعرف له وجهًا، أقول: لا أعرف له وجهًا ما دام الحديث «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٣). وهذه صلاة.
الطالب: ()؟
الشيخ: نعم.
[ ١ / ٢٧٨٧ ]
الطالب: الصلوات الخمس.
الشيخ: من يقول؟ أليس الله سمَّى هذه صلاة ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤].
الطالب: لو انتهى المأموم من قراءة الفاتحة والإمام لم يكبر؟
الشيخ: إي نعم، إذا انتهى المأموم من قراءة الفاتحة قبل أن يكبر الإمام فليقرأ بسورة أخرى، بل إنه ورد في بعض الأحاديث أن الرسول قرأ معها سورة أخرى (٤).
طالب: إذا سلَّم الإمام نصف تسليمة هل للمأمومين أن يسلموا مثل تسليمه؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه لا يتحقق به المخالفة، لكن لو سلَّم تسليمتين فليسلموا تسليمتين.
الطالب: قول عوف بن مالك لما سمع دعاء النبي ﷺ على الميت قال: حتى تمنيت ..
الشيخ: أن أكون أنا هو (٥). إي نعم.
الطالب: ()
الشيخ: لا، تمنى ذلك من أجل الدعاء، ما هو للموت؛ أن يكون هو ذلك الميت لأجل يحصل له دعاء الرسول ﵊.
الطالب: ().
الشيخ: لا، ما هو معناه هذا يُحْرَم، ما قصد هذا، ما قصد أن هذا الرجل يُحْرَم من دعاء الرسول ﵊، هذه كثيرًا ما تقع ما يريدون الناس يحسدونه؛ لأن النعمة قد حصلت الآن وانتهت، لكن يتمنى
مثلها.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، () أخلصوا للميت في الدعاء () اللهم اغفر ().
الشيخ: إي نعم، لا ينافي، أخلصوا له الدعاء؛ يعني: إذا دعوتم للميت فأخلصوا له.
الطالب: ()؟
الشيخ: هو سيدعو الدعاء العام، ثم يقول: اللهم اغفر له وارحمه؛ للميت.
الطالب: ().
الشيخ: يعني: اللهم اغفر لي وللميت مثلًا؟
لا، ما أرى في هذا بأسًا، لكن المحافظة على الوارد أحسن.
طالب: () نقدم الصلاة على النبي () أو الدعاء على الصلاة؟
الشيخ: لا بد من الترتيب.
الطالب: إذا كان فعل وعلم بعد الصلاة؟
الشيخ: ما يضر إن شاء الله.
الطالب: إذا سلَّم من تكبيرتين.
الشيخ: لا، إذا سلَّم من تكبيرتين يُكَمِّل مع القرب، أو يُعِيد مع البعد.
[ ١ / ٢٧٨٨ ]
طالب: حفظك الله يا شيخ، في الحاشية حديث يقول إشارة إلى ما رواه في مسألة ..، يقول: (وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم)، يقول: ما رواه ابن أبي الدنيا وغيره عن خالد بن معدان: إن في الجنة لشجرة يقال لها: طوبى كلها ضروع، من مات من الصبيان الذين يرضعون رضع من طوبى، وحاضنهم إبراهيم خليل الرحمن ﵇ (٦)، هذا الحديث؟
الشيخ: هذا -بارك الله فيك- يحتاج إلى تخريج.
طالب: يا شيخ، قلت: إن ما فُعِلَ اتفاقًا فليس فيه دليل اتفاقًا، المذهب يخالف ذلك ()؟
الشيخ: إي، ما وقع اتفاقًا فليس دليلًا اتفاقًا.
الطالب: المذهب ما يخالفون يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما يخالفون، قد يخالفون في كونه وقع اتفاقًا، أما إذا قال: نعم، وقع اتفاقًا فلا دليل فيه، لكن قد يخالف العالم، فيقول: هذا وقع قصدًا لا اتفاقًا.
الطالب: هل فيه دليل أنه وقع اتفاقًا؟
الشيخ: يؤخذ بالتتبع أن هذا ليس من مقاصد الشريعة.
طالب: شيخ، فعل ابن عمر في رفع اليدين مع كل تكبيرة، ما يعتبر أنه من اجتهاده ﵁ أنها صلاة ()؟
الشيخ: الصلاة العادية ما فيها رفع في كل تكبير، هو نفسه يقول: وكان لا يفعل ذلك في السجود (٧).
***
() إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويقف بعد الرابعة قليلًا، ويسلم واحدة عن يمينه)، ماذا يقول إذا وقف بعد الرابعة؟
طالب: اختلفوا بداية بعضهم قال: ()، بعضهم قال: يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؛ لأن النبي ﷺ كان يختم الدعاء بها.
[ ١ / ٢٧٨٩ ]
الشيخ: بعضهم يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؛ لأن النبي ﷺ كان يختم الدعاء بها، وبعضهم يقول: يسكت ولا يقول شيئًا، وبعضهم يقول: إنه يقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله، والمسألة ليس فيها دعاء موقوف ورد عن النبي ﷺ، فإن دعا بدعاء مناسب فهو خير.
يقول المؤلف: (إن واجب صلاة الجنازة كذا وكذا) ما المراد بقوله: (واجب)؟
طالب: أي: ما تجب الصلاة فيه.
الشيخ: ما يجب فيها، فلا ينافي أن يكون ركنًا، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، إذن هنا لم يفرقوا بين الركن وبين الواجب، بل جعلوا الأركان واجبات.
قوله: (قيام) هل يشمل الفرض والنفل أو الفرض خاصة؟
طالب: الفرض والنفل.
الشيخ: هل في صلاة الجنازة نفل؟
الطالب: نعم يا شيخ، الصلاة الثانية على الميت.
الشيخ: الصلاة الثانية على الميت، أحسنت، طيب.
ما هو الدليل على أن الفاتحة من واجبات الصلاة أو من أركانها؟
طالب: منها قوله ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٣).
الشيخ: عموم قول النبي ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، نعم.
لو قال قائل: صلاة الجنازة هل هناك دليل على أنها صلاة؟ هل لو قال قائل: لا يدخل في هذا الحديث صلاة الجنازة، هل عندك دليل على أن صلاة الجنازة من الصلاة؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: فعل النبي ﷺ والصحابة () الصلاة.
الشيخ: لا، أنا أريد دليلًا على أنها صلاة.
الطالب: صلى الرسول ﷺ بنفسه على الميت.
الشيخ: ما يخالف، هو صلى عليه، لكن لو قال قائل: ما هي صلاة، فلا تدخل ..؟
الطالب: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤].
[ ١ / ٢٧٩٠ ]
الشيخ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾، وكذلك الرسول يقول: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» (٨)، إذن هي صلاة بدلالة الكتاب والسنة، فتدخل في عموم قوله: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
لو أنه فاته شيء من التكبير فماذا يصنع؟
طالب: إذا فاته شيء يقضيه.
الشيخ: كيف يقضيه؟
الطالب: إن كان بإمكانه أن يقضي بدون أن يفوته الدعاء قضى ..
الشيخ: نعم، إن أمكنه أن يقضيه على صفته قبل أن تحمل الجنازة فعل، وإلا؟
الطالب: وإلا وافق الإمام.
الشيخ: يعني: يسلم مع الإمام؟ ما يمكنه؛ لأنه هو دخل مع الإمام في الثالثة مثلًا ..
الطالب: يدعو إذا دخل ..
الشيخ: نعم، هو يدعو، لكن سلم الإمام وباقٍ عليه تكبيرتان وما فيهما من الذكر.
الطالب: ().
الشيخ: إذا خاف أن تحمل يتابع التكبير ويسلم، وله أن يسلم مع الإمام؛ لأن الفريضة انتهت بسلام الإمام.
لو قال قائل: ما هو الدليل على اختياركم أن يقضيه؛ أي: ما فاته على صفته؟
طالب: قوله ﷺ: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (٩).
الشيخ: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»، ويلزم من ذلك أن يتمه على صفته.
إذا فاتته الصلاة عليها؟
طالب: يقول المؤلف: إذا فاتته الصلاة عليها صلى على القبر.
الشيخ: هل هناك دليل؟
الطالب: نعم، فعل الرسول ﷺ حينما صلى على المرأة التي كانت تَقُمُّ المسجد صلى على قبرها (١٠).
الشيخ: صلى على قبرها، تمام، هل هذا مقيد؟
طالب: بعضهم قيده بشهر، وبعضهم قال: لا حَدَّ له.
الشيخ: لا حَدَّ له.
الطالب: الرسول ﷺ صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين (١١).
الشيخ: المهم أن فيه خلافًا، ما بعد وصلنا إلى طلب الدليل، منهم من حده بشهر، واستدل لذلك بأن النبي ﷺ صلى على قبر؛ يعني: بعد مدة شهر (١).
[ ١ / ٢٧٩١ ]
ومنهم من قال: لا حَدَّ له؛ لأن هذه قضية عين وقعت اتفاقًا، وما وقع اتفاقًا فليس بدليل اتفاقًا.
لكن من العلماء من قيَّد هذا بقيد ما هو؟
طالب: قيدوه بأن يكون المصلي أهلًا للصلاة حين وقت دفن الميت.
الشيخ: تمام، أن يكون المصلي أهلًا للصلاة حين وقت دفن الميت، لماذا؟ الذين قالوا: يقيد بهذا القيد ما هو دليلهم؟
طالب: السلف لم يصلِّ أحد منهم على قبر، من الصحابة وغيرهم.
الشيخ: نعم، يعني ما صلى الناس على النبي ﷺ، ولا على أهل البقيع، ولا على عثمان، ولا على غيرهم، طيب، هذا أحسن ما قيل في الحد.
هل يُصَلَّى على الغائب؟
طالب: نعم، يُصَلَّى.
الشيخ: يُصَلَّى على الغائب، سواء صُلِّيَ عليه أم لم يُصَلَّ؟
الطالب: نعم، على كلام المؤلف.
الشيخ: إي، ما يخالف، على كلام المؤلف. ما هو الدليل؟
الطالب: أن النبي ﷺ صلى على النجاشي حين مات.
الشيخ: أن النبي ﷺ صلى على النجاشي حين مات (١٢).
هل هذا الاستدلال بالحديث صحيح أو لا؟
طالب: الصلاة تجوز الصلاة على أي ميت مطلقًا.
الشيخ: إي، لا، هو المؤلف يقول: يُصَلَّى على الغائب، واستدل بصلاة النبي ﷺ على النجاشي، فهل هذا الاستدلال صحيح أو لا؟
الطالب: نقول: إن الصلاة على الغائب ليست مطلقًا، بل الصلاة على من لم يُصَلَّ عليه وفي المسألة خلاف.
الشيخ: لا، هذا واحد قال: نقول: صلوا على كل غائب.
الطالب: ().
الشيخ: لا، أنا ما أريد الحكم، أنا أقول: هل هذا الاستدلال صحيح أو لا؟
الطالب: صحيح.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن النبي ﷺ صلى على النجاشي؛ لأنه لم يُصَلِّ عليه أحد.
الشيخ: نعم.
طالب: أولًا: لأن النجاشي مات بأرض ليس فيها مسلمون، ثانيًا: لأن النبي ﷺ مات من المسلمين من ليس حاضرًا عنده ولم يُصَلِّ عليه.
[ ١ / ٢٧٩٢ ]
الشيخ: لا، أنا أريد يا إخواني ..، ما أريد أن نثبت الحكم أو ننفي الحكم، أريد أن أقول: هل الاستدلال بقصة النجاشي على الصلاة على عموم الناس، هل هو استدلال صحيح أو لا ولماذا؟
طالب: استدلال غير صحيح، الاستدلال بحديث أن النبي ﷺ صلى على النجاشي غير صحيح.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: إذا افترضنا أن النبي صلى الله علي وسلم صلى على النجاشي بعد شهر للزم الناس أن نقول لهم: صلوا على كل من مات من المسلم؟
الشيخ: لا.
طالب: نعم، يا شيخ؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
الشيخ: يا إخواني إحنا أعطيناكم قاعدة في الاستدلال؛ لا يصح الاستدلال بالأخص على الأعم، الاستدلال بالأخص لا يصح أن يُسْتَدَل به على الأعم؛ يعني: إذا كان الدليل أخص من المطلوب فإنه لا يُسْتَدَل به، وهذا صحيح، لكن يُسْتَدَل بالأعم على الأخص؛ لأن العام يشمل جميع أفراده، فنحن نقول: هذه قضية خاصة لا يمكن أن نستدل بها على العموم، ليس هذا لفظًّا عامًّا، قضية خاصة، والنجاشي كما قلتم: لم يُصَلَّ عليه في بلده، فأمر النبي ﵊ أن يصلي المسلمون عليه هناك.
إذن من لم يُصَلَّ عليه يجب أن يُصَلَّى عليه؛ على الغائب، ومن صُلِّيَ عليه فهذا موضع خلاف بين العلماء، من يشرح لنا الخلاف؟
طالب: نقول: في المسألة هذه ثلاثة أقوال:
القول الأول: قال: يطلق أن يصلى على الميت الغائب.
القول الثاني: قال الإمام الشوكاني: إذا كان الإنسان له جاه في المسلمين ..
الشيخ: غناء ().
الطالب: القول الثالث قول شيخ الإسلام رحمة الله عليه، قال: إنه يُصَلي على من لم يُصَلَّ عليه.
الشيخ: وأما من صُلِّيَ عليه؟
الطالب: لا يُصَلَّى عليه.
[ ١ / ٢٧٩٣ ]
الشيخ: فلا يُصَلَّى عليه، وهذا القول الأخير هو الصحيح؛ لأنها تؤيده الأدلة، ويليه قول مفصَّل، وأبعد من ذلك القول المطلق الذي يقول: صلِّ على كل غائب، حتى إن بعض العلماء -رحمة الله علينا وعليهم- صار كلما أراد أن ينام صلى صلاة جنازة على من مات من المسلمين اليوم، أين هذه السنة؟ !
وهل تقيد الصلاة بشهر؟ نقول فيها ما قلنا في الصلاة على القبر.
***
ثم قال المؤلف ﵀: (ولا يصلي الإمام على الغال) من الإمام؟
إذا أطلق الفقهاء (الإمام) فالمراد به الإمام الأعظم؛ أي: رئيس الدولة لا يصلي على الغال.
وقوله: (الغال) الغال: هو من كتم شيئًا مما غنمه في الجهاد؛ مثل أن يكون رجل مع المجاهدين غنم شيئًا من المجاهدين وكتمه، يريد أن يختص به لنفسه، فهذا قد فعل إثمًا عظيمًا، والعياذ بالله، وأتى كبيرة من كبائر الذنوب، ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، سوف يأتي بما غَلَّه حاملًا إياه على رقبته يوم القيامة، خزي وعار وفضيحة، ولما كانت المسألة كبيرة ومتعلقة بعموم المسلمين امتنع النبي ﷺ أن يصلي على الغال؛ نكالًا لمن يأتي بعده.
ولكن هل تسقط الصلاة عليه عن بقية المسلمين؟
الجواب: لا، لا تسقط الصلاة عن بقية المسلمين، يجب على بقية المسلمين أن يصلوا عليه، ودليل ذلك ما روى زيد بن خالد، قال: توفي رجل من جهينة يوم خيبر، فذُكِرَ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فتغيرت وجوه القوم، فلما رأى ما بهم قال: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزًا من خرز اليهود لا يساوي درهمين -أعوذ بالله- ولم يُصَلِّ عليه (١٣)، ولكن الصلاة عليه باعتبار عموم المسلمين واجبة.
[ ١ / ٢٧٩٤ ]
وقوله: (ولا على قاتل نفسه) يعني: كذلك لا يصلي الإمام على قاتل نفسه؛ لأن قاتل نفسه -والعياذ بالله- أتى كبيرة من كبائر الذنوب، وسوف يُعَذَّب في جهنم بما قتل به نفسه؛ إن قتلها بخنجر ففي يده خنجر في نار جهنم يطعن به نفسه، إن قتل نفسه بسُم ففي فمه سُم يتحساه يوم القيامة في النار، إن قتل نفسه بالتردي من عال من جبل أو من جدار أو ما أشبه ذلك فكذلك يُعَذَّب به في جهنم، كما جاء ذلك عن رسول الله ﷺ (١٤).
فلا يصلي الإمام على قاتل نفسه؛ نكالًا لمن بقي بعده، وكثير من الناس غير المسلمين إذا ضاقت به الدنيا قتل نفسه، انتحر، والعياذ بالله، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ عجل العقوبة لنفسه، والعياذ بالله؛ لأنه يُعَذَّب من حين ما يموت، نسأل الله العافية.
ودليل ذلك أن النبي ﷺ أتي برجل قد قتل نفسه بمشاقص فلم يُصَلِّ عليه (١٥).
ولكن هل يصلي عليه بقية الناس؟ نعم، يصلي عليه بقية الناس؛ لأنه مسلم؛ لأن قاتل نفسه لا يكفر وإن كان يخلد في النار إلا أن يشاء الله فإنه لا يكفر.
بقي أن نناقش المؤلف في قوله: (لا يصلي الإمام).
لو قال قائل: أفلا ينبغي أن يعدى هذا الحكم إلى أمير كل قرية أو قاضيها أو مفتيها؛ يعني: من يحصل بامتناعهم نكال هل يتعدى الحكم إليهم؟
الجواب: نعم، صحيح أنه يتعدى الحكم إليهم، كل من في امتناعه عن الصلاة نكال فإنه يُسَن له ألَّا يصلي على الغال، ولا على قاتل نفسه.
وهل يلحق بالغال وقاتل النفس من هو أشد منهم أذية للمسلمين كقطاع الطرق مثلًا؟
[ ١ / ٢٧٩٥ ]
المشهور من المذهب: لا، والقول الثاني: أن من كان مثله -أي: مثل أهل الغلول أو قاتلي أنفسهم- أو أشد منهم فإنه لا يصلي الإمام عليه؛ وذلك لأن الشرع إذا جاء بالعقوبة على جرم من المعاصي فإنه يلحق به ما يماثله أو ما هو أشد، فإذا كان الذي غَلَّ هذا الشيء اليسير لم يصل عليه النبي ﷺ، فما بالك بمن يقف للمسلمين في الطرق ويقتلهم ويأخذ أموالهم ويريعهم! أليس هذا من باب أولى أن ينكل به؟ الجواب: بلى؛ ولهذا الصحيح أن ما ساوى هاتين المعصيتين ورأى الإمام المصلحة في عدم الصلاة عليه فإنه لا يصلي عليه.
ثم قال: (ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد) لا بأس بالصلاة على الميت في المسجد، وإنما قال: (لا بأس) ردًّا لقول من يقول: إنه لا تجوز الصلاة على الأموات في المساجد؛ لأن المساجد إنما بنيت للصلاة وقراءة القرآن والذكر، لا لأن تحمل إليها الجنائز ليُصَلَّى عليها فيها، ولأنه ربما يحصل من الميت تلويث للمسجد؛ يخرج منه خارج، أو يكون فيه رائحة كريهة، أو ما أشبه ذلك؛ فلهذا كره بعض العلماء أن يُصَلَّى على الأموات في المساجد، ولكن الصحيح أنه لا بأس في ذلك.
فإذا قال قائل: على هذا القول -أعني الكراهة- أين يصلى على الجنائز؟
نقول: يعد مُصَلًّى خاص للجنائز، كما هو متبع في كثير من البلاد الإسلامية، يعد مُصَلًّى خاص للجنائز، وينبغي إذا عملنا بهذا العمل -أعددنا مُصَلًّى خاصًّا- أن يكون هذا قريبًا من المقبرة؛ لأنه أسهل على المشيعين؛ لأن الناس إذا اجتمعوا -مثلًا- في مسجد في داخل البلد صار في ذلك مضايقة؛ لأنهم ينفرون مع الجنازة جميعًا، وقد تكون المقبرة بعيدة، لكن إذا كان مصلى الجنائز قريبًا من المقبرة صار الناس يأتون أرسالًا من بيوتهم إلى هذا المصلى، ثم يصلون عليه في المسجد، وإذا خرجوا جميعًا فإن المقبرة تكون قريبة ما يحصل فيها مشقة.
[ ١ / ٢٧٩٦ ]
عندنا هنا في نجد لا يستعملون هذا؛ أي: لا يخصصون مُصَلًّى للجنائز، بل الجنائز يؤتى بها إلى المساجد، وإذا كان لا بأس به، فإننا لا ننهى عنه، ولا نقول: إن هذا شيء يُخْشَى من الميت على المسجد، إلا إذا كان هناك قضية خاصة؛ بأن يكون الميت مات بحادث والدم لا زال ينزف منه، فهذا نمنع أن يُصَلَّى عليه في المسجد، لماذا؟ لأنه يلوثه بالنجاسة.
يقول: الدليل على جواز الصلاة في المسجد؛ لقول عائشة ﵂: صلى النبي ﷺ على سهيل -أو سهل- بن بيضاء في المسجد، أخرجه مسلم (١٦)، وهذا دليل على الجواز، وإن كان الرسول ﵊ له مُصَلًّى للجنائز، ولكنه يصلي أحيانًا على الجنائز في المسجد.
ثم قال المؤلف ﵀: (فصل: في حمل الميت ودفنه) المؤلف ﵀ مشى على الترتيب، التغسيل، ثم التكفين، ثم الصلاة، ثم الحمل والدفن.
قال: (يُسَن التربيع في حمله) التربيع في حمل الميت سنة؛ لأن الإنسان إذا ربع حمل الميت من جميع الجهات.
وصفة التربيع أن يأخذ بجميع أعمدة النعش، بجميع الأعمدة؛ ولهذا سميناه تربيعًا؛ لأن أعمدة النعش أربعة.
ولكن بأيها يبدأ؟ قالوا: يبدأ بالجهة الأمامية، فيبدأ بالعمود الذي على يمين الميت، والميت مستلق على السرير يأخذ بالعمود الذي على يمين الميت، ثم يرجع للعمود الذي وراءه، ثم يتقدم مرة ثانية للعمود الذي عن يسار الميت، ثم يرجع إلى الخلف، وبعد ذلك يحمل بما شاء، هذا ما اختاره أصحابنا ﵏؛ لأنه يُرْوَى عن ابن مسعود ﵁ أن هذا من السنة.
[ ١ / ٢٧٩٧ ]
وقال بعض العلماء: بل يحمله بين العمودين؛ ولهذا قال المؤلف: (ويباح بين العمودين) ولكن بعض العلماء قال: يُسَن أن يحمل بين العمودين؛ يعني بأن يجعل عمود على يده اليمنى كذا، وعمود على يده اليسرى، ولكن هذا لا شك أن فيه مشقة على الحامل، ولا سيما إذا كانت الجنازة ثقيلة، لكن يباح بين العمودين، قال: لأنه ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين (١٧).
والذي يظهر لي أن الأمر في هذا واسع، وأنه ينبغي أن يفعل ما هو أسهل، ولا يكلف نفسه، قد يكون التربيع صعبًا أحيانًا فيما إذا كثر المشيعون، فيشق على نفسه وعلى غيره، أما الحمل بين العمودين فهو شاق، اللهم إلا إذا كان هناك عمودان يلتقيان عن قرب، بحيث يكون كل عمود على عاتقه، فيمكن أن يكون سهلًا، أما إذا كان يحمله على يده؛ على ذراعه وعضده فهو صعب، هذا إذا كان الميت محمولًا على نعش، ولكن إذا كان صغيرًا فيحمل بين الأيدي؛ يعني: يحمل على الأيدي إذا كان صغيرًا ولا يشق، فيحمل على الأيدي.
وحينئذٍ نسأل هل ينبغي أن يوضع على النعش مكبة أو لا؟ مكبة، المكبة مثل الخيمة؛ أعواد مقوسة توضع على النعش ويجعل عليها ستر، هذه إذا كانت أنثى فنعم؛ لأن ذلك أستر لها.
وقد قيل: إن أول من فعل به ذلك فاطمة بنت محمد ﷺ، وقيل غير هذا، لكن استحب هذا كثير من العلماء، قالوا: لأن هذا أستر للمرأة، أما أن يؤتى بالمرأة ملفوفة بعباءتها تبين أفخاذها، وربما يبين بطنها، لا سيما إذا كانت حاملًا، فهذا فيه شيء من الفضيحة، أما الرجل فلا يسن فيه هذا، يبقى كما هو عليه؛ لأنه ربما يكون فيه فائدة، وهي قوة الاتعاظ إذا شاهد الإنسان الميت الذي كان بالأمس معه وهو الآن جثة على هذا السرير، فإنه يتعظ أكثر.
[ ١ / ٢٧٩٨ ]
ثم قال المؤلف: (ويباح بين العمودين، ويُسَن الإسراع بها) يُسَن؛ يعني: يطلب على وجه السنية، والمراد بالسنية هنا السنية الاصطلاحية، فلا يدخل فيها الواجب؛ يعني: يُسَن استحبابًا الإسراع بها؛ لقول النبي ﷺ: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ؛ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سَوِى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» (١٨).
اللهم إلا أن يُخْشَى من تمزق الجنازة؛ مثل أن يكون الميت محترقًا، ويخشى من تفسخ لحمه إذا أُسرع به، فحينئذٍ يُعْمَل ما يزول به المكروه.
ثم إن الإسراع ليس هو الخبب كما يفعل بعض الناس اليوم، تجده يخب بها خبًّا عظيمًا يتعب الشباب من الرجال، فإن هذا ليس بمقصود، وربما يكون في هذا تحريك لجوف الميت، فينزل منه شيء؛ لأن الميت ليس عنده أعصاب يتحكم بما يخرج منه، فربما مع الحركة ينزل منه شيء فيتلوث الكفن، وربما يتلوث النعش أيضًا، لكن الإسراع الذي ليس فيه خبب ومشقة على المشيعين هذا أفضل من عدم الإسراع.
وقد شاهدنا من قبل -ولا أدري هل هو إلى الآن باقٍ أو لا؟ - في مكة بعضهم يتباطأ جدًّا في الجنازة يمشون رويدًا رويدًا، وهذا خلاف السنة، والعجلة السريعة التي تشق على الناس ويخشى منها تفسخ الميت أو خروج شيء منه أيضًا خلاف السنة؛ ولهذا قال: (الإسراع بها دون الخبب) هذا بالشرح، دون الخبب؛ وهو الإسراع الشديد.
طالب: شيخ، إذا قلنا: إن قاتل نفسه إذا امتنع النبي ﷺ عن الصلاة عليه لم ينفعه، ولكن الإمام العادي إنسان شخص عادي لم قلنا: يمنع من الصلاة عليه؟
الشيخ: لا، ما هو الإمام العادي، الإمام الذي له شأن في البلد، الذي يرى الناس أن عدم صلاته على هذا الميت تعزير وتنكيل لمن بعده.
الطالب: ولكن لا يضره؟
الشيخ: من لا يضره؟
الطالب: لا يضر الميت؟
الشيخ: لا، ما يضره.
الطالب: () النبي ﷺ عن صلاته ().
[ ١ / ٢٧٩٩ ]
الشيخ: معلوم أن الرسول شافع، وهو أقرب الناس إلى الرب للشفاعة، المصلون كلهم شفعاء، وأقرب الناس الرسول ﵊.
طالب: () لا يصح أن يستدل بالأخص على الأعم استدل المؤلف بجواز () أليس بالأخص؟
الشيخ: لا، هذا ما هو معناه الخاص؛ خصوصية الرجل، الأخص في المعنى، الفرق واضح؛ لأن المعنى إذا صار عامًّا وجاءت السنة بشيء خاص منه فإنه يحمل على هذا الخاص فقط وما ساواه في المعنى، ما هو معناه أنه يقتصر على نفس القضية، تعمم لما شابهه فقط.
طالب: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» (١٩) كيف نوجه هذا الحديث؟
الشيخ: نعم، هذه الأحاديث نظير الآية من بعض الوجوه، وإن كانت الآية ليس فيها التأبيد، لكن نظيره آية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، والعلماء أجابوا عن هذا بأجوبة كثيرة؛ منها: أن هذا فيمن كان مستحلًّا للقتل، وقد عرض هذا الجواب على الإمام أحمد فضحك، وقال: سبحان الله، إذا استحل القتل فهو كافر؛ سواء قَتَلَ، أم لم يَقْتُل.
ومنهم من قال: إن هذا على شرط؛ يعني: هذا جزاؤه إن جازاه الله.
ومنهم من قال: إن هذا سبب، والسبب قد يوجد فيه مانع، وهو الإيمان، فالرسول ﵊ بين أن هذا سبب، وقد وجد مانع.
ومنهم من قال: إن هذا على ظاهره، وإن من فعل هذا الشيء فإنه يختم له بسوء الخاتمة -والعياذ بالله- ما لم يتب، فإن تاب تاب الله عليه، وقالوا: يؤيد هذا قول النبي ﷺ: «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» (٢٠).
[ ١ / ٢٨٠٠ ]
وهذا والذي قبله هو أحسن الأجوبة، أن نقول: هذا سبب، فإذا وجد مانع -وهو الإيمان ولو قلَّ- فإنه يمنع من الخلود، فله وجه.
طالب: ترون -يا شيخ- إقامة مساجد للصلاة بجوار القبور؟
الشيخ: واللهِ نحن نرى الأمر على ما كان عليه.
الطالب: لو أحد تبرع قال: أريد أن أبني مسجدًا بجوار القبور؟
الشيخ: نقول: ارجع للقاضي والأمير يشوف.
طالب: سجود السهو في الجنائز؟
الشيخ: السهو في الجنائز، كيف يسهو؟ !
الطالب: كيف يعمل إذا سها؟
الشيخ: إذا سها يجيب اللي سها فيه.
الطالب: ما يلزم السجود؟
الشيخ: لا، ما فيه سجود سهو؛ لأن أصلًا الصلاة ما فيها سجود.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك.
الشيخ: الله يبارك فيك.
الطالب: ().
الشيخ: هذا الأخير؟ لا، معذور، جزاك الله خيرًا، ().
الطالب: ().
الشيخ: أيش؟
الطالب: على الجنازة خلف الجدار لا يصلي إذا كان خارج المسجد؟
الشيخ: ما يصلي على الميت، إذا صار خارج المسجد والمسجد ضيق كيف بيطلع الإمام يصلي عليه.
الطالب: لا، الإمام بيصلي هو اللي خرج، ما فيه () ناس كانوا ().
الشيخ: يجاب الميت، لا بد يجاب، لا بد أن يحضر بين يديه، لا بد أن يؤتى بالميت يحضر بين يدي الإمام.
الطالب: المأموم؟
الشيخ: المأموم ما يهم، إذا صار الإمام موجودًا ليس بينه وبين الميت شيء يكفي.
طالب: المؤلف يقول: يصلي بإسراع، واستدل بحديث: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ» (١٨)، وهذا أمر؛ «أَسْرِعُوا» أمر، هذا يعني أخرج هذا؟
الشيخ: أخرج هذا أن الرسول بين أن هذا من باب الشفقة على الميت إذا كان صالحًا، أو الشفقة على الحامل إذا كان غير صالح، وإذا قال أحد بالوجوب فهو جيد؛ يعني القول بالوجوب جيد، لكن ما رأينا أحدًا قال بهذا.
طالب: بماذا استدل من قال: إنه لا يُصَلَّى في المسجد ويُصَلَّى خارج المسجد؟
[ ١ / ٢٨٠١ ]
الشيخ: إي نعم، استدلوا بأمرين؛ الأمر الأول: أن الرسول ﵊ جعل للجنائز مُصَلًّى، والثاني: أنه يخشى من تلويث المسجد، أو من الرائحة الكريهة من بعض الأموات.
طالب: رجل توفى في البئر () ولا نستطيع إخراجه، هل يُصَلَّى على البئر، أم يُصَلَّى عليه صلاة الغائب؟
الشيخ: لا، يُصَلَّى على البئر، وتطم البئر عليه، يصلى على البئر؛ يعني: سقط رجل في البئر ولم نستطع إخراجه، نصلي عليه وهو في البئر، وهنا يسقط تغسيله؛ لعدم القدرة عليه، والتكفين أيضًا.
طالب: أقول: إركاب الجنازة السيارة ما رأيكم فيه؟
الشيخ: اللي نرى أن إركاب الجنازة في السيارة خلاف السنة، وأنه لا ينبغي إلا لعذر، كبعد المقبرة مثلًا، أو وجود رياح عاصفة، أو وجود أمطار، أو خوف، أو ما أشبه ذلك.
طالب: الإنسان () امرأة () المكبة الآن ما يحطونها ()؟
الشيخ: لا بد أن تقدم للصلاة، حتى لو جعلناها في السيارة ().
الطالب: تقدمت للصلاة ()، لكن المشي فيها ما () السيارة؟
الشيخ: حتى المشي إذا الناس ما يشاهدونها كثيرًا؛ لأن المشي ستكون على الأعناق رفيعة.
الطالب: ()؟
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله! على كل حال لا شك أن الأفضل أن تحمل الجنازة على الأعناق؛ أولًا: لأن هذا هو ما جاءت به السنة، والثاني: أنه أدعى للاتعاظ والخشوع، أما لو حملناه في جنازة وجاءت السيارة من وراءها كأنهم في حفلة عرس.
طالب: إذا اجتمعت عدة قبور لم يُصَلَّى عليها؛ يعني: في صف واحد، فهل المصلي يجيب عليها مرة واحدة، أو يصلي على كل واحدة؟
الشيخ: كلها بين يديه قبور، إي نعم.
الطالب: لا، ليست كلها بين يديه.
الشيخ: إي، ما يصلح؛ لأن ما خرج عن مسامتته ما يمكن يصلي عليه؛ ولهذا نقول: إذا اجتمعت الجنائز نجعلها واحدة وراء الأخرى، حتى تكون كلها بين يديه.
طالب: إذا صلوا على جنازة، ثم كبروا عليها الأولى، وأتت جنازة أخرى، ثم ثالثة، ثم رابعة، هل يبقون؟
[ ١ / ٢٨٠٢ ]
الشيخ: إذا وصلوا إلى السبع أو التسع يتوقفون.
الطالب: كيف يكون؟
الشيخ: يعني مثلًا إذا كبرنا الأولى على الجنازة، ثم جاءت الجنازة الأخرى نكبر الثانية للأولى وهي الأولى للثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، حتى يصل إلى تسع للأولى، ثم نقف ما نُدَخِّل جنائز.
طالب: متى يقرأ الفاتحة؟
الشيخ: يقرأ الفاتحة إذا كبَّر للثانية؛ يعني: يعيد يكرر، يكون بالنسبة للأول مكرر.
***