هما فَرْضَا كفايةٍ على الرجالِ المقيمينَ للصلواتِ الخمْسِ المكتوبةِ، يُقاتَلُ أهلُ بلَدٍ تَرَكُوهما، وتَحْرُمُ أُجْرَتُهما، لا رَزْقٌ من بيتِ المالِ لعَدَمِ مُتَطَوِّعٍ، ويكونُ المؤَذِّنُ صَيِّتًا أَمينًا عالِمًا بالوَقْتِ،
[ ١ / ٦٧٢ ]
أنت إذا حملتَ الحديث على هذا فقد حرَّفته من وجهين؛ أولًا: حملتَ دلالته على غير المراد؛ لأن الحديث معلَّق بالترك ما هو بالجحد، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ثانيًا: أبطلت دلالته فيمن جحد وهو يصلي؛ لأن الحديث إنما حكم على من ترك، وعلى رأيك إذا جحد ولم يترك فهو كافر ولَّا مسلم؟ على رأيه؛ إذا جحد وهو يصلي؟
طالب: كافر.
الشيخ: لا إله إلا الله! فهو مسلم يا جماعة، إي نعم، فهو مسلم بناء على أنه حمل الحديث؛ «مَنْ تَرَكَهَا» على أن المراد: من تركها جاحدًا، نقول: على زعمك الآن أن من جحدها ولم يترك فليس بكافر بمقتضى الحديث عندك، فأنت الآن أبطلت دلالة الحديث من هذين الوجهين.
والحقيقة أن المشكلة كل المشكلة التي تقع لبعض العلماء الأفاضل من مثل هذه التحريفات الباردة هي أنه يعتقد قبل أن يستدلَّ، فيكون معتقدًا للقول بعدم الكفر، ثم يحاول أن يحرِّف النصوص على وجوه مستكرهة بناء على ما اعتقده، وهذه بلية، أسأل الله أن يعافيني وإياكم منها، بلية لكل طالب علم، إذا اعتقد تجده يحاول أن يحرِّف النصوص إلى اعتقاده ويلوي أعناقها، كما يقولون، ونحن نقول: يا أخي، من اللي يحكم بالكفر والإسلام؟ الله، كما أنه هو الذي يحكم بالحل والتحريم والإيجاب والاستحباب، إذنْ إذا كفَّر الله ورسوله أحدًا لا تبالِ، كفِّرْه وأنت في حل بلا شك، لكن أن تحرِّف النصوص وتحاول تحريفها، هذا هو البلاء.
***
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ماذا نقول في تأخير الصلاة عن وقتها؟
طالب: ().
الشيخ: المسألة هي أن الإنسان إذا ترك الصلاة بغير عذر حتى خرج وقتها، فهل يصح منه القضاء؟ فقلنا: فيها قولان للعلماء، وذكرنا دليل كل قول، بقي علينا أن نجيب عن قول من يقيسها على من تركها معذورًا.
طالب: ().
[ ١ / ٦٧٣ ]
الشيخ: نعم، يقول: من تركها معذورًا فقد رفع الله عنه الإثم والحرج، وقد ثبت بالشرع أنه مأمور بقضائها؛ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١)، وأما من تركها عمدًا فليس له عذر، وعليه الإثم، وتقع صلاته على وجه محرم، فلا يمكن أن يقاس الفعل المحرَّم على الفعل المباح المأذون فيه.
متى يجوز تأخيرها عن وقتها عمدًا؟
طالب: إذا نوى الجمع ().
الشيخ: إذا نوى الجمع. من يجوز له الجمع؟
طالب: ().
الشيخ: وكذلك على قول بعض العلماء في شدة الخوف بحيث لا يستطيع أن يصلي الصلاة مطلقًا، طيب هذه اثنين.
طالب: ().
الشيخ: المشتغل بشرطها الذي يحصله، شرط الذي يحصله وهو قريب، وهذا على المذهب، هذه ثلاثة أشياء.
الدليل على جواز تأخيرها () وجهها الثاني؟
طالب: ().
الشيخ: في أيش؟
الطالب: ().
الشيخ: لا نزاع، ما هو بصحيح.
طالب: ().
الشيخ: لا، غلط، ابن رجب في شرح البخاري يقول: هذا لا أصل له في السنة، وهو صحيح، ما له أصل، كل من قلنا بكفره سواء في ترك الصلاة ولَّا غيرها ما يشترط ()، بقينا في مسألة الاستتابة ستأتي إن شاء الله.
الشرط الثاني يقول المؤلف: (حتى يضيق وقت الثانية) هذا أيضًا ذكرنا فيه خلافًا؛ فمن العلماء من يقول: حتى يضيق وقت الثانية، هذا في الصلاة التي تجمع بما بعدها، أما ما لا يجمع لما بعده فحتى يضيق وقته؛ يعني: وقت الأولى اللي تركها، وهذا له وجه، لكن أوجه منه عندي أن يقال: لا يكفر إلا بترك الصلاة، والحديث: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (٢)، فيه أحاديث -لكن في صحتها نظر- أن من ترك صلاة واحدة متعمدًا فقد برأت منه الذمة (٣)، أو نحو هذه الألفاظ، لكنها ما يطمئن لها الإنسان كثيرًا، أما الذي في مسلم وفي مسند الإمام أحمد والسنن يقول: «فَمَنْ تَرَكَهَا» (٤)؛ أي: الصلاة.
طالب: ().
[ ١ / ٦٧٤ ]
الشيخ: إذا عرفنا التارك، هذا الرجل على طول نكفِّره.
طالب: ().
الشيخ: هذا كافر، إي نعم، يعتبر كافرًا، يقول المؤلف ..
طالب: ().
الشيخ: بس ما فيه جمع، لو قال: من ترك الصلوات ممكن، «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ»، فإما أن نقول: (أل) هذه لبيان الحقيقة وتصدق بواحدة، وإما أن نقول: لبيان الجنس نقول: من ترك الصلاة؛ جنسَها، والرسول ما قال: من ترك صلاةً، إلا هذه الروايات اللي فيها نظر.
طالب: ().
الشيخ: أيها؟
الطالب: ().
الشيخ: قول واحد والمؤلف يقول: إنه شرط، كيف قول واحد؟
طالب: غير صحيح.
الشيخ: إي، نقول: تقدم أننا شرحنا ذلك وقلنا: الصحيح أنه لا يشترط، وأن الرجل لو مات تاركًا للصلاة ولم يدع فهو كافر.
بقي أن يقال: هناك نصوص استدل بها من يرى أن تارك الصلاة لا يكفر، وحملوا الأحاديث أو النصوص الواردة في الترك على ترك الجحود، وذكرنا أن حملها على ترك الجحود خطأ من وجهين:
الأول: تعليق الحكم بوصف لم يعتبره الشارع وهو الجحد.
ثانيًا: إلغاء وصف اعتبره الشارع وهو الترك.
ففيه جنايتان على النص؛ حمله على ما لم يعتبره الشارع، وإلغاء ما اعتبره الشارع، وهاتان جنايتان على النص، ولا يجوز أن نجني على النصوص ونحرِّفها هذا التحريف.
ثانيًا: أن نقول: إن هذا باطل؛ لأنه ينتقض عليه بمن جحد وهو يصلي، إن قالوا: إنه كافر، فقد أعلنوا بمخالفة الحديث؛ لأن الحديث يقول: «فَمَنْ تَرَكَهَا»، وهذا ما تركها وهو جاحد، وإن جحدها وتركها قلنا: لا مانع أن يكون هناك سببان للكفر؛ كما لو ذبح الإنسان لصنم، وسجد لصنم آخر، وكذَّب خبرًا من جهة ثالثة، يجتمع عليه كم سبب؟
الطلبة: ثلاثة أسباب.
الشيخ: ثلاثة أسباب.
ولا مانع من أن يتعدد الكفر، أما أن نلغي وصفًا اعتبره الشرع ونأتي بوصف لم يعتبره، ثم هو وصف متناقض، فهذا لا يجوز التصرف في النصوص على هذا الوجه.
بقي أن يقال: هناك نصوص تدل على عدم الكفر تعارض هذه الأحاديث الدالة على الكفر؟
[ ١ / ٦٧٥ ]
نقول: أولًا: يجب أن نعرف ويش معنى المعارضة قبل أن نقول بالمعارضة، أما أن نقول بالمعارضة قبل أن ندري ما المعارضة فهذا ليس بصحيح؛ ولهذا نقول: (حقِّقْ قبل أن تنمق) حقق المعارضة، وين المعارضة؟ هل جاء حديث أو آية تقول: من ترك الصلاة فليس بكافر، أو تقول: من ترك الصلاة فهو مؤمن، أو تقول: من ترك الصلاة فهو في الجنة؟ لو جاءت نصوص على هذا الوجه قلنا: هذه معارضة، ولَّا لا؟ هذه معارضة؛ لأن هذا يقول: من تركها فقد كفر، المعارض: من تركها لم يكفر، هذا المعارض، إذا جاء نص بهذا الوجه: من ترك الصلاة فليس بكافر، أو من ترك الصلاة فهو مؤمن، أو من ترك الصلاة دخل الجنة، فهذا صحيح معارضة، ويجب علينا أن نحاول الجمع إذا أمكن، أو نطلب الترجيح إذا لو ممكن، أو نذهب إلى النسخ، لكن ما فيه معارضة، النصوص التي عارضوا بها تنقسم إلى أربعة أقسام:
قسم ما فيه دليل أصلًا على المسألة، ولا فيه شم رائحة المعارضة؛ مثل قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، قالوا: لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن جملته: من ترك الصلاة فيغفر الله إذا شاء.
نقول: سبحان الله! ما معنى ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾؟ هل معنى ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾: ما سوى ذلك؟
إن قالوا: نعم، قلنا: طيب، ما تقولون: فيمن كذَّب خبر الله ورسوله أيغفر له؟ إن قالوا: نعم، خالفوا الكتاب والسنة والإجماع، وإن قالوا: لا، قلنا: هو سوى ذلك، فهو يدخل في المغفرة، إذن لا يصح أن يكون ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ بمعنى: ما سوى ذلك، ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ يعني: ما هو أقل من الشرك، فما دون الشرك يغفره الله؛ يعني: دعه في المشيئة، وما ساوى الشرك ولو كان غير الشرك فإنه ليس داخلًا تحت المشيئة، بل هو غير مغفور، كتكذيب الخبر وكترك الصلاة.
[ ١ / ٦٧٦ ]
قالو: هناك دليل حديث معاذ بن جبل: «حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (٥)، هل تقولون: إن فاعل الكبيرة لا يعذب جزمًا؟ إن قالوا: نعم، فقد خالفوا الآية؛ لأن الله قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، إن قالوا: لا يعذب، خالفوا الآية، وإن قالوا: يعذب، خالفوا الحديث: «لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».
ونحن نقول: الحديث ليس على ظاهره، وأنتم لا تقولون بظاهره أيضًا؛ لأن «لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» في عمله المعين، إذا انتفى الشرك في هذا الأمر المعين انتفى التعذيب عليه؛ لأنه خالف، أما ألَّا يعذب من لا يشرك ولو فعل ما فعل من الكبائر، فهذا غير صحيح.
ثم نقول أيضًا: لو كفر بغير الشرك هل يعذب ولَّا ما يعذب؟ يعذب، إذنْ فالحديث ليس على ظاهره، فإذا لم يكن على ظاهره وعلمنا أنه مخصوص بدلالة الكتاب والسنة، بل وبالإجماع، فإنه لا يمكن أن نحتجَّ به على العموم، ونقول: إنه لا يخرج منه شيء.
ثم إننا نعلم علم اليقين أن من كان مخلصًا لله إخلاصًا يقينًا فإنه لن يفعل ما يخرجه من الإسلام؛ لأن المخلص الذي يبتغي وجه الله هل يطلب ما يوصله إلى وجه الله ولَّا لا؟ المخلص في طلب الشيء يسعى بكل وسيلة إلى حصوله، نجد المخلصين في طلب الدنيا ويش يعملون؟ يسعون بكل وسيلة إلى حصولها؛ بالتأجير، بالبيع، بالاستهام، بالارتهان، بكل شيء، وهكذا من صدق في طلب الله فلا بد أن يفعل كل ما يمكن أن يوصله إلى الله.
[ ١ / ٦٧٧ ]
أما أن يقول: أنا واللهِ أبتغي وجه الله، ولا أريد إلا وجه الله، لكن أشهدكم أني لن أصلي، () وين اللي يبتغي وجه الله! ويترك الصلاة تهاونًا وكسلًا، مع أنه يقول: أنا أشهدكم أني لن أصلي، وأشهدكم أني أعلم أن الله فرضها، سبحان الله، تشهد أن الله فرضها، وتشهدنا على أنك ما تصلي، وتقول: إنك تبتغي وجه الله! هذا يكذبه الواقع؛ ولذلك: حديث معاذ وحديث عتبان بن مالك: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ» (٦)، كلها تدل على أن مثل هؤلاء لا يمكن أن يدعوا الصلاة.
ثم نقول بهدوء: حديث جابر في صحيح مسلم (٧): «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، فجعل النبي ﵊ ترك الصلاة شركًا وكفرًا، وهو شرك بالمعنى الأعم، صحيح أنه ما هو بيسجد لصنم، لكن شرك باعتبار أن هذا التارك اتخذ إلهه هواه على وجه يخرج به من الإسلام.
ثم نأتي أيضًا فيه أحاديث عامة في إخراج من قال: لا إله إلا الله من النار، ولم يعملوا خيرًا قط (٨).
نقول: صحيح ولم يعملوا خيرًا قط، لا شك أنه يدخل فيه من لم يصلِّ؛ لأن من صلى فقد عمل خيرًا قط، ومن لم يصلِّ لم يعمل خيرًا قط، لكن نقول: هذا عام؛ لأن (لم يعملوا خيرًا) (خيرًا) نكرة في سياق النفي، فهي عامة؛ يعني: لم يصلوا، ولم يزكوا، ولم يصوموا، هذا عام، لكن يخرج منه بالتخصيص أيش؟ الصلاة؛ لأنه قد دلَّ الكتاب والسنة على أن من لم يعملها لا يخرج من النار؛ لأنه كافر، وليس هذا أول عموم يخصص، هذا من جملة العمومات الكثيرة التي تخصص.
[ ١ / ٦٧٨ ]
الجنس الرابع مما استدلوا به: حديث قوم تركوا الصلاة لعذر؛ لعدم علمهم بها، وهو حديث حذيفة الذي أخبر به النبي ﵊ أن الإسلام يندرس كما يندرس وشي الثوب، ويذوب وينسى الصلاة، والزكاة، والصيام وغيره، حتى لا يبقى إلا شيوخ وعجائز يقولون: أدركنا آباءنا وأمهاتنا على قول: لا إله إلا الله فقال له الراوي عنه: صلة تنجيهم من النار؟ فسكت، ثم أعادها فسكت، ثم أعادها فقال: تنجيهم من النار (٩)، وهذا قول حذيفة، ونحن نوافق حذيفة في هذا نقول: تنجيهم من النار؛ لأنهم لا يعلمون شيئًا عن شرائع الإسلام، فهم كرجل أسلم في بلاد كفر قال: لا إله إلا الله، شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن ما علم عن شرائع الإسلام شيئًا ثم مات، تنجيه هذه الكلمة ولَّا لا؟ تنجيه. أو رجل قال: لا إله إلا الله، ثم مات من فوره تنجيه ولَّا لا؟ تنجيه، ونحن نقول بذلك.
وإني أقول من هذا المكان: إن التكفير والتأمين؛ يعني: الحكم لإنسان بأنه مؤمن أو على إنسان بأنه كافر، يرجع إلى من؟ إلى الله ورسوله، ما هو إلينا، كما أن هذا حلال وهذا حرام يرجع إلى الله ورسوله، إذا حرم الله علينا شيئًا ونحاول أن نقول: هذا حلال، أو إذا أحلوا شيئًا ونحاول أن نقول: هذا حرام، لأيش إذا كفر شيئًا نحاول نقول إنه: غير كافر؟ من أعلم بعباد الله؟ الله ﷿، فهو الذي يحكم عليهم بالإيمان أو بالكفر، وإحنا علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا، وكفَّرنا من تكفِّر يا ربنا، وأدخلنا في الإيمان من لم تخرجه منه، هذه وظيفتنا.
[ ١ / ٦٧٩ ]
أما أن نقول: والله خلِّ الناس يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولكن شنو؟ عطلوا المساجد، لا تصلون لا في المساجد ولا في البيوت، لا أنتم ولا ذراريكم، تراكم أمة مسلمة، () الإنسان لو تصور هذا القول تصورًا كاملًا لعلم أنه فساد في الواقع؛ لأنك لو تقول الآن للناس على ما فيهم من ضعف الإيمان: ترك الصلاة ليس بكفر، تركوها، وقال: والله ما دام أنا مسلمون ونحن ما نصلي، الحمد لله، هذا اللي نبغي، نقعد إلى الساعة اثنين بالليل، ونكيف ننام إلى الساعة عشرة، ونقوم نقول: يا الله، عسى ما يخصم علينا من راتبنا إن تأخرنا عن الحضور، لكن عقب اليوم نقوم الساعة الثامنة نروح على طول، نصلي الفجر؟ لا، ما نصلي الفجر، أنا أشهد أنه فرض، وأشهدكم أني لن أصلي، الظهر ما فيه صلاة، العصر ما فيه صلاة، مغرب ما فيه صلاة، عشاء ما فيه صلاة، لأيش أصلي؟ طيب واللي ما يصلي يغتسل من الجنابة ولَّا لا؟ ما يغتسل من الجنابة، ليش يغتسل؟ ويتوضأ إذا أحدث، يستنجي إذا بال، ويش نصير؟ بهائم، ما فيه إلا أكل وجماع وبس.
الحقيقة -يا إخواني- المسألة خصوصًا في وقتنا هذا أنا معتقد -والحمد لله- ومؤمن بأن تارك الصلاة كافر، لكن أرى أيضًا أنه يترتب على القول والتوسيع للناس بأنها ليست بكفر مفاسد عظيمة، خصوصًا في وقتنا هذا، وضعف الإيمان وقلة الداعي، وهي الناس أصلًا يمشون الآن، وإحنا نقول لهم: يا جماعة، تراكم تكفرون، وقلنا له: تكفر، وترى زوجتك تنفسخ منك، صار الأمر عليه كبيرًا، ولو نقول له: تكفر، فإن صليت وإلا قتلناك، صار الأمر أعظم، قال: وين درب المسجد؟ بمشي بصلي.
فالحاصل أن القول الراجح بلا شك أنه يكفر، والحمد لله أن الله ﷿ نصب أدلة قائمة على الكفر بدون معارض مقاوم، الدليل قائم، وهو سالم عن المعارض المقاوم، ما بقي علينا إلا أن نقول بما قال الله ورسوله.
[ ١ / ٦٨٠ ]
نقول: (ولا يقتل حتى يُسْتَتَاب ثلاثًا فيهما) لا يقتل من؟ التارك والجاحد؛ لأنه قال: (ومن جحد وجوبها كفر، وكذا تاركها) الجاحد والتارك لا يقتل حتى يستتاب ثلاثًا فيهما؛ أي: في الجحود والترك.
(يُسْتَتَاب) فعل مضارع مبني للمجهول، فمن اللي يستتيبه؟ من له الأمر؛ الإمام أو نائبه، يستتيبه ثلاثًا، يقول: تب إلى الله وصلِّ، قال: ما أنا مصلٍّ، جئنا أول يوم قال: ما أنا مصلٍّ، في اليوم الثاني جئناه: صلِّ، قال: خلوني أفكر، في اليوم الثالث جئناه، قال: إلى الآن ما انتهى تفكيري، أجلوني إلى قبل الغروب بخمس دقائق، أجلناه قبل الغروب بخمس دقائق، صلى، ثلاثة أيام وصلى قبل مغيب الشمس، يقتل ولَّا لا؟ يقتل.
لكن لاحظ أنه لو مات في هذه المدة فهو كافر، لو مات؛ الله أماته هو يحكم بكفره، لكن ما يقتل، ما قال: ولا يحكم بكفره، قال: (ولا يقتل حتى يُسْتَتَاب)، لو مات فهو كافر، نقول: لا نقتله حتى نستتيبه ثلاثة أيام.
وهذه المسألة مرت علينا أظن في باب المرتد، وذكرنا أن فيها خلافًا بين أهل العلم، وأن فيها عن الإمام أحمد روايتين، ليست خاصة في تارك الصلاة أو جاحد وجوبها، بل في كل مرتد، هل يستتاب المرتد أو لا يستتاب؟
ذكرنا أن المذهب يقولون: إن المرتدين قسمان:
قسم لا تقبل توبتهم، فهؤلاء لا يستتابون، لماذا؟ لأنه لا فائدة، حتى لو تابوا ما قبلنا، مثل من؟ مثل من سبَّ الله أو رسوله، أو تكررت ردته، هذا ما يقبل، يُقتَل حتى لو تاب، لو قال: أشهد أن الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الحي القيوم، ووصف الله بصفاته وقال: أنا تائب من وصف الله تعالى بالنقص والعيب، نقول: نقتله، ما نقبل توبته، ترى هذا المذهب، والصحيح أنه يُقبَل كما تقدم.
[ ١ / ٦٨١ ]
قسم آخر تقبل توبته، فعلى المذهب لا بد من أيش؟ لا بد من استتابتهم، والرواية الثانية: لا يستتاب، يقتل؛ لأن النصوص الواردة مطلقة، عامة؛ كَفَر، وقد قال النبي ﵊: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (١٠)، ولم يقل: فاستتيبوه، فإن تاب وإلا فاقتلوه، قال: «فَاقْتُلُوهُ»، إذن كل من فعل ما يقتضي الردة يقتل على طول بمقتضى الحديث.
القول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه يستتاب ثلاثة أيام، وهو المذهب، واستدلوا بأثر عن عمر ﵁ أنه ذُكِر له رجلٌ ارتد فقُتِل، فقال لهم: لماذا لم تتركوه؟ لعله يرجع، لعله يفيق، لعله كذا، لعله كذا، اللهم إنِّي أبرأ إليك مما صنعوا (١١).
ولكن فيه قول ثالث وسط قالوا: إن هذا يرجع إلى اجتهاد الحاكم، وهذا لا ينافي ما قاله عمر، ولا يخالف ظاهر الأدلة، إذا رأى الحاكم أن من المصلحة أن يستتيب هذا الرجل؛ إما لكونه شاكًّا في حال الرجل هل هو معتوه ولَّا عاقل؟ ولَّا ما أشبه ذلك، أو أن المسألة ما ظهرت ولا بانت، فهنا يترجح أيش؟ الاستتابة، لا شك أنها تترجح الاستتابة، أما إذا كان هذا الرجل معلنًا وأمره ظاهر وواضح فهذا لا يستتاب؛ لأن في المبادرة إلى قتله ردعًا لغيره، مع كونه تمسكًا بظاهر الأدلة، وهذا القول هو القول الصحيح، وهو لا ينافي القولين، بل هو بعض قول من يرى الاستتابة، وبعض قول من لا يرى الاستتابة.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀وغيره الظاهر، لكن ما اطلعت على قول غيره- يسلك هذا المسلك أحيانًا؛ بمعنى أنه يتوسط بين القولين، ثم يقول: هذا بعض قول من يقول بكذا وكذا، كقوله في الوتر: إنه واجب على من له وِرْدٌ، وقوله في غسل الجمعة: إنه واجب على من له رائحة، وما أشبه ذلك.
***
[باب الأذان والإقامة]
باب الأذان والإقامة
هذا الباب مُعَنْوَن لمسألتين، لكنهما مسألتان متلازمتان؛ إحداهما: الأذان، والثانية: الإقامة. فما هو الأذان؟ وما هو الإقامة؟
[ ١ / ٦٨٢ ]
الأذان في اللغة: الإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]، هذا في اللغة: الإعلام.
وفي الشرع: إعلام خاص، وهذا هو الغالب في التعريفات الشرعية أن تكون أخص من المعاني اللغوية، هذا الغالب، وقد يكون الأمر بالعكس.
فالإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع أعم من التصديق، أليس كذلك؟ الإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: تصديق وأعمال؛ أعمال اللسان، وأعمال الجوارح، لكن الغالب أن المعاني الشرعية أخص من المعاني اللغوية؛ ولهذا تجد التعريفات الشرعية يكون فيها قيود وشروط زائدة على التعريفات اللغوية.
فالأذان في اللغة: الإعلام، وفي الشرع: التعبد لله تعالى بالإعلام للصلاة بذكر مخصوص.
وهذا أولى من قولنا: الإعلام بدخول الوقت؛ لأن الأذان يتبع الصلاة؛ ولهذا إذا شرع الإبراد في صلاة الظهر شرع تأخير الأذان، كما ثبت هذا في صحيح البخاري (١٢)، وعلى هذا فنقول: التعبد لله تعالى بالإعلام للصلاة بذكر مخصوص، هذا هو تعريف الأذان.
فقولنا: (التعبد لله) أفادنا أنه عبادة، وهو كذلك، فالأذان عبادة واجبة؛ لأن النبي ﷺ أمر به، ولأن الله تعالى أشار إليه في القرآن في قوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨] وهذا عام، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فهو إذن عبادة.
أما الإقامة فهي مصدر (أَقَامَ)، أقام الشيء؛ إذا جعله مستقيمًا. وأما في الشرع فهو: التعبد لله تعالى بالقيام للصلاة، ما هو بالصلاة، بالقيام للصلاة بذكر مخصوص.
[ ١ / ٦٨٣ ]
فالفرق بينها وبين الأذان: أن الأذان يكون إعلامًا للصلاة بالتهيؤ لها والاستعداد لها، والإقامة: إعلام بالصلاة للدخول فيها والإحرام بها، هذا هو الفرق بينهما.
ويأتي أيضًا الفرق بينهما -إن شاء الله- فيما بعد في صفة الأذان يختلف عن صفة الإقامة.
قولنا: إن الأذان والإقامة عبادة، إذن فيهما ثواب؛ لأن كل عبادة تشتمل على شرطيها وهما: الإخلاص والمتابعة، يكون فيها الثواب، وعندنا في الصلاة أذان وإقامة، وإمامة.
واختلف العلماء أيهما أفضل؟ والصحيح أن الأفضل الأذان؛ الأذان أفضل من الإمامة
؛ لورود الأحاديث الدالة على فضله (١٣).ولكن إذا قال قائل: الإمامة ربطت بأوصاف شرعية؛ مثل: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (١٤)، ومعلوم أن الأقرأ أفضل، فقرنها بالأفضل دليل على أفضليتها؟
فنجيب على ذلك بأن نقول: نحن لا نقول: إنه لا أفضلية في الإمامة، بل الإمامة ولاية شرعية ذات فضل، ولكننا نقول: إن الأذان أفضل من الإمامة؛ لما فيه من إعلان ذكر الله ﷿، وتنبيه الناس على سبيل العموم، والإمام إنما يكون إمامًا لمن؟ لمن خلفه فقط، لكن المؤذن إمام لكل من سمعه، كل من سمعه يقتدي به، ويقوم يصلي مثلًا، ولأن الأذان أشق من الإمامة؛ لأن المؤذن دائمًا يكون مشغولًا بتحري الوقت والاستعداد له، لا سيما في الزمن السابق؛ حيث لا ساعات هناك.
فإن قال قائل: إذا كان الأذان أفضل -كما زعمتم- فلماذا لم يؤذن الرسول ﷺ وخلفاؤه الراشدون، فقد كانوا أئمة ولم يكونوا مؤذنين؟
فالجواب: أنهم اشتغلوا بالأهم عن المهم؛ لأن الإمام يتعلق به جميع الناس، ويحتاج إلى التفرغ لهم، فلو فرَّغ نفسه لملاحظة الوقت لانشغل بذلك عن مهمات المسلمين، فكان ترك النبي ﷺ وخلفائه الراشدين الأذان لا لزهد فيه أو قلة فيه، لكن من أجل انشغالهم بما هو أهم.
[ ١ / ٦٨٤ ]
أما حكم الأذان والإقامة فقال المؤلف: (هما فرض كفاية)، وفي نسخة: (فرضا) بالألف، فعلى النسخة التي بيدي أفرد الخبر مع تثنية المبتدأ؛ لأن الخبر مصدر، والمصدر لا يجمع ولا يثنى، قال ابن مالك في الألفية:
وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرَا
فَالْتَزَمُوا الْإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا
تقول: هما رجلان عدل، ولا تقل: عدلان، والخبر كالصفة، فيفرد الخبر وإن كان المبتدأ مثنى أو مجموعًا، إذا كان الخبر أيش؟ مصدرًا، وأما على التثنية ففيه لغة، لكنها مرجوحة.
(هما فرضا كفاية) قوله: (فرض)، الفرض في اللغة: القطع، وفي الشرع: ما أُمِرَ به على سبيل الإلزام، هذا الفرض.
وهل هو أوكد من الواجب أو هما بمعنى واحد؟ الصحيح أنهما بمعنى واحد، لكن ينبغي مراعاة ألفاظ الشرع؛ فما جاء بلفظ الفرض فليعبَّر عنه بالفرض، وما لم يأت بلفظ الفرض فليعبر عنه بما عبَّر به الشارع؛ لأن هذا أولى وأحرى بالمتابعة، حتى في اللفظ، فنقول: هما فرض كفاية.
الفرض في اللغة: الحزُّ والقطع، وفي الشرع: ما أمر به على وجه الإلزام.
والدليل على فرضيتهما أمر النبي ﷺ بهما في عدة أحاديث، وملازمته لهما في الحضر والسفر، ولأنه لا يتم العلم بالوقت إلا بهما غالبًا، خصوصًا في الزمن السابق، فكان القياس أن يكونا واجبين.
يقول: (فرض كفاية) وفرض الكفاية هو الذي إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين.
ودليل كونهما فرضا كفاية قول النبي ﷺ لمالك بن الحويرث: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (١٥)، وهذا يدل على أنه يكتفى بأذان واحد، ولا يجب الأذان على كل واحد، فهو فرض كفاية.
[ ١ / ٦٨٥ ]
قال أهل العلم في ضابط ذلك: ما طلب إيجاده من كل شخص بعينه فهو فرض عين، وهذا يُنظَر فيه إلى العامل، وما طلب إيجاده بقطع النظر عن فاعله، فهو فرض كفاية، وهذا يُنظَر فيه إلى العمل، فما لوحظ فيه وجود العمل فهو كفائي، وما لوحظ فيه وجوده من كل شخص بعينه فهو أمر عين، سواء كان فرضًا أو سنة.
أيهما أفضل؟ الصحيح بلا شك أن الأفضل فرض العين؛ لأن إيجاب الله له على كل واحد بعينه دليل على أهميته، وأنه لا يتم التعبد إلا به، بخلاف فرض الكفاية.
إذا قال قائل ما هو الدليل على فرضيتهما؟
قلنا: الدليل على ذلك النصوص الكثيرة الدالة على الأمر بهما.
ثانيًا: مواظبة النبي ﷺ عليهما حضرًا وسفرًا.
ثالثًا: تعين المصلحة بهما؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، أرأيت لو أتيت إلى بلد ليس فيها أذان ولا إقامة لم تجد فرقًا بينه وبين بلاد الكفر، فصارا فرضا كفاية.
قال المؤلف: (على الرجال) (الرجال) جمع (رجل)، وتطلق على البالغين، فخرج بذلك الصغار، وخرج بذلك الإناث، وخرج بذلك الخناث؛ لأنهم ليسوا رجالًا، فلا تجب على الصغار.
فلو فرضنا أن صغارًا خرجوا في نزهة، وجاء وقت الصلاة، فإنه لا يلزمهم الأذان والإقامة؛ لأنهم ليسوا رجالًا، بل هم صغار، ثم هم أيضًا ليسوا من أهل التكليف لعدم الوجوب عليهم.
النساء هل يجب عليهن الأذان والإقامة؟ كلام المؤلف يدل على أنه لا يجب عليهن أذان ولا إقامة؛ لأنه قال: (على الرجال)، سواء كان هؤلاء النساء منفردات عن الرجال أو كان حولهن الرجال.
ولكن ما حكم الأذان والإقامة في حقهن إذ لم نقل بالوجوب؟ في هذا روايات عن الإمام أحمد ﵀؛ رواية: أنهما يكرهان، ورواية: أنهما يباحان، ورواية: أنهما يستحبان، ورواية: أن الإقامة مستحبة دون الأذان، فالروايات عن الإمام أحمد أربع؛ الكراهة، والإباحة، والاستحباب، والتفصيل؛ يستحب في الإقامة، ولا يستحب في الأذان.
[ ١ / ٦٨٦ ]
وكل هذا مشروط بما إذا لم يرفعن الصوت على وجه يسمعن، فإن رفعن الصوت على وجه يسمعن فهذا؛ إما أن نقول بعدم الجواز، أو نقول بالكراهة.
المذهب أن الأذان والإقامة لهن مكروهة، فيكره للنساء الأذان والإقامة، ولو منفردات عن الرجال، ولو لم يسمعهن رجال؛ لأنهن لسن من أهل الإعلان، فإذا لم يكنَّ من أهل الإعلان لم يشرع لهن ذلك؛ لأنه ليس من حقهن، ولو قال قائل بالقول الأخير -وهو سنية الإقامة دون الأذان؛ لأجل اجتماعهن على الصلاة- لكان له وجه.
(المقيمين) ضد المسافرين، فالمسافرون لا أذان عليهم ولا إقامة، لكن يُسَن لهم الأذان والإقامة، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وهو المذهب، ولكن لا دليل له، بل الدليل على خلافه، وهو أن الأذان والإقامة واجبان على المقيمين والمسافرين، ودليل ذلك أن النبي ﷺ قال لمالك بن الحويرث وصحبه: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (١٥)، وهم وافدون على الرسول ﵊، مسافرون إلى من؟ إلى أهليهم، وقد أمرهم النبي ﷺ أن يؤذن لهم أحدهم، ولأن النبي ﷺ لم يدع الأذان والإقامة حضرًا ولا سفرًا، فكان يؤذن في أسفاره، ويأمر بلالًا أن يؤذن في حجه وعمرته وجهاده، فالصواب إذن وجوبه؛ أي: وجوب الأذان والإقامة على المسافرين كالمقيمين.
قال: (للصلوات الخمس) ومنها الجمعة؛ لأن الجمعة بدلًا عن الظهر، الصلوات الخمس هي: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.
دليل وجوبه للصلوات الخمس قول الرسول ﷺ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ» وهذا عام في كل الصلوات الخمس، ولأن النبي ﷺ كان مؤذنه يواظب على الأذان للصلوات الخمس فكان واجبًا ().
صلاة العيد لا أذان، في الاستسقاء لا أذان، في ركعتي الضحى لا أذان، المهم للصلوات الخمس فقط.
[ ١ / ٦٨٧ ]
المنذورة؛ لو نذر الإنسان أن يصلي لله ركعتين هل يؤذن؟ لا يؤذن؛ لأنها ليست من الصلوات الخمس المكتوبة.
(المؤداة) خرج بذلك المقضية، وهي التي تصلى بعد الوقت، فلا يجب الأذان لها، لكن يُسَن الأذان لها، ولا يجب، انتبه، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وتعليله أن الأذان لا يعرف في عهد الرسول ﵊ إلا في الصلوات الخمس المؤداة، ولكن الصواب أن الأذان والإقامة يجبان في الصلوات الخمس؛ المؤداة والمقضية، ودليل ذلك أن الرسول ﷺ لمَّا نام عن صلاة الفجر في سفره لم يستيقظ إلا بعد طُلوع الشَّمس، وأمر بلالًا أن يُؤذِّنَ وأن يُقيمَ (١٦)، وهذا يدل على الوجوب في الصلوات المقضيات كالمؤداة.
ولعموم قوله ﷺ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ»، فإنه يشمل حضورها بعد الوقت وحضورها في الوقت وحضورها بعد الوقت، يتصور فيما إذا نام عنها أو نسيها، كما قال النبي ﵊: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١).
ولكن إذا كان الإنسان في بلد قد أذن فيه للصلاة؛ كما لو نام جماعة في غرفة في البلد ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، هل يجب عليهم الأذان؟
الجواب: لا، اكتفاءً بالأذان العام في البلد؛ لأن الأذان العام في البلد حصلت به الكفاية، وسقطت به الفريضة، لكن لو ناموا في البر، ثم استيقظوا، وجب عليهم -على القول الصحيح- أن يؤذنوا.
وقول المؤلف: (للصلوات الخمس) هذا ما لم تجمع الصلاة إلى ما تجمع إليه، فإنه يكفي في ذلك أذان واحد، فلو جمع بين الظهر والعصر كفاهما أذان واحد، ولو جمع بين المغرب والعشاء كفاهما أذان واحد، لكن لا بد من الإقامتين؛ من الإقامة لكل صلاة، كما صح ذلك عن النبي ﷺ في حجة الوداع من حديث جابر حين جمع ﷺ بين الظهر والعصر في عرفة، وبين المغرب والعشاء في مزدلفة (١٧).
[ ١ / ٦٨٨ ]
الحاصل أننا فهمنا من هذه العبارات التي يراها المؤلف:
أولًا: حكم الأذان والإقامة، وأنهما فرض كفاية.
ثانيًا: أنه لا بد من شروط:
الأول: أن يكونوا رجالًا.
ثانيًا: أن يكونوا مقيمين.
ثالثًا: في الصلوات الخمس.
رابعًا: المؤداة دون المقضية.
أيضًا كلمة (الرجال) يقتضي ألَّا يجب الأذان والإقامة على الواحد، وهو كذلك، فإن الأذان والإقامة لا يجب على الواحد، لكنه سنة في حقه؛ لأنه ورد فيمن يرعى غنمه ويُؤذِّن للصَّلاة، ورد فيه أنَّ الله تعالى يَغفر له ويُثيبه على ذلك (١٨)، وهذا يدل على استحباب الأذان للمنفرد وليس بواجب، فتكون الشروط الآن خمسة: الرجال، المقيمين، للصلوات الخمس، المؤداة، ألَّا يكون واحدًا.
الواحد لا تجب عليه، وقد نقول: هذا مفهوم من كلمة (الرجال)، إذا أردنا بها حقيقة الجمع ولم نرد الجنس، وحينئذٍ تكون الشروط أربعة.
طالب: ()؟
الشيخ: سيأتينا -إن شاء الله تعالى- أن الذي يقيم هو المؤذن.
طالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: ().
الشيخ: صلوا السنة.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، حتى الإقامة نقول: تجب عليهم؛ لأنهم ما سمعوا الإقامة، الإقامة في الصلاة فقط فتلزمهم الإقامة.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم.
طالب: ().
الشيخ: هو الأصل أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا ما كان المراد به الإعلام، مثل الأذان الإقامة إعلام خاص في الصلاة.
طالب: بالنسبة للأذان يا شيخ ()؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ().
الشيخ: إي، لكن الصلاة غير الجماعة، الإمامة فرض كفاية، ما هي فرض عين.
طالب: ().
الشيخ: نعم.
الطالب: ().
الشيخ: ما بينهم فرق.
الطالب: ().
الشيخ: إن كان المسافر يقصر الأذان، إحنا ننظر فيه إن كان ما يقصر الأذان، ().
طالب: ().
الشيخ: إي نعم.
طالب: ().
الشيخ: لا، أفضل؛ لأن هذا من سننها أو من واجباتها؛ يعني: مما يسن لها أو مما يجب لها.
طالب: ().
[ ١ / ٦٨٩ ]
الشيخ: ما هي أذان لا ما ().
طالب: ().
الشيخ: الأذان لأجل حضور الناس.
طالب: ()؟
الشيخ: يأثم.
طالب: ().
الشيخ: لا، لكن الصلاة صحيحة؛ ولهذا الحقيقة أنه يحتاج أن نبين لكم معنى قول المؤلف: (للصلوات) فرض كفاية للصلوات، ولم يقل: في الصلوات، فهما فرض للصلاة، وليسا فرضًا فيها، وفرق بين الواجب للشيء والواجب في الشيء؛ الواجب في الشيء من حقيقة الشيء وماهيته، كالتشهد الأول مثلًا، وكالجماعة بما تجب فيه الجماعة، على قول من يرى أنها شرط، وأما على قول من يرى أنها ليست بشرط فيقول: إنها واجب للصلاة، لا فيها.
على كل حال، المؤلف يقول: واجب للصلاة، فهي خارجة من الصلاة، فهي واجبة لها، ليست واجبة فيها.
طالب: ()؟
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله.
طالب: ()؟
الشيخ: هو ما هو فرض كفاية.
طالب: ().
الشيخ: بس، إذا أذن في وسط البلد وسمعه جميع أهل البلد يكفي.
طالب: ().
الشيخ: يقول: نمت.
الطالب: ().
الشيخ: خلاصة السؤال: لو قام المؤذن متأخرًا في بلد يسمع فيها الأذان من كل ناحية، هل يؤذن أو لا يؤذن؟
نقول: إن كان الزمن قريبًا بحيث لا يشوش فليؤذن، من أجل ربما أن اللي في الحي أنهم ينتظرون أذان مؤذنهم، أما إذا كان متأخرًا كثيرًا فإن أذانه يشوش فلا يؤذن.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، حتى في اللغة العربية أن الرجل من بلغ، أما ذاك يقال: يا غلام، يافع، طفل، صبي.
طالب: ()؟
الشيخ: إن كان هذا المسجد له مؤذن راتب وأذن فيه كفى، وإن كان ليس له مؤذن راتب فليس له جماعة راتبة، فكل من حضر يؤذن.
طالب: ()؟
الشيخ: أقول: لو قلت بسنيتها لكان له وجه؛ يعني: يستحب لهن ولا يجب.
طالب: ()؟
الشيخ: كيف لغيره؟
الطالب: ().
الشيخ: مثل أيش؟
الطالب: ().
الشيخ: هو () ويش يقولون؟
الطالب: ().
الشيخ: يقول: الله أكبر؟
الطالب: حي على خير العمل.
[ ١ / ٦٩٠ ]
الشيخ: إي، حيَّ على خير العمل، الصحيح أنها ما هي مشروعة، وإن كان بعض العلماء قال: إنها مشروعة، لكن الصحيح أنها ليست بمشروعة، أما أشهد أن عليًّا ولي الله، فهذا بدعة، ما ذكر، حتى في كتب الشيعة ما هو مكتوب، ما نقبل بمثله.
طالب: ().
الشيخ: على كل حال المذاهب في هذا مختلفة، وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- في بيان صفة الأذان حتى العلماء من أهل السنة مختلفون فيه.
طالب: ().
الشيخ: أيش؟
الطالب: ()؟
الشيخ: أنه واجب على الرجال، هو سيأتينا إن شاء الله.
و(من عدل) في الشروط.
طالب: ().
الشيخ: الجهاد يجب الأذان فيه، إذا أذن يكون هذا أهيب للمسلمين، لا يقول: الجهاد.
(للصلوات) ماذا يفيده هذا التعبير؟
طالب: ().
الشيخ: لا، يجب عليهم الأذان والإقامة، وإن صلوا بلا أذان ولا إقامة فصلاتهم صحيحة؛ لأن هذا واجب أيش؟ للصلاة، وليس واجبًا فيها، بخلاف ما لو ترك التشهد الأول عمدًا بطلت الصلاة؛ لأنه واجب، لكن واجب لها ولَّا فيها؟
طالب: واجب فيها.
الشيخ: واجب فيها، صح، طيب، إذن نقول: لو صلى من يجب عليه الأذان والإقامة بلا أذان ولا إقامة فالصلاة صحيحة؛ لأن هذا واجب لها، وليس واجبًا فيها، ولو ترك التشهد الأول عمدًا فالصلاة باطلة؛ لأن التشهد الأول واجب فيها، ومن ذلك صلاة الجماعة -على المشهور- أنها واجب للصلاة، لا في الصلاة؛ ولهذا لو صلى بدون جماعة فصلاته صحيحة مع الإثم.
طالب: ()؟
الشيخ: في البلد معلوم، يشوش على الناس، () إي نعم، لو أن الناس اتفقوا على الإبراد في صلاة الظهر متى يؤذنون؟
طالب: ().
[ ١ / ٦٩١ ]
الشيخ: لا، إذا أرادوا الإبراد يؤذنون عند إرادة الصلاة، () إلا الصلاة؛ ولهذا لما كان الرسول في سفر، وجاء وقت الظهر؛ زالت الشمس، أراد بلال أن يؤذن قال: «أَبْرِدْ»، حديث ثابت في البخاري، ثم بقي، ثم أراد أن يؤذن فقال: «أَبْرِدْ»، ثم أراد أن يؤذن قال: «أَبْرِدْ»، يقول: فلما ساوى الظل؛ يعني: ساوى الشيء ظله، قال: «أَذِّنْ» فأذن (١٩)، وأيضًا ما زال الناس لما كانوا في الأول يبردون هنا كانوا يؤخرون الأذان.
المهم أن تعريف الأذان الصحيح هو: تعبد لله بذكر مخصوص عند إرادة الصلاة بعد دخول الوقت.
***
قال المؤلف ﵀: (يقاتل أهل بلد تركوهما) ومن الذي يقاتلهم؟ الذي يقاتلهم الإمام، إلى متى؟ إلى أن يؤذنوا، وفي هذا القتال ليس قتال استباحة لدمائهم، بل قتال من باب التعزير لإقامة هذا الفرض؛ ولهذا لا يتبع مُدْبِرُهم؛ يعني: اللي يهرب منهم ما نلحقه ونقتله، ولا يُجْهَز على جريحهم؛ لو وجدنا واحدًا منجرحًا مع القتال ما نكمل عليه ونقتله، ولا يُغْنَم لهم مال، ولا تُسبَى لهم ذرية؛ لأنهم مسلمون، وإنما قوتلوا من باب التعزير لتركهم هذه الشعيرة الظاهرة من شعائر الإسلام.
ودليل ذلك أن الأذان والإقامة هما علامة بلاد الإسلام، فقد كان النبيُّ ﵊ إذا غزا قومًا أمسك حتى يأتيَ الوقتُ؛ فإن سمعَ أذانًا كَفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا قاتلهم (٢٠). وهذا يدل على أن الأذان والإقامة من العلامات الظاهرة لدين الإسلام.
[ ١ / ٦٩٢ ]
وقول المؤلف: (تركوهما) يحتمل أن المراد: تركوهما جميعًا، أو أن المراد: تركوا واحدًا منهما؛ أما إذا تركوهما جميعًا فالأمر واضح أنهم يقاتلون، ولكن إذا تركوا واحدًا منهما؛ فإن كان الأذان فقتالهم ظاهر أيضًا؛ لأن الأذان من العلامات الظاهرة، وإن كان الإقامة فيحتمل أن يقاتلوا أيضًا؛ لأنها علامة ظاهرة، لكنها ليست كالأذان؛ لقول النبي ﵊: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ» (٢١)، فدل هذا على أن الإقامة علامة ظاهرة تسمع، ويحتمل ألَّا يقاتلوا.
فإن قال قائل: كيف يقاتلون وقد قال النبي ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» (٢٢)؟
قلنا: هناك فرق بين القتل والقتال، فليس كل من جاز قتاله جاز قتله؛ ولهذا نقاتل إحدى الطائفتين المقتتلتين حتى تفيء إلى أمر الله مع أنها مؤمنة ما تُقْتَل.
أما القتل فلا يلزم منه أيضًا المقاتلة للعموم، قد يكون واحدًا من هؤلاء استحق القتل فنقتله ولا نقاتل الناس، فتبين بهذا أنه لا تلازم بين القِتال والقَتل، وأن جواز القتال أوسع من جواز القتل؛ لأن القتل لا يجوز إلا في أشياء معينة مخصوصة بخلاف القتال.
[ ١ / ٦٩٣ ]
قال: (وتَحْرُم أُجرتهما) يعني: يحرم أن يعقد على الأذان والإقامة عقد إجارة؛ أي: أن أستأجر شخصًا يؤذن أو يقيم، لماذا؟ لأن الأذان والإقامة قُربة من القُرُب ومن العبادات، والعبادات لا يجوز أخذ الأجرة عليها؛ لقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦]، ولأنه إذا أراد بأذانه الدنيا بطل عمله، فلم يكن أذانه صحيحًا؛ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢٣)، فتحرم الأجرة عليه.
فإذا قلنا لشخص: ألا تؤذن في هذا المسجد، قال: بلى، فيقول: كم، نعقد أجرة، ونكتب بيننا مكتب، فتلزمني وألزمك، فتعاقدا على ذلك؛ على أنه يؤذن كل وقت بدرهم، في اليوم والليلة خمسة دراهم، وبالشهر مئة وخمسين درهمًا، واتفقنا على هذا، فجاءه رجل آخر عند المسجد وقال له: يا فلان، أنت تؤذن في هذا المسجد بمئة وخمسين أنا بعطيك مئتين، وترك مسجده وراح للمسجد الآخر، يكون هذا الآن أراد بعمله الدنيا، ما همُّه أن يتعبد لله بهذا الأذان، فالأجرة فيهما حرام.
أما الجُعَالة فلا بأس بها، الجُعَالة ما فيها عقد، بل جُعْلًا لهذا المسجد، قال: من أذن في هذا المسجد فله كذا وكذا، بدون عقد وإلزام فهذه جائزة؛ لأنها جُعالة وليس فيها إلزام، فهي كالمكافأة لمن أذَّن، ولا بأس بالمكافأة لمن أذن.
[ ١ / ٦٩٤ ]
كذلك يقول المؤلف: (لا رَزق من بيت المال) (رَزق) ليست كـ (رِزق)، الرِّزق: ما يرزق؛ يعني: العطاء، والرَّزق: فعل الرازق؛ يعني: دفع الرزق، فمعنى: لا رَزق؛ أي: لا دفع رِزق، ففرق بين الرَّزق الذي هو مصدر (رَزَقَ، يَرْزُقُ، رَزْقًا)، وبين الرِّزق بالكسر الذي هو المرزوق، والكلام هنا على المرزوق ولَّا على الرَّزق الذي هو الفعل؟ على الرَّزق؛ ولهذا نقول: لا رَزق من بيت المال؛ يعني: لا يحكم أن يعطى المؤذن والمقيم عطاء من بيت المال، وهو ما يعرف في الوقت الحاضر بأيش؟ بالراتب، يسمى الراتب وهو: الرصد من بيت المال؛ لأن بيت المال إنما وضع لمصالح المسلمين، والأذان والإقامة من مصالح المسلمين؛ فلهذا جاز أن يعطى رزقًا من بيت المال، لكن بشرط.
(لعدم متطوع) فإن وجد متطوع أَهلٌ فإنه لا يجوز أن نعطيه من بيت المال، لماذا؟ حمايةً لبيت المال من أن يصرف بدون حاجة إلى صرفه، شوف كيف العلماء يحمون بيت المال إلى هذا الحد، لو أننا وجدنا مؤذنًا يؤذن بالراتب، ولكن جاءنا رجل متطوع وقال: أنا بأذن بدون شيء مجانًا وهو أهل للأذان؛ يعني: ممن يصح أذانه، فإنه لا يجوز أن نعطي الأول شيئًا من بيت المال، ونقول للأول: تبغي تؤذن مجانًا، وإلا ففي أمان الله، وجدنا من يؤذن مجانًا، لماذا؟ حمايةً لبيت المال من أن يصرف في غير حاجة.
[ ١ / ٦٩٥ ]
فما بالكم الآن في أولئك القوم الذين يصرفون للناس من بيت المال رصدًا على أعمال لم يعملوها، وهو ما يسمى أحيانًا بخارج الدوام، وأحيانًا بالانتداب، وهم لم ينتدبوا، ولم يشتغلوا خارج الدوام، يكون هذا حرامًا ولَّا حلالًا؟ حرامًا على من رتب هذا الرصد، وحرامًا على من أخذ هذا الرصد؛ ولهذا لو تعاون الناس على البر والتقوى لكان الذي يعطون هذه الرواتب وهم لم يعملوا لكانوا يرفضونها، فإذا رفضوها وقع المسؤول الذي فوقهم في الحرج، ووقع في الفخ، وحينئذٍ تعلم به الدولة، وتجري عليه ما يلزم إجراؤه على أمثاله، لكن مع الأسف أن كثيرًا من الناس اليوم غلب عليهم الشح، فيسكتون أو يتغافلون، ويقول: هذا رزق جابه الله، وما علم أن الله يمتحن العبد بتسهيل أسباب الحرام عليه ليبلوه، كما أنه يعسر عليه أحيانًا سبل الطاعة امتحانًا له؛ ليعلم هل هو حريص على الطاعة وصادق في طلبها، فيفعل ولو مع التعسف، وهل هو صادق في كراهة الحرام والبعد عنه، فلا يفعله ولو مع التيسر، أليس كذلك؟
أنا أخبرتكم بهذا ليس شكاية لهؤلاء القوم؛ لأن شكاية هؤلاء القوم على الله ﷿، وسيجدون حسابهم يوم يخرجون من قبورهم حفاة عراة غرلًا، لكن أخبرتكم بذلك من أجل أن تناصح عباد الله الذين يفعلون مثل هذه الأمور؛ لأنه ما منكم من أحد إلا ويسمع مثل هذه القضايا أو له قريب يمارس هذا الأمر، أو ما أشبه ذلك.
[ ١ / ٦٩٦ ]
فواجبكم لأنكم -والحمد لله- تحملون راية العلم الشرعي أن تبلغوا الناس هذه الأمور، ولا يكفي البلاغ، بل تدعونهم إلى أن يدعوا هذه الأمور؛ لأن هناك فرق بين البلاغ والدعوة، وواجب طالب العلم بلاغٌ ودعوةٌ، تدعونهم أن يدعوا هذا العلم، وأن تقولوا: رزق جاء عن طريق محرم لا خير فيه، ولا بركة فيه، وإن أمهل للإنسان في الدنيا في تناول هذا الشيء المحرم فإنما ذلك استدراج من الله ﷿، فالله تعالى يستدرج العبد بالنعم، ثم إذا أخذه لم يفلته، هذا ما أحب أن يكون منكم لإخوانكم؛ لأن من أعطاه الله علمًا فعليه زكاته، كما أن المال عليه زكاة فالعلم عليه زكاة، لكن زكاة العلم تزيد العلم، وزكاة المال تنقصه كمية، ولكن تزيده بركة، وفتح أرزاق أخرى، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
شوف المؤلف يقول: لا يجوز أن نعطي راتبًا للمؤذن والمقيم إذا وجد من يتطوع بهما، لكن بشرط أن يكون هذا المتطوع ممن تحصل به الكفاية، أما لو جاءنا إنسان يريد أن يتطوع لكن ما يحسن الأذان والإقامة، فنحن أيش؟ معلوم، لا نعطيه؛ لأنه لا يقوم بالواجب.
قال المؤلف ﵀: (ويكون المؤذن صيتًا أمينًا عالمًا بالوقت) كلمة (يكون) تحتمل الوجوب، وتحتمل الاستحباب؛ يعني: يحتمل أن المعنى يستحب أن يكون، يحتمل أن المعنى يجب أن يكون، ويمكن أن ننظر ما تقتضيه الأدلة من هذه الصفات، فنقول: هو واجب إن دلت الأدلة على وجوبه أو مستحب.
(يكون المؤذن صيتًا) هذا سنة وليس بواجب، الواجب أن يسمع من يؤذن لهم فقط، وما زاد على ذلك فهو سنة.
وكلمة (صيتًا) يحتمل أن يكون المعنى: قوي الصوت، ويحتمل أن يكون المعنى: حسن الصوت، ويحتمل أن يكون المعنى: حسن الأداء، وانظروا إلى هذا هل يحتمل أو لا يحتمل؟
[ ١ / ٦٩٧ ]
صيت: قوي الصوت، واضح، حسن الصوت أيضًا واضح، وإن كان دون الأول، لكن (حسن الأداء) غير واضح، من هذه العبارة، ما هو واضح، إذنْ لو أردنا أن نختار مؤذنًا نختار الصيت الذي يكون حسن الصوت، قوي الصوت، وإن كان مع ذلك حسن الأداء فهو خير بلا شك.
فهنا ثلاثة أوصاف تعود على التلفظ بالأذان؛ أحدها: قوة الصوت، والثاني: حسنه، والثالث: حسن الأداء. كل هذا أمر مطلوب.
ونستنبط من قول المؤلف: (يُسَن أن يكون صيتًا) نستنبط أن هذه المكبرات للصوت تعتبر من نعمة الله؛ لأنها تزيد صوت المؤذن قوة وحُسنًا بلا شك، ولا محذور فيها شرعًا، فإذا لم يكن فيها محذور شرعي وكانت وسيلة لأمر مطلوب شرعي، فللوسائل أحكام المقاصد؛ ولهذا أمر النبي ﵊ العباس بن عبد المطلب أن ينادي يوم حنين؛ لقوة صوته ﵁: يا أصحابُ السَّمُرَة، يا أصحاب سورة البقرة (٢٤)؛ لأنه كان قوي الصوت، فدل هذا على أن الذي يطلب فيه قوة الصوت ينبغي أن يختار فيه ما يكون أبلغ في تأدية الصوت.
(أمينًا) ما تقولوا في (أمينًا)؟ هل نجعلها كالوصف السابق؛ على سبيل الاستحباب أو على سبيل الوجوب، الغريب أن الظاهر من المذهب أنه سنة؛ أن يكون أمينًا، والصحيح أنه واجب، الأمانة هي أحد الركنين المقصودين في كل شيء.
والركن الثاني: القوة؛ ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وقال الجني العفريت الذي أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان ويش قال؟ ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩].
وعدم السداد في العمل يأتي من اختلال أحد الوصفين؛ إما ألَّا يكون الإنسان قويًّا في هذا العمل فيعجز عنه، أو يكون قويًّا لكنه غير أمين، فلا يؤمن عليه.
[ ١ / ٦٩٨ ]
لكن ما تقولون إذا وُجِد ضعيف أمين وقوي غير أمين، ما هو في الأذان، في غير الأذان، في أي عمل، هل نقدم القوي غير الأمين ولَّا نقدم الأمين غير القوي؟
على حسب ما يقتضيه العمل؛ بعض الأعمال تكون فيه مراعاة الأمانة أولى، وبعض الأعمال مراعاة القوة أولى؛ لأن القوي قد يفيد ما لا يفيده الضعيف في مسائل كثيرة، ولا سيما في موضوع الإمارات وما أشبهها؛ يعني: القوة في الإمارة قد تكون أولى من مراعاة الأمانة، الأمانة في القضاء قد تكون أولى من مراعاة القوة؛ لأن القاضي غير منفذ.
على كل حال، يشترط؛ يعني: ينبغي أو يجب أن يكون المؤذن أمينًا على أيش؟ أمينًا على الوقت، أمينًا على عورات الناس؛ لأن الناس فيما سبق يؤذنون في المنارات، واللي يطلع في المنارة يكشف بيوت الناس، ولَّا لا؟ فيحتاج أن يكون أمينًا؛ لا يطلع على عورات الناس، يقوم يؤذن في المنارة ويرى النساء، ويرى ما يحدث في البيوت، هذا ما هو أمين، لا بد أن يكون أمينًا؛ أمينا على الأذان ومراعاة الأوقات، وأمينًا على عورات الناس، لا يطلع عليها إذا صعد المنارة.
(عالمًا بالوقت) هذا شرط ولَّا غير شرط؟ هذا غير شرط؛ لأنه يعلم، كان ابن أمِّ مكتوم رجلًا أعمى لا يؤذِّن حتى يُقال: أصبحتَ أصبحتَ (٢٥)، فينبغي أن يكون عالمًا بالوقت؛ يعني: بنفسه، هذا هو الأكمل والأفضل؛ لأنه قد يتعذر عليه من يخبره عند أوان الأذان، فينبغي أن يكون هو عالمًا بالوقت.
العلم بالوقت يكون بالعلامات التي جعلها الشارع علامة، وهي الظهر؟
طالب: ().
الشيخ: الشمس ولَّا زوال الشمس؟
الطالب: ().
الشيخ: في العصر؟
طالب: ().
الشيخ: أن يصير ظل كل شيء مثليه، كذا؟ صلاة العصر، توافقونه؟
طالب: ().
الشيخ: مثله بعد فيء الزوال. في المغرب؟
طالب: ().
الشيخ: إذا غابت الشمس، في العشاء؟
طالب: إذا غاب ().
الشيخ: الشفق الأحمر، في الفجر؟
طالب: ().
الشيخ: أي الفجرين؟
الطالب: ().
[ ١ / ٦٩٩ ]
الشيخ: الفجر الأول، () يقولون: الفجر الثاني، أيهما أصح؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الفجر الثاني اللي هو الصادق، وسيأتي -إن شاء الله- بيانه.
هذا علامة الوقت بالعلامات الشرعية التي رتبها الشارع، لكن هذه العلامات في وقتنا الحاضر أصبحت علامات خفية، ما كل أحد يعرفها، وصار الناس يعتمدون على الساعات في معرفة الوقت؛ يعني: في معرفة حلول الوقت، وعلى التقويمات في معرفة الأوقات، ولكن التقاويم تختلف في الوقت؛ يكون بين كل واحد والآخر أحيانًا إلى ست دقائق، والست دقائق ما هي هينة لا سيما في أذان الفجر وأذان المغرب؛ لأنهما يتعلق بهما الصيام، مع أن كل الأوقات يجب فيها التحري.
فإذا اختلف تقويمان عندنا وكل من التقويمين صادر عن أهل وعالم بالوقت، فهل نقدم الثاني اللي متأخر أو المتقدم؟ نقدم المتأخر في كل الأوقات؛ لأن الأصل عدم دخول الوقت، وكل من المخبرين ثقة، هذا التقويم صادر من أهله، وهذا تقويم آخر صادر من أهله، وكل منهم نعرف أنه ثقة وعالم، فإذن نقول: نأخذ بالمتأخر؛ لأن الأصل عدم الدخول.
وقد نص الفقهاء على مثل هذا، فقالوا ﵏: لو قال لرجلين ارقبا لي الفجر؛ يعني: تحروا الفجر وترقبوه، فقال أحدهما: طلع الفجر، وقال الثاني: لم يطلع الفجر، من نأخذ بقوله؟ بقول الثاني، يأكل ويشرب ودُكْهَا يصيح عليه: لا تأكل بالنهار، لا تأكل بالنهار، وهذا قال: ترى ما طلع الفجر، نقول: كل، حتى يتفقا الاثنان؛ إذا قال الثاني: طلع الفجر، أمسك، هذا من أهل العلم، دليل واضح، على أنه إذا اختلف عالمان بالوقت؛ فقال أحدهما: دخل، وقال الثاني: لم يدخل أن نأخذ بمن؟ بقول من يقول: إنه لم يدخل، وهذا له أصل، وهو أن الأصل عدم دخول الوقت، فنأخذ بالثاني.
[ ١ / ٧٠٠ ]
وفي وقتنا الآن التقاويم التي نحن نشاهد نجد فيها فرقًا إلى خمس وست دقائق، وهذا مشكل، لكني أنا شخصيًّا آخذ بالمتأخر، لا في أوقات الصلوات ولا غيرها، حتى مثلًا لو كان في الفجر، رأيت التقويم يقول: طلع الفجر، وتقويم آخر يقول: باقي ست دقائق، فأنا آخذ بالثاني، وآكل وأشرب أكلًا وشربا هنيئًا مريئًا -إن شاء الله- حتى يتفقا الطرفان، أما إذا كان أحدهما أعلم من الثاني أو كان أحدهما أوثق من حيث الأمانة فلا شك أن الإنسان يرجح من هو أوثق وأعلم، أما مع التساوي أو ربما يرجح الإنسان من حيث ما يسمونه بالتكنولوجيا يرجح الثاني، فسيأخذ بالثاني.
طالب: فيه واحد مثلًا ماسك مسجد بسكن معين بيصلي بالناس أو يؤذن وما يتوقف للأوقاف دخول، وبعد كام أيام شاف إذا ما فيه فائدة وترك ()؟
الشيخ: فاهمين سؤاله؟ يقول: هذا واحد ماسك مسجد أذانًا أو إمامًا، وبقي شهر أو شهران، شاف أن الأوقاف ما هي () وترك المسجد، ويش تفسيره؟
طالب: ينظر إلى نيته.
الشيخ: إي نعم، ينظر إلى نيته؛ إن كان الرجل يقول: أنا انحبست بهذا لله ﷿ وأستعين بما يعطونني على الأذان وعلى أعمالي الأخرى، فأما إذا لم يحصل لي فأنا أريد أن أشتغل؛ لأن الأذان والإمامة تحبس الإنسان.
فإن تَشَاحَّ فيه اثنان قُدِّمَ أفضَلُهما فيه، ثم أَفْضَلُهما في دِينِه وعَقْلِه، ثم مَن يَختارُه الْجِيرانُ، ثم قُرْعَةٌ، وهو خَمْسَ عشرةَ جملةً يُرَتِّلُها على عُلُوٍّ مُتَطَهِّرًا مُستقبِلَ القِبلةِ جاعلًا أُصبعَيْهِ في أُذُنَيْه غيرَ مُستَدْيِرٍ مُلْتَفِتًا في الْحَيْعَلَةِ يَمينًا وشِمالًا قائلًا بعدَهما في أَذانِ الصبْحِ (الصلاةُ خيرٌ من النومِ) مَرَّتينِ.
[ ١ / ٧٠١ ]
وهي إحدى عشرةَ يَحْدُرُها ويُقيمُ مَن أَذَّنَ في مكانِه إن سَهُلَ، ولا يَصِحُّ إلا مُرَتَّبًا متوالِيًا من عَدْلٍ ولو مُلْحِنًا أو مَلحونًا، ويُجْزِئُ من مُمَيِّزٍ، ويُبْطِلُهما فَصْلٌ كثيرٌ، ويَسيرٌ مُحَرَّمٌ، ولا يُجْزِئُ قبلَ الوَقتِ إلا الْفَجْرُ بعدَ نِصفِ الليلِ، ويُسَنُّ جُلوسُه بعدَ أذانِ الْمَغرِبِ يَسيرًا، ومَن جَمَعَ أو قَضَى فَوائِتَ أَذَّنَ للأُولى ثم أقامَ لكلِّ فَريضةٍ،
(تشاحَّا فيه) يعني: تزاحمَا فيه، كل واحد منهما يطلب أن يكون هو المؤذِّن، بأن تقدَّم إلى هذا المسجد رجلان كل منهما يريد أن يكون هو المؤذِّن.
ومن المعلوم أن هذا في مسجد لم يتعين له مؤذِّن، فإن تعيَّن له مؤذِّن بقي الأمر على ما كان عليه؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (١)، كذلك لا يؤذِّن الرجل في سلطان مؤذِّن آخر، فإذا كان قد رُتب للمسجد مؤذِّن فلا يجوز لأحد أن يزاحمه؛ لأنه أهل، ونَزل منزلًا شرعيًّا، فلا يجوز الاعتداء عليه.
لكن إذا كان المسجد من الآمر نطلب له مؤذِّنًا، فتقدم له مؤذنِّان كل واحد يقول: أنا. يقول المؤلف: (قُدِّمَ أفضلهما فيه)، أفضلهما في الأذان، يعني: فيما يتعلق بالأذان هو المقدَّم، فمثلًا: الصوت يدخل في هذا ولَّا لا؟
أحسنهما صوتًا وأداءً وأقواهما يُقدَّم، الأمانة تدخل في هذا أيضًا، العلم بالوقت كذلك يدخل في هذا، إذن يُنْظَر أفضلهما في الأذان، لماذا؟ لأنهما تزاحمَا في عمل فقُدِّمَ أقومهما به، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
ثم بعد ذلك (أفضلهما في دينه وعقله)، (أفضلهما في دينه) واضح، يعني إذا وجدنا أحدهما أطوع لله ﷿ من الآخر فإننا نقدمه.
[ ١ / ٧٠٢ ]
ثم في (عقله) ويش العقل؟ يعني: العقل حسن الترتيب، أن يكون عنده عقل يستطيع أن يُرتب نفسه، يستطيع أن يمشي مع الناس؛ لأن بعض الناس ما عنده سعة عقل، ما يتحمل من الناس أدنى شيء، فإذا كان هذا الرجل عاقلًا ونعرف أنه سيصبر على أذى الناس؛ لأن الناس مهما كان الإنسان لا بد أن يحصل عليه اعتراض وأذى، وإذا كان الإنسان عاقلًا صار أشد تحملًا.
ولم يذكر المؤلف أفضلهما في علمه، وهذا أمر لا بد منه، فإننا نقدِّم أعلمهما؛ لأن غير العالم قد يجهله بعض الأمور.
فإذا قال قائل: ربما يؤخذ ذلك من قوله: (أفضلهما فيه)، بحيث يكون الأعلم بأحكام الأذان داخلًا في قوله أيش؟ (أفضلهما فيه)، فإن تحملت هذه الكلمة الأعلم فهذا هو المطلوب، وإن لم تتحمل فإنه يجب أن ننظر إلى علمه؛ لأن بعض المؤذِّنين مثلًا لو يأتي متأخرًا فيسأل: هل يؤذن أو يقتصر على أذان المساجد الأخرى، إذا كان معه علم عرف كيف يتصرف؛ وكذلك إذا كان معه عقل يعرف كيف يتصرف، إذا كان أعقل يقول: والله الآن مضى نصف ساعة بعد الأذان، لو أذَّنت الآن لشوَّشْت على الناس، وقد حصل الفرض بأذان مَن حولنا، إذن لا أُؤَذِّن، وأن هذا عقل، ولهذا قال:
(ثم أفضلهما في دينه وعقله، ثم مَن يختاره الجيران)، مَن هم الجيران؟
جيران المسجد يعني أهل الحي، يعني لو تقدَّم الرجلان وجدنا أنهما مستويان فيما يتعلق بالأذان، مستويان في الدين والعقل، نرجع إلى مَن يختاره الجيران، ولكن إذا قال قائل: متى نجد مؤذِّنًا يُجمِع الجيران على اختياره كما هو ظاهر عبارة المؤلف (الجيران)؟
نقول: إذا تعذَّر إجماعهم على اختياره أخذنا بقول الأكثر؛ لأنه قلَّ أن تجد رجلًا يجتمع الناس على اختياره، فنأخذ بقول الأكثر.
[ ١ / ٧٠٣ ]
وظاهر كلام المؤلف أنه لا اعتبار باختيار المسؤول عن شؤون المساجد؛ لأن الأذان إنما هو لأهل الحي، فهم المسؤلون عن اختيار المؤذِّن، ولكنَّ في هذا نظرًا، بل نقول: إن المسؤول عن شؤون المساجد لا بد أن يكون له نوع اختيار؛ لأنه هو المسؤول، ولهذا عندما يحصل إخلال من المؤذن إلى مَن يرجع؟
إلى المسؤول عن شؤون المساجد، إذن فلا بد من مراعاة المسؤول عن شؤون المساجد في هذا الاختيار.
ثم قال المؤلف: (ثم قرعة)، إذا تعادلت جميع الصفات ولم يحصل ترجيح من الجيران، أو تعادل الترجيح، فحينئذٍ نلجأ إلى القرعة؛ لأن القرعة يحصل بها تمييز المشتبِه وتبيين الْمُجْمَل، وقد جاءت القرعة في القرآن وفي السنة، ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤١].
وأما السنة فوردت في عدة أحاديث منها: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها. (٢)
ولأن القرعة يحصل بها فك الخصومة والنزاع فهي طريق شرعي، ولكن كيف نُقْرِع؟ نقول: أي صفة أو أي كيفية أَقرع بها فهي جائزة؛ لأنها ليس لها وصف شرعي أو كيفية شرعية، فأي صفة اتفقوا عليها في القرعة والكيفية فإنها جائزة.
ثم قال المؤلف: (وهو) أي: الأذان (خمس عشرة جملة يُرَتِّلُهَا)، (وهو)، (هو) ضمير منفصل مبتدأ، و(خمس عشرة) فيها إشكال إن نطقنا بها هكذا (خمسَ عشرة)، وإن نطقنا بها: وهو خمسُ عشرة، لم يكن فيه إشكال، صح؟
طلبة: ().
[ ١ / ٧٠٤ ]
الشيخ: إذا قلنا: (وهو خمسُ عشرة) رفعنا المبتدأ ما فيه إشكال، وإن قلنا: (وهو خمسَ عشرة) ونصبنا الخبر ففيه إشكال، إذن ماذا نقول؟
نقول: (وهو خمسْ عشرة) نسَكِّن، سَكِّن تَسْلَم، ما هو الصواب؟ الصواب: خمسَ عشرة، واللي توه مُبْتَدِئ بالنحو يقول: كيف أنكم تنصبون الخبر؟
نقول: الكلمة هذه مركبة مَبْنِيَّة على الفتح، ولهذا لو قال أحد: (وهو خمسُ عشرة)، قلنا: هذا خطأ.
أما (جملة) فهي تمييز للعدد؛ لأن العدد فيه إبهام فيُميَّز (خمسَ عشرة جملة)، نشوف التكبير في أوله أربعة، الشهادتان أربعة، كم هذه؟ ثمانية، الْحَيْعَلَتَان أربعة؛ اثنا عشر، التكبير في آخره مرتان، والتوحيد واحدة، هذه خمس عشرة جملة؟
طالب: ().
الشيخ: ما هي من الأذان، خمس عشرة جملة هذا الأذان، لا بد من هذه الخمس عشرة جملة، لا بد منها، لو نقص منها واحدة ما صح الأذان.
وهذا أول الشروط في الأذان، يُشْتَرَط ألَّا ينقص عن خمس عشرة جملة، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم ()، لكنَّا نقتصر على المشهور من المذهب، ونقول: كل ما صَحَّت به السنة من صفات الأذان فهو جائز، بل الذي ينبغي أن يؤذِّن بهذا تارة وبهذا تارة إن لم يحصل تشويش وفتنة.
فإذا كنا في نزهة وليس معنا إلا طلبة علم، فينبغي أن يؤذَّن أحيانًا بهذا الأذان، وأحيانًا بأذان أبي محذورة (٣)، فنُرجِّع في الشهادتين، ونقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، سِرًّا في أنفسنا، ثم نقولها جهرًا، فيكون الأذان على هذا تسع عشرة جملة، إن كان التربيع في أوله.
أما إذا قلنا بأن التكبير في أوله مرتين مع الترجيع يكون كم؟ سبع عشرة جملة، وعلى هذا فالمشهور عند الحنابلة كم؟
[ ١ / ٧٠٥ ]
خمس عشرة جملة بدون ترجيع، وعند مالك سبع عشرة جملة بالتكبير مرتين في أوله مع الترجيع، وعند الشافعي تسع عشرة جملة بالتكبير في أوله أربعًا مع الترجيع، وكل هذا مما جاءت به السنة، فإذا أذَّنْتَ بهذا مرة وبهذا مرة كان ذلك أولى وأحسن، وقد ذكرنا أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة ينبغي للإنسان أن يفعلها على هذه الوجوه، وقلنا: إن تنويعها فيه ثلاث فوائد، من يذكرها لنا؟
طالب: ().
الشيخ: نعم، حفظ السنة بوجوهها؛ لأنك لو اقتصرت على واحد منها مات الآخر، الثاني؟
طالب: ().
الشيخ: إي نعم ().
طالب: التيسير على المكلَّف ().
الشيخ: التيسير على المكلَّف؛ لأنه أحيانًا تكون بعض الوجوه أخف من بعض، ولنضرب لذلك مثلًا: في التسبيح، التسبيح في أدبار الصلوات بعضها من السنة، بعض السنن فيه أن تسبِّح عشرًا، وتَحمد عشرًا، وتُكَبِّر عشرًا (٤)، هذا أحيانًا يكون أيسر لك، في بعض الأحيان، وهو من جهة أخرى أيسر بأن لا يَمل الإنسان.
الرابع: أن ذلك أحضر للقلب؛ لأنك إذا اعتدت صفة معينة صارت بمنزلة الماكينة الأتوماتيكية، ولهذا تجد إذا كنت ماشيًا على صفة معينة يمكن تقولها، ولا تدري إلا أنت في أثناء () ليش؛ لأن هذه هي العادة، فإذا ذهبت إلى النوع الآخر صار أشد استحضارًا للعبادة ..
طالب: ().
الشيخ: لا، ما يدخل، هذا غير هذا، استحضار النية أنك تنوي العبادة، أما لو كانت وتيرة واحدة ما حصلت لك النية.
إذن نقول: الأفضل في الأذان أن تأتي به على جميع الصفات التي صحت عن النبي ﷺ، بشرط ألَّا يحصل بذلك تشويش وفتنة؛ فإن حصل في هذا تشويش وفتنة فقد ترك النبي ﷺ بناء الكعبة خوفًا من الفتنة. (٥)
طالب: () المطر.
الشيخ: في حالة المطر أيضًا هو خمس عشرة جملة؛ لأنه لو عملنا بالحديث أمام العامة حصل فتنة، لكن في طلبة العلم لا بأس أنك تقول: صلوا في رحالكم.
[ ١ / ٧٠٦ ]
قال: (يُرَتِّلُهَا) يعني يقولها جملةً جملةً، فيقول: الله أكبر، ويسكت، الله أكبر، ويسكت، حتى يكمل، هذا هو الأفضل، وفيه صفة أخرى أنه يقرن بين التكبيرتين، في التكبيرات يقرن بين كل تكبيرتين، فيقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، ويقول في الأخير: الله أكبر الله أكبر، لكن المذهب أنه يُرَتِّلُهَا، ولو أن الإنسان عمل بهذا وبالصفة الأخرى لكان أفضل كما عرفتم.
(على عُلْوٍ) يعني ينبغي أن يكون الأذان على شيء عالٍ؛ لأن ذلك أبعد للصوت، والناس محتاجون إلى الأذان، لا سيما فيما سبق لما لم تكن الساعات موجودة، أما الآن والحمد لله الساعات موجودة، يمكن تجد في المجلس الواحد عند بعض الناس ساعتين، لكن مع ذلك يُسَنُّ أن يكون على شيء عال.
ولا فرق بين أن يكون العُلو بذات المؤذِّن أو بصوت المؤذِّن كما هو الموجود الآن، الآن العُلو بصوت المؤذِّن، أما بَدَنُ المؤذِّن فإنه في الأرض، ما يصعد، لكن ما دام الصوت يُسمَع من المنارة فهذا كالذي يصعد، وهذا من تيسير الله على عباده ألَّا يتكلَّفوا ولا يشق عليهم، لا سيما في أيام الشتاء وأيام الأمطار.
يقول: (مُتَطَهِّرًا) من الحدَث، وهذا سنة ولَّا؟ سُنَّة، يكون متطهرًا من الحدث الأصغر والأكبر، ولكن قال الفقهاء ﵏: إنه يُكْرَه أذان الْجُنُب دون أذان المُحدِث حدَثًا أصغر، فالمراتب إذن ثلاثة: الأكمل الطهارة من الحدثين، والجائز الحدث الأصغر، والمكروه الحدث الأكبر.
هذا إذا لم تكن المنارة في المسجد، فإن كانت في المسجد فإنه لا يجوز الآذان في المسجد إلا بوضوء.
[ ١ / ٧٠٧ ]
قال: (مُسْتَقْبِلَ القبلة)؛ لأن هذا هو الذي ورد، ولأن هذه عبادة، والأفضل في العبادة أن يكون الإنسان فيها مُسْتَقْبِلَ القبلة ما لم يَرِد خلافه، ولهذا لما ذكر الفقهاء ﵏ أنه يُسَنُّ أن يتوضأ وهو مستقبِل القبلة، قال صاحب الفروع: وهو مُتَوَجِّه في كل طاعة إلا بدليل، يعني كل طاعة ينبغي أن يستقبل القبلة فيها إلا بدليل، ولكن هذا فيه المناقشات؛ لأن كوننا نستحب في كل طاعة إلا بدليل يحتاج إلى دليل.
يقول: (جاعلًا أصبعيه في أذنيه) أيّ الأصابع؟ السبابتين في أذنيه هكذا، لماذا؟ قالوا: لأن في ذلك فائدتين:
الفائدة الأولى: أنه أقوى للصوت.
الفائدة الثانية: لِيَرَاه مَن كان بعيدًا، فيعرف أنه يؤذِّن، أو ليراه مَن لا يسمع فيعرف أنه يؤذِّن.
التعليل الأول لا يزال موجودًا حتى الآن، والتعليل الثاني الآن موجود؟
طلبة: نعم ().
الشيخ: هو على كل حال إن كان موجودًا فهو موجود، يعني ربما أن المؤذِّن إذا تقدَّم إلى مكان الأذان يكون فيه واحد ما يسمع، ويحسب أنه تقدم بيصلح شيء ولَّا بيعمل عمل آخر، فإذا وضع أصبعيه في أذنيه عرف أنه يؤذِّن.
قال (غير مستدير)، يعني: لا يستدير، ويش معنى (غير مستدير)؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، ما هو ..
طالب: ().
الشيخ: الاستدارة يعني يمشي، وقال بعض الفقهاء: إنه إذا كان في منارة فإنه يستدير، المنارة يكون لها طوق مثل الأخيرات، الأخيرات هذه يقول: إذا أذَّن يستدير، ليش؟ علشان يسمع الناس من كل جهة، لكن الحمد لله نحن الآن قد كُفِينَا هذا، وجُعِلَ في كل جهة سمَّاعة وتكفي عن الاستدارة، وأنتم في ..
طالب: ()
الشيخ: طيب، نعم ..
طالب: ()
الشيخ: (غير مستدير مُلْتَفِتًا في الْحَيْعَلَة يمينًا وشمالًا).
الحيعلة يعني قول: حَيَّ على الصلاة، وهي مصدر يسمَّى المصدر المصنوع؛ لأنه مركَّب من عدة كلمات، حيعلة من حَيَّ على، ومثلها بَسْمَلَة، وحَوْقَلَة، وحَمْدَلَة، وهَيْلَلَة.
طالب: ().
[ ١ / ٧٠٨ ]
الشيخ: وجَعْفَلَة، إي نعم، هي من المصادر المصنوعة؛ لأنها مركَّبَة من عدة كلمات، الْحَيْعَلَتَيْنِ يلتفت يمينًا وشمالًا، والمؤلِّف ﵀ أجمل كيفية الالتفات.
فقال بعضهم: إنه يلتفت يمينًا لحي على الصلاة في المرتين جميعًا، وشمالًا لحي على الفلاح في المرتين جميعًا.
وقال بعضهم: يلتفت يمينًا لحي على الصلاة للمرة الأولى، وشمالًا للمرة الثانية، وحي على الفلاح يمينًا للمرة الأولى، وشمالًا للمرة الثانية، ليعطي كل جهة حظها من حي على الصلاة ومن حي على الفلاح.
ولكن المشهور -وهو ظاهر السنة- أنه يلتفت يمينًا لحي على الصلاة في المرتين جميعًا، وشمالًا لحي على الفلاح في المرتين جميعًا، ولكن يلتفت في كل الجملة، أما ما يفعله بعض المؤذِّنين يقول: حي على، ثم يلتفت في الصلاة، حي على، ثم يلتفت في الفلاح، فهذا تصرُّف لا أصل له لا في السنة ولا في كلام العلماء، بل يقول: حي على الصلاة كلها يمين، ومثله أيضًا الالتفات في الصلاة عند التسليم، يلتفت في كل التسليم على اليمين وعلى اليسار.
طالب: ().
الشيخ: يغنون؟ ! ويش الأغنية اللي غنوها.
طالب: ().
الشيخ: إيش لون يعني، يغنون يجيبون أغاني؟
طالب: ().
الشيخ: آه، يُلَحِّنُون، هذه ستأتينا في كلام المؤلف إن شاء الله.
طالب: ().
الشيخ: نشوفها إن شاء الله.
طالب: ().
الشيخ: إي، الفقهاء يكرهون هذا، يقول: يُكْرَه أنه يؤذِّن وهو يمشي، أو يُقِيم وهو يمشي، لكن ما فيه دليل.
طالب: ().
الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: هل يدخل النساء في قوله: أكثر الجيران؟
طلبة: ().
الشيخ: الظاهر أنه ما يدخل في هذا.
طالب: ().
الشيخ: هم () لكن ما لهم () ما هم من أهل الأذان.
طالب: ().
الشيخ: نعم، صحيح؛ لأن الأذان عبادة معيَّنة مثل التشهد الآن، لو قال لك مثلًا: التشهد ليش مرتبًا هذا الترتيب، أو يبدأ فيه بكذا ()، الأذان عبادة خالصة جاءت في الشرع على هذا الوجه.
[ ١ / ٧٠٩ ]
طالب: ().
الشيخ: مثل أيش؟
طالب: ().
الشيخ: يظهر بعيونه.
طلبة: ().
الشيخ: لا، ما هو بصحيح، هذا أول ورد، لكن كل الأحاديث فيها شيء من الضعف، ولا كان بلال يفعل هذا يضع أصبعيه في أذنيه (٦)، لكنه بس غالبًا فيها شيء من الضعف، ولهذا نعتمد بها على ()؟
طالب: ().
الشيخ: يعني الْجُنُب، إلا متوضئًا، إن الجنب يحرُم إلَّا متوضِّأً.
الطالب: ().
الشيخ: ما فيه شيء.
طالب: ().
الشيخ: إحنا ذكرنا لكم التطهر من الحدَثَيْن، هذا الأكمل.
طالب: ().
الشيخ: لا، ما ذكرنا إلا هذا؛ الْجُنُب قلنا يُكرَه، إلا إذا كان في المنارة فيحرُم ما لم يتوضأ؟
طالب: () يعتمدون على التقويم () في رمضان مثلًا يؤذِّنون بعد الوقت بحوالي خمس عشرة دقيقة، هل يجوز أن الإنسان يأكل على غروب الشمس؟
الشيخ: يأكل على غروب الشمس أو الفجر؟
الطالب: لا، غروب الشمس، إذا غربت الشمس يبدأ بالفطور ().
الشيخ: أنت قلت: الفجر، تقول أنهم الفجر يتأخَّرون ربع ساعة، كذا؟
الطالب: قلت: حسب التقويم يتأخر التقويم ربع ساعة عن الوقت.
الشيخ: الفجر ولَّا؟
الطالب: لا، الغروب.
الشيخ: الغروب.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما () إذا غربت الشمس أفطر.
الطالب: يعتمدون على التقويم في كل البلد، ثم يأتي جماعة يعتمدون على الشمس.
الشيخ: أبدًا، إذا غربت الشمس فليأكل، سواء أذَّن ولَّا ما أذَّن، ما فيه شيء.
الطالب: لكن حصلت بهذا فتنة.
الشيخ: ما فيها فتنة إذا كنت في البيت.
الطالب: لا، هذا في المسجد أمام الناس ().
الشيخ: لا، ما ينبغي، أمام الناس لا يفعل، يأكل شيئًا سرًّا.
طالب: ().
الشيخ: لا، ما يجوز؛ لأن الأذان عبادة.
طالب: ().
الشيخ: هذا غلط، لا، يمكن أنه ما هو في مسجد.
الطالب: ().
الشيخ: لا، ما يجوز، هذا لا يجوز؟
طالب: ()
[ ١ / ٧١٠ ]
الشيخ: الجواز، جائز، لكن لما قال الرسول لعبد الله بن زيد بن عبد ربه: «أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» (٧) عرفنا أنه يُعْتَبَرُ الصيت؟
طالب: ().
الشيخ: أي صفات.
طالب: ().
الشيخ: معلوم، هذا معروف؛ لأن الصحابة كلهم عدول وكلهم أمناء. ().
***
حَقَّيْنِ متساوِيَيْنِ، أو مستحِقَّيْنِ متساوِيَيْنِ، فهي عند التساوي وعدم التمييز تستعمل، وهي طريق شرعي ثبتت في القرآن والسنة، وقلنا: إنها ذُكِرَت في القرآن مرتين؛ مرة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، ومرة في قصة يونس: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤١].
أما في السنة فوقعت في نحو ست حوادث، وذكرنا منها حديث أنس؛ أن الرسول ﷺ كان إذا أراد سفرًا أَقْرَعَ بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها. (٢)
قال المؤلف: (وهو خمس عشرة جملة، يرتلها على علو متطهِّرًا مستقبِل القبلة، جاعلًا أصبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، غيرَ مستدير، مُلْتَفِتًا في الْحَيْعَلَةِ يمينًا وشمالًا قائلًا بعدهما).
(قائلًا بعدهما) أي: بعد الْحَيْعَلَتَيْنِ، (الصلاة خير من النوم، في أذان الصبح مرتين).
قوله: (الصلاة خير من النوم) مبتدأ وخبر، ولم يذكر العلماء أنه يجوز فيه الوجهان؛ الرفع والنصب، كما قالوا في (الصلاة جامعة، الصلاة جامعة)، في مناداة الكسوف: يجوز النصب ويجوز الرفع، أما هنا فهي بالرفع.
يقول: الصلاة خير من النوم (مرتين)، أي: يكررها مرتين، ولم يذكر العلماء هل يلتفت يمينًا وشمالًا، أو يبقى مستقبِل القبلة، والأصل إذا لم يذكر الالتفات أن يبقى على الأصل على التوجُّه إلى القبلة.
[ ١ / ٧١١ ]
وقوله: (في أذان الصبح)، (أذان) مضاف، و(الصبح) مضاف إليه، من باب إضافة الشيء إلى سَبَبِه، أي: الأذان الذي سببه طلوع الفجر، ويجوز أن يكون من باب إضافة الشيء إلى نوعه، أي الأذان من الصبح، كقولهم خاتم حديد.
على كل حال أذان الصبح هو الأذان الذي يكون بعد طلوع الفجر ولا شك، وقد توهَّم بعض الناس في عصرنا هذا، توهموا أن المراد بالأذان الذي يقال فيه هاتان الكلمتان هو الأذان الذي قبل الفجر.
وشُبهتهم في ذلك أنه قد ورد في بعض ألفاظ الحديث: «إِذَا أَذَّنْتَ الْأَوَّلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَقُلِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» (٨)، فزعموا بفهمهم أن هذا -أي الصلاة خير من النوم، ويسمى التثويب- إنما يكون في الأذان الذي يكون في آخر الليل، وقالوا: إن التثويب في الأذان الذي يكون بعد الفجر بدعة، وصاروا يُلَبِّسُون على العوام، وكثرت التساؤلات حول هذا الموضوع، كل ذلك بسبب الفهم الخاطئ.
فنقول: إن الرسول ﵊ قال: «إِذَا أَذَّنْتَ الْأَوَّلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ»، فقال: «لِصَلَاةِ الصُّبْحِ»، ومعلوم أن الأذان الذي في آخر الليل ليس لصلاة الصبح، وإنما هو كما قال النبي ﵊: «لِيُوقِظَ النَّائِمَ وَيُرْجِعَ الْقَائِمَ» (٩)، أما صلاة الصبح فلا يؤذَّن لها إلا بعد طلوع الصبح، فإن أُذِّن لها قبل طلوع الصبح فهو أذان لاغٍ غير معتبَر، بدليل قوله ﷺ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (١٠)، فجعل الأذان مقيَّدًا بماذا؟ بما إذا حضرت الصلاة، ومعلوم أن الصلاة لا تحضر إلا بعد دخول الوقت، إذن فأذان الصبح متى يكون؟
طلبة: ().
الشيخ: بعد دخول الوقت ولا شك.
[ ١ / ٧١٢ ]
يبقى الإشكال في قوله: «إِذَا أَذَّنْتَ الْأَوَّلَ»، فنقول: لا إشكال؛ لأن الأذان هو الإعلام في اللغة، والإقامة إعلام، ولهذا قال النبي ﵊: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» (١١)، والمراد بالأذانين الأذان والإقامة، وفي صحيح البخاري (١٢) قال: زاد عثمان الأذان الثالث لصلاة الجمعة، الأذان الثالث، ومعلوم أن الجمعة فيها أذانان وإقامة، فسماه أذانًا ثالثًا، وبهذا يزول الإشكال.
فيكون التثويب في أذان صلاة الصبح، قال هؤلاء الذين اشتبه عليهم الأمر: لأنه قال: الصلاة خير من النوم.
فدلَّ هذا على أن المراد بالصلاة خير من النوم صلاةُ التطوع، صلاة التهجد، ليست صلاة الفريضة؛ إذ لا مفاضلة بين صلاة الفريضة وبين النوم، والخيرية إنما تقال في باب الترغيب، فيقال: الصلاة خير من النوم، في النفل، صلوا فهو خير من نومكم، فهذا أيضًا يقولون: يرجَّح أن المراد بالأذان أيش؟ الأذان في آخر الليل.
فنقول لهم: هذا أيضًا يُضاف إلى الخطأ الأول؛ لأن الخيرية قد تقال في أوجب الواجبات، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ﴾ [الصف: ١٠، ١١]، الإيمان بالله ورسوله والجهاد اللي هو ذورة سنام الإسلام، قال الله تعالى فيه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: خير لكم مما يأتيكم من تجارة الدنيا، والخيرية هنا بين واجب وغيره، ولَّا بين مستحب وغيره؟
بين واجب؛ لأنه الإيمان بالله ورسوله، وقال تعالى في صلاة الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الجمعة: ٩]
[ ١ / ٧١٣ ]
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ منين؟ من البيع ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من البيع، ومعلوم أن الحضور إلى صلاة الجمعة واجب، وقال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من البيع، فدل هذا على أن الشبهة الثانية التي عرضت لهم هي مجرد شبهة وليست بِحُجة، وعلى هذا فالتثويب سنة في أذان الصبح، ولو ثوَّب في الأذان الذي قبل صلاة الصبح لقلنا: هذا غير مشروع.
قال: (وهي إحدى عشرة)، (وهي) أي: الإقامة، (إحدى عشرة يَحْدِرُهَا) إحدى عشرة أيش؟
طلبة: جملة.
الشيخ: جملة، وحَذَف المميِّز أو التَمْييز؛ لأنه ذُكر في الأذان، قال في الأذان: (وهو خمس عشرة جملة)، وهنا قال: (وهي إحدى عشرة).
(يَحْدِرُهَا) أي: يسرع فيها، ما يُرَتِّلُهَا، فيقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، بدون ترتيل.
كيف كانت إحدى عشرة؟ لأن التكبير في أولها مرتين، والتشهد شهادتي التوحيد والرسالة مرتين؛ هذه أربع، والْحَيْعَلَة مرتين، هذه ست، وقد قامت، مرتين؛ هذه ثمانٍ، والتكبير مرتين؛ عشرة، والتوحيد مرة، فهذه إحدى عشرة، وهذا ما اختاره الإمام أحمد ﵀.
ومن العلماء من اختار سوى ذلك من قال: إنها خمس عشرة، يعني يكبر أربعًا، ويتشهد أربعًا، ويُحَيْعِل أربعًا، هذه كم؟ اثنا عشر، وقد قامت الصلاة، أربعة عشر، وثلاثة، سبعة عشر.
ومنهم مَن قال: إنها على واحد واحد، إلا قد قامت الصلاة، فيقول: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، لا إله إلا الله، كم تكون؟
طلبة: تسع.
[ ١ / ٧١٤ ]
الشيخ: تسع، إي نعم، التكبير على مرة، كلها على مرة مرة، وهذا هو ظاهر حديث أنس بن مالك ﵁، حيث قال: أُمِر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة (١٣)، ولكن المشهور ما ذهب إليه المؤلف، وأجابوا عن قوله: يوتر، أن تَكرار التكبير في أولها مرتين بمنزلة الوتر بالنسبة لتكراره أربعًا في الأذان.
وينبغي أن يُعلم أنَّا ذكرنا قاعدة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم بأن العبادات الواردة على وجوه متعددة ينبغي أن تُفْعَل هذا تارة وهذا تارة، بشرط ألَّا يكون في هذا تشويش على العامة.
يقول: (ويُقيم مَن أَذَّنَ) لأن بلالًا ﵁ كان هو الذي يتولى الإقامة، وكان هو الذي يؤذِّن، هذا دليل من السنة، أما من النظر فيُقال: إنه ينبغي لمن تولى الأذان الإعلام أولًا، أن يتولى الإعلام ثانيًا، حتى لا يحصل التباس بين الناس في هذا الأمر، وحتى يَعلم المؤذِّن أنه مسؤول عن الإعلامَيْنِ جميعًا.
قال: (في مكانه) أي: مكان أذانه، لكنه قيَّده بقوله: (إن سهل) فإن صعب كما لو كان في منارة، ويصعب أن يصعد إلى منارة، ثم يُقيم، فإنه يقيم حيث تَيَسَّر، في وقتنا الحاضر يمكن أن يقيم مَن أَذَّنَ في مكانه بواسطة الْمُكَبِّر، وعلى هذا فلو أقام الصلاة في الْمُكَبِّر الذي يُسمَع من المنارة لكان موافقًا لما قاله الفقهاء ﵏ أنه يقيم في مكانه ليَسمع الناسُ الإقامة فيحضروا إلى الصلاة.
ثم قال: (ولا يصح إلا مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا مِن عَدْلٍ مُمَيِّز) اللي عندي (ويجزئ مِن مُمَيِّز).
لا يصح الأذان إلا مُرَتَّبًا، كيف الترتيب؟
[ ١ / ٧١٥ ]
يبدأ بالتكبير، ثم التشهد، ثم الْحَيْعَلَة، ثم التكبير، ثم التوحيد، فلو نَكَّسَ وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ما أجزأ، وجب أن يُكَبِّرَ ثم يتشهد، الدليل: لأن الأذان عبادة وردت على هذه الصفة، فيجب أن تُفعل كما وردت؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». (١٤)
وقوله: (لا يصح إلا مُرَتَّبًا) يفيد أنه أيضًا لا يصح إلا بهذا اللفظ، يعني التكبير والتشهد، إلى آخره، فلو قال: الله أَجَلُّ، أو الله أعظم، يصح ولَّا لا؟
لا يصح؛ لأن هذا تغيير لماهية الأذان، فإذا كان وصفه وهو الترتيب لا بد منه فكذلك ماهيته لا بد منها، فلا يجزئ أن يقول: الله أَجَلُّ، أو أعظم، أو ما أشبه ذلك.
وعُلِمَ من قوله: (لا يصح إلا مُرَتَّبًا) أنه لو لم يأتِ به على الوجه الوارد، مثل أن يقول: الله الأكبر، فإنه أيضًا لا يصح، () واحد لا يصح من اثنين فأكثر، فلو تشاحَّ اثنان في الأذان، فقالَا جميعًا: لك التكبيرات الأولى، ولي التشهد، ولك الْحَيْعَلَتَانِ ولي التكبير الأخير والتوحيد، يصلح؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يجزئ؛ ولو عرض للمؤذِّن عذرٌ يمنعه من إتمام الأذان، فهل يُكَمَّل أو يُسْتَأْنَف؟
طالب: يُسْتَأْنَف.
الشيخ: يُسْتَأْنَف، ظاهر كلام المؤلف أنه يُسْتَأْنَف، لا بد أن يكون من واحد.
واستفدنا من قوله: (عدل) أنه لا بد أن يكون مسلمًا، فلو أذَّن الكافر لم يصح؛ لأن هذه عبادة ولا تصح إلا من مسلم.
ولو أذَّن الْمُعْلِن بفسقه كحالق اللحية ومن يشرب الدخان جهرًا فإنه لا يصح أذانه على كلام المؤلف، لا بد من العدالة.
لو أذن المسجِّل؟
طلبة: ().
[ ١ / ٧١٦ ]
الشيخ: ليس رجلًا ولا عدلًا، ولَّا لا، إذن لا يصح، فالأذان بالمسجِّل غير صحيح؛ لأن الأذان عبادة، بل سبق لنا أنه أفضل من الإمامة، فكيف نجيب مسجِّل يسجِّل الأذان ويلَّا أذِّن، وإذا كان لا يصح أن نسجِّل صلاة إمامٍ ثم نقول للناس: اقتدوا بهذا المسجِّل، يصح ولّا لا؟
لا يصح، لو أن واحدًا سجَّل صلاة إمامٍ حسن الصوت والأداء، وقال: حطه أمامك في المحراب، ولو قال: الله أكبر، قولوا: الله أكبر، ولو قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قولوا: آمين، وهكذا، قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الإمامة عبادة أيضًا.
هل يدل قوله: (مِن عدلٍ) على اشتراط العقل؟
نعم؛ لأن العدالة تستلزم العقل؛ إذ إن المجنون لا يوصَف بعدالة ولا فسق، قد رُفِعَ عنه القلم، شوف كلمة عدل يُشْتَرَط أن يكون مسلمًا عاقلًا ذكرًا غير مُتَعَدٍّ، أيش بعد؟ عدل.
الآن استفدنا أنه لا بد أن يكون واحدًا، مسلمًا، عاقلًا، ذكرًا، عدلًا، خمسة شروط من قوله: (مِن عدلٍ).
قال: (ولو مُلَحَّنًا أو مَلْحُونًا)
(ولو مُلَحَّنًا) الملحَّن المُطَرَّب به، يعني: يؤذِّن على سبيل التطريب به، كأنما يجرُّ ألفاظ أغنية، فإنه يُجْزِي لكنه يُكْرَه.
وقوله: (أو مَلْحُونًا) الْمَلْحُون هو الذي يقع فيه اللحن، يعني مخالفة القواعد العربية، ولكن اللحن ينقسم إلى قسمين:
قسم لا يصح معه الأذان، وهو الذي يتغير به المعنى، وقسم يصح به الأذان مع الكراهة، وهو الذي لا يتغير به المعنى، فلننظر لو قال المؤذن: الله أَكْبَاااار، هذا لا يصح، لأنه يُحيل المعنى، فإن أَكْبَار جمع كَبَر، كأسباب جمع سبب، والكَبَر: الطبل الذي يُضْرَب به في اللهو، وهذا يتغير به المعنى تغيُّرًا كبيرًا.
ولو قال: الله وكبر، أبدل الهمزة واوًا، فإن هذا يصح على لغة، يجوز في اللغة العربية إذا وقعت الهمزة مفتوحةً بعد ضَم أن تُقْلَب واوًا، فتقول: الله وكبر، نقول: هذا لا يتغير به المعنى.
[ ١ / ٧١٧ ]
ولو قال: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، فهو لا شك أنه لحن يُحيل المعنى على اللغة المشهورة، اللغة المشهورة لا شك أن هذا يحيل المعنى فيها؛ لأن أشهد أن محمدًا رسولَ الله، معنا الآن الاسم، وصفة الاسم، والخبر لم يأتِ بعد، أشهد أن محمدًا رسولَ الله، ويش هو؟ ما بعدُ جاء الخبر.
لكن فيه لغة قليلة لكنها لغة عربية من قول عمر بن أبي ربيعة مشهور من العرب العُرَبَاء، قال فيها: إن حُرَّاسنا أسدًا، قال:
وَلْتَكُنْ خُطَاكَ خِفَافًا
إِنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدًا
قال: (إن حُرَّاسَنا أُسدًا)، (حراس) اسم (إنَّ)، و(أُسْدًا) خبر إنَّ، وهي منصوبة، فإذا كان قد ورد في اللغة العربية أن خبر (إنَّ) يكون منصوبًا، ولا ريب أن المؤذِّنِين الذين يقولون: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، لا ريب أنهم يريدون أن (رسول) خبر لا صفة، ولا يترقَّبُون أن يأتي الخبر.
فإننا نقول: الحمد لله أن اللغة العربية احتملت هذا اللحن من هؤلاء المؤذِّنِين.
على أن بعض المؤذِّنِين الذين ينصبون (رسول) مهما علَّمْتَهم فإنهم سيستمرون، أَخَذَتْ عليها ألسنَتُهم حتى لا يستطيعون أن يقولوا: (رسولُ الله) أبدًا، تُعَلِّمُه تقول: قل: أشهد أن محمدًا رسولُ الله، يقول: أشهد أن محمدًا رسولُ الله، نقول: الآن أصبت، قم أَذِّنْ، إذا أَذَّن قال: أشهد أنَّ محمدًا رسولَ الله، لو إنك تَوَّك معلمه؛ لأن لسانه أخذ عليها.
ولو قال ..
طالب: الجر
الشيخ: لا، الجر ما يتغير به المعنى.
ولو قال: حياا على الصلاة، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا ().
[ ١ / ٧١٨ ]
الشيخ: لا، هو يفيد المعنى، لكن ألحق ألفًا بالياء، فهو لا شك إن كان على لغة مَن يُلحق العلامات اسمَ الفعل فهو جعل الآن المنادَى كم؟ اثنين، جعلهم اثنين، ومعلوم أن المؤذِّن لا ينادي اثنين، إنما يؤدي عامة الناس كل من سمع، فحينئذ يتغير المعنى ولّا لا؟ يتغير، أما على اللغة المشهورة من لغة العرب أن اسم الفعل لا تلحقه العلامات، فنحن نقول: الآن هذا الرجل أشبع الفتحة حتى جعلها ألفًا، وهذا لا يتغير به المعنى فيما يظهر، فإذا قال: حياا على الصلاة، كما نسمع في بعض المؤذِّنِين، فإن ذلك لا يتغير به المعنى، وحينئذ يكون الأذان صحيحًا؛ لأنه لحنَ لحنًا لا يتغير به المعنى ().
طالب: وأشهد أنَّ محمدًا رسولِ الله، هل هذا ..؟
الشيخ: لا، ما يتغير به المعنى.
طالب: ولو كان ().
الشيخ: إي، لكن بس ما يتغير به المعنى؛ لأن اللحن لو ما فيه لغة ما دام ما يتغير به المعنى ما يضر.
طالب: تكلمنا في الدرس السابق يا شيخ عن الالتفات في الْحَيْعَلَة؛ لأنه كان الأول يؤذِّنُون في المئذنة، الآن يؤذن () فهل لها داعي.
الشيخ: هي ما لها داعي، لكن لو قيل: إن الإنسان يفعلها إبقاء على السنة لأن أخشى يوم من الأيام ما تبقى الميكروفونات هذه، فيظن الظانُّ أنه لا يُسَنُّ الالتفات فلو أبقاها لكان أحسن إحياءً للسنة.
طالب: هل يجوز () يجمع ().
الشيخ: يعني واحد يُكَبِّر وواحد يتشهَّد.
طلبة: لا، مع بعضهم في نفس الأذان، مسجد كبير واحد يؤذِّن هنا وواحد يؤذِّن هناك ().
الشيخ: إي، يعني مسجد كبير يعني؟
الطالب: لا، في أي مكان.
الشيخ: لا، ما يُشرع، يعني: قصدك إنه مثلًا إذا أذَّن واحد يؤذِّن الثاني تعبدًا لله؟
الطالب: () يقولوا: الله أكبر مع بعض ().
الشيخ: تكبير جماعي يعني؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي، ما سمعت بهذا.
طالب: في عمدة الطالب ذكرها، أنه يمكن يؤذِّن جماعة ().
[ ١ / ٧١٩ ]
الشيخ: لا، يمكن في المساجد الكبار، اللي لها نواحي بعيدة، واحد يكون شمال، واحد يكون جنوب، يمكن.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم.
طالب: ().
الشيخ: لا، الصحيح أنه يصح.
طالب: يا شيخ، الآن يعني ..
الشيخ: الصحيح أنه يصح؛ لأن الفاسق يصح منه الذِّكْر، والأذَان ذِكْر.
طالب: الآن الإمام يا شيخ نظرًا لأن الناس () بعدالة الإمام، ()، بين المؤذِّنين كثيرًا حلق اللحية ().
الشيخ: الله المستعان.
طالب: هل يجوز يا شيخ متابعة المؤذِّن في الرائي أو في الراديو، يعني متابعته في ..
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله
طالب: السير أثناء الأذان () يؤذِّن وهو يمشي؟
الشيخ: الفقهاء قالوا: يُكْرَه، يُكْرَه فقط.
طالب: لو واحد أكل بصلًا أو ثومًا، هل يؤذِّن في المسجد؟
الشيخ: في المسجد لا، لكن خارج المسجد ما فيه مانع.
طالب: شُرْب الدخان أشد من البصل.
الشيخ: شرب الدخان أشد من البصل.
طالب: ().
الشيخ: هو شارب الدخان إذا كان له رائحة كريهة نقول: لا يدخل المسجد؛ لأن العلة واحدة، العلة أن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه الإنسان، موجودة في شرب الدخان، لكن أنا سمعت أن الدخان يختلف بعضه ما له رائحة كريهة، وبعضه صحيح مؤذٍّ.
طالب: إذا وقفت في صفٍّ مع ناس يُدَخِّنُون، من قال: الله أكبر () يمكن تُكْرَه ().
الشيخ: عجيب.
طالب: إعلان الإقامة في الميكروفونات () بعض الناس ()، فهل الأولى يُعْلِن الإقامة في الْمُكَبِّر أو يتركها؟
الشيخ: والله ما أرى فيها شيئًا، إعلان الإقامة بالميكروفون ما أرى فيه شيء؛ لأنه ..
طالب: () يترتب عليه ..
[ ١ / ٧٢٠ ]
الشيخ: قالوا لي بعض الناس: إنه يترتب عليه أنه يقول لعياله: قوم صلِّ، يقول: ما بعد قام، يقول: أبغي اصبر إلى أن يقيم، لكن ما دام ورد «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ» (١٥)، هذا يدل على أن الإقامة تُسْمَع، وكان بلال يقول لرسول الله: لا تسبقني بآمين (١٦)، مما يدل على أنه ما يقيم قريبًا.
طالب: ().
الشيخ: والله ذَكَرَه الفقهاء، لكن فيه نظر ما ().
الطالب: هناك يعني مَن قال: إن الأذان في المسجد بدعة، فهل هذا صحيح؟ يقول: الأفضل إنك تؤذِّن إما فوق المسجد، أو خارج المسجد، أما الأذان في الميكروفون داخل المسجد يقول: إنه بدعة.
الشيخ: لا، ما هو بدعة؛ لأن الأذان في داخل المسجد فيه المكبِّرات، هذه تُغْنِي عن الصعود للمنارة.
الطالب: يقول: إن السنة كما ورد ..
الشيخ: ما دام الله جاب لنا شيء يريحنا، الحمد لله، يحصل به المقصود.
الطالب: () العبادة.
الشيخ: بلى، لكن هل الصعود للمنارة مقصود لذاته؟ يعني ينبغي للمؤذِّن أن يصعد إلى منارة، أو مقصود لغيره، بحيث يكون أبعد للصوت، هذا هو الظاهر ().
***
وسبق لنا أنه يُشْتَرَط أن يكون متواليًا، بحيث لا يفصل بين أجزائه فاصل كثير إلا من ضرورة، كالسُّعَال والعُطاس وما أشبهها، ووجه ذلك أنه عبادة واحدة، فلا يصح أن تتفرق أجزاؤُها؛ لأنه لو تفرَّقت لم تكن واحدة، هذا تعليل ما هو دليل.
وسبق أنه يشترط أن يكون من ذَكر واحد، أيش بعد؟ مسلم، عاقل، عدل، واستفدنا هذه من كلمة (عدل).
وسبق أيضًا أنه يصح (مُلَحَّنًا) يعني مُطَرَّبًا به، بحيث يؤديه كما تؤدَّى الأغنية على وجه التطريب، وكذلك يصح (مَلْحُونًا) بشرط أن لا يُحِيل المعنى.
[ ١ / ٧٢١ ]
وسبق لنا أن قول المؤلف: (لو) إشارة خلاف، وأن فيه خلافًا، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد؛ أن الملحَّن والملحون لا يصح؛ لأن الْمُلَحَّن يُخْرِجُه عن كونه أذانًا؛ لأنه عبادة، والتلحين يميل به إلى الطرب والأغاني، وأما الملحون فلأن اللغة العربية هي التي تُؤَدَّى بها هذه الأذكار.
قال: (ويُجْزِئ مِن مُمَيِّز) (يجزئ) الفاعل يعود على الأذان، (يجزئ مِن مُمَيِّز)، والْمُمَيِّز مَن بلغ سبعًا إلى البلوغ، هذا المميِّز مَن بلغ سَبْعَ سنين إلى البلوغ يُسَمَّى مميِّزًا، وسُمِّيَ مُمَيِّزًا لأنه يُمَيِّز فيَفْهَم الخطاب ويَرُد الجواب.
وقال بعض العلماء: إن الْمُمَيِّز لا يتقيد بسنٍّ، وإنما يتقيد بوصف، فالذين قالوا: إنه يتقيد بِسِنٍّ استدَلُّوا بقول النبي ﷺ: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهِ لِعَشْرٍ». (١٧) فجعل أول سِنٍّ يؤمَر به الصبيُّ سبع سنين، وهذا يدل على أنه قبل ذلك لا يصح توجيه الأمر إليه، لماذا؟
قد يُقَالُ: لأنه لا يفهم الأمر، وقد يقال: لأنه لا يحتمل الأمر، فإن قلنا بالعلة الأولى صار سبع السنين هي الحد للتمييز، وإن قلنا بالثانية لم يكن ذلك حدًّا للتمييز، لم تكن السنوات السبع حدًّا للتمييز، إذا قلنا: إن مَن دون السبع لا يتحمل الأمر، وإن كان يفهم.
والذين قالوا: إنه يُقَيَّد بالوصف قالوا: لأن كلمة (ممييِّز) اسم فاعل مشتق منين؟
طلبة: من الْمَيْز.
الشيخ: من الْمَيْز، أو مِن التمييز، وإذا كان مشتقًّا من ذلك، فإذا وُجِدَ هذا المعنى في طفل ثبت له وصف، فالذي يفهم الخطاب ويرد الجواب يُسَمَّى مميِّزًا، بحيث يفهم المعنى، ما هو بيفهم إنك تقول له: يا ولد؛ لأن الطفل إذا قلت: يا ولد، لو هو صغير في المهد، إذا قلت: يا ولد، انْتَبَه، وإذا نادته أمه انكبَّ عليها، ليس هذا هو المراد.
[ ١ / ٧٢٢ ]
المراد أن يفهم الكلام، تقول مثلًا: هات ماء، يروح يجيب لك الماء، ما هو لو قلت له: هات ماء، راح يجيب الشاهي، ما يصلح، هذا ما هو مُمَيِّز، الْمُمَيِّز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، لكن سبع السنوات غالبًا هي الحد، الغالب أن هي الحد.
على كل حال، الآن نحن نتكلم هل يصح أذان المميِّز أو لا يصح؟
يرى المؤلف أنه يصح حتى وإن لم يُوجَد في البلد إلا هذا الصبي المميِّز وأذَّن فإنه يُكْتَفَى به؛ لأن المؤلف يقول: (يجزئ من مميِّز) وجه الإجزاء؟ يقولون: لأن هذا ذِكْر، والذِّكْر لا يشترط فيه البلوغ، فإن الصبي يُكتَب له ولا يُكْتَب عليه، فإذا ذَكَر الله كتب الله له الأجر، وصح منه الذِّكْر، والأذان ذِكْر، فإذا أَذَّن المميِّز فإنه يُكْتَفَى بأذانه.
وقال بعض العلماء: لا يجزئ أذان المميِّز؛ لأنه لا يوثَق بقوله، ولا يُعْتَمَد عليه، الذي له سبع سنوات قد لا يعرف متى تزول الشمس، ومتى يكون ظل كل شيء مثلَه، ومتى يطلع الفجر، فلا يُعْتَمَد عليه ولا يُوثَق به.
وفصَّل بعض العلماء فقال: إن كان معه غيره فلا بأس، وإن لم يكن معه غيره فإنه لا يُعْتَمَد عليه، والحقيقة أن المميِّز لا يُعْتَمَد عليه، وإن كان وجود الساعات اليوم تسهل المسألة، ثم أيضًا يفرق بين مَن له سبع سنوات ومَن له أربع عشرة سنة؛ لأن مَن له أربع عشرة سنة قريب من البلوغ، إنما من حيث المعنى لا نرى وجهًا لاشتراط البلوغ؛ لأن هذا ذِكْر، والذِّكْر يصح ممن دون البلوغ وممن فوق البلوغ.
إذن على كلام المؤلف لا يُشْتَرَط البلوغ، البلوغ ليس بشرط، والعقل؟ شرط؛ لأنه لا يمكن أن يعرف كيف يؤدي وهو غير عاقل.
قال: (ويبطلهما فصل كثير)، (يبطلهما) الضمير يعود على الأذان والإقامة، (فصل كثير) العلة؟
[ ١ / ٧٢٣ ]
لاشتراط الموالاة، وإذا اشترطت الموالاة فالفصل الكثير يبطلهما، فلو قال: (الله أكبر) كَمَّل أربع تكبيرات، ثم انصرف وتوضأ وجاء، فإن هذا الأذان لا يصح، يجب أن يبدأ هذا الأذان من جديد، ولو كَبَّر الكبيرات الأربع ثم انصرف إلى بيته وتَعَشَّى ورجع يُكمِّل؟ لا يكمل؛ لأنه فصل بينهما بفاصل كثير.
(ويسيرٌ محرَّم) يبطلهما اليسير المحرَّم، وذلك لأن المحرَّم ينافي العبادة، مثل: رجل يؤذن وعنده جماعة يتحدثون في أثناء الأذان، التفت إليهم وقال: فلان فيه كذا وكذا، يغتابه، الغيبة؟ حرام، بل من كبائر الذنوب، نقول: الآن لا بد أن تعيد الأذان؛ لأن الأذان بطل.
وهذا ربما يقع كثيرًا في الرحلات، عند بعض الناس، تجدهم جماعة، جميع، ثم يؤذّن وهم يتحدثون بشخص، ثم يقول: لا، الخافي عليكم أشد، فيه كذا وكذا، معناه هذا أيش؟ أنها غيبة، والغيبة من كبائر الذنوب، فيبطل الأذان، ويجب عليه الإعادة، مع أنه يمكن كلمة أو كلمتين لكن لكونه محرَّمًا أثَّرَ.
قوله: (يسيرٌ مُحَرَّم)، أما إذا كان يسيرًا مباحًا كما لو سأله سائل وهو يؤذِّن: أين فلان؟ فقال: ذهب، أو أين الكتاب؟ فقال: هو في المكان الفلاني، أو ما أشبه ذلك، فهذا يسير مباح، فلا يبطله.
قال: (ولا يجزئ قبل الوقت)، (ولا يجزئ) الضمير يعود على الأذان قبل الوقت، لدليل وتعليل؛ الدليل: قول النبي ﷺ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (١٠)، فقال: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ»، والصلاةُ لا تحضر إلا بدخول الوقت.
[ ١ / ٧٢٤ ]
وأيضًا قد يستفاد من قوله: «إِذَا حَضَرَتْ» أن المراد حضورها وحضور فعلها، ولهذا لما أراد بلال أن يؤذِّن، وكان مع النبي ﷺ في سفر في شدة الحر فزالت الشمس، فقام ليؤذن قال: «أَبْرِدْ»، ثم انتظر، ثم قام ليؤذن قال: «أَبْرِدْ»، حتى رأوا فَيْءَ التلول، بل حتى ساوى التلُّ فَيْئَهُ -يعني قريب العصر- ثم أمره بالأذان (١٨)، فهذا يدل أيضًا على أن الأذان ينبغي أن يكون عند إرادة فعل الصلاة، ينبني على ذلك لو كانوا جماعة في سفر أو في نزهة، وأرادوا صلاة العشاء، وأحبوا أن يؤخِّرُوها إلى الوقت الأفضل وهو آخر الوقت، متى يؤذِّنُون؟ عندما يريدون فعل الصلاة، لا عند دخول وقت العشاء.
إذن هذا الدليل: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ».
التعليل: لأن الأذان إعلام بماذا؟ بدخول وقت الصلاة، والإعلام بدخول الشيء لا يكون إلا بعد دخوله، وعلى هذا فلو أذَّن قبل الوقت جاهلًا، قلنا له: إذا دخل الوقت فأَعِدِ الأذان، وهذا يقع أحيانًا فيما إذا اغترَّ الإنسان أو غَرَّتْهُ ساعتُه، نظر إلى الساعة، فظنَّ أنها مثلًا الثانية عشرة، الظهر، وهي الحادية عشرة، فأذَّن، نقول: هذا الأذان غير صحيح، ولو كان جاهلًا إذا جاء الوقت فلا بد أن تؤذّن.
قال المؤلف: (إلا الفجر بعد نصف الليل)، (إلا الفجر) استثنى المؤلف الفجر، وذكر متى يصح، قال: (بعد نصف الليل)، فيصح الأذان له، وإن لم يؤذن في الوقت، وعلى هذا فلو أن المؤذِّنِين أَذَّنُوا في الساعة الثانية عشرة اليوم، بل قبل الساعة الثانية عشرة ..
طلبة: الثانية عشرة إلَّا ثمان ..
الشيخ: إلا ثمانٍ، إي نعم، أذَّنُوا في هذا الوقت، ولما طلع الفجر ما أذَّنُوا، يجزئ ولَّا لا؟
طالب: على قول المؤلف ..
الشيخ: على كلام المؤلف يجزئ، وظاهر كلام المؤلف: لا فرق بين أن يكون معه مؤذِّن آخر يؤذن في الوقت أو لا؛ لأنه أطلق الدليل.
[ ١ / ٧٢٥ ]
الدليل قول الرسول ﵊: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» (١٩)، فقالوا: إن بلالًا يؤذِّن بليل، ولكن هذا الدليل لا يصح به الاستدلال، الدليل صحيح، ولكن الاستدلال غير صحيح، أولًا: لأن الرسول ﵊ صرَّح في الحديث بأن هناك مَن يؤذِّن إذا طلع الفجر، فتحصل به الكفاية، من هو؟
طلبة: ابن أم مكتوم.
الشيخ: ابن أم مكتوم، ومعلوم أنه إذا كان فيه مَن يؤذِّن لصلاة الفجر حصلت به الكفاية، ثانيًا: أنه قد بَيَّنَ في الحديث كما أخرجه الجماعة «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ ليُوقِظَ النَّائِمَ ويُرْجِعَ الْقَائِمَ» (٩)، إذن فليس أذانه لصلاة الصبح، ولكن أذانه مِنْ أجل أن يوقِظ النائم ليتَسَحَّرَ، ويُرجع القائمَ من أجل أن يَتَسَحَّرَ أيضًا، يدع القيام ويَتَسَحَّر، هذا هو الحكمة من أذان بلال، وليست الحكمة أنه يؤذِّن لصلاة الفجر، ولهذا لا يُقَالُ فيه: الصلاة خير من النوم؛ لأنه ما بعدُ حان وقت الصلاة.
وقول المؤلف: (يصح بعد نصف الليل) أيضًا هذا فيه مناقشة:
حديث بلال الذي استدلوا به، هل يدل على أن الأذان بعد نصف الليل؟ لا، بل يدل على أن الأذان قريبٌ من الفجر، وجهه أنه قال: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، وقال: «لِيُرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ»، وهذا دليل على أنه لم يكن بين أذان بلال والفجر إلا مدة وجيزة بمقدار ما يَتَسَحَّر الصائم، فأين نصف الليل من هذا الحديث؟
فكلام المؤلف إذن فيه نظر من وجهين:
الوجه الأول: أن ظاهر كلامه يجزئ الأذان لصلاة الفجر قبل طلوع الفجر، وإن لم يوجَد مؤذِّن بعد الوقت، والحديث لا يدل على هذا، ليش؟
طلبة: ابن أم مكتوم ..
الشيخ: لأن فيه ابن أم مكتوم يؤذِّن بعد الفجر.
[ ١ / ٧٢٦ ]
ثانيًا: أن المؤلِّف ذَكَر أن هذا جائز من نصف الليل، والحديث ليس فيه ما يدل على ذلك، بل الحديث يدل على أن الأذان الذي يؤذِّنه بلال ﵁ قريب من الفجر، ولهذا ربما يتوهم الناس فيمسك حتى قال لهم الرسول: «لَا تُمْسِكُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» (١٩)، وهذا يدل على أن أذان بلال كان قريبًا من طلوع الفجر.
والقول الثاني في هذه المسألة: أنه لا يصح الأذان قبل الفجر إلا إذا وُجِدَ مَن يؤذِّن بعد الفجر، وهؤلاء لهم حظٌّ من الحديث الذي سمعناه حديث بلال، وجهه أن ابن أم مكتوم يؤذِّن ..؟
طالب: بعد طلوع الفجر.
الشيخ: بعد طلوع الفجر.
والقول الثالث: أنه لا يصح لصلاة الفجر، ولو كان فيه مَن يؤذِّن بعد الفجر، وأن الأذان الذي يكون في آخر الليل ليس للفجر، ولكنه لإيقاظ النُّوَّم من أجل أن يقوموا ويتأهبوا لصلاة الفجر، ويختموا صلاة الليل بالوتر.
وهذا القول الثالث هو الأصح، ودليله ما سبق: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (١٠)، وهذا عامٌّ لا يُستثنَى منه شيء، ولا يعارض الحديث: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ»؛ لأنا قلنا: أذان بلال ليس لصلاة الفجر.
إذن ممكن أن ننظر شروط الأذان، الأذان له شروط تتعلق بالأذان نفسه، وتتعلق بوقته، وتتعلق بالمؤذِّن؛ تتعلق به، وبوقته، وبالمؤذن.
التي تتعلق به، يشترط فيه أن يكون مُرَتَّبًا، وأن يكون ..
طلبة: متواليًا ..
الشيخ: متواليًا، وأن يكون بعد الوقت، وألَّا يكون فيه لحن يُحِيلُ المعنى، سواء عاد هذا اللحن إلى علم النحو، أو علم التصريف، وأن يكون على العدد الذي جاءت به السنة، فلو نقص شيئًا لم يصح، يعني لو قال: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الله أكبر، لا إله إلا الله، يجزئ؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، أما في المؤذِّن ..
طلبة: أن يكون واقفًا.
الشيخ: المتوالي ذكرناه.
[ ١ / ٧٢٧ ]
طالب: واقفًا.
الشيخ: لا، لا بد أن يكون مسلمًا عاقلًا ذكرًا واحدًا ..
طلبة: عدلًا.
الشيخ: عدلًا، خمسة شروط.
طلبة: ().
الشيخ: نعم.
طالب: أن يكون مميِّزًا.
الشيخ: ما حاجة مميِّزًا، لا، نقول: مميِّزًا ستة شروط، إي نعم.
أما الوقت فقد ذكرناه في شروط الأذان؛ أن يكون بعد الوقت، فلا يجزئ قبله مطلقًا على القول الراجح، ويُستثنَى الفجر على كلام المؤلِّف.
قال: (وَيُسَنُّ جلوسه بعد أذان المغرب يسيرًا)، قوله: (يُسَنُّ جلوسه بعد أذان المغرب يسيرًا)، هنا أمران: (يُسَنُّ جلوسه) و(يسيرًا) ففيه سُنَّتَانِ:
السُّنَّة الأولى: أن يجلس بحيث يفصل بين الأذان والصلاة.
والثانية: أن يكون الجلوس يسيرًا.
وإنما قال المؤلف ذلك لأن من العلماء مَن يرى أن السُّنة في صلاة المغرب أن تُقرن بالأذان، يعني من يوم يؤذِّن يقيم، فبَيَّنَ المؤلف أن الأفضل أن يجلس يسيرًا، والدليل لذلك أن الرسول ﵊ قال: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ»، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ» (٢٠).
وهذا يدل على أنه لا بد من فصل بين الأذان والإقامة، وثبت في الصحيحين وغيرهما أن الصحابة ﵃ كانوا إذا أَذَّنَ المغرب قاموا يصلُّون، والنبي ﷺ يراهم فلم يَنْهَهُم (٢١)، وهذا إقرار من النبي ﷺ على هذه الصلاة، فثبتت بالسُّنَّة القولية والسُّنَّة ..؟
طلبة: ().
الشيخ: الإقرارية، والفعلية أيضًا إن صح الحديث بها، وعليه فيلزم من الأمر بهذه السُّنة وإقرارها أن يكون هناك فصل بين الأذان والإقامة.
[ ١ / ٧٢٨ ]
وقول المؤلِّف: (يسيرًا) يعني لا يُطِيلُ؛ لأن صلاة المغرب يُسَنُّ تعجيلها، وكل صلاة يُسَنُّ تعجيلها فالأفضل ألَّا يطيل فيها، لكن مع ذلك ينبغي أن يُراعِي «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» (١١)، أن يراعي هذا، ولهذا قال العلماء: هذا اليسير ينبغي أن يُفَسَّر بمقدار وضوء وصلاة نافلة خفيفة، والذي يُسَنُّ تعجيلُه من الصلوات؟
طلبة: العصر.
الشيخ: كل الصلوات، إلا العشاء، وإلَّا الظهر عند اشتداد الحر، ولكن الحقيقة أن الصلوات التي لها نوافل قبلها كالفجر والظهر ينبغي للإنسان أن يراعي حال الناس في هذا، بحيث يتمكنوا من الوضوء بعد الأذان ومن صلاة هذه الراتبة.
ثم قال: (ومَن جمع أو قضى فوائت أذَّن للأولى، ثم أقام لكل فريضة) هاتان مسألتان؛ المسألة الأولى: جمع، والمسألة الثانية: قضى فوائت، أما الأولى: الجمع، فيُتَصَوَّرُ الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وسيأتي بيان سبب الجمع، وأنه المشقة، فكلما كان يشق على الإنسان أن يُصلي كل صلاة في وقتها فإن له أن يجمع، سواء كان في الحضر أم في السفر، فإذا جمع الإنسان أذَّن للأولى وأقام لكل فريضة، هذا إن لم يكن في البلد، أما إذا كان في البلد فإنَّ أذان البلد يكفي، وحينئذ يُقِيمُ لكل فريضة.
دليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم (٢٢) من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ في عرفة أَذَّنَ، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، وكذلك في مزدلفة أقام فصلى المغرب، ثم أَذَّنَ وأقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء.
وأما التعليل فظاهر، اكْتُفِيَ بأذان واحد؛ لأن وقت المجموعتين صار ..؟
طلبة: واحدًا.
الشيخ: وقتًا واحدًا، ولم يُكْتَفَى بإقامة واحدة؛ لأن لكل صلاة إقامة، فصار الجامع يؤذِّن مرة واحدة ويقيم لكل صلاة، كذلك من قضى فوائت فإنه يؤذِّن مرة واحدة ويقيم لكل فريضة، ولكن الأذان هنا واجب أو سنة؟
[ ١ / ٧٢٩ ]
المشهور كما سبق أنه سنة، وقيل: إنه واجب؛ لفعل النبي ﷺ.
دليل هذه المسألة: أن الرسول ﷺ لما نام عن صلاة الفجر ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس أمر بلالًا فأذَّن ثم صلى ركعتين -ركعتي الفجر- ثم أقام فصلى الفجر (٢٣)، هذه مقضية، لكنها صلاة واحدة، إنما أذَّن لها وأقام، وأما إذا كانت فوائت متعدِّدة فإنه يؤذِّن كالمجموعات؛ يؤذِّن مرة واحدة ويقيم لكل فريضة، فإن ثبت أن النبي ﷺ أذَّن وأقام في غزوة الأحزاب (٢٤)، فالدليل بالنص، وإن لم يثبت فإن الدليل بالقياس على المجموعة التي ثبت أن النبي ﵊ يؤذِّن مرة واحدة ويقيم بعدد الصلاة.
وقوله: (أو قضى فوائت) ما هو المقضي؟
يقول العلماء: لدينا أداء، وقضاء، وإعادة، ثلاثة أشياء كلها توصف بها الصلاة.
فالأداء: ما فُعِلَ في وقته لأول مرة نسميه أداءً.
والإعادة: ما فُعِلَ في وقته مرة ثانية.
والقضاء: ما فُعِلَ؟
طلبة: بعد وقته.
الشيخ: بعد وقته، كيف تكون الإعادة؟ الإعادة قال النبي ﵊: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» (٢٥)، هذه نسميها أيش؟
طلبة: إعادة.
الشيخ: إعادة؛ لأنها فُعِلَتْ ثانية في الوقت، أما القضاء فالقضاء إذا فُعل بعد الوقت، وهذا بناءً على المشهور عند أكثر أهل العلم؛ أن ما فُعِلَ بعد الوقت فهو قضاء.
ولكنَّ هناك قولًا ثانيًا هو الأصح: أن ما فُعِلَ بعد الوقت فإن كان لغير عذر لم يصح إطلاقًا، وإن كان لعذر فهو أداء وليس بقضاء، دليل ذلك قول النبي ﵊: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا». (٢٦) فجعل وقتها عند ذكرها، وكذلك في النوم عند الاستيقاظ.
[ ١ / ٧٣٠ ]
فيقول هؤلاء: إن كلمة القضاء والأداء لا يحتاج إلى فرق بينهما، فنقول: إن فعلتها بعد الوقت لعذر فهي أداء، ولغير عذر لا تصح.
الخلاف في هذا في الواقع قريب من اللفظ؛ لأن الكل يتفقون على أنه يُشْرَع الأذان والإقامة حتى فيما فُعِل بعد الوقت، ولكن لا أدري هل الذين يقولون: إنها أداء، يجعلون الأذان في هذه الحال فرضًا كما هو القول الثاني في المسألة، أو يجعلونها سُنَّة، إنما المسألة فيها قول بأن المقضية يجب لها الأذان والإقامة، كالمؤداة في الوقت.
طالب: المميِّز ().
الشيخ: نعم نعم، يعني قصدك التمييز؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: القول الصحيح كما سبق قلنا: إن المميِّز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، ولو دون السبع.
طالب: شيخ، نحن قلنا الذي () لو قال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة ..
ويُسَنُّ لسامِعِه مُتابعتُه سِرًّا، وحَوْقَلَتُه في الْحَيْعَلَةِ، وقولُه بعدَ فراغِه " اللَّهُمَّ رَبَّ هِذِه الدَّعْوَةِ التامَّةِ والصلاةِ القائمةِ آتِ مُحَمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابْعَثْهُ مَقامًا محمودًا الذي وَعَدْتَه".