طالب: كتاب الصيام: بَابُ مَا يُكْرَهُ، وَيُسْتَحَبُّ، وَحُكْمِ القَضَاءِ: يُكْرَهُ جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْتَلِعَهُ، وَيَحْرُمُ بَلْعُ النُّخَامَةِ، وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ، وَيُكْرَهُ ذَوْقُ طَعَامٍ بِلَا حَاجَةٍ، وَمَضْغُ عِلْكٍ قَوِيٍّ، وإنْ وَجَدَ طَعْمَهُما فِي حَلقِهِ أَفْطَرَ، ويَحْرُمُ العِلْكُ المُتَحَلِّلُ إِنْ بَلَعَ رِيقَهُ، وَتُكْرَهُ القُبْلَةُ لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ، وَيَجِبُ اجْتِنَابُ كَذِبٍ وَغِيبَةٍ ونَمِيمَةٍ، وسُنَّ لِمَنْ شُتِمَ قَوْلُهُ: إِنِّي صَائِمٌ، وَتَأخِيرُ سَحُورٍ، وَتَعْجِيلُ فِطْرٍ عَلَى رُطَبٍ، فَإِنْ عُدِمَ فَتَمْرٌ، فَإِنْ عُدِمَ فَمَاءٌ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
[ ١ / ٣٤٦٤ ]
سبق لنا أن الكفارة تجب في الوطء في نهار رمضان لمن يلزمه الصوم، وأنها عِتق رقبة، فإن لم يجد؟
طلبة: فصيام شهرين.
الشيخ: فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع؟
طلبة: إطعام.
الشيخ: فإطعام ستين مسكينًا، فإن لم يجد سقطت، وقلنا: إن هذا سارٍ في كل واجب يعجز عنه، وبيَّنَّا دليلَ ذلك.
ثم قال المؤلف: (بَابُ مَا يُكْرَهُ، وَيُسْتَحَبُّ، وَحُكْمِ القَضَاءِ)، هذه ثلاثة عناوين جمعها المؤلف في باب واحد، فقوله: (مَا يُكْرَهُ) أي: في الصيام، (وَيُسْتَحَبُّ) أي: في الصيام، (وَحُكْمِ القَضَاءِ) أي: قضاء رمضان.
والمكروه عند الفقهاء هو الذي نهى عنه الشرع لا على وجه الإلزام بالتَّرْك، هذا المكروه عندهم، نهى عنه الشرع لا على وجه الإلزام بالترك؛ لأنه إن نهى عنه على وجه الإلزام بالترك صار حرامًا، وأمثلته كثيرة؛ في الصلاة مكروهات، في الوضوء مكروهات، في الصيام مكروهات، في الحج مكروهات، في البيع مكروهات، يعني الأمثلة كثيرة.
أما حُكْمُهُ فإنه يُثاب تاركه امتثالًا، ولا يُعاقَب فاعلُه، وبهذا ظهر الفرق بينه وبين الحرام؛ أن الحرام إذا فعله الإنسان استحق العقوبة، أما هذا فلا، أما في لسان الشرع فإن المكروه يُطلَق على المحرَّم، بل قد يكون من أعظم المحرَّمات، قال الله ﵎ في سورة الإسراء حين نهى عن أشياء متعددة منهيات عظيمة قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٢٨]، وفي الحديث عن النبي ﵊: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» (٨).
أما المستحب، وهو قوله: (يُسْتَحَبُّ)، فالمستحب هو المسنون، وهو ما أُمِرَ به لا على وجه الإلزام بالفعل، فإن أُمِرَ به على وجه الإلزام بالفعل كان واجبًا.
[ ١ / ٣٤٦٥ ]
وحُكْمُهُ أنه يُثَابُ فاعله امتثالًا ولا يُعاقَب تاركُه، يثاب فاعله امتثالًا ولا يُعاقَب تاركه، ولكنَّ ثواب المندوب أو المستحَب أو المسنون أقل من ثواب الواجب، بالدليل الأثري والنظري؛ أما الدليل الأثري فقوله تعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» (٩)، فصلاة ركعتين فريضةً أَحَبُّ إلى الله من صلاة ركعتين نافلة.
وأما النظر فإن إيجاب الله للواجب يدل على أنه أَوْكَد، وأنَّ المكلَّف محتاج إليه أكثر من احتياجه إلى النوافل.
وعلى هذا فنقول: إن المندوب يُثَابُ فاعله امتثالًا، ولكن ثوابه أقل من ثواب الواجب.
وهل يُفَرَّق بين المستحب والمسنون؟
فرَّق بعض العلماء بينهما بأن المستحب ما ثبت بقياس، والمسنون ما ثبت بسُنَّة، أي بدليل.
ولكن الصحيح أنه لا فَرْق، والمسألة اصطلاحية، ممن قال: لا فَرْق بينهما، الحنابلة في أصول الفقه، قالوا: لا فَرْق بينهما، فلا فَرْق بين أن تقول: يستحب أن يتوضأ ثلاثًا بثلاث، أو تقول: يُسَنّ أن يتوضأ ثلاثًا بثلاث، وهذا مجرد اصطلاح.
يعني لو أن أحدًا قال في مؤلَّف له: أنا إنْ عَبَّرْتُ بـ (يُسَنّ) فإنما أُعَبِّر عن ثابت بسُنَّة، وإن عَبَّرْتُ بـ (يُستحب) فإنما عَبَّرْتُ عن ثابت بقياس، ثم مشى على هذا الاصطلاح، لم نقل له شيئًا.
وأما حكم القضاء فسيأتي إن شاء الله حكمه، وأنه يجب القضاء، ولكن ليس على الفور، وإنما يكون على التراخي، فلك أن تؤخِّر قضاء رمضان ولو بلا عذر إلى أن يبقى بينك وبين رمضان الثاني مقدار ما عليك، فحينئذ يجب عليك أن تقضي.
قال المؤلف ﵀: (يُكْرَهُ جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْتَلِعَهُ)، (يَبْتَلِعَ) بالنصب، ولك أن تقول: لماذا ننصِبُها وهي فعل مضارع، والأصل في الفعل المضارع أن يكون مرفوعًا، فنقول: لأنه عُطِف على اسم خالص صريح، وابن مالك يقول:
وَإِنْ عَلَى اسْمٍ خالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ
[ ١ / ٣٤٦٦ ]
تَنْصِبُهُ (أَنْ) ثابتًا أو مُنحَذِفْ
وهنا (يَبْتَلِع) معطوفة على (جَمْع)، و(جَمْع) اسم خالص، يعني مصدر، ومنه قول الشاعر الجاهلي:
وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي
أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
و(تقرَّ) بالنصب معطوفة على (لُبس).
هنا (يَبْتَلِع) بالنصب معطوفة على (جَمْع)، يعني: يُكره جمع ريقه، يُكره أن يجمع ريقه فيبتلعه، سواءٌ فعل ذلك عبثًا، أو فعل ذلك لدفع العطش، أو لأي سبب، المهم أنه يُكْرَه أن يجمعه فيبتلعه، لماذا؟ قال في الشرح: للخروج من الخلاف، أي: خلاف من قال: إنه إذا فعل ذلك أفطر، فإن من العلماء من يقول: إن الصائم إذا جمع ريقه فابتلعه أفطر.
ولكن هل التعليل بالخلاف تعليل صحيح تثبت به الأحكام الشرعية؟
الجواب: لا، ولهذا كلما رأيت حكمًا عُلِّل بالخروج من الخلاف فإنه لا يكون تعليلًا صحيحًا، بل نقول: الخلاف إن كان له حظ من النظر بأن كانت النصوص تحتمله فإنه يُراعَى جانب الخلاف هنا، لا من أجل أن فلانًا خالف، ولكن من أجل أن النصوص تحتمله، فيكون تجنبه من باب الاحتياط، وأما أن نقول في أمر فيه خلاف: يُكْرَه خروجًا من الخلاف، لو قلنا بذلك لكانت المكروهات عندنا كثيرة جدًّا؛ لأنك لا تكاد تجد مسألة إلَّا وفيها خلاف، فلو قلنا: إنه يصح التعليل بالخلاف أو بمراعاة الخلاف لكان في هذا مشكلة، مع أنه لا دليل على هذا، بل نقول: الخلاف إن كان له أيش؟
طالب: حظ من النظر.
الشيخ: حظ من النظر، بأن كانت النصوص تحتمله، فإننا نراعيه لا لأجل أنه خالف فلان وفلان، لكن لأجل احتمال الأدلة، وهنا ليس هناك دليل يدل على أن جمع الريق يُفَطِّر، إذا جمعه إنسان وابتلعه، وإذا لم يكن هناك دليل فإنه لا يصِح التعليل.
وعلى هذا فنقول: لو جمع ريقه فابتلعه فليس بمكروه، ولا يقال: إن الصوم نَقَص بذلك؛ لأننا إذا قلنا: إنه مكروه، لزم من ذلك أن يكون الصوم ناقصًا؛ لفعل المكروه فيه.
[ ١ / ٣٤٦٧ ]
وعُلِم من كلام المؤلف أنه لو بلع ريقه بلا جمع فإنه لا كراهة في ذلك، وهو ظاهر، وعليه فلا يجب التَّفْل ولو بعد شرب الماء عند أذان الفجر، فإنه لم يُعْهَد من الصحابة - فيما نعلم- أن الإنسان إذا شرب عند طلوع الفجر جعل يَتْفُل حتى يذهب طعم الماء، بل هذا مما يُسامَح فيه، نعم لو بقي طعم طعامٍ كحلاوة تمر، أو ما أشبه ذلك فهذا لا بد أن يتفله ولا يبتلعه.
(يُكْرَهُ جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْتَلِعَهُ وَيَحْرُمُ بَلْعُ النُّخَامَةِ) بلع النُخامة حرام على الصائم وغير الصائم؛ وذلك لأنها مستقذَرة، وربما تحمل أمراضًا خرجت من البدن، فإذا رددتها إلى المعدة قد يكون في ذلك ضرر عليك، فهي حرام على الصائم وعلى غيره، لكنها تتأكد على الصائم؛ لأنها تُفْسِد صومه، ولهذا قال: (وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ).
بلع النخامة حرام، قلنا: على الصائم وغيره؛ لما فيها من القَذَر، وربما يحصل فيها ضرر على البدن من حيث لا يشعر المرء.
وقوله: (وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ)، (فَقَطْ) التفقيط هنا لإخراج الريق، فالريق ولو كثُر لا يُفْطِر به الإنسان.
(إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ)، وهو ما يذوق به الطعام، فإن لم تَصِل بأن أحس بها نزلت من دماغه، وذهبت إلى جوفه فإنها لا تُفَطِّر؛ وذلك لأنها لم تصل إلى ظاهر البدن، والفم في حكم الظاهر، فإذا وصلت إليه ثم ابتلعها بعد ذلك أفطر، وأما إذا لم تصل إليه فإنها ما زالت في حكم الباطن فلا تُفَطِّر.
وفي المسألة قول آخر في المذهب؛ أنها لا تُفَطِّر أيضًا ولو وصلت إلى الفم، وهذا القول أرجح؛ لأنها لم تخرج من الفم، ولا يُعَدُّ بلعها أكلًا ولا شربًا، فلو ابتلعها بعد أن وصلت إلى فمه فإنه لا يُفْطِر بها، ولكن - كما قلنا أولًا- إن ابتلاعها محرَّم؛ لما فيها من استقذار وخوف الضرر.
إذا ظهر دم من لسانه، أو من أسنانه، من لِثَتِه فهل يجوز بلعه؟
طلبة: لا، ما يجوز.
[ ١ / ٣٤٦٨ ]
الشيخ: لا يجوز، لا للصائم ولا لغيره؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وإذا وقع من الصائم فإنه يُفْطِر، ولهذا يجب على الإنسان أن يلاحظ الدم الذي يخرج من ضرسه إذا قلعه في أثناء الصوم، أو قلعه في الليل، واستمر يخرج منه الدم ألَّا يبتلع هذا الدم؛ لأنه يُفَطِّرُه، وأيضًا هو حرام، حتى لو فرضنا أنك لست بصائم فإن بَلْع الدم حرام؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾، وبعض الناس يتدمَّى سِنُّه ولكن حوله أُناس فيخجل منهم فتجده يقول: في البِير ولا في راس البعير، يبتلعه، وهذا خطأ ما هو صحيح.
يقول: (وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ) وَيُكْرَهُ أيضًا، هذا المكروه الثاني (يُكْرَهُ ذَوْقُ طَعَامٍ بِلَا حَاجِةٍ)، يُكْرَه أن يذوق طعامًا كالتمر والخبز والمَرَق وغيرها، إلَّا إذا كان لحاجة فلا بأس.
ووجه هذا أنه ربما ينزل شيء من هذا الطعام إلى الجوف من غير أن يشعر به، فيكون في ذوقه الطعام تعرُّض لفساد الصوم، وأيضًا ربما يكون مشتهيًا للطعام كثيرًا، ثم يتذوقه لأجل أن يتلذَّذ به، وربما يمتصه بقوة، ثم ينزل إلى جوفه، لهذا يُكْرَه أن يذوق طعامًا إلَّا لحاجة، الحاجة مثل أن يكون طباخًا يحتاج أن يذوق الطعام لينظر ملحه، أو حرارته، أو ما أشبه ذلك.
قال: (وَيُكْرَهُ مَضْغُ عِلْكٍ قَوِيٍّ) يعني: يُكْرَه للصائم أن يمضَغ، أن يعلك، عِلْكًا قويًا، والقوي هو الشديد الذي لا يتفتت، فيُكْرَه للصائم أن يمضَغه؛ لأنه ربما يتسرَّب إلى بطنه شيء من طعمه إن كان له طعم، فإن لم يكن له طعم فلا وجه للكراهة، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن يمضَغه أمام الناس؛ لأنه إذا مضغه أمام الناس فما الذي يدريهم أنه علك قوي أو غير قوي، وما الذي يدريهم أنه علك ليس فيه طعم أو فيه طعم، فلذلك لا ينبغي.
[ ١ / ٣٤٦٩ ]
عندي تعليل في الشرح يقول: لأنه يجلب البلغم، ويجمع الريق، ويُورِث العطش، ثلاث أشياء فيه.
قوله: (وَيُكْرَهُ مَضْغُ عِلْكٍ قَوِيٍّ وإنْ وَجَدَ طَعْمَهُما فِي حَلقِهِ أَفْطَرَ)، (إنْ وَجَدَ طَعْمَهُما) أي: الطعام الذي ذاقه ولو لحاجة، (إنْ وَجَدَ طَعْمَهُما فِي حَلقِهِ أَفْطَرَ)، وإن وجد طعم العلك القوي في حلْقه أفطر.
وعُلِمَ من قول المؤلف: (فِي حَلْقِهِ) أن مناط الحكم وصول الشيء إلى الحلْق لا إلى المعدة، وخالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: ليس هناك دليل يدل على أن مناط الحكم وصول الطعم إلى الحلْق، وهو واضح؛ لأنه أحيانًا يصل الطعم إلى الحلْق، ولكن ما يبتلع، ما ينزل، يكون منتهاه الحلْق، فمثل هذا لا يمكن أن نتجاسر ونقول: إن الإنسان يُفْطِر بذلك، ثم إنه أحيانًا عندما يتجشأ الإنسان يجد الطعم في حلقه، لكن لا يصل إلى فمه، ومع ذلك يبتلع هذا الذي تجشأ به، يعني ربما يتجشأ ويخرج بعض الشيء لكن لا يصل إلى الفم، بل ينزل وهو يُحِسّ بالطعم.
(وإنْ وَجَدَ طَعْمَهُما فِي حَلقِهِ أَفْطَرَ، ويَحْرُمُ العِلْكُ المُتَحَلِّلُ)، قال: (إِنْ بَلَعَ رِيقَهُ)، (العِلْكُ المُتَحَلِّلُ): هو الذي ليس بصَلْب، إذا عَلَكْتَه تحلَّل وصار مثل التراب، هذا حرام، على مَنْ؟
طلبة: على الصائم.
الشيخ: على الصائم؛ لأنه إذا عَلَكَه لا بد أن ينزل منه شيء؛ لأنه مُتَحَلِّل يمشي مع الريق، وما كان وسيلة لفساد الصوم فإنه يكون حرامًا إذا كان الصوم واجبًا، ويُفْسِد الصوم إذا بلع منه شيئًا.
قال المؤلف: (إِنْ بَلَعَ رِيقَهُ)، يعني: فإن لم يبلع ريقه فإنه لا يحرُم، يعني لو كان الإنسان يعلك العلك فلمَّا تحلل لَفَظَه، فإنه ليس بحرام، أو كان يجمعه، يعلكه ويجمعه ولا ينزل ثم لفظه، فإنه على كلام المؤلف -الماتِن- لا يحرُم؛ لأن المحظور من مضْغ العلك المتحلِّل أن ينزل إلى الجوف، وهذا لا ينزل.
[ ١ / ٣٤٧٠ ]
فإن قال قائل: هل يُقَاس ما يكون في الفرشة من تدليك الأسنان بالمعجون على العلك المتحلِّل؟ أو على العلك الصلب القوي؟
طلبة: الأول.
الشيخ: هو للمتحلِّل أقرب، ولهذا نقول: لا ينبغي للصائم أن يستعمل المعجون في حال الصوم؛ لأنه ينفُذ إلى الحلق بغير اختيار الإنسان؛ لأن نفوذه قوي، واندراجه تحت الريق قوي أيضًا، فنقول: إذا كنت تريد تنظيف أسنانك فانتظر إلى أن تغرب الشمس ونظِّفْها، لكن مع هذا لا يفسُد الصوم باستعمال المعجون.
قال: (وَتُكْرَهُ القُبْلَةُ لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ)، القبلة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ألَّا يصحبها شهوة إطلاقًا، مثل تقبيل الإنسان أولاده الصغار، أو تقبيل القادم من سفر، أو ما أشبه ذلك، فهذه لا تؤثر، ولا حكم لها.
القسم الثاني: أن تُحَرِّك الشهوة، ولكنه يَأْمَن من إفساد الصوم بالإنزال، أو بالإمذاء أيضًا إذا قلنا بأن الإمذاء يُفَطِّر الصوم، هذا يقول المؤلف: إن القبلة تُكْرَه في حقه.
القسم الثالث: أن يخشى من فساد الصوم؛ إما بإنزال وإما بإمذاء، إن قلنا بأنه يُفْطِر بالإمذاء، وسبق أن الصحيح أنه لا يُفْطِر، فهذه تحرُم إذا ظن الإنزال، بأن يكون شابًّا قوي الشهوة، شديد المحبة لأهله، فهذا لا شك أنه على خطر إذا قبَّل زوجته في هذه الحال، فمثل هذا نقول: يحرُم عليه أن يُقَبِّل؛ لأنه يُعَرِّض صومه لماذا؟
طلبة: للفساد.
الشيخ: للفساد.
أما القسم الأول -وهي التي لا تحرِّك الشهوة- فلا شك أنها جائزة، ولا إشكال فيها؛ لأن الأصل الحِلّ حتى يقوم دليل على الكراهة أو التحريم.
[ ١ / ٣٤٧١ ]
وأما الثاني -وهو الذي إذا قَبَّل تحرَّكت شهوته لكن يأمن على نفسه- فالصحيح أن القبلة لا تُكْرَه، وأنه لا بأس بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله سلم كان يُقَبِّل وهو صائم (١٠)، وسأله رجل عن قُبْلَة الصائم وكان عنده أم سَلَمَة، فقال له: سل هذه، اسألها، فأخبرت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُقَبِّل وهو صائم. وهذا يدل على أنها جائزة، سواء حرَّكت الشهوة أم لم تُحَرِّك.
ويُروَى عن عمر -أظن- أنه قال: ما أبالي قَبَّلْتُ امرأتي أم شَمَمْتُ ريحانًا (١١)، شم الريحان لا يُفَطِّر، لكنه ينعش النفس ويَسُرّ النفس، تقبيل الزوجة كذلك يسر وينعش الإنسان، لكن ليس جماعًا ولا إنزالًا، فبأي شيء تكون الكراهة.
وأما ما ذُكِر من أن النبي ﷺ سأله رجل عن القبلة فأَذِن له، وسأله آخر فلم يأْذَن له، فإذا الذي أَذِنَ له شيخ، والذي لم يأْذَن له شاب، فحديث ضعيف لا تقوم به الحجة.
إذن القبلة تنقسم إلى كم؟
طلبة: إلى ثلاثة أقسام.
الشيخ: ثلاثة أقسام: قسم جائز، وقسم مكروه، وقسم محرَّم، والصحيح أنها قسمان فقط: قسم جائز، وقسم محرَّم.
والجائز له صورتان:
الأولى: ألَّا تحرِّك القُبلة شهوته إطلاقًا.
والثانية: أن تحرِّك شهوته ولكن يأمن على نفسه.
(وَتُكْرَهُ القُبْلَةُ لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ)، غير القُبلة من دواعي الوطء كالضم ونحوه، نقول: حكمها حكم القُبلة، ولا فرق.
قال: (وَيَجِبُ اجْتِنَابُ كَذِبٍ وَغِيبَةٍ وشَتْمٍ)، يجب على مَن؟
طلبة: الصائم وغيره.
[ ١ / ٣٤٧٢ ]
الشيخ: على الصائم، لكن حتى غيره يجب عليه أن يتجنب هذه الأشياء، ولكنهم ذكروا هذا من باب التوكيد؛ لأنه يتأكد على الصائم مِن فِعْل الواجبات وتَرْك المحرَّمات ما لا يتأكد على غيره، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، هذه هي الحكمة من فرض الصيام؛ أن يكون وسيلة لتقوى الله ﷿ بفعل الواجبات وتَرْك المحرَّمات.
ودليله من السُّنَّة قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (١٢)، يعني: لم يُرِد الله منا بالصوم أن نترك الطعام أو الشراب؛ لأنه لو كان هذا مراد الله لكان يقتضي أن الله يريد أن يُعَذِّبنا.
وسُنُّ لِمَن شُتِمَ قولُه: " إِنِّي صَائِمٌ، وتَأْخِيرُ سُحورٍ وتَعجيلُ فِطْرٍ على رُطَبٍ، فإن عُدِمَ فتَمْرٌ، فإن عُدِمَ فماءٌ، وقولُ ما وَرَدَ. ويُسْتَحَبُّ القضاءُ مُتتابعًا، ولا يَجوزُ إلى رمضانَ آخَرَ من غيرِ عُذْرٍ، فإن فَعَلَ فعليه مع القَضاءِ إطعامُ مِسكينٍ لكلِّ يومٍ، وإن ماتَ، ولو بعدَ رَمضانَ آخَرَ، وإن ماتَ وعليه صومٌ أو حَجٌّ أو اعتكافٌ أو صلاةُ نَذْرٍ استُحِبَّ لوَلِيِّهِ قَضاؤُه.
ألَّا تحرِّك القُبلة شهوته إطلاقًا، والثانية أن تحرك شهوته ولكن يأمن على نفسه.
(وتُكْرَه القُبلة لمن تحرك شهوته) غير القبلة من دواعي الوطء كالضم ونحوه؟ نقول: حكمها حكم القبلة ولا فرق.
قال: (ويجب اجتناب كذب وغيبة وشتم) يجب على من؟
طلبة: الصائم وغيره.
[ ١ / ٣٤٧٣ ]
الشيخ: على الصائم، لكن حتى غيره يجب عليه أن يتجنب هذه الأشياء، ولكنهم ذكروا هذا من باب التوكيد؛ لأنه يتأكد على الصائم من فعل الواجبات وترك المحرمات ما لا يتأكد على غيره، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] هذه الحكمة، هذه هي الحكمة من فرض الصيام؛ أن يكون وسيلة لتقوى الله ﷿ بفعل الواجبات وترك المحرمات.
والدليل من السنة قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (١)، يعني: لم يرد الله منا بالصوم أن نترك الطعام والشراب؛ لأنه لو كان هذا مراد الله لكان يقتضي أن الله يريد أن يعذبنا، والله تعالى يقول: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]، إنما يريد منا ﷿ أن نتقي الله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
«مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» أي: الكذب، وإن شئت فقل: الزور كل قول محرم؛ لأنه ازْوَرَّ عن الطريق السليم.
«وَالْعَمَلَ بِهِ» أي: بالزور؛ وهو كل فعل محرم، «وَالْجَهْلَ»: السفاهة، السفه وعدم الحلم، مثل: الصخب في الأسواق، السب مع الناس، وما أشبه ذلك، ولهذا قال النبي ﵊: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَصْخَبْ» يعني: لا يرفع الأصوات، بل يكون مؤدَّبًا، «وَلَا يَرْفُثْ، وَإِنْ أَحَدٌ سَابَّهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» (٢).
فالإنسان ينبغي أن يكون مؤدبًا، وبهذا نعرف الحكمة البالغة من مشروعية الصوم، لو أننا تربينا بهذه التربية العظيمة لخرج رمضان والإنسان على خُلُقٍ ليس على خلقه الأول، في الالتزام وفي الأخلاق وفي الآداب؛ لأنه تربية في الواقع.
[ ١ / ٣٤٧٤ ]
طالب: ذكرنا قول () أن الإنسان () وجد طعم طعام في فمه من حلوى أو غيره.
الشيخ: أيش؟
الطالب: إذا وجد الإنسان في فمه طعم حلوى أو غيره لا يبلع ريقه، وقلنا: إن المعجون اللي هو يشبه الطعم في فمه فلا يضر صومه ولا يفسده؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: شنو الفرق يا شيخ؟
الشيخ: المعجون لا يبلى.
الطالب: فإنه لا يفسد صومه هذا؟
الشيخ: إي نعم، حتى لو وضعت حلاوة في فمك أو تمرة، وذقتها ما يفسد الصوم.
الطالب: إي، لكن طعمه يا شيخ يصل إلى الحلق والجوف.
الشيخ: اللي هو؟
الطالب: قبل الفجر بقليل ولنفرض أكلت.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ووجدت طعم الطعام بعد الفجر.
الشيخ: إي نعم، هذا ينظر فيه؛ إذا كان طعامًا بيِّنًا فهذا لا يجوز بلعه، أما ما كان من الماء وشبهه فهذا لا بأس به.
الطالب: المعجون -يا شيخ- قوي، طعمه قوي.
الشيخ: ولهذا قلنا: الأحسن لا تستعمل المعجون.
الطالب: يفسد؟
الشيخ: ما يفسد؛ لأنه ما تيقن أنه يصل إلى جوفه.
طالب: فتات المسواك إذا بلعه؟
الشيخ: فتات المسواك إذا بلعه بغير قصد فإنه لا يضر.
الطالب: وبقصد؟
الشيخ: بقصد لا يجوز.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ألا يفهم من ظاهر الحديث أن من كذب وهو صائم فإن صومه غير صحيح؛ «فَلَا حَاجَةٌ لِلَّهِ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (١)؟
الشيخ: هذا سؤال وجيه، يقول: ألا يُفْهَم من الحديث أن من كذب فسد صومه؟ لأن الله ليس له حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
نقول: قال بذلك بعض العلماء من السلف؛ أن الإنسان إذا قال قولًا حرامًا، أو فعل فعلًا حرامًا وهو صائم، فإن صومه يبطل.
ولكن الإمام أحمد سئل عن هذا؛ سئل عن الغيبة من الصائم، وقيل له: إن فلانًا قال: إنها تفطر. فقال: لو كانت الغيبة تفطر ما بقي لنا صيام، كل الناس يغتابون، ما يبقى صيام.
ثم القاعدة العامة الصحيحة أن المحرم إذا كان محرمًا في ذات العبادة أفسدها، وإن كان تحريمه عامًّا لم يفسدها.
[ ١ / ٣٤٧٥ ]
انظر الأكل والشرب يفسد الصوم؛ لأن تحريمه خاص في العبادة، لكن الغيبة عامة ولا لا؟ عامة، ولهذا كان الصحيح أن الصلاة في الثوب المغصوب، والوضوء بالماء المغصوب صحيح، والصلاة في الثوب المغصوب صحيحة؛ لأن التحريم هنا ليس عائدًا للصلاة، يعني: لم يقل الرسول ﵊: لا تصلوا في الثوب المغصوب، ولم يقل: لا تتوضؤوا بالماء المغصوب، فالنهي عام، استعمال الماء المغصوب في أي شيء حتى في الطعام والتغسيل العادي والتبرد حرام، هذه القاعدة هي التي مشى عليها جمهور العلماء؛ أن الحرام إذا كان خاصًّا بالعبادة فهو مبطل لها، وإذا كان عامًّا فلا.
طالب: فتات المسواك، هل يلزم الإنسان بالتحرز منه؟ أو يكون طبيعيًّا، يعني: إن ذهب شيء بغير قصد فالحمد لله، ولكن يكون طبيعيًّا؟
الشيخ: هو على كل حال المسواك فيه تفصيل؛ بعض المساويك معروف أنها جديدة تتفتت، هذه يحترز منها.
الطالب: لأنه قد يتكلف الإنسان هذا الأمر.
الشيخ: لا، أما العادي الذي قد استعمل وذهب ما يتفتت منه فالأصل السلامة.
الطالب: وطعمه كالجديد؟
الشيخ: الطعم الجديد لن تدخله.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، إذا تذوق الطباخ الطعام فابتلعه هل يفسد صومه يا شيخ؟
الشيخ: ابتلعه قصدًا ولَّا غصبًا؟
الطالب: () اشتهاه.
الشيخ: أقول: قصدًا ولَّا () وبلعه؟
الطالب: الثاني.
الشيخ: الثاني ما يجوز، يفسد الصوم ().
إذا أعطيت فقيرًا زكاة فطر، وأخرجها للسوق يبيعها، فلا يجوز أن تشتريها.
طالب: الرجل الذي يبيع () الحبوب؟
الشيخ: ويبيعها إلى نفس الرجل الذي يبيع الزكاة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يعني معناه اللي أعطاه الزكاة؟
الطالب: التاجر يبيع للناس، وبعدين يرجعوا يعطونه، يعني يبيعها بثمانية ريال ويأخذها منهم بخمسة.
طالب آخر: فيه طرف ثان.
الشيخ: ما رأيكم في زكاة الفطر عندما يأخذ المساكين الزكاة ويبيعونها إلى نفس الرجل الذي يبيع الزكاة؟ ما فيها شيء.
[ ١ / ٣٤٧٦ ]
الطالب: يعني: يبيعونها له، يشتريها بخمسة وهو يبيعها بثمانية؟
الشيخ: ما هو بعلى صاحبها؛ ليس على صاحبها، يعني: ما يبيعونها على اللي أعطاهم إياها.
الطالب: لا، ما هو اللي أعطاهم إياها، نفس اللي باعها يرجع إلى الفقراء ويبيعونها له ثانيًا.
الشيخ: ما يخالف، لا بأس.
الطالب: يعني: لا بأس؟
الشيخ: لا بأس ().
يقول: امرأة تعمَّدت إسقاط ما في بطنها في الشهر الأول من الحمل من أجل مصلحة طفل لها لم يستكمل السنتين بعد -أي تسعة أشهر- فهل تأثم أم تلزمها الكفارة؟
الكفارة لا تلزمها، لكن بعض العلماء يقول: تأثم، وبعضهم يقول: لا تأثم ما دام في الأربعين الأولى.
طالب: مصلحة الطفل.
الشيخ: الصحيح أنها تأثم إلا إذا دعت الحاجة ().
يقول: ما معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
هذه فيما إذا عجز الناس عن إزالة المنكر، فإنهم لا يضرهم من ضل إذا اهتدوا، أما إذا كانوا يستطيعون إزالة المنكر فإنه يضرهم من ضل، والباقي لغد.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
قال المصنف رحمه الله تعالى في باب ما يُكْرَه ويستحب وحكم القضاء: وسُنَّ لمن شُتِم قولُه: إني صائم، وتأخيرُ سحور، وتعجيلُ فطر على رطب، فإن عُدِمَ فتمرٌ، فإن عُدِمَ فماءٌ، وقولُ ما ورد، ويُسْتَحَبُّ القضاء متتابعًا، ولا يجوز إلى رمضانٍ آخر من غير عذر، فإن فعل فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم ولو بعد رمضانٍ آخر، وإن مات وعليه صَوْمُ أو حجُّ أو اعتكافُ أو صلاةُ نذرٍ استُحِبَّ لوليه قضاؤه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما حكم القُبْلَة للصائم على ما مشى عليه المؤلف؟
طالب: الكراهة.
الشيخ: مطلقًا؟
[ ١ / ٣٤٧٧ ]
الطالب: الكراهة إن كان ممن لا يملك إربه.
الشيخ: إي نعم.
طالب: إذا حركت شهوته.
الشيخ: الكراهة إن تحركت شهوته وإلا؟
الطالب: وإلا فلا.
الشيخ: وإلا فلا. والصحيح؟
طالب: أنه يُقَسَّم إلى ثلاثة أقسام.
الشيخ: ما هم؟
الطالب: القسم الأول: ألا تتصل بشهوة إطلاقًا، فهذا لا شيء فيه.
النوع الثاني: أن تتصل به شهوة ولكن يأمن على صومه الإفساد بالإنزال، وهذا يُكْرَه في حقه.
أما النوع الثالث: فأن يخشى على صومه الإفساد بالإنزال، فهذا يحرم.
الشيخ: هذا ما ذهب إليه المؤلف، القول الراجح؟
طالب: الصحيح أن تقسم إلى قسمين: قسم جائز، وقسم محرم، والجائز له صورتان، والمحرم صورته الذي يخاف على نفسه، لا يأمن على نفسه الإنزال، فهذا شيء. أما الصورتان التي ذكرهما المؤلف فإنهما جائزتان.
الشيخ: هذا هو الصحيح، الصحيح أنها تنقسم إلى قسمين:
الأول: أن يخاف إنزالًا، فهذه حرام.
والثاني: ألا يخاف، فهذه لا بأس بها ولو حركت شهوته.
يقول المؤلف: إنه يجب على الصائم اجتناب الكذب.
طالب: نعم.
الشيخ: وغيره؟
الطالب: هو كله محرم، سواء في الصيام أو غيره، غيبة ونميمة.
الشيخ: أنا أسأل عن الكذب، يقول المؤلف: يجب على الصائم أن يجتنب الكذب، وغير الصائم؟
الطالب: وغير الصائم.
الشيخ: ليش أيضًا يجب؟
الطالب: ولكن الصائم يتأكد في حقه.
الشيخ: الصائم يتأكد في حقه، ما هو الدليل على أنه يتأكد في حق الصائم ترك المحرمات وفعل الواجبات؟
الطالب: لقوله ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهَ وَشَرَابَهُ» (١).
الشيخ: وفي القرآن؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
الشيخ: نعم، أحسنت، ما حكم الكذب الأبيض؟
[ ١ / ٣٤٧٨ ]
طالب: يقولون: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وأنا لم أتصور كذبًا أبيض.
الشيخ: ما تتصور الكذب الأبيض، من يعرف الجواب؟
طالب: الكذب كذب واحد، سواء كان أبيض أو أسود.
الشيخ: ما فيه أسود ولا أبيض، كله؟
الطالب: كله سواء.
طلبة: كله أسود، يا شيخ.
الشيخ: كله أسود، أليس قد جاء في الحديث أن ثلاثة أنواع من الكذب جائزة؟
طالب: بلى، يا شيخ.
الشيخ: وهي؟
الطالب: أولًا: للإصلاح بين الناس.
ثانيًا: أن يكذب الرجل على زوجته، أو تكذب هي عليه لأجل الألفة والود.
الشيخ: والثالث؟
الطالب: والثالث: إذا كان بين مسلمين وكفار حرب فيكذب المسلم لأجل التغطية.
الشيخ: في الحرب هو جاء به الحديث، لكن هل هو متفق على هذا المعنى؟
طالب: حمله بعض العلماء على التورية لا الكذب.
الشيخ: حمله بعض العلماء على أن المراد به التورية؛ وهي أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره، وقال: إن التورية تسمى كذبًا كما اعتذر إبراهيم ﵊ عن الشفاعة بأنه كذب ثلاث كذبات.
وعلى كل حال متى أمكن اجتناب الكذب بالتورية فهو أولى، حتى على القول بأن الحديث يُحْمَل على الكذب الصريح، فإن الأولى تجنبه.
الغِيبَة حرام على الصائم؟
طالب: الغِيبَة حرام على الصائم وغيره.
الشيخ: لماذا قال: يجب على الصائم اجتنابه؟
الطالب: لأن تحريمها في حق الصائم أوجب.
الشيخ: وما هي الغِيبَة؟
الطالب: كما فسرها النبي ﷺ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» (٣).
الشيخ: نعم، هل يستثنى من الغِيبَة شيء؟
طالب: لا يستثنى.
الشيخ: أبدًا؟
الطالب: إلا أن يكون في حالة المظلوم سيكون له الشكاية.
الشيخ: هذه واحدة، يعني في حال التظلم لا بأس أن يُذْكَر الظالم بما يكرهه الظالم. الدليل؟
الطالب: الدليل حديث زوجة أبي سفيان هند بنت عتبة عندما اشتكت إلى النبي ﷺ أن أبا سفيان رجل بخيل.
الشيخ: ومن القرآن؟
[ ١ / ٣٤٧٩ ]
طالب: من القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١].
الشيخ: لا، استدل بقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ هل هذا صحيح؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يعني يمكن أن يكون له وجه؛ لأنها تشتكي زوجها.
طالب: قول الله ﷿: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨].
الشيخ: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾، هذه ثنتان، الثالث من يعرفه؟
طالب: المستفتي.
الشيخ: المستفتي هي قصة هند، نعم.
طالب: المجاهر بالمعصية.
الشيخ: يجوز غيبته؟
الطالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: تجوز غيبته، يعني معناها الآن إذا لاقانا واحد حالق لحيته، جاز أن نُشَرِّحه في المجالس، يلَّا، هو يمكن، هو قال به بعض العلماء -كما قال الأخ-: المجاهر بالفسق، لكن هذا يُقَيَّد بما إذا كان فيه مصلحة، وهو أنه إذا رأى الناس يتحدثون في المجالس أقلع.
طالب: إرضاء الناس يا شيخ؟
الشيخ: طيب هذه؟
طالب: المبتدعة، يجوز غيبتهم لتنبيه الناس؟
الشيخ: إي، إذا كان المقصود بها النصيحة، وهذه يدخل فيها فروع كثيرة؛ ومنها: ذكر معايب الشخص الذي تستشار فيه في المعاملة أو غيرها، ودليل ذلك أن الرسول ﵊ استشارته فاطمة بنت قيس في الذين خطبوها وكانوا ثلاثة، من؟
طالب: خالد بن الوليد.
الشيخ: لا.
طالب: أبو سفيان.
الشيخ: نعم.
طالب: معاوية.
الشيخ: اصبر، هذا معاوية.
طالب: خالد بن الوليد.
الشيخ: لا.
طالب: وأبو جهم، وأسامة بن زيد.
الشيخ: نعم، وأبو جهم، وأسامة بن زيد، فبَيَّن الرسول ﵊ معايبَ اثنين، وأشار بالثالث، ماذا قال عن أبي جهم؟
طالب: قال عن أبي جهم: «إِنَّهُ لَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» (٤)، وهذه كناية إما عن كثرة سفره أو عن كثرة ضرب النساء.
[ ١ / ٣٤٨٠ ]
الشيخ: «إِنَّهُ لَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»، وهو كناية عن كثرة أسفاره، أو عن كونه يضرب النساء، وقد جاء في لفظ آخر: «فَضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ» (٥)، الثاني؟
طالب: معاوية، قال: «صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ».
الشيخ: معاوية، قال: «صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكَحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ»، بارك الله فيكم.
طالب: ().
الشيخ: كيف ()؟
طالب: ().
الشيخ: هي النصيحة، إذا قلنا: إذا قُصِدَ النصيحة ما عاد فيها () كثيرة، ذكر مثلًا الرواة الضعفاء بما فيهم من الجرح، وأشياء كثيرة، ذكر المبتدع كما قال الإخوان.
طالب: وبعضهم نظمه في بيت ستة.
الشيخ: لا، إذا قلنا: النصيحة، هي عامة، أفرادها ما تحصر.
طالب: إذا كان يا شيخ لا يعرف إلا ..
الشيخ: لا، إذا كان لا يعرف إلا بوصفه بالعيب هذا يرضى به عادةً في الغالب.
طالب: يا شيخ، الكافر؟
الشيخ: الكافر كيف؟ هو له حرمة أصلًا؟ ما له حرمة الكافر.
طالب: ().
الشيخ: لعلنا نترك هذه لأنها تتفرع كثيرًا، ما الفرق بين السبِّ والغِيبة؟
طالب: السب يكون أمام المخاطب، والغيبة من وراء ظهره.
الشيخ: نعم، الغيبة تكون من وراء ظهره، والسب أمامه، ولذلك سميت غيبة؛ لأنها في الغيبة.
***
قال: (ويُسَنُّ لمن شُتِمَ قولُه: إني صائم).
(يسن لمن شتم) أي: لمن شتمه أحد، أي ذكره بعيب أمامه، وهو بمعنى السب، وكذلك لو فعل معه ما هو أكبر من المشاتمة بأن يقاتله، يتماسك وياه يسن له أن يقول: إني صائم؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (٦).
وهل يقولها سرًّا أو يقولها جهرًا؟ قال بعض العلماء: يقولها سرًّا، وقال بعض العلماء: جهرًا.
[ ١ / ٣٤٨١ ]
وفصل بعض العلماء بين الفرض والنفل، فقال في الفرض: يقولها جهرًا لبعده عن الرياء، وقال في النفل: يقولها سرًّا خوفًا من الرياء، والصحيح أنه يقولها جهرًا في صوم النافلة والفريضة؛ وذلك لأن فيها فائدتين.
الفائدة الأولى: بيان أن المشتوم لم يترك مقابلة الشاتم إلا لكونه صائمًا، لا لعجزه عن المقابلة؛ لأنه لو تركه عجزًا عن المقابلة لاستهان به الآخر، وصار في ذلك ذُلٌّ له، فإذا قال: إني صائم، كأنه يقول: أنا لا أعجز عن مقابلتك وأن أُبَيِّنَ من عيوبك أكثر مما بينت من عيوبي، لكني امرؤ صائم.
الفائدة الثانية: تذكير هذا الرجل بأن الصائم لا يُشاتِم أحدًا، وربما يكون هذا المشاتِم صائمًا كما لو كان ذلك في رمضان، وكلاهما في الحضر؛ حتى يكون قوله هذا متضمنًا لنهيه عن الشتم وهو منكر.
فالصواب أنه يقولها جهرًا في الفرض والنفل.
(ويُسَنُّ لمن شُتِمَ قولُه: إني صائم، ويُسَنُّ تأخير) أبغي أقرأها (سَحور)، صواب ولَّا لا؟
طلبة: صواب.
الشيخ: (وَيُسَنُّ تأخير سَحور)؟
طلبة: لا، سحور، بالضم.
الشيخ: (وَيُسَنُّ تأخير سُحور).
طلبة: ().
الشيخ: ما الذي يُؤَخَّر؛ هل هو التمر المقدم للإنسان يأكله في آخر الليل أو الفعل؟
الفعل، إذن (سُحور)؛ لأن سَحُور بالفتح: اسم لما يُفْعَل به، وسُحور بالضم: اسم للفعل؛ ولهذا نقول: (وَضوء) اسم للماء، و(وُضوء) اسم للفعل، ونقول: (طَهور) اسم للماء، ونقول: (طُهور) اسم للفعل؛ فعل الطهارة، وهذه قاعدة مفيدة تعصم الإنسان من الخطأ في مثل هذه العبارة.
[ ١ / ٣٤٨٢ ]
إذن: (يُسَنُّ تأخيرُ سُحور) بالضم، يعني: أن الإنسان إذا تسحر -وهو سُنَّة أيضًا السحور- ينبغي له أن يؤخره اقتداء برسول الله ﷺ، وترقُّبًا للخيرية التي قال فيها الرسول ﵊: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» (٧)، فيكون فيه سُنة قولية وسنة فعلية، ورفقًا بالنفس؛ لأنه إذا أخَّر السحور قلَّت المدة التي يُمْسِكُ فيها، وإذا قدَّم فإنها تطول بحسب تعجيل السحور وتأخيره، ففيها الاقتداء بالسُّنَّة وترقب الخير، والرفق بالنفس.
ولكن يؤخره ما لم يخش طلوع الفجر، فإن خشي طلوع الفجر فليبادر، فمثلًا إذا كان يكفيه ربع ساعة في الأكل -أكل السحور- متى يتسحر؟ إذا بقي ربع ساعة، إذا كان يكفيه خمس دقائق؟ إذا بقي خمس دقائق، يعني يكون ما بين ابتدائه إلى انتهائه كما بينه وبين وقت الفجر.
(تأخير السحور)، والدليل على هذا أن النبي ﷺ كان يؤخر السحور، حتى إنه لم يكن بين سحوره وبين إقامة الصلاة إلا نحو خمسين آية، يقدرون بالآيات؛ لأنه ما فيه ساعات ذاك الوقت.
ولهذا قال العلماء ﵏ في بيان البناء على غلبة الظن في دخول وقت الصلاة قالوا: له علامات، منها: إذا كان من عادته أن يقرأ حزبًا من القرآن، فإذا قرأ هذا الحزب وكان من عادته أنه إذا أتمه دخل الوقت فإنه يحكم بدخول الوقت.
ففي عهد الرسول ﷺ ما فيه ساعات، فكانوا يقدرون بالآيات، بالأعمال، قَدْر نَحْر جَزور، وما أشبه ذلك، فلهذا يقول: (بينهما قَدْر خمسين آية) ثم قدر خمسين آية، أي آية نعتبرها؛ الطويلة أو القصيرة؟
طلبة: الوسط.
الشيخ: المتوسطة، ثم أي تلاوة نعتبر؛ الإسراع أو الترتيل؟
طلبة: وسط.
الشيخ: أيضًا نقول: وسط؛ لأننا لو قلنا: أطول آية، وقلنا بالترتيل، يطول الوقت.
يقول: (ويُسَنُّ تعجيل فطر)، يعني: المبادرة به؛ إذا أَذَّن المغرب، أو إذا غربت الشمس؟
[ ١ / ٣٤٨٣ ]
طلبة: إذا غربت الشمس.
الشيخ: إي نعم، المعتبر غروب الشمس لا الأذان، لا سيما في الوقت الحاضر؛ حيث يعتمد الناس على التقويم، ثم يربطون التقويم بساعاتهم، وساعاتهم قد تتغير بتقديم وتأخير، بعض الناس يعتمد كم الوقت اليوم؟ قال: عليها مثلًا ستة وعشرة الغروب، قال: يلا أذن ستة وعشرة، ربما تكون ساعته مقدمة يمكن عشر دقائق، فيؤذن قبل الوقت بعشر دقائق، إذن لا عبرة بأذان المغرب، العبرة بغروب الشمس، فلو غربت الشمس وأنت تشاهدها والناس لم يؤذنوا بعد فلك أن تفطر؛ لأن الرسول ﵊ قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا -وأشار إلى المشرق- وَأَدْبَرَ مِنْ هَاهُنَا -وأشار إلى المغرب- وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». (٨)
ولا عبرة بالنور القوي، بعض الناس يقول: نبقى حتى يغيب القرص وحتى يبدأ الظلام بعض الشيء، نقول: لا عبرة بهذا، انظر إلى القرص متى غاب أعلاه فقد غربت الشمس، وسُنَّ الفطر، فيُسَنُّ أن يبادر بالفطر، ودليل ذلك قوله ﷺ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (٧)، وبهذا نعرف أن الذين يؤخرون الفطر إلى أن تشتبك النجوم كالرافضة أنهم ليسوا في خير؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ»، ويروى أن الله ﷾ قال: «أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» (٩)، وذلك لما فيه من المبادرة إلى تناول ما أحله الله ﷿، والله ﷾ كريم، والكريم يحب أن يتمتع الناس بكرمه، فيحب من عباده أن يبادروا لما أحل الله لهم، من حين أن تغرب الشمس أفطر.
فإن قال قائل: وهل لي أن أفطر بغلبة الظن؟ بمعنى أنه إذا غلب على ظني أن الشمس غربت فهل لي أن أفطر؟
[ ١ / ٣٤٨٤ ]
الجواب: نعم، ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: أفطرنا في يوم غَيْمٍ على عهد النبي ﷺ ثم طلعتِ الشمس (١٠)، ومعلوم أنهم لم يفطروا عن علم، أليس كذلك؟ لو أفطروا عن علم ما طلعت الشمس، لكن أفطروا بناءً على غلبة الظن أنها غابت ثم انجلى الغيم، فطلعت الشمس، فهذا دليل على أنه يجوز أن يفطر بغلبة الظن.
(ويُسَنُّ تعجيل الفطر)، يقول: (على رُطَبٍ)، الرطب هو التمر اللين الذي لم يَيْبَس، وكان هذا في زمن مضى، لا يتسنى إلا في وقت معين من السنة، أما الآن والحمد لله ففي كل وقت، يمكن أن تفطر على رطب في كل الشهر، كل الشهور، فتفطر على رطب.
فإن لم يكن، يقول: (فإن عُدِمَ فعلى تَمْرٍ)، وهو اليابس أو المُجَبَّن، المجبن يعني المكنوز الذي صار كالجبن، مرتبط بعضه ببعض.
(فإن عُدِمَ فعلى تَمْرٍ، فإن عُدِمَ فماءٌ)، إن عدم التمر فالماء؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ» (١١).
إذا كان عند الإنسان عسل وماء فأيهما يُقَدِّم؛ الماء أو العسل؟
طلبة: العسل.
طلبة آخرون: الماء.
طالب: الاثنين.
الشيخ: يقدِّم الماء؛ لأن الرسول ﷺ قال: «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى مَاءٍ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ»، ولكن لا بأس يشرب ماءً وبعدين يأكل العسل.
طالب: العسل أخو التمر.
الشيخ: ليس أخاه، العسل من النحل، وهذا من النخل.
على كل حال، يُفْطِر على ماء مقدَّمًا على غيره، فإن لم يجد ماءً ولا شرابًا آخر ولا طعامًا، فماذا يصنع؟
طالب: ينوي.
الشيخ: ينوي الفطر بقلبه، ويكفي.
وقال بعض العوام: إذا لم تجد شيئًا فعُض على أصبعك ومُصَّه، وهذا لا أصل له.
[ ١ / ٣٤٨٥ ]
وقال آخرون: بُلَّ الغترة ثم مُصَّهَا؛ لأن إذا بللتها انفصل الريق عن الفم، فإذا رجعتها ومصصتها أدخلت شيئًا خارجًا عن الفم إلى الفم، وهذا يعتبر أكلًا أو شربًا.
وعلى تقليد هؤلاء العوام نقول: فإن عدِمَ فماء، فإن عَدِمَ فرِيقٌ، وهذا لا أصل له.
نقول: إذا غربت الشمس وليس عندك ما تفطر به أفطرت حكمًا، حتى إن بعض العلماء قال: إن قوله ﵊: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (٨) أن المعنى: أفطر حكمًا وإن لم يفطر حسًّا، ولكن يُسَنُّ له أن يبادر، وليس هذا ببعيد، إلا أنه يضعفه أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أذن لهم بالوصال إلى السحر.
قال: (فإن عُدِمَ فتمر، فإن عُدِمَ فماء) ولم يتكلم المؤلف هنا عن الوصال، لكن ربما نأخذ حكمه من قوله: (يُسَنُّ تعجيل الفطر) لأن الوصال لا يكون فيه تعجيل الفطر.
والوصال أن يقرن الإنسان بين يومين في صوم يوم واحد، بمعنى ألا يفطر بين اليومين.
وحكمه قيل: إنه حرام، وقيل: إنه مكروه، وقيل: إنه مباح لمن قدر عليه، فالأقوال فيه ثلاثة.
والذي يظهر: فيه التحريم؛ لأن النبي ﷺ نهاهم عن الوصال فأَبَوا أن ينتهوا فتركهم، وواصل بهم يومًا ويومًا ويومًا حتى دخل الشهر -يعني: شهر شوال- فقال ﵊: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ» (١٢) كالمنكِّل لهم، وهذا يدل على أنه على سبيل التحريم، فالقول بالتحريم أقواها.
[ ١ / ٣٤٨٦ ]
ولكن مع ذلك ليس عندي فيه جزم؛ لأنه لو كان حرامًا -كما تحرم الميتة والخنزير- لمنعهم الرسول ﵊ من فعله منعًا باتًّا، لكنه نهاهم عن ذلك رفقًا بهم؛ ولهذا ذهب بعض الصحابة ﵃ إلى جواز الوصال لمن قدر عليه معللًا ذلك بأنه إنما نهي عن الوصال من أجل الرفق بالناس لأنه يشق عليهم، فكان عبد الله بن الزبير يواصل إلى خمسة عشر يومًا، لا يأكل ولا يشرب ابتغاء وجه الله.
لكن مع ذلك نحن نقول: إنه ﵁ متأول، والصواب خلاف تأويله، والصواب أن أدنى أحواله الكراهة، وأن الناس لا يزالون بخير ما عجلوا الفطر، لكن قال النبي ﷺ: «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ» (١٣).
طالب: في هذا الباب () يا شيخ.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: عبد الله بن الزبير.
الشيخ: هكذا معروف في تاريخه.
(فإن عُدِمَ فماء وقولُ ما وَرَد) قول ما وَرَد متى؟
طلبة: ().
الشيخ: قول ما ورد عند الفطر، ومعلوم أنه ورد عند الفطر وعند غيره التسمية، عند الأكل أو الشرب، وهي على القول الراجح واجبة؛ يعني: يجب على الإنسان إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يُسَمِّ؛ أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك (١٤)؛ لإخباره أن الشيطان يأكل مع الإنسان إذا لم يُسَمِّ، لإمساكه بيد الجارية والأعرابي حين جاءا ليأكلا قبل أن يُسمِّيا؛ أمسك النبي ﷺ بيديهما وأخبر أن الشيطان دفعهما، وأن يد الشيطان مع يديهما، بيد النبي ﷺ؛ ليأكل من الطعام (١٥).
فالصواب أن التسمية على الأكل والشرب واجبة، ولكنه لو نسي فإنه يسمي إذا ذكر ويقول: بسم الله أوله وآخره.
[ ١ / ٣٤٨٧ ]
كذلك أيضًا؛ مما ورد: الحمد عند الانتهاء، فإن الله يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها، وورد أيضًا آثار في ذلك منها: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (١٦)، وهذه في أسانيدها ما فيها، لكن إذا قالها الإنسان فلا بأس.
ومنها: إذا كان الجو حارًّا وشرب فإنه يقول: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (١٧) وذهاب الظمأ بالشرب واضح، وابتلال العروق كذلك واضح حتى إن الإنسان إذا شرب وهو عطشان يَحُسُّ بأن الماء من حين ما يصل إلى المعدة يتفرق في البدن، يَحُسُّ به إحساسًا ظاهرًا، ويقول: سبحان الحكيم العليم الذي فرقه بهذه السرعة فهذا مما يُسَنُّ.
ثم قال: (ويُسْتَحَبُّ القضاء متتابعًا)، والباب الذي نحن فيه (باب ما يُكْرَه ويُسْتَحب، وحكم القضاء)
وهنا بدأ بالقضاء، قال: (ويستحب القضاء متتابعًا) الاستحباب مُنْصَبٌّ على قوله: (متتابعًا)، وليس على قوله: (القضاء) لماذا؟ لأن القضاء واجب، والمستحب كونه متتابعًا، أي: لا يفطر بين أيام الصيام لماذا؟ لوجهين:
الوجه الأول: أن هذا أقرب إلى مشابهة الأداء، صح، لماذا؟ لأن الأداء متتابع، شهر رمضان متتابع.
وثانيًا: أسرع في إبراء الذمة، فإنك إذا صُمْتَ يومًا وأفطرت يومًا تأخر القضاء، فإذا تابعت صار ذلك أسرع في إبراء الذمة.
وثالثًا: أنه أحوط؛ لأن الإنسان لا يدري ما يَعْرِض له؛ قد يكون اليوم صحيحًا وغدًا مريضًا، وقد يكون اليوم حيًّا وغدًا ميتًا؛ فلهذا كان الأفضل أن يكون القضاء متتابعًا.
وينبغي أيضًا: أن يبادر به من حين أن يزول يوم العيد يشرع فيه؛ يعني: في اليوم الثاني من شوال يشرع فيه؛ لأن هذا كما قلت: أسرع لإبراء الذمة وأحوط.
[ ١ / ٣٤٨٨ ]
ثم قال: (ولا يجوز إلى رمضانٍ آخر من غير عذر) ولا يجوز إلى رمضانٍ آخر، أو إلى رمضانَ.
طلبة: رمضانٍ.
الشيخ: بالتنوين؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم؛ لأن (رمضان) إذا كان المقصود بها رمضان معين امتنعت من الصرف، وإذا كان المراد أي رمضان فإنها تصرف؛ وذلك لأنها إذا كان المراد بها أي رمضان فُقِدَ منها شرط واحد وهو العلمية. والمزيد بالألف والنون يُشْتَرط لمنعه من الصرف أن يكون عَلَمًا وأن تكون الألف والنون زائدة.
طالب: () يا شيخ أن النبي ﷺ قال: () فَبِتَمْر، فإن لم يجد فبماء فإنه طهور (١١) وتعلق الحكم هنا بالماء، وعندي يا شيخ من يقسم الماء إلى ثلاثة أقسام.
الشيخ: لا، ما هذا، ما هو بطهور ضد النجس؛ يعني: مطهر للمعدة.
طالب: شيخ حفظك الله، قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف قد يخص بعموم أو بعلة؟
الشيخ: هذا -بارك الله فيك- مبني على أن قول الصحابي هل هو حجة أم لا؟ فمن قال: إنه ليس بحجة فإنه لا يخصص به العموم.
الطالب: ومن قال: إنه حجة؟
الشيخ: ومن قال: إنه حجة فلازم قوله أن يخصص به العموم، ما لم يكن مبنيًّا على اجتهاد، فإن كان مبنيًّا على اجتهاد فقد يخطيء وقد يصيب، وأنا أرى أن الأَوْلَى الأخذ بالعموم وألا يخصص.
الطالب: يعني: معنى هذا يا شيخ؟
الشيخ: يعني: معنى هذا أن فعل ابن عمر في كونه إذا حج أو اعتمر أخذ من لحيته (١٨) لا يُخَصِّصُ عموم الأمر بالإعفاء.
الطالب: فبقول الرسول ﷺ: «حَتَّى يَدَعَ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ» (١٩)، هذا عامٌّ فهل يخصصه مثلًا فعل صحابي؟
الشيخ: أبدًا، التعمق مذموم بكل حال؛ لقوله: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (٢٠) قالها ثلاثًا.
الطالب: فبهذا ماذا نقول: يا شيخ في الوصال؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: في الوصال.
الشيخ: في الوصال؛ نقول: إن هذا تأول، تأولٌ من عبد الله بن الزبير أخطأ فيه ﵁.
[ ١ / ٣٤٨٩ ]
طالب: شيخ -بارك الله فيك- ما المراد بالمقاتلة في هذه المسألة؟
الشيخ: المقاتلة بالأيدي: الأخذ بالأيدي، يتشابكون.
الطالب: دماءهم ().
الشيخ: لا، هذا قتل.
الطالب: ().
الشيخ: نعم؟
الطالب: ().
الشيخ: لا، هذا قَتْل.
الطالب: ().
الشيخ: لا، هذا قتل.
الطالب: البعض يتشابك بالسكاكين والسواطير.
الشيخ: لا، أعوذ بالله، المراد بالمقاتلة يعني المشابكة بالأيدي وشبهها.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، بس، هذا ويش يسوي؟ شنو ناظر؟
طالب: ()، الكراهة () خلاف الأولى أو لا بد من دليل شرعي؟
الشيخ: نعم، الكراهة لا بد فيها من دليل شرعي، فأما إذا كان على سبيل الاحتياط تقول: الأولى، فقط.
طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، الراجح في تقديم صيام النفل على صيام الواجب، كمن صام ستًّا من شوال على قضاء من رمضان.
الشيخ: أما من صام ستًا من شوال مقدِّمًا إياها على قضاء رمضان فإنها لا تنفعه عن الست، حتى لو قلنا بصحة صوم التطوع قبل القضاء لأن الرسول ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ» (٢١)، ومن بقي عليه شيء من رمضان لم يكن صام رمضان.
وقد ظن بعض طلبة العلم أن هذا مبني على صحة النفل قبل القضاء، وليس بصحيح؛ لأن صوم ست من شوال تابع لرمضان، لا يصح إذا بقي من رمضان شيء؛ يعني: لا يثاب ثواب الست إذا بقي من رمضان شيء، وقد نص على ذلك ابن رجب ﵀ في كتاب لطائف المعارف.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- هل يثبت أثر عن عائشة ﵂ أنها كانت تؤخر القضاء إلى أن ..؟
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله، وهو ثابت.
طالب: يا شيخ، إن قولك وينبغي أن يبادر به في اليوم الثاني من شوال فـ ..
الشيخ: ينبغي غير يجب.
[ ١ / ٣٤٩٠ ]
طالب: في عهد السلف رضي الله تعالى عنهم كان ما فيه تطاول في البنيان مثل البنيان هذا، ذكرتم جزاكم الله خيرًا أن الإنسان ينوي الفطر، يفطر عندما تغرب الشمس، كيف إن الإنسان بيته يكون صغيرًا وفيه بيوت الثانية ما شاء الله؛ عشرين دورًا وثلاثين دورًا.
الشيخ: يرقى للدور الواحد وعشرين.
الطالب: لا، حق يا شيخ؟
الشيخ: صحيح هذا.
الطالب: كيف، يطلع يعني؟
الشيخ: إي يطلع أيوه.
الطالب: شيخنا، حقيقي السؤال هذا الله يكرمك.
الشيخ: هذا حقيقي، وهذا الجواب أيضًا.
الطالب: والله يا شيخ، طيب كيف يعني لو طلع ونزل لشقى.
الشيخ: الله المستعان.
الطالب: بس، حقيقي يا شيخ السؤال هذا مهم جدًا.
الشيخ: أبدًا، أصلًا نحن قلنا: إذا غربت الشمس، إذا كنت تحت السقف كيف تعرف إن الشمس غربت؟
الطالب: أنا الحين جالس في ..
الشيخ: فاهم فاهم.
الطالب: في بيوت حولي كثيرة جدًّا والشمس بتكون باينة في الغروب ولكن في قرص الشمس لسه نصف والنصف الآخر يعني لو أتينا مثلًا صحراء نرى نصف ونصف تحت.
الشيخ: إذن لا تفطر.
الطالب: ما يُرَى يعني ما يفطر إلا يظنه () الغروب عندنا غروب الشمس، الناس بينتظروا عندما ينتهي ضوء الشمس من السماء يعني يميل.
الشيخ: على كل حال -بارك الله فيك- اصعد إذا كنت تريد أن لا تنتظر الأذان اصعد إلى فوق.
الطالب: طلعت لفوق، فيه عمارة تاني قدامي أعلى.
طالب آخر: يسمع المدفع.
الشيخ: صحيح، هو الآن يعني مرتب مدفع.
الطالب: يعني الناس تفطر على المدفع، إذن مع الأذان فهو الأولى.
الشيخ: ().
طالب: ذكرنا فيما سبق أن الإنسان يأكل حتى يتيقن طلوع الفجر ولكن في غلبة الظن، والآن التقويم مقدم جدًّا، وأيضًا ثبت من غير طريق أن في الوقت الحاضر أن الفجر يطلع بعد التقويم بمقدار ربع ساعة أو ما أشبه ذلك، فالإنسان ..
[ ١ / ٣٤٩١ ]
الشيخ: على كل حال، لو فتح الباب للعامة، العامة ما يمكن تقدر، لأنه لو قيل لكم مثلا أن تأكلوا إلى بعد خمس دقائق من الأذان، العامة ما يمكن تضبطها، خلهم على ما هم عليه، لكن فيما لو جاء إنسان يستفتيك، قال: أنا بعد ما أذن أكلت تمرات وشربت في خلال خمس دقائق ما يمكن تقول: يلزمك القضاء.
طالب: الله يجزيك خيرًا، إذا قلنا بأن صيام ستًّا من شوال من باب الترتيب؛ القضاء ثم ست من شوال، رجل مسافر أو عذر مريض أفطر شهر رمضان كله، فإذا استحببنا أن يصوم رمضان، أن يقضي رمضان متتابعًا، فيبدأ من اليوم الثاني وينتهي ثاني ذو القعدة، ويفوته أجر ستة أيام.
الشيخ: ليش؟ لماذا؟
الطالب: ثلاثين يومًا يا شيخ.
الشيخ: ما يفوته؛ لأن هذا قضى لعذر، ولهذا لو فرضنا الإنسان، مثلًا، امرأة صامت رمضان كله وفي ليلة العيد نفست وبقيت كل شهر شوال ما تصوم، هل لها أن تصوم في ذي القعدة ويكتب لها الأجر؛ لأنه إذا كان رمضان وهو واجب إذا أُخِّر لعذرٍ أجزأ فهذا مثله.
طالب: يا شيخ انتهى.
الشيخ: انتهى؟ خلاص ().
يقول: ما قولكم فيمن يروح يمينًا وشمالًا أو إلى الأمام والخلف عند قراءة القرآن، وبعضهم يعتذر بأن هذا يطرد النوم، وما القول فيمن يمشي عندما يتحفظ شيئًا ويعتذر أن هذا أطرد للنوم؟
أما الثاني الذي يمشي: فلا شك أنه جائز؛ لأن القرآن يقرأ في حال المشي، وفي حال الجلوس، وفي حال الاضطجاع، وفي حال الاتكاء، وأما الأول: فنعم بعض الناس يعتاد هذا، لا يفعله تعبُّدًا لكن من عنده، فإن كان شيئًا بسيطًا من أجل أن يطرد النوم عنه كما قال فلا بأس به، أما الإنسان الذي يبالغ في هذا الشيء ويكاد يصل إلى الأرض ثم يرفع رأسه، فهذا الظاهر أنه لا ينبغي.
أما هذا يقول: ما هي الشروط التي من خلالها نستطيع أن نحكم على كون الشيء هذا بدعة؟
[ ١ / ٣٤٩٢ ]
كل ما تُعُبِّدَ به لله ولم يثبت في الشرع فهو بدعة، هذا الضابط، وما فُعِلَ على سبيل العادة فإن جاءت السنة، أو فإن جاء الشرع بتحريمه فهو حرام، وإلا فالأصل فيه الحل، والعبادة سواء كانت في العقيدة كما فعل أهل البدع، أو كانت في القول كالأذكار التي يرتبها الصوفية، أو بالفعل كالذي يشرع يعني: عبادات يخترعها فهذا الضابط، كل من تَعَبَّد لله بما لم يأذن به الله فهو مبتدع.
قلنا: من فوائد قول الصائم لمن يشتمه: إني صائم بيان أن المشتوم لم يترك مقابلة الشاتم إلَّا لكونه صائمًا، هل يُفهَم من ذلك أنه يُسَنُّ لمن يُشتم وهو غير صائم أن يَرُدَّ على شاتمه بالمثل؟
أي نعم، هو جائز أن يفعل ذلك، أن يَرُدَّ عليه بالمثل لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وهذا يقول: ذكرتم أنه إذا أفطر عن جماع يلزمه كفارتان، وإذا جامع ثلاثة أيام تلزمه ثلاث كفارات؟
هذا غير صحيح، نحن لم نذكر أنه إذا أفطر عن جماع يلزمه كفارتان، أنما يلزمه؟ كفارة واحدة، لكن إذا كرره في يومين تلزمه كفارتان، في ثلاثة أيام تلزمه ثلاث كفارات، هذا الذي ذكره الماتن، وقد تقدم الكلام عليه.
آخر سؤال: ما حد من قتل ابنته؟ القصاص أم الجلد والحبس؟
الصحيح أن من قتل ابنته عمدًا أو ابنه عمدًا فإنه يقتص منه، والقول الثاني لا يقتص منه وعليه الدية، وسبق لنا الكلام في هذا وبينا الأدلة، أليس كذلك؟ الدية للورثة، للورثة غير الأب.
***
طالب: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المصنف ﵀: ويستحب القضاء متتابعًا، ولا يجوز إلى رمضان آخر من غير عذر، فإن فعل فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم، وإن مات ولو بعد رمضان آخر، وإن مات وعليه صوم أو حج، أو اعتكاف، أو صلاة نذر استحب لوليه قضاؤه.
[ ١ / ٣٤٩٣ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن تكلمنا على قول المؤلف: (ويُسْتَحَبُّ القضاء متتابعًا) وأن هذا الحكم منزل على أيش؟
طالب: على () أنه إذا، على ثلاث أمور أنه أشبه بـ ..
الشيخ: لا، كلمة (وَيُسْتَحَب القضاء متتابعًا) هل هي منصبة على (القضاء) أو على (متتابعًا)؟
الطالب: على (متتابعًا).
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن القضاء يكون متتابعًا.
طالب آخر: لأن القضاء واجب.
الشيخ: لأن القضاء واجب، المستحب أن يكون متتابعًا، ولهذا لو عبر المؤلف فقال: ويستحب التتابع في القضاء، لزال الوهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويُسْتَحَبُّ القضاءُ متتابعًا) أي: أن يكون قضاؤه متتابعًا، أي: لا يفطر بين الأيام، وذكرنا لهذا ثلاث علل.
طالب: لأنه أبرأ للذمة.
الشيخ: أسرع في إبراء الذمة.
الطالب: والثاني أنه أحوط؛ لأنه لا يدري هل سيعيش أو سيموت؟
الثالث أن القضاء يحكي الأداء.
الشيخ: أنه أشبه بالأداء، التتابع أشبه بالأداء.
ثم قال: (ولا يجوز إلى رمضانٍ آخر من غير عذر) (ولا يجوز) أي: تأخير القضاء إلى رمضانٍ آخر، يجب التنوين هنا؛ لأنه نكرة. وزيادة الألف والنون لا تمنع من الصرف إلا إذا انضاف إلى ذلك علمية أو وصفية، وهنا ليس عَلَمًا ولا وصفًا، إذا قلنا: (رمضانٍ آخر) فما شرطه التعريف إذا كان نكرة فإنه ينصرف، هذا الضابط؛ ما يشترط في منعه من الصرف العلمية فإنه إذا زالت العلمية لم يمتنع من الصرف.
إذن نقول هنا: (إلى رمضانٍ آخرَ)، (أخرَ) ممنوع من الصرف للعلمية والعدل.
[ ١ / ٣٤٩٤ ]
(من غير عذر) وعُلِمَ من كلام المؤلف أنه يجوز أن يؤخر القضاء إلى أن يبقى عليه عدد أيامه من شعبان لقوله: (ولا يجوز إلى رمضانٍ آخرَ) فيجوز أن يقضي في شوال، في ذي القعدة، في ذي الحجة، في أي شهر بشرط ألا يكون الباقي من شعبان بقدر ما عليه، فإذا بقي من شعبان بقدر ما عليه فحينئذ يلزمه أن يقضي متتابعًا.
وعُلِمَ من قوله: (من غير عذر) أنه لو أخره لعذر فإنه جائز؛ مثل أن يكون مسافرًا فيستمر به السفر أو يكون مريضًا فيستمر به المرض، أو تكون امرأةً حاملًا فيستمر بها الحمل ويزيد عن تسعة أشهر أو امرأةً مرضعًا فتحتاج إلى الإفطار كل السنة.
المهم أنه إذا كان لعذر فلا بأس أن يؤخره؛ لأنه إذا جاز أن يفطر في رمضان وهو أداء فجواز الإفطار في أيام القضاء من باب أولى.
قال: (ولا يجوز إلى رمضان آخر من غير عذر) ولم يتكلم المؤلف عن الصيام قبل القضاء، فهل يجوز أن يصوم قبل القضاء؟ وهل يصح لو صام؟
ذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك، وقال: ما دام الوقت موسعًا فإنه يجوز أن يتنفل، كما لو تنفل في وقت الصلاة قبل أن يصلي.
فمثلًا: الظهر يدخل وقتها من الزوال وينتهي إذا صار ظل كل شيء مثله، له أن يؤخرها إلى آخر الوقت، في هذه المدة هل له أن يتطوع؟
الجواب: نعم؛ لأن الوقت موسع.
فقال بعض العلماء: يجوز أن يتطوع بصوم النفل مَنْ عليه قضاء ما لم يضق الوقت، وقاسوا ذلك على الصلاة، وقالوا: هذه الصلاة وهي أوكد من الصيام يجوز للإنسان في حال السعة أن يتطوع بجنسها ولا حرج عليه.
وهذا القول: أظهر وأقرب إلى الصواب؛ لأن القياس فيه ظاهر.
[ ١ / ٣٤٩٥ ]
ولكن هل هذا أولى؟ أو الأولى أن يبدأ بالقضاء؟ الثاني، الأولى أن يبدأ بالقضاء، حتى مثلًا لو مر عليه عشر ذي الحجة أو يوم عرفة فإننا نقول: صم القضاء في هذه الأيام وربما تدرك أجر القضاء وأجر صيام هذه الأيام، وعلى فرض أنك لا تدرك إلا القضاء فإن القضاء أفضل من تقديم النفل، لكن الكلام على الصحة وعدم التأثيم بصيام النفل، فالذي يظهر أنه لا يأثم، وأن النفل يكون صحيحًا، أما المذهب: فإنه لا يصح، ويأثم، لا يصح أن يتطوع بصوم قبل القضاء، ويكون آثمًا؛ لأنه لا يمكن أن تؤدى النافلة قبل الفريضة.
والجواب على هذا التعليل أن نقول: الفريضة وقتها في هذه الحال موسع، فهو لم يفرض علي أن أفعلها حتى أقول: إنني تركت الفرض، بل هذا فرض في الذمة وسع الله تعالى فيه، فإذا صمت النفل فلا حرج.
إلا أنه هنا مسألة ينبغي التنبه لها وهي أن الأيام الستة من شوال لا تُقَدَّم على قضاء رمضان، فلو قُدِّمَت صارت نفلًا مطلقًا، ولم يحصل على ثوابها الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (٢١)، وذلك لأن الحديث يقول فيه: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ» ومن كان عليه قضاء فإنه لا يَصْدُق عليه أنه صام رمضان، وهذا واضح.
وقد ظن بعض طلبة العلم أن الخلاف في صحة صوم التطوع قبل القضاء ينطبق على هذا، وليس كذلك، بل هذا لا ينطبق عليه؛ لأن الحديث فيه واضح أنه لا ست إلا بعد قضاء رمضان.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على جواز التأخير؟ وما هو الدليل على منع التأخير إلى ما بعد رمضان آخر؟
[ ١ / ٣٤٩٦ ]
قلنا: أما الأول فدليله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] يعني: فعليه عدة من أيام أخر، ولم يُقَيِّدها الله تعالى بالتتابع، لو قُيِّدَت بالتتابع للزم من ذلك الفورية، ولكن الله تعالى لم يذكر التتابع، فدلَّ هذا على أن الأمر فيه سعة.
وأما الدليل على أنه لا يُؤَخَّر إلى ما بعد رمضان الثاني؛ فلأن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلَّا في شعبان (٢٢) فقولها: ما أستطيع أن أقضيه، دليل أنه لا يؤخر إلى ما بعد رمضان؛ لأنها لا تستطيع أن تؤخره إلى ما بعد رمضان، والاستطاعة هنا الاستطاعة الشرعية؛ يعني: لا أستطيع شرعًا.
وأما التعليل فلأنه إذا أخره إلى ما بعد رمضان صار كمن أخر صلاة فريضة إلى وقت الثانية من غير عذر، ومعلوم أنه لا يجوز أن تؤخر صلاة الفريضة إلى وقت الثانية إلا لعذر.
يقول: (فإن فعل) يعني: إن فعل أي: أَخَّره إلى ما بعد رمضان الثاني بلا عذر (فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم) لو أَخَّر إلى ما بعد رمضان الثاني كان آثمًا، وعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم.
[ ١ / ٣٤٩٧ ]
أما وجوب القضاء فواضح؛ لأنه دين في ذمته لم يقضه فلزمه قضاؤه، وأما الإطعام فجبرًا لما أخل به من تفويت الوقت المحدد، فيكون هذا الإطعام جبرًا للتأخير، يُطْعِم عن كل يوم مسكينًا يعني مع كل يوم يقضيه يطعم مسكينًا، فإذا قدَّرْنا أن عليه ستة أيام فيطعم معها ستة مساكين، وقد روي في هذا حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أمر لمن أخَّر إلى ما بعد رمضان (٢٣)، لكنه حديث هالك الإسناد، ضعيف جدًّا لا تقوم به حجة، ولا تشغل به الذمة، وروي أيضًا عن ابن عباس (٢٤) ﵁ وعن أبي هريرة (٢٥) أنه يلزمه الإطعام، وما ذكر عنهما فإنه ليس بحجة؛ وذلك لأن الحجة لا تثبت إلا بالكتاب والسنة، وأما أقوال الصحابة فإن في ثبوتها نظر إذا خالفت ظاهر القرآن.
وهنا إيجاب الطعام مخالف لظاهر القرآن؛ لأن الله لم يوجب إلا عدة من أيام أخر، لم يوجب أكثر من ذلك، وإذا لم يوجب إلا عدة من أيام أخر فإننا لا نلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به إلا بدليل تبرأ به الذمة، على أن ما رُوِيَ عن عبد الله بن عباس ﵄ وعن أبي هريرة يمكن أن يحمل على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الوجوب.
فالصحيح في هذه المسألة أنه لا يلزمه أكثر من الصيام إلا أنه يأثم بالتأخير.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أَخَّرَه إلى ما بعد رمضان الثاني وجب عليه الإطعام فقط، ولا يصحُّ منه الصيام، بناءً على أنه عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون عمله باطلًا، أي يكون القضاء في غير وقته، كما لو صلى الصلاة في غير وقتها فإنها لا تُقْبَل منه إذا لم يكن هناك عذر يبيح تأخيرها.
فالأقوال إذن ثلاثة إطعام فقط، أو صيام فقط، أو الجمع بينهما، وأصح الأقوال أنه يلزمه الصيام فقط القضاء.
[ ١ / ٣٤٩٨ ]
ثم قال: (وإن مات ولو بعد رمضان آخر) يعني: إن مات بعد أن أَخَّرَه، مات مَنْ عليه القضاء بعد أن أَخَّرَه فإنه ليس عليه إلا إطعام مسكين؛ لأن القضاء في حقه تعذر؛ يعني: رجل أخر القضاء إلى ما بعد رمضان الثاني ثم مات فعليه إطعام، والقضاء تعذر؛ لأنه مات قبل أن يتمكن منه بعد رمضان الثاني.
وقيل: يلزمه إطعامان؛ إطعام عن القضاء وإطعام عن التأخير، وهذا لا شك أنه أقيس إذا قلنا بأنه يجب الإطعام إذا أخَّر الصيام إلى ما بعد رمضان، فالأقيس أنه يلزمه إطعامان؛ إطعام عن القضاء وإطعام عن التأخير.
ولكن لا بد من التفصيل في هذه المسألة؛ إذا مر رمضان على إنسان مريض، إذا مر على إنسان مريض فننظر؛ هل مرضه يرجى زواله أو لا؟ إن كان يرجى زواله بقي الصوم واجبًا عليه حتى يُشْفَى، ويقضي، لكن لو استمر به المرض حتى مات فهذا لا شيء عليه؛ لأن الواجب عليه القضاء ولم يدركه، عرفتم؟
مثاله إنسان أصيب في رمضان بزكام في العشر الأواخر من رمضان مثلًا بزكام، والزكام من المعروف أنه يُرْجَى زواله، لكن تضاعف به المرض حتى هلك ومات، فهذا ليس عليه قضاء، لماذا؟ لأن الواجب عليه عدة من أيام أخر ولم يتمكن من ذلك؛ يعني: مات قبل أن يتمكن فصار كالذي مات قبل أن يدركه رمضان فليس عليه شيء.
الثاني أن يكون هذا الذي أفطر رمضان، أفطر بمرض يرجى زواله ثم عوفي بعد هذا، ثم مات قبل أن يقضي، فهذا يُطْعَم عنه عن كل يوم مسكين بعد موته.
الثالث أن يكون المرض الذي أصابه في رمضان لا يرجى زواله فهذا عليه الإطعام ابتداءً لا بدلًا؛ لأن من أفطر لعذر لا يرجى زواله فالواجب عليه إطعام مسكين عن كل يوم، كالكبر ومرض السرطان وغيره من الأمراض التي لا يرجى زوالها.
هذه أقسام ثلاثة:
الأول من كان مرضه يرجى زواله ولكنه استمر به المرض حتى مات، أيش؟
طلبة: لا شيء عليه.
الشيخ: لا شيء عليه، لا قضاء عليه ولا إطعام.
[ ١ / ٣٤٩٩ ]
الثاني مَنْ مرضه يرجى زواله ثم شفي وتمكن من الصوم ولكنه لم يصم فعليه إطعام مسكين لكل يوم، يؤخذ من تركته؛ وهل يصام عنه؟ في هذا خلاف بين العلماء يأتي إن شاء الله في آخر الباب.
الثالث من كان مريضًا بمرض لا يرجى زواله فهذا ليس عليه صوم، وإنما عليه الإطعام ابتداءً فيطعم عنه وهو حي، يطعم عنه لكل يوم مسكينًا.
هذا الثالث لو فرض أن الله عافاه والله على كل شيء قدير، فهل يلزمه أن يصوم؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لا يلزمه أن يصوم؛ لأن الرجل كان يجب عليه الإطعام وقد أطعم فبرئت ذمته وسقط عنه الصيام.
ثم قال المؤلف: (وإن مات ولو بعد رمضانٍ آخر) وقوله: (ولو بعد رمضانٍ آخر) إشارة إلى الخلاف الذي ذكرته؛ فإن من العلماء من قال: إذا مات بعد رمضان آخر ولم يصم وقد أَخر بلا عذر، يلزمه كم؟ إطعامان: إطعام عن القضاء وإطعام عن التأخير، أما المذهب فلا يلزمه إلا إطعام واحد.
ثم قال: (وإن مات وعليه صومُ أو حج أو اعتكاف أو صلاةُ نذرٍ استُحِبَّ لوليه قضاؤه) (إن مات) (إن) شرطية، وفعل الشرط؟
طالب: (مات).
الشيخ: (مات)، وجوابه: (استُحِبَّ لوليه قضاؤه).
إن مات وعليه صوم نذر، وقلت لكم: إنها تُقْرَأ بدون تنوين باعتبار نية المضاف إليه، إن مات وعليه صوم نذر.
في آخر شيء، (وإن مات وعليه صومُ أو اعتكافُ أو صلاةُ نذرٍ) ولذلك قلت لكم: لا تنون، الذي يقرأ المتن يقرأه بلا تنوين على نية أيش؟
طلبة: المضاف إليه.
الشيخ: المضاف إليه.
[ ١ / ٣٥٠٠ ]
(إن مات وعليه صوم) نذر (اسْتُحِبَّ لوليه قضاؤه) استُحِبَّ ولا يجب، وإنما يستحب أن يقضيه لقول النبي ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيامُ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (٢٦) وهذا خبر بمعنى الأمر، ولأن امرأة أتت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسألته أن أمها ماتت وعليها صوم نذر فهل تصوم عنها؟ فقال لها النبي ﷺ: «نَعَمْ» (٢٧) يعني: صومي عنها، وشبه ذلك بالدين تقضيه عن أمها فإنه تبرأ ذمتها به فكذلك الصوم.
إذن الدليل عندنا حديثان؛ الحديث الأول حديث عائشة ﵂: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» وهذا خبر بمعنى الأمر.
والثاني حديث المرأة التي سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أمها نذرت أن تصوم فلم تصم، فأمرها النبي ﷺ أن تقضيه.
فلو قال قائل: حديث عائشة أمر: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» فما الذي صرفه عن الوجوب؟
نقول: صرفه عن الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ولو أننا قلنا بوجوبه، بوجوب قضاء الصوم عن الميت، لزم من عدم قضائه أن تحمل وازرة وزر أخرى، وهذا خلاف ما جاء في القرآن، إذن يستحب لوليه أن يقضيه.
فإن لم يفعل قال: قد عافانا الله، قلنا له: أطعم عن كل يوم مسكينًا، يُطْعِم عن كل يوم مسكينًا قياسًا على صوم الفريضة.
وإن مات وعليه صوم فرض فهل يُقْضَى عنه؟
الجواب: لا يُقْضَى عنه؛ لأن المؤلف خصص هذا بصوم النذر، والعبادات ليس فيها قياس، ثم لا يصح القياس هنا أيضًا لأن وجوب النذر أخف من الوجوب بأصل الشرع، الوجوب بالنذر أخف من الوجوب بأصل الشرع، فلا يمكن أن يقاس الأثقل على الأخف؛ لأنه ما وجب بالنذر تدخله النيابة لخفته بخلاف الواجب بأصل الشرع فإن الإنسان مطالب به من قبل الله ﷿، وهذا مطالب به من قبل العبد هو الذي ألزم نفسه به، فكان أهون ودخلته النيابة.
[ ١ / ٣٥٠١ ]
إذن من مات وعليه صوم فرض رمضان أو كفارة أو غيرها، فماذا نقول؟ نقول: لا يُقْضَى عنه لماذا؟
طلبة: ().
الشيخ: لأن هذا واجب بأصل الشرع، ولا يَصِحُّ قياسه على النذر؛ لأن النذر أخف منه، ولا يصح قياس الفريضة -ما وجب بأصل الشرع- على ما وجب بالنذر؛ لأنه دونه.
ولكن القول الراجح أن مَنْ مات وعليه صيام فرض بأصل الشرع يعني: صيام مفروض بأصل الشرع فإن وليه يقضي عنه، لا قياسًا ولكن بالنص، ما هو النص؟
حديث عائشة: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» و«صَوْمٌ» نكرة غير مقيد بصوم معين، وأيضًا كيف يصح أن نقول: إن المراد به صوم النذر، وصوم النذر بالنسبة لصوم الفرض قليل؛ يعني: ربما يموت الإنسان ما نذر صوم يوم واحد، لكن كونه يموت وعليه صيام رمضان هذا كثير، فكيف نرفع دلالة الحديث على ما هو غالب، ونحملها على ما هو نادر؟ هذا تصرف غير صحيح في الأدلة، الأدلة إنما تُحْمَل على الغالب الأكثر.
ولو سألنا: ما هو الغالب الأكثر في الذين يموتون وعليهم الصيام؟
طلبة: الفرض.
الشيخ: أي الفرض؛ رمضان، أو كفارة أو ما أشبه ذلك.
فالصواب أن صوم رمضان إذا مات الإنسان وعليه الصوم فإنه يُقْضَى عنه.
لكن متى يكون عليه الصوم؟ نحن ذكرنا قبل قليل ثلاثة أقسام، ما هو الذي يلزمه الصوم؟
القسم الثاني وهو مَنْ أمكنه القضاء فلم يفعل، هذا هو الذي يلزمه الصوم، فإذا مات قلنا لوليه: صُم عنه؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
وإذا صام عنه وليه، فمن هو الولي؟ هل الولي مَنْ يتولى أمره كالأب مع ابنه البالغ أو مع بنته البالغة؟ أم ماذا؟
نقول: الولي هو الوارث، الولي هو الوارث.
والدليل على أن الولي هو الوارث قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٢٨) فذكر الأولوية في الميراث.
[ ١ / ٣٥٠٢ ]
إذن الولي هو الوارث، وقيل: الولي هو القريب مطلقًا، ولكن الأقرب أنه الوارث، وحتى على القول بأنه القريب فيقال: أقرب الناس وأحق الناس به هم ورثته، وعلى هذا فيصوم الوارث.
هل يلزم إذا قلنا بالقول الراجح إنه يشمل الواجب بأصل الشرع والواجب بالنذر؛ هل يلزم أن يقتصر ذلك على واحد من الورثة؟ لأن الصوم هذا وجب على واحد فهل نقول: لا يصوم عنه إلا واحد؟
ننظر: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (٢٦)، و(ولي) مفرد مضاف، فيَعُمُّ كل ولي، كل وارث.
فلو قُدِّر أن الرجل له خمسة عشر ابنًا وأراد كل واحد منهم أن يصوم يومين عن شهر ثلاثين يومًا، هل يجزئ؟
نعم، يجزئ لو صاموا، لو كانوا ثلاثين وارثًا وصاموا كلهم يومًا واحدًا، نعم، يجزئ لأنهم صاموا ثلاثين يومًا، ولا فرق بين أن يصوموها في يوم واحد أو إذا صام واحد صام الثاني اليوم الذي بعده حتى يتموا ثلاثين يومًا.
لو كان هذا في كفارة الظهار؛ عليه الصيام شهرين متتابعين، فهل يمكن أن يقتسمها الورثة؟
لا يمكن، لماذا؟ لاشتراط التتابع.
قد يقول قائل: ممكن، نجعل واحدًا يصوم ثلاثة أيام إذا أفطر صام الثاني ثلاثة أيام وهلم جرًّا حتى تتم، نقول: لكنه لا يصدق على واحد منهم أنه صام شهرين متتابعين، بل إنه صام الأيام التي صامها، وعليه فنقول: إذا وجب على الميت صيام شهرين متتابعين فإنه إما أن ينتدب لها واحد من الورثة ويصومها، وإما أن يطعموا عن كل يوم مسكينًا.
الثاني قال: (أو حج) مَنْ مات وعليه حجُّ نذر فإن وليُّه يحج عنه؛ لأن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أمها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها قال: «نَعَمْ» (٢٩).
[ ١ / ٣٥٠٣ ]
وإذا كان حجَّ فريضة فكذلك أيضًا، حج الفريضة بأصل الإسلام ثابت؛ ففي حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة قال: «مَنْ» قال: أخ لي أو قريب لي قال: «أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ» قال: لا. قال: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» (٣٠)، وكذلك أيضًا في حديثه في الصحيحين: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن فريضةَ الله على عباده بالحج أدركتْ أبي شيخًا كبيرًا لا يثبُت على الراحلة، أفأَحُجُّ عنه قال: «نَعَمْ» (٣١)، فإذا جازت النيابة عن الحي لعدم قدرته على الحج فعن الميت من باب أولى.
ثالثًا: (أو اعتكاف) اعتكاف نذر، رجل نذر أن يعتكف الثلاثة الأيام من أول شهر جمادى الثاني، ولكنه لم يعتكف ومات، فإذا مات يعتكف عنه مَنْ؟ وليُّه؛ لأن هذا الاعتكاف صار دينًا عليه، وإذا كان دينًا فإنه يقضى كما يقضى دين الآدمي، وإذا كان اعتكافًا واجبًا بأصل الشرع؟
طلبة: ما في.
الشيخ: ما في، صح، إذن الاعتكاف لا يمكن أن يكون واجبًا إلا بالنذر.
ولهذا يقال: إن أحد الملوك نذر؛ قال: لله علي نذر أن أقوم بعبادة لا يشاركني فيها أحد، استفتى الناس قالوا: ما يمكن؛ لأنه ما تدخل في عبادة إلا ويمكن آخرون يكونون متلبسين بها، فسألوا عالمًا فطنًا فقال: يخلى له المطاف؛ يعني: بالكعبة، فإذا لم يطف بالكعبة إلا هو فقد تلبس بعبادة لا يشاركه فيها أحد لأنه ما في طواف مشروع إلا في الكعبة، أما الاعتكاف لأنه ربما ينذر أنه يعتكف في هذا المسجد ويكون غيره أيضًا قد اعتكف في مسجد آخر.
الرابع: (أو صلاة نذر) رجل نذر أن يصلي لله ركعتين، فمضى الوقت ولم يصلِّ ثم مات يستحب لوليه أن يُصَلِّيَ عنه؛ لأن هذا النذر صار دينًا في ذمته، والدين يقضى كدين الآدمي، وإن كان فريضة بأصل الشرع هل تُقْضَى؟ لا تقضى؛ لأن ذلك لم يَرِد.
[ ١ / ٣٥٠٤ ]
وعلى هذا فالحج يقضى فرضًا كان أو نذرًا قولًا واحدًا، والصوم يُقْضَى إذا كان نذرًا، وإن كان فرضًا بأصل الشرع ففيه خلاف، والصلاة لا تُقْضَى قولًا واحدًا إذا كانت واجبة بأصل الشرع، وإن كانت واجبة بالنذر فإنها تقضى على ما قاله المؤلف وفهمتم دليلها.
بقي الاعتكاف لا يمكن أن يكون واجبًا بأصل الشرع، وإنما يجب بالنذر، فيعتكف عنه ولِيُّه، فإذا قال الولي: أنا لا أعتكف، لست ملزومًا، فماذا نصنع؟ أو قال: لا أصلي، نقول: ما فيه شيء، ما فيه بديل، ما فيه إطعام لا عن الاعتكاف ولا عن الصلاة.
طالب: يا شيخ، ذكرت حديث عائشة في تأخيرها الصيام، وأنها قالت: لا أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، أي أنها لا تستطيع شرعًا أن تؤخره إلى ما بعد رمضان، لا يمكنها ذلك، ما هو () سبب تأخيرها إلى شعبان هو مكانة الرسول ﷺ؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف؟
الشيخ: هذا عاد منها أو من أحد الرواة، فيها خلاف؛ هل هي مدرجة؟ أو من كلامها؟
الطالب: حتى إذا كانت مدرجة ما يستفاد منها؟ يعني الآن: نحن استفدنا من كلامها أنها لا تؤخره بعد رمضان بهذه الكلمات، ما يستأنس بهذه الكلمات أنها تَرُدُّ على مَن قال: لماذا تؤخِّرينه إلى شعبان.
الشيخ: هذا اعتذار.
الطالب: اعتذار؟
الشيخ: اعتذار، لكن لو كانت تستطيع أن تؤخره إلى بعد رمضان الثاني كان العذر موجودًا؛ مكان الرسول.
الطالب: يلزم أن تستوي؛ يعني: لن تصوم أبدًا.