_________________
(١) فصل: وبَيْعُ التَّلْجِئَةِ باطِلٌ. وبه قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِىُّ: هو صَحِيحٌ، لأنَّ البَيْعَ تمَّ بأَرْكانِه وشُرُوطِه، خَالِيًا عن مُقَارَنَةٍ مُفْسِدَةٍ، فصَحَّ، كما لو اتَّفَقَا على شَرْطٍ فاسِدٍ، ثم عَقَدَا البَيْعَ بغَيْرِ شَرْطٍ. ولَنا، أنَّهما ما قَصَدَا البَيْعَ، فلم يَصِحَّ منهما، كالهازِلَيْنِ. ومَعْنَى بَيْعِ التَّلْجِئَةِ، أَنْ يخافَ أَنْ يأْخُذَ السُّلْطانُ أو غيرُه مِلْكَه، فيُواطِئَ رَجُلًا على أَنْ يُظْهِرَ أنَّه اشْتَراهُ منه؛ ليَحْتَمِىَ بذلك، ولا يُرِيدَانِ بَيْعًا حَقِيقِيًّا.
(٢) مسألة: (وفى بَيعِ الحاضِرِ للبادِى رِوَايَتانِ، إحْدَاهُما، يَصِحُّ. والأُخْرَى، لا يَصِحُّ بخمْسَةِ شُرُوطٍ، أَنْ يَحْضُرَ البادِى لِبَيْعِ
[ ١١ / ١٨٣ ]
سِلْعَتِهِ، بسِعْرِ يَوْمِهَا، جَاهِلًا بِسِعْرِهَا، وَيَقْصِدَهُ الْحَاضِرُ، وَيَكُونَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَيْهَا. فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا، صَحَّ الْبَيْعُ.
_________________
(١) سِلْعَتِه، بسِعْرِ يَوْمِها، جاهِلًا بسِعْرِها، ويَقْصِدَه الحاضِرُ، وبالنّاسِ حاجَةٌ إليها. فإن اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، صَحَّ البَيْعُ) البَادِى ههُنا مَنْ يَدْخُلُ البَلَدَ مِن غيرِ أهْلِها، سواءٌ كان بَدَوِيًّا، أو مِن قَرْيَةٍ، أو مِن بَلْدَةٍ أُخْرَى. ولا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الحاضِرُ للبادِى، لقَوْلِ ابنِ عباسٍ: نَهَى النَّبِىُّ -ﷺ- أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وأَنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِبَادٍ. قال: فَقُلْتُ لابنِ عباسٍ: ما قَوْلُه: «حاضِرٌ لِبادٍ؟» قال: لا يكونُ له سِمْسَارًا. مُتَّفَقٌ
[ ١١ / ١٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه (١). وعن جابِرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لا يَبيعُ حَاضِرٌ لبادٍ، دَعُوا النّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ». رَواهُ مُسْلِمٌ (٢). والمَعْنَى في ذلك أنّه مَتَى تَرَكَ البَدَوِىَّ يَبِيعُ (٣) سِلْعَتَه، اشْتَراهَا النَّاسُ بِرُخْصٍ، ويُوَسِّعُ عليهم السِّعْرَ، وإذا تَوَلَّى الحاضِرُ بَيْعَها، وامْتَنَعَ مِن بَيْعِها إلَّا بسِعْرِ البَلَدِ، ضاقَ على أَهْلِ البَلَدِ. وقد أشارَ النَّبِىُّ -ﷺ- في تَعْلِيلِه إلى هذا. وممَّنْ كَرِهَ بَيْعَ الحاضِرِ للبادِى؛ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وابنُ عمرَ، وأبو هُرَيْرَةَ، وأنَسٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والشّافِعِىُّ. ونَقَلَ أبو إسحاقَ ابنُ شَاقْلَا، أنَّ الحَسَنَ بنَ عَلِىٍّ المصرِىَّ سَألَ
_________________
(١) أخرجه البخارى، في: باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر. . .، وباب النهى عن تلقى الركبان. . .، من كتاب البيوع، وفى: باب أجر السمسرة. . .، من كتاب الإجارة. صحبح البخارى ٣/ ٩٤، ٩٥، ١٢٠. ومسلم في: باب تجريم بيع الحاضر للبادى، من كتاب البيوع. صحيح مسلم ٣/ ١١٥٧. كما أخرجه أبو داود، في: باب في النهى أن يبيع حاضر لباد، من كتاب البيوع. سنن أبى داود ٢/ ٢٤١. والنسائى، في: باب التلقى، من كتاب البيوع. المجتبى ٧/ ٢٢٥، ٢٢٦. وابن ماجه، في: باب النهى أن يبيع حاضر لباد، من كتاب التجارات، سنن ابن ماجه ٢/ ٦٣٥. والإمام أحمد، في: المسند ١/ ٢٣٨، ٢٤٣، ٢٥٤، ٢٧٤.
(٢) أخرجه مسلم، في: باب تحريم بيع الحاضر للبادى، من كتاب البيوع. صحيح مسلم ٣/ ١١٥٧. وأبو داود، في: باب في النهى أن يبيع حاضر لباد، من كتاب البيوع. سنن أبى داود ٢/ ٢٤٢. والترمذى، في: باب ما جاء لا يبيع حاضر لباد، من أبواب البيوع. عارضة الأحوذى ٥/ ٢٣١. والنسائى، في: باب بيع الحاضر للبادى، من كتاب البيوع. المجتبى ٧/ ٢٢٥. وابن ماجه، في: باب النهى أن يبيع حاضر لباد، من كتاب التجارات. سنن ابن ماجه ٢/ ٧٣٤. والإمام أحمد، في: المسند ٧/ ٣٠٣، ٣١٢، ٣٨٦، ٣٩٢.
(٣) في م: «بيع».
[ ١١ / ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَحْمَدَ عن بَيْعِ حاضِرٍ لبادٍ، فقال: لا بَأْسَ به. قال له: فالخَبَرُ الذى جَاءَ بالنَّهْىِ؟ قال: كان ذلك مَرَّةً. فظاهِرُ هذا أنَّ النَّهْىَ اخْتَصَّ بأَوَّلِ الإِسْلَامِ؛ لِما كان عليهم مِن الضِّيقِ في ذلك. وهذا قولُ مُجاهِدٍ، وأبى حَنِيفَةَ، وأصحابِه. والمَذْهَبُ الأَوَّلُ، لعُمُومِ النَّهْى، وما ثَبَت في حَقِّهِم ثَبَتَ في حَقِّنَا، ما لمِ يَقُمْ على اخْتِصاصِهِم به دَلِيلٌ (١). وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنّه يَحْرُمُ بثَلَاثَةِ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، أَنْ يكونَ الحاضِرُ قَصَدَ البادِىَ لِيَتَوَلَّى البَيْعَ له، فإنْ كان هو القاصِدَ للحاضِرِ، جازَ؛ لأَنَّ التَّضْيِيقَ حَصَلَ منه لا مِن الحاضِرِ. الثَّانِى، أَنْ يكونَ البادِى جاهِلًا بالسِّعْرِ. قال أحمدُ في رِوايَةِ أبى طَالِبٍ: إذا كان البادِى عارِفًا بالسِّعْرِ لم يحرُمْ؛ لأَنَّ التَّوْسِعَةَ لا تَحْصُلُ بِتَرْكِه يَبِيعُها؛ لأنَّه لا يَبِيعُها إلَّا بسِعْرِها ظاهِرًا. الثالثُ، أَنْ يكونَ قد جَلَبَ السِّلْعَةَ للبَيْعِ. فأمّا إنْ جَلَبَهَا لِيَأْكُلَها، أو يُخَزِّنَها، فليس في بَيْعِ الحاضِرِ له تَضْيِيقٌ، بل تَوْسِعَةٌ. وذَكَرَ القاضِى شَرْطَيْنِ آخرَيْنِ؛ أحَدُهما، أَنْ يكونَ مُرِيدًا لبَيْعِها بسِعْرِ يَوْمِها. فأمّا إن كانَ أَحْضَرَها وفى
_________________
(١) بعده في م: «وهو مذهب الشافعى».
[ ١١ / ١٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَفْسِه أَنْ لا يَبِيعَها رَخِيصَةً، فليس في بَيْعِه تَضْيِيقٌ. الثَّانِى، أَنْ يكونَ بالنّاسِ حاجَةٌ إليها وضَرَرٌ في تَأْخِيرِ بَيْعِها، كالأَقْواتِ ونحوِها. وقال أصحابُ الشّافِعِىِّ: إنَّما يَحْرُمُ بشُرُوطٍ أرْبَعَةٍ. وهى ما ذَكَرْنَا، إلَّا حاجَةَ الناسِ إليها. فمَتَى اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، لم يَحْرُمِ البَيْعُ. وإِنِ اجْتَمَعَتْ هذه الشُّرُوطُ، فالبَيْعُ حَرَامٌ. وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه باطِلٌ. نصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ إسماعيلَ بنَ سَعِيدٍ. [وذَكَرَه الخِرَقِىُّ. وعن أحمدَ] (١) رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ البَيعَ صَحِيحٌ. وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّهْىَ لمَعْنًى في
_________________
(١) في م: «وذكر الخرقى».
[ ١١ / ١٨٧ ]