هذا الفصل عقده المؤلف لبيان النشوز، والنشوز يكون من الزوج، ويكون من الزوجة، قال الله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، وقال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨].
قوله: «النشوز معصيتها إياه فيما يجب عليها»، هذا ضابط النشوز، وأصله مأخوذ من النشز، وهو المرتفع من الأرض، ومنه ما ذكره أهل العلم في المناسك إذا علا نشزًا فإنه يلبي، ومناسبة المعنى للمحسوس ظاهرة؛ لأن المرأة تترفع على زوجها وتتعالى عليه، ولا تقوم بحقه.
أما شرعًا فيقول: «معصيتها إياه»، «معصية» مصدر مضافٌ إلى فاعله، «وإياه» مفعول المصدر، أي: معصيتها الزوج فيما يجب عليها من حقوقه، أما ما لا يجب فإن ذلك ليس بنشوز، ولو صرحت بمعصيته، فلو قال لها: أريد منك أن تصبحي دلاَّلة في السوق تبيعين فقالت: لا، ما يلزمها، ولو قال: أريد منكِ أن تكوني خادمة عند الناس، فلا يلزمها، ثم ضرب المؤلف أمثلة لهذا فقال:
«فإذا ظهر منها أماراته، بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع»، يعني دعاها إلى الاستمتاع فأبت، أو أراد أن يستمتع بها بتقبيل أو غيره فأبت، فهذه ناشز.
وظاهر قوله: «بأن لا تجيبيه إلى الاستمتاع» أنها لو أبت أن
[ ١٢ / ٤٤٠ ]
تجيبه إلى الخدمة المعروفة، مثل لو قال: اغسلي ثوبي، اطبخي طعامي، ارفعي فراشي، فإن ذلك ليس بنشوز، وهو مبني على أنه لا يلزمها أن تخدم زوجها، والصحيح أنه يلزمها أن تخدم زوجها بالمعروف، ولهذا مر علينا في المحرمات بالنكاح أنه لا يجوز نكاح الأمة لحاجة الخدمة، فدل هذا على أن من مقصود النكاح خدمة الزوج، وهذا هو الصحيح.
قوله: «أو تجيبه متبرمة» التبرم بمعنى التثاقل في الشيء، فإذا دعاها إلى فراشه صنعت شيئًا آخر، فهذه تجيبه ولكنها تملله، فنقول: هذا نشوز.
قوله: «أو متكرهة» أي: تجيبه لكنها متكرهة، يظهر في وجهها الكراهة والبغض لهذا الشيء، وربما تسمعه ما لا يليق وما أشبه ذلك، فهذه في الحقيقة أجَابَتْهُ، لكن ما أجابته على وجهٍ يحصل به كمال الاستمتاع، حتى الزوج لا شك أنه يكون في نفسه أنفة إذا رأى منها أنها تعامله هذه المعاملة، فهذا نشوز، لكن ماذا يصنع معها؟ قال المؤلف:
«وعظها» والموعظة هي التذكير بما يرغِّب أو يخوِّف، فيعظها بذكر الآيات الدالة على وجوب العشرة بالمعروف، وبذكر الأحاديث المحذرة من عصيان الزوج، مثل قول النبي ﷺ: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح» (^١) وأمثال ذلك.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٨٧).
[ ١٢ / ٤٤١ ]
فيعظها أولًا، وإذا استجابت للوعظ خير من كونها تستجيب للوعيد، أي: خير من كونه يقول: استقيمي وإلا طلقتك، كما يفعله بعض الجهال، تجده يتوعدها بالطلاق، وما علم المسكين أن هذا يقتضي أن تكون أشد نفورًا من الزوج، كأنها شاة، إن شاء باعها وإن شاء أمسكها، لكن الطريق السليم أن يعظها ويذكرها بآيات الله ﷿ حتى تنقاد امتثالًا لأمر الله ﷿، فإن امتثلت وعادت إلى الطاعة فهذا المطلوب، وإلا يقول المؤلف: