«فلو لم يرده» أي: الطلاق في هذه الحال، فقال: أنا ما أردت الطلاق.
قوله: «أو أراد غيره في هذه الأحوال» بأن قال: أردت بقولي: اذهبي لأهلك أن ينطفئ غضبي، وينطفئ غضبها، ولم أرد الطلاق.
قوله: «لم يقبل حكمًا» إن رافعته إلى الحاكم طَلَّق عليه، أما بينه وبينها فلا يقع الطلاق.
ولكن الصحيح أن الكناية لا يقع بها الطلاق إلا بنية، حتى في هذه الأحوال؛ لأن الإنسان قد يقول: اخرجي أو ما أشبه ذلك غضبًا، وليس في نيته الطلاق إطلاقًا، فقط يريد أن تنصرف عن وجهه حتى ينطفئ غضبهما، وقد تلح عليه تقول: طلقني، طلقني، فيقول: طالق، وهو ما يريد الطلاق، لكن يريد طالق من وثاق، أو طالق إن طلقتك فيقيده بالشرط، فعلى كل حال الصحيح أنه لا يقع إلا بنية.
[ ١٣ / ٧٦ ]
قوله: «ويقع مع النية بالظاهرة» يعني بالكناية الظاهرة.
قوله: «ثلاث وإن نوى واحدة» يعني في الحال التي يقع فيها الطلاق بالكناية الظاهرة فإنه يقع ثلاث طلقات، فتبين بها.
قوله: «وبالخفية ما نواه» يعني يقع واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا، هذا هو المشهور من المذهب.
فإذا قال لزوجته: أنت خلية، ونوى الطلاق يقع ثلاثًا، مع أنه ما نوى العدد بل نوى الطلاق فقط، فتبين منه؛ لأن «خلية» من الكنايات الظاهرة، ولو قال: أنت بائن، ونوى الطلاق يقع ثلاثًا، ولو نوى واحدة؛ لأن هذه الألفاظ كناية ظاهرة موضوعة للبينونة فتقع بها الثلاث، أما إذا قال: اخرجي أو اعتدي أو استبرئي وما أشبهها فيقع ما نواه، واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا، فإن لم ينوِ عددًا فواحدة، فصار الفرق بين الظاهرة والخفية: أنه إذا وقع الطلاق بالكناية الظاهرة فإنه يكون ثلاثًا تبين بها، وإذا وقع بالخفية فإنه يقع ما نواه، فإن لم ينوِ شيئًا فواحدة، وهذا مبني على وقوع الطلاق الثلاث جملة، وسبق الصواب وأنه لا يوجد طلاق ثلاث إلا بتكرار بعد رجعة، أو عقد جديد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الصحيح، وإذا كان باللفظ الصريح لا يقع المكرر إلا واحدة فبالكناية من باب أولى.
وقوله:
«وإن نوى واحدة» إشارة إلى خلاف في المسألة، فإن بعض أهل العلم - ومنهم بعض أصحابنا ﵏ يقولون: إنه إذا نوى واحدة بالظاهرة لم يقع إلا واحدة، ودليلهم قول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ
[ ١٣ / ٧٧ ]
ما نوى» (^١)، فإذا قال لزوجته: أنت خلية، أو برية، أو بائن، وما أشبه ذلك ونوى واحدة فإنها لا تقع إلا واحدة.
وقيل: لا يقع بالظاهرة - أيضًا - إلا واحدة ما لم ينوِ أكثر، وهذا غير القول الثاني.
فالمذهب يقع ثلاثًا ولو نوى واحدة.
والقول الثاني: يقع ثلاثًا إلا أن ينوي واحدة.
والقول الثالث: يقع واحدة إلا أن ينوي ثلاثًا، فإذا قال: أنت خلية ولم ينوِ شيئًا يقع واحدة على القول الثالث، ويقع ثلاثًا على القول الثاني، وعلى الأول - أيضًا - من باب أولى، فإن قال: أنت خلية ونوى واحدة وقع على الثالث والثاني واحدة، وعلى الأول ثلاثًا، فتبين أن بين الأقوال الثلاثة فرقًا، ولكن الصحيح أنه لا يقع إلا واحدة حتى لو نوى ثلاثًا؛ لأننا نقول: إن الطلاق ما يتكرر إلا بتكرره فعلًا، ولا يتكرر فعلًا إلا إذا وقع على زوجة غير مطلقة.
والخلاصة أن هنا مقامين: المقام الأول هل يقع بالكناية الطلاق؟ والمقام الثاني كم يقع بها؟ فعلى المذهب نقول في المقام الأول: يقع بها الطلاق، إما بالنية، أو بالقرينة، والقرينة ذكر المؤلف لها ثلاث صور، وهي الغضب، والخصومة، وجواب السؤال.
وأما المقام الثاني فالمذهب أن الظاهرة يقع بها ثلاثًا فتكون بينونة كبرى، وأما الخفية فيقع بها ما نوى، والصحيح أنه لا يقع بها ظاهرة كانت أو خفية إلا واحدة، ولو نوى أكثر.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٧).
[ ١٣ / ٧٨ ]