قوله: «وإذا استمهل أحدهما أمهل العادة وجوبًا» أي: طلب الإمهال من الآخر، فمثلًا قال الزوج: أريد أن يكون الدخول الليلة المقبلة، فقالت: أمهلني حتى أصلح من أمري، أو قالوا: نريد أن يكون الدخول الليلة المقبلة، فقال: أمهلوني حتى أصلح أمري، يقول المؤلف: «أمهل العادة» أي: أمهل إمهال العادة.
وقوله: «وجوبًا» نعت لمصدر محذوف أي: إمهالًا وجوبًا، أو عامله محذوف، والتقدير يجب وجوبًا.
والمعنى أنه يجب أن ينظر بما جرت به العادة، يومًا أو يومين، أو ثلاثة، بحسب ما جرى به العرف، وإنما وجب ذلك؛ لأنه من العشرة بالمعروف، وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
قوله: «لا لعمل جهاز» يعني لو طلب الإمهال ليجهز بيته لزوجته فإنه لا تجب إجابته؛ لأن هذا شيء لا يتعلق بالنكاح؛ لأن
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٦٥).
[ ١٢ / ٣٩٠ ]
تجهيز البيت يمكن ولو بعد الدخول، ومثله - أيضًا - لو كان الجهاز منها هي، تريد أن تأتي معها بأواني البيت وما يصلحه، وطلبت أن تمهل وأبى الزوج؛ فإنها لا تمهل؛ لأن هذا يمكن شراؤه بعد الدخول، فإذا جرت العادة أن هذا يكون مصاحبًا للمرأة فإنها تمهل؛ لأنه لا فرق بين ما يتعلق بذاتها، وما يتعلق بشؤون البيت.
قوله: «ويجب تسليم الأمة ليلًا فقط» هذا مفهوم القيد الأول وهو قوله: «لزم تسليم الحرة»، فالأمة يجب تسليمها في الليل فقط؛ لأنها في النهار مشغولة بخدمة سيدها، وما يتعلق بالنكاح عماده الليل دون النهار، فالسيد يقول: أنا أحتاج هذه الأمة في النهار لشغل البيت، والزوج يتمتع بها بالليل، هذا ما لم يشترط الزوج أن تسلم له ليلًا ونهارًا، فإذا اشترط ذلك، وقبل السيد، فهما على شرطهما.
والصحيح في هذه المسألة أنه يلزم تسليمها؛ وذلك لأن حق الزوج طارئ على حق السيد، فهو مقدم عليه، وأن سيدها متى زوجها فقد انقطعت منافعه منها، فالزوج هو السيد، وإلا لقلنا: حتى الحرة إذا كان لها أب وأم يحتاجان إلى رعاية فإنه لا يجب تسليمها؛ لأن حق الوالدين واجب!! فنقول: متى تزوجت المرأة فسيدها زوجها تسلم إليه، سواء كانت حرة أو أمة.
لكن لو اشترط السيد على الزوج أن الأمة تبقى في النهار عنده فعلى ما شرط؛ لحديث: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (^١).
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٦٥).
[ ١٢ / ٣٩١ ]
استأنف المؤلف بيان شيء من الحقوق فقال: «ويباشرها» الواو للاستئناف، والجملة خبر بمعنى الإباحة، والمعنى يباح له أن يباشرها بالاستمتاع، إلا في الأماكن والأحوال التي حرمها الشرع؛ فمثلًا لا يطؤها في الدبر، ولا يطؤها في حال الحيض والنفاس، ولا يطؤها وهي صائمة صومًا واجبًا، أو تطوعًا بإذنه، وإلا فله أن يباشرها متى شاء ليلًا أو نهارًا.
وهل له أن يباشرها وإن لم يحصل الدخول الرسمي؟ فلو عقد عليها - مثلًا - وهي في بيت أهلها، ولم يحصل الدخول الرسمي الذي يحتفل به الناس، فذهب إلى أهلها وباشرها جاز؛ لأنها زوجته، إلا أننا لا نحبذ أن يجامعها؛ لأنه لو جامعها ثم حملت اتهمت المرأة، فالناس يقولون: كيف تحمل وهو لم يدخل عليها؟ ثم لو جامعها، وقدر الله أن مات من يومه، ثم حملت بهذا الجماع، ماذا يقول الناس؟! لكن له أن يباشرها بكل شيء سوى الجماع؛ لأنها زوجته، ومن ثَمَّ فأنا أفضل أن يكون العقد عند الدخول.
قوله: «ما لم يضر بها» فإن أضر بها فإنه يحرم عليه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وهذا في الرجعيات، فإذا كان الإمساك بها محرمًا في حال الإضرار، فكذلك الاستمتاع بها في حال الإضرار، ولقوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» (^١)، وكيف يضرها؟ لو فرضنا أن المرأة حامل،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٣٢٦)؛ وابن ماجه في الأحكام باب من بنى في حقه ما يضر بجاره (٢٣٤٠) عن عبادة بن الصامت ﵁، وأخرجه مالك (٢/ ٧٤٥) مرسلًا، وللحديث طرق كثيرة يتقوى بها، ولذلك حسنه النووي في الأربعين (٣٢)؛ وابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٢١٠)؛ والألباني في الإرواء (٨٧٦).
[ ١٢ / ٣٩٢ ]
والاستمتاع بها يشق عليها مشقة عظيمة، إما على نفسها، أو جنينها، أو ما أشبه ذلك، أو فرضنا أنها أجرت عملية جراحية، فإنه في هذه الحال لا يجوز له مباشرتها؛ لأنه يحرم عليه الإضرار بها، والواجب تجنب ما يضر بها.
قوله: «أو يَشغَلْها عن فرض» مثلا طلب منها الاستمتاع وهي لم تصلِّ، وقد ضاق الوقت، أو طلب الاستمتاع بها قبل طلوع الشمس، وهي ما صلت الفجر، فنقول: هذا لا يجوز لك؛ لأنك تشغلها عن فرض، وهو الصلاة في وقتها، وكذلك لو شغلها عن فرض آخر غير الصلاة، مثل أن يمنعها من صيام قضاء رمضان مع ضيق الوقت، وذلك بأن يبقى من شعبان بقدر ما عليها من الصيام.
ولو فرضنا أنه طلب الاستمتاع والمباشرة، وهي على التنور، فقالت له: انتظر حتى لا يحترق الخبز، فله أن يفعل، ولا يجوز لها أن تتأخر.
وكذا المكان فله الاستمتاع بها في أي مكان، إلا إذا أضر بها، كما لو كان هناك برد، بل قال الفقهاء: ولو على ظهر قتب، أي: رحل البعير، والمعنى أنه في أي مكان، وفي أي زمان، إلا إذا أضر بها، أو شغلها عن فرض.
[ ١٢ / ٣٩٣ ]
كل هذا تحقيقًا للسيادة من الزوج على زوجته، وتحقيقًا لكونهن عواني عندنا، كما قال النبي ﷺ: «إنهن عوانٍ عندكم» (^١)، ولهذا كثر حث النبي ﷺ على الرفق بالنساء؛ لأن الزوج قد يستعلي عليها؛ لأنه سيدها، فحثه الله ﷿، والنبي ﷺ على المعاشرة بالمعروف والرفق، استمع قول الله ﷿ ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ أي فيما يجب ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] يعني اذكروا بِعُلُوِّكم عليهن علوَّ الله ﷿، وبكبريائكم عليهن كبرياء الله ﷿.
وهل يشمل الضرر بها الضرر بمالها؟ الظاهر أنه يدخل في ذلك، مثل ما لو كانت المرأة لها غنم، وقد ضاعت غنمها أو هربت، وتحتاج أن تلحق الغنم لتردها، وهو يريد الاستمتاع بها، نقول: هذا لا يجوز؛ لأن فيه إضرارًا بها، إلا إذا كنت تختار أن تضمن لها هذا المال إذا تلف، فلا بأس.
وهل لها أن تباشره وتستمع به؟ نعم؛ لأنها كما أنه يريد منها ما يريد، فهي - أيضًا - تريد منه ذلك، وإنما قال المؤلف: «يباشرها» لأن الزوج هو الذي له الولاية والقوامة عليها، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤].