وَإِنْ سَافَرَتْ بِلَا إِذْنِهِ، أَوْ بِإِذْنِهِ فِي حَاجَتِهَا، أَوْ أَبَتْ السَّفَرَ مَعَهُ، أَوْ المَبِيتَ عِنْدَهُ فِي فِرَاشِهِ، فَلَا قَسْمَ لَهَا، وَلَا نَفَقَةَ،
الأولى: قوله: «إن سافرت بلا إذنه» إن سافرت بلا إذنه فليس لها قسم، وليس لها نفقة؛ لأنها عاصية وناشز، وفوتت عليه الاستمتاع، وإذا كان النبي ﷺ يقول: «لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه» (^١)، فكيف بمن تسافر؟!
فإذا قال قائل: قوله: «لا قسم لها» هذا تحصيل حاصل؛ لأنها إذا كانت مسافرة فكيف يقسم؟ نقول: أي: لا يلزمه القضاء إذا رجعت.
الثانية: قوله: «أو بإذنه في حاجتها» إذا سافرت بإذنه فإما أن يكون في حاجته، وإما أن يكون في حاجتها، فإن كان في حاجته فلها النفقة ولها القسم، مثلًا له أم في المستشفى في بلد آخر، وسافرت بإذنه، فالحاجة له هو، ففي هذه الحال نقول: لها النفقة؛ لأن ذلك لحاجته، وجزاها الله خيرًا أن ذهبت.
وأما إذا سافرت بإذنه لحاجتها، قالت له مثلًا: إني أريد أن أزور أقاربي أو ما أشبه ذلك، فأذن لها، يقول المؤلف: ليس لها قسم، وليس لها نفقة، أما كونها ليس لها قسم فلا شك في
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٤٢٤).
[ ١٢ / ٤٣٣ ]
ذلك؛ لأنها اختارت ذلك بسفرها، وأما أنه لا نفقة لها؛ لأن النفقة في مقابلة الاستمتاع، وهذا فيه نظر؛ لأن المرأة لم تمنع زوجها من نفسها إلا بعد أن أذن، فإذا أذن والحق له فإن حقها لا يسقط، فلها أن تطالبه بالنفقة، ولكن لا يجب عليه من النفقة إلا مقدار نفقة الحضر؛ لأنها إذا سافرت تحتاج إلى أجرة للذهاب وأجرة للإياب، وربما تكون البلد الثانية المؤنة فيها أشد، والسعر فيها أغلى، فلا يلزمه إلا مقدار نفقة الإقامة، إلا إذا أذن بذلك ورضي، وقال: أنا آذن لك، والنفقة عليَّ، فهنا لا إشكال في إنها تجب عليه.
الثالثة: قوله: «أو أبت السفر معه»: قال مثلًا: سنذهب إلى مكة لأداء العمرة فأبت، أو سنذهب إلى الرياض لمتابعة معاملة - مثلًا - فأبت، أو نذهب لزيارة صديق أو قريب فأبت، فليس لها قسم ولا نفقة، إلا إن كانت قد اشترطت عند العقد ألا يسافر بها، فإن لها النفقة، ولها أن تطالبه بالقسم أيضًا، ويحتمل - أيضًا - ألا تطالبه بالقسم؛ لأن من ضرورة سفره ألا يقسم لها، وهي إذا طالبته بالقسم، فإن ذلك ضرر على الزوجات الأخرى.
الرابعة: قوله: «أو المبيت عنده في فراشه»: أي: إذا دعاها إلى فراشه وأبت، فإنها تسقط نفقتها، ويسقط حقها من القسم؛ لأنها منعت زوجها من حقٍ يلزمها، فسقط حقها وهي آثمة، وقد قال النبي ﷺ: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح» (^١)، وفي هذه الحال له أن يعاملها معاملة أخرى أشد من هذا، وهي أن يعظها، ويهجرها،
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٨٧).
[ ١٢ / ٤٣٤ ]
ويضربها لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].
إذًا المرأة إذا منعت حق الزوج سقطت نفقتها، فإذا منع نفقتها، فهل يسقط حقه؟ نعم ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، فإذا كان الزوج يمنع زوجته من النفقة فلها أن تمنع نفسها منه، ولها أن تأخذ من ماله بدون علمه، وإذا كان يسيء معاملتها فلها أن تسيء معاملته لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].