قوله: «وعماده الليل لمن معاشه النهار والعكس بالعكس» «عماده» أي: عماد القسم الأصل فيه الليل لمن معاشه النهار، وهو غالب الناس، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا *﴾ ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا *﴾ [النبأ]، فغالب الناس معاشهم النهار وسكونهم الليل، فيكون عماد القسم للزوجات الليل، أما النهار فالإنسان يذهب في معيشته، ربما يتردد إلى بيت هذه لأمرٍ يتعلق بمعيشته، وبيعه، وشرائه، ولا يتردد إلى الأخرى، وربما تكون خزائن ماله في بيت واحدةٍ فيحتاج إلى أن يتردد عليها، ولو لم يكن يومها.
وأما من معاشه في الليل دون النهار، فعماد القسم في حقه النهار، كالحارس الذي يحرس ليلًا وفي النهار، يتفرغ لبيته، ولهذا قال: «والعكس بالعكس».
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٩٢).
[ ١٢ / ٤٢٩ ]
قوله: «ويقسم لحائض» أي: إذا كان له زوجتان فحاضت إحداهما، يقول المؤلف: إنه يجب أن يقسم لها.
فإن قال: الحائض لا أستمتع بها بكل ما أريد؟
نقول: لكن الإيناس، والاجتماع، وأن لا تَرَى الزوجة الأخرى متفوقة عليها، هذا واجب.
فإن اتفقت الزوجتان على أنه لا يقسم للحائض، فهل هذا جائز أو غير جائز؟ وإذا جاز، فهل لهما الرجوع أو ليس لهما الرجوع؟
لننظر: هل هذا معلوم أو مجهول؟ هذا غير معلوم، قد تحيض هذه خمسة أيام، وهذه تحيض عشرة أيام، وقد تختلف العادة، فهو مجهول، وإذا كان مجهولًا فلا بد أن يؤثر على قلوب الزوجات؛ لأنه إذا صارت هذه حيضها خمسة أيام، والثانية حيضها، أحيانًا خمسة أيام، وأحيانًا عشرة أيام، وأحيانًا ثمانية أيام، وأحيانًا ثلاثة عشر يومًا، فيكون هناك شيء في النفوس، حتى وإن رضين في أول الأمر، لكن سوف لا يرضين في النهاية.
فإذا قال: اتفق معكما على أن لا أقسم للحائض ما لم يتجاوز حيضها ثمانية أيام فإنه يجوز؛ لأنه جعل له حدًا أعلى، وربما يكون في هذا راحة للجميع.
قوله: «ونفساء» أي: يجب أن يقسم لها؛ لأنه إذا وجب للحائض وجب للنفساء ولا فرق، لكن النفساء يجب أن يُرجَع في هذا إلى العرف، والعرف عندنا أن النفساء لا تبقى في بيت زوجها، بل تكون عند أهلها حتى تطهر، وأيضًا العرف عندنا أنه
[ ١٢ / ٤٣٠ ]
لا قسم لها، أي: أن الزوج لا يذهب لها ليلة وللأخرى ليلة، ولا يقضي إذا طهرت من النفاس، وعلى هذا فنقول: مقتضى قول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] أن لا قسم للنفساء، أما الحائض فعندنا جرت العادة أنه يقسم لها، وأن الزوج لا يفرِّق، يذهب إلى كل واحدة في ليلتها، سواء كانت طاهرًا أم حائضًا.
قوله: «ومريضة» أي: يجب أن يقسم للمريضة، وهذا القول وجيه، بل ربما لو نقول: إنه أوجب من القسم للصحيحة لكان له وجه؛ لأنه لو هجر المريضة فإنه يؤثر فيها، ويزيدها مرضًا.
فإن عافت نفسه هذه المريضة، وقال: أنا لا أطيق، قلنا: إذًا استسمح منها، وطَيِّبْ قلبها؛ لأنه أحيانًا يكون المرض لا يطيقه الإنسان وأحيانًا يطيقه، فنقول: إذا كانت مريضة مرضًا لا تطيقه أو تخشى من العدوى، فحينئذٍ استأذن منها.
قوله: «ومعيبة» المراد معيبة حدث بها العيب، فإنه يقسم لها، وكذلك إذا كانت معيبة من قبل؛ لأنه هو الذي فرط بعدم اشتراط أن لا يقسم، والعيب قد يكون طارئًا وقد يكون سابقًا.
قوله: «ومجنونة مأمونة وغيرها» أي ويجب - أيضًا - أن يقسم للمجنونة المأمونة وغير المأمونة، أما إذا كانت مأمونة فالأمر واضح ليس فيه إشكال، لكن إذا كانت غير مأمونة فلا يأمن أنه إذا نام ذهبت إلى المطبخ، وأخذت السكين وذبحته، وهذا وارد، فقول المؤلف ﵀: «وغيرها» هذا إشارة إلى
[ ١٢ / ٤٣١ ]
أن المسألة فيها خلاف، والصواب أن يقسم للمجنونة بشرط أن تكون مأمونة، فإن لم تكن مأمونة فلا يقسم لها.
لكن هل يرضى الإنسان أن تكون زوجته مجنونة غير مأمونة؟
نقول: أما ابتداءً فلا أظن أحدًا يُقدِم على امرأة مجنونة غير مأمونة، لكن قد يحدث هذا الجنون لمدة معينة، فهنا نقول: يقسم لها، وربما إذا قسم لها، وهدأها، وصار يتكلم معها، ربما تستجيب ويزول ما بها من الجنون، كما هو واقع أحيانًا.
وقوله: «وغيرها» يعني غيرهن، مثل مَنْ آلى منها، أو ظاهر منها، أو وجد بها مانع، مثل أن تكون صائمة فإنه يقسم لها، يعني حتى من لا يتمتع بها بالوطء، فيجب أن يقسم لها، إلا ما جرى به العرف، أو ما سمحت به، فلو فرض أنه قال لها مثلًا: أنتِ مريضة ويشق علي أن أقسم لك، فهل تسمحين؟ فإذا سمحت فلا حرج؛ لأن الحق لها، ولو كانت امرأة كبيرة في السن، وقال لها: أنا ما أقدر أن أقسم لك، فهل تحبين أن تبقي عندي، وفي عصمتي، وبدون قسم، وإلا فأنا أطلقك؟ فاختارت أن تبقى عنده، فهذا جائز.
فلو قال قائل: إنما اختارت هذا على سبيل الإكراه خوفًا من الطلاق، قلنا: نعم الحق لها، لكن هنا يجوز؛ لأن الإكراه في مسألة الفراق لحقه، فيقول: إذا كانت تريد أن تبقى عند أولادها وفي بيتها فذاك، وإن لم تحب فأنا لا أريد أن يتعلق بذمتي شيء، فأطلقها وأستريح.
[ ١٢ / ٤٣٢ ]
ثم ذكر المؤلف مسقطات القسم والنفقة فقال: