* قال ابن قدامة -﵀-: (ولا حد على من لم يعلم تحريم الزنى. قال عمر، وعثمان، وعلي، لا حد إلا على من علمه. وبهذا قال عامة أهل العلم.) (^٣)
* وقال المرداوي -﵀-: (قوله: لا يجب الحد إلا على بالغ عاقل عالم بالتحريم. هكذا قال كثير من الأصحاب.) (^٤)
* وقال البهوتي -﵀-: (عالم بالتحريم لقول عمر وعثمان وعلي لا حد إلا على من علمه. فلا حد على من زنى جاهلًا بتحريمه أو عين المرأة التي زنى بها بأن اشتبهت عليه بزوجته أو أمته.) (^٥)
استدلوا بالكتاب والسنة وقول الصحابي والمعتمد قول الصحابي:
أولًا: الكتاب:
١ - قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (^٦) ..
وجه الدلالة: الأية فيها دلالة على أن من لم يبلغه العلم بالعقوبة يسقط عنه الحد لأن الجهل بالشيء مسقطا للحكم والله عزوجل لا يعاقب عبده عند جهله بالحكم.
قال ابن تيمه -﵀-: (بين الله عزوجل أنه لا يعاقب أحدًا حتى تُبَلغه الرسل. ومن علم أن محمدًا رسول الله، فآمن بذلك، ولم يعلم كثيرًا مما جاء به، لم يعذبه الله على ما لم يبلغه، فإنه إذا لم يعذبه على ترك الإيمان إلا بعد البلاغ، فأن لا يعذبه على بعض شرائعه إلا بعد البلاغ أولى وأحرى) (^٧)
_________________
(١) الحدود: هي العقوبات المقدرة، ويجوز أن تكون سميت بذلك من الحد: المنع؛ لأنها تمنع من الوقوع في مثل ذلك الذنب، وأن تكون سميت بالحدود التي هي المحارم لكونها زواجر عنها، أو بالحدود التي هي المقدرات لكونها مقدرة، لا يجوز فيها الزيادة ولا النقصان. انظر: «المطلع على أبواب المقنع» (ص: ٤٥٢)
(٢) الجهل: هو: اعتقاد الشيء على خلاف ما هو: عليه. انظر: «التعريفات» للجرجاني (ص: ٨٠)
(٣) «المغني» (١٢/ ٣٤٥)
(٤) «الإنصاف» (٢٦/ ١٦٧)
(٥) «كشاف القناع» (١٤/ ٨)
(٦) [سورة الأنعام: ١٩].
(٧) انظر: «جامع المسائل» لابن تيمة (١/ ١١٠)
[ ١٥٨ ]
١ - قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^١).
وجه الدلالة: معاقبة الإنسان على ما يجهله من الأحكام الشرعية يعتبر تكليف للنفس بما لا طاقة لها به
ثانيا: السنة:
عن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: «ادرؤوا الحدود بالشبهات وأَقيلوا الكرَامَ عثراتهم إلا في حد.» (^٢)
وجه الدلالة: أن الجهل يعتبر شبهة من الشبهات فلا يقام الحد لأجل ذلك (^٣)
ثالثًا: قول الصحابي:
١ - عن ابن المسيب قال: «ذكروا الزنا بالشام، فقال رجل: زنيت. قيل: ما تقول؟ قال: أو حرمه الله؟ قال: ما علمت أن الله حرمه. فكتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب: إن كان علم أن الله حرمه فحدوه، وإن كان لم يعلم فعلموه، وإن عاد فحدوه» (^٤)
وجه الدلالة: اعتبر عمر -﵁- جهل الرجل بالتحريم عذرًا في إقامة الحد فدرأ عنه فدل على أن من يجهل
_________________
(١) [سورة البقرة: ٢٨٦].
(٢) قال ابن حجر -﵀-: (وقد وجدت خبر ابن عباس في موضع آخر ذكره شيخنا الحافظ أبو الفضل -﵀- في شرح الترمذي قال: وأما حديث ابن عباس فرواه أبو أحمد بن عدي في جزء خرجه من حديث أهل مصر والجزيرة من رواية ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب عن عكرمة ثم ذكر الحديث عن ابن عباس وعقب بقوله وهذا الإسناد إن كان من بين ابن عدي وابن لهيعة مقبولين فهو: حسن.) انظر: «موافقة الخبر الخبر»، (١/ ٤٤٧)، وأبو سعد السمعاني في «الذيل» كما جاء في «المقاصد الحسنة» للسخاوي (ص: ٧٤) وأبو مسلم الكجي وابن الابار في «معجم أصحاب القاضي أبي علي الصدفي» للقضاعي وقال: (وهو: مما نقد ابن عطية في أشباه له عليه واعتقد جميعها فكاهات نسبها إليه بل جعلها حكايات غثة وقال هي لغو وسقط لا يحل أن تقرأ في جوامع المسلمين على عمرة المساجد وحكى أن في آخر هذه من ترخيص عمر بن عبد العزيز ما لا يليق بدينه وفضله.) (ص: ٢٢٢)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٦١١). وأما معناه فقد جاء في «سنن الترمذي»، أبواب الحدود عن رسول الله -ﷺ-، باب ما جاء في درء الحدود (٤/ ٣٣) رقم (١٤٢٤) قال ابن حجر في «التلخيص»: (في إسناده يزيد بن زياد الدمشقي، وهو: ضعيف)، (٤/ ١٦١).
(٣) انظر: «تيسير مسائل الفقه» للنملة (٥/ ١٤٧)
(٤) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٧/ ٤٠٢) رقم (١٣٦٤٣)، والشافعي في «مسنده» (٣/ ٢٧٥) رقم (١٥٨٢) وابن المنذر في «الأوسط»، (١٢/ ٥٢٢) رقم (٩٢٠١) والبيهقي في «السنن الكبرى»، (٨/ ٤١٥) رقم (١٧٠٦٦) وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٣٦٠). وابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٦٣٧) (وهذا إسناد صحيح إليه)
[ ١٥٩ ]
العلم بالتحريم لا يقام عليه الحد
٢ - وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب (^١)، حدثه قال: «توفي عبد الرحمن بن حاطب (^٢)، وأعتق من صلَّى من رقيقه وصام، وكانت له نُوبِيَّةٌ (^٣) قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه، فلم يُرَع (^٤) إلا حبلها، وكانت ثيبًا (^٥)، فذهب إلى عمر فزعًا فحدثه، فقال له عمر: " لأنت الرجل لا يأتي بخير، فأفزعه ذلك "، فأرسل إليها فسألها فقال: " حبلت؟ " قالت: نعم، من مَرغُوش (^٦) بدرهمين، وإذا هي تستهل بذلك لا تكتمه، فصادف عنده عليًا وعثمان وعبد الرحمن بن عوف فقال: أشيروا علي، وكان عثمان جالسًا فاضطجع، فقال علي، وعبد الرحمن: " قد وقع عليها الحد "، فقال: أشر علي يا عثمان. فقال: قد أشار عليك أخواك. قال: أشر علي أنت. قال عثمان: " أراها تستهل به كأنها لا تعلمه، وليس الحد إلا على من علمه، فأمر بها فجلدت مائة، ثم غربها، ثم قال: " صدقت، والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علم». (^٧)
_________________
(١) هو: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، أبو محمد، ولد في خلافة عثمان -﵁-، حليف بني أسد بن عبد العزى. روى عن: أسامة بن زيد، وعائشة، وعنه: أسامة بن زيد الليثي، وبكير بن الأشج، وثقه النسائي وغيره، مات سنة (١٠٤ هـ). انظر: «تهذيب الكمال» (٣١/ ٤٣٥) و«تاريخ الإسلام» (٣/ ١٧٦)
(٢) هو: عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، أبويحيى، ولد على عهد النبي -ﷺ- روى عن: عثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب -﵄- روى عنه: عروة بن الزبير، وابنه يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. وكان فقيها ثقة، مات سنة (٦٨ هـ). انظر: «تهذيب الكمال» (١٧/ ٤٦). «تاريخ الإسلام» (٢/ ٦٧٢)
(٣) نوبية: النوبة بالضم جيل من السودان وبلاد واسعة للسودان بجنوب الصعيد، منها: بلال الحبشي. انظر: «القاموس المحيط» (ص ١٤٠)
(٤) فلم ترع: الروع هو: الفزع والخوف. «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٢/ ٢٧٧) مادة (روع) والمعنى لم يفزعه إلا حملها.
(٥) الثيب: يطلق على من ليس ببكر، ويقع على الذكر والأنثى، رجل ثيب وامرأة ثيب، وقد يطلق على المرأة المبالغة وإن كانت بكرا، مجازا واتساعًا. انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (١/ ٢٣١) مادة (ثيب)
(٦) لم أقف على ترجمته. وهو: اسم طائر سمى به الرجل. انظر «المجموع شرح المهذب مع تكملة السبكي والمطيعي» (٢٠/ ٢١)
(٧) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه»، (٧/ ٤٠٣) رقم (١٣٦٤٤) من طريق ابن جريج قال: أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، حدثه قال …، وابن المنذر في «الأوسط»، (١٢/ ٥٢١) رقم (٩٢٠٠) والبيهقي في «السنن الكبرى»، (٨/ ٤١٥) رقم (١٧٠٦٥)، قال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (وهذا اسناد جيد). (٢/ ٣٥٩)
[ ١٦٠ ]
وجه الدلالة: أن عثمان -﵁- رأى أن يدرأ حد الرجم عنها لشبهة الجهل ووافقه عمر -﵄- (^١) فالجاهل بالتحريم لايعاقب على فعله ولا يعتبر مؤاخذ به.
٣ - وعن حُرقُوص (^٢) قال: «أتت امرأة إلى علي فقالت: إن زوجي زنى بجاريتي؟ فقال: صدقت هي، وما لها، حِلٌّ لِي. قال: اذهب ولا تعد، كأنه درأ عنه بالجهالة.» (^٣)
وجه الدلالة: أن الرجل حينما قال هي ومالها حِلٌّ لِي. فكان يعتقد أن جارية امرأته بمنزلة امرأته في أن كلاهما يحلان عليه فاعتبر علي -﵁- الجهل من مسقطات الحدود.
* * *