اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين:
الرواية المعتمدة: عدم القطع.
* قال ابن قدامة -﵀-: (وإن سرق أحد الزوجين من مال الآخر، فإن كان مما ليس محرزا عنه، فلا قطع فيه، وإن سرق مما أحرزه عنه ففيه روايتان؛ إحداهما: لا قطع عليه) (^٣)
* وقال المرداوي -﵀-: (قوله: وهل يقطع أحد الزوجين بالسرقة من مال الآخر المحرز عنه؟ على روايتين. إحداهما، لا يقطع. وهو المذهب. وعليه أكثر الأصحاب). (^٤)
* وقال البهوتي -﵀-: (ولا يقطع أحد الزوجين بسرقته من مال الآخر ولو من محرز عنه رواه سعيد عن عمر بإسناد جيد ولأن كلا منهما يرث صاحبه بغير حجب ويتبسط بماله أشبه الولد والوالد وكما لو منعها نفقتها) (^٥)
استدلوا على هذه الرواية: بقول الصحابي والمعقول:
أولًا: قول الصحابي:
عن السائب بن يزيد (^٦) «أن عبد الله بن عمرو بن الحضرمي (^٧) جاء بغلام له إلى عمر بن الخطاب
_________________
(١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٦١) «الممتع في شرح المقنع» (٤/ ٣٠٣)
(٢) محل البحث إذا كان المال في حرز.
(٣) «المغني» (١٢/ ٤٦١)
(٤) «الانصاف» (٢٦/ ٥٤٤)
(٥) «كشاف القناع» (١٤/ ١٥٩)
(٦) هو: السائب بن يزيد بن سعيد ويقال: عائذ بن الأسود الكندي، ولد سنة (٢ هـ) روي عن النبي -ﷺ-، وعن أبيه، روى عنه: الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، كان عاملًا لعمر -﵁- على سوق المدينة مع عبد الله بن عتبة، قال أبو نعيم: مات سنة (٨٢ هـ). وقيل بعد (٩٠ هـ). وقيل غير ذلك. «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (٢/ ٥٧٦) و«الإصابة في تمييز الصحابة» (٣/ ٢٢)
(٧) هو: عبد الله بن عمرو الحضرمي، ولد على عهد رسول الله -ﷺ- قاله الواقدي، روى عنه: السائب بن يزيد، حليف بني أمية، وهو ابن أخي العلاء بن الحضرمي.، «تهذيب الكمال» (١٥/ ٣٧٤) و«الإصابة في تمييز الصحابة» (٤/ ١٦٣).
[ ١٧١ ]
فقال له: اقطع يد غلامي هذا، فإنه سرق، فقال له عمر: ماذا سرق؟ فقال: سرق مرآةً لامرأتي، ثمنها ستون درهمًا، فقال عمر: أرسله، فليس عليه قطع، خادمكم سرق متاعكم» (^١)
وجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب -﵁- إذا لم يقطع عبد الحضرمي بسرقة مال الزوجة فالزوج هو أولى بذلك. (^٢)
ثانيًا: المعقول، وذلك من وجهين:
الأول: أن كل واحد منهما يرث صاحبه بغير حجب، ولا تقبل شهادته له، ويتبسط في مال الآخر عادة، فأشبه الوالد والولد.
الثاني: قياسًا على أن الزوج إذا منع زوجته من النفقة فلها أن تأخذ بغير علمه فلا يعتبر سرقة ولايقام عليها الحد في حالة إذا علم بذلك. (^٣)
الرواية الثانية: وجوب القطع
* قال ابن قدامة -﵀-: (وإن سرق أحد الزوجين من مال الآخر، فإن كان مما ليس محرزا عنه، فلا قطع فيه، وإن سرق مما أحرزه عنه ففيه روايتان. ثم قال والثانية يقطع؛ لعموم الآية؛ ولأنه سرق مالًا محرزًا عنه، لا شبهة له فيه، أشبه الأجنبي). (^٤)
* وقال المرداوي -﵀-: (قوله وهل يقطع أحد الزوجين بالسرقة من مال الآخر المحرز عنه؟ على روايتين. ثم قال والرواية الثانية، يقطع). (^٥)
واستدلوا بالكتاب والمعقول:
_________________
(١) أخرجه الإمام مالك في «الموطأ»، (٥/ ١٢٢٩) رقم (٣١٠٥) وعبد الرزاق في «مصنفه»، (١٠/ ٢١٠) رقم (١٨٨٦٦)، وابن أبي شيبة في «مصنفه»، (٥/ ٥١٩) رقم (٢٨٥٦٨) والدارقطني في «سننه»، (٤/ ٢٥١) رقم (٣٤١٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى»، (٨/ ٤٨٩) رقم (١٧٣٠٣)، وصححه ابن الملقن «البدر المنير» (٨/ ٦٧٧) وابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٣٧٣) والألباني في «الإرواء» (٨/ ٧٥)
(٢) انظر: «السلسبيل» للبليهي (٣/ ٩٤٢)
(٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٦١)، «كشاف القناع» (٦/ ١٤٢)
(٤) «المغني» (١٢/ ٤٦١)
(٥) «الانصاف» (٢٦/ ٥٤٤)
[ ١٧٢ ]
أولًا: الكتاب:
قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (^١).
وجه الدلالة: أن الأية عامة في أن كل سارق تقطع يده ولم تخصص أحدًا دون أحد.
ثانيًا: المعقول.
وذلك أنه سرق مالًا محرزًا عنه، لا شبهة له فيه، أشبه الأجنبي. (^٢)
الراجح:
الراجح والله هي الرواية الأولى وأن لا قطع لأحد الزوجين إذا سرق من مال الأخر وذلك لأن كلا منهما ينبسط في مال الأخر وأيضًا كلاهما يرث الأخر في حال موته. ورجحها ابن قدامة (^٣) والبهوتي (^٤) وغيرهم. (^٥)
* * *