اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين.
الرواية المعتمدة: المعتبر فيها حال الزوج؛ فإن كان موسرًا فأعلاها خادم، وإن كان فقيرًا فأدناها كسوة مجزئة في الصلاة.
* قال ابن قدامة -﵀-: (قال: على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره، فأعلاه خادم، وأدناه كسوة يجوز لها أن تصلي فيها، إلا أن يشاء هو: أن يزيدها، أو تشاء هي أن تنقصه) (^٢)
* وقال المرداوي -﵀-: (قوله: وإن طلقها قبل الدخول، لم يكن لها عليه إلا المتعة، على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره، فأعلاها خادم، وأدناها كسوة تجزئها في صلاتها اعلم أن الصحيح من المذهب، اعتبار وجوب المتعة بحال الزوج. نص عليه. وعليه جماهير الأصحاب.) (^٣)
* وقال البهوتي -﵀-: (والمتعة معتبرة بحال الزوج في يساره وإعساره أعلاها أي المتعة خادم إذا
كان موسرًا وأدناها إذا كان فقيرًا كسوة تجزئها في صلاتها وهي درع وخمار أو نحو ذلك لقول ابن عباس -﵁-: أعلى المتعة خادم ثم دون ذلك النفقة، ثم دون ذلك الكسوة.) (^٤)
استدلوا على هذه الرواية: بالكتاب وقول الصحابي وهوالمعتمد.
أولًا: الكتاب:
قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٥)
_________________
(١) المتعة: اسم مصدر، يقال: يُمَتِّعه تَمْتِيعًا، وتَمتَّع هو: تَمتُّعًا. ويقال للخادم والكسوة وسائر ما يتمتع به. انظر: «المطلع على ألفاظ المقنع» (ص ٣٩٨)
(٢) «المغني» (١٠/ ١٤٣)
(٣) «الإنصاف» (٢١/ ٢٧٤)
(٤) «كشاف القناع» (١١/ ٥٠٦)
(٥) [سورة البقرة: ٢٣٦]
[ ٨٦ ]
وجه الدلالة: الأية نصت في أن متعة النساء معتبرة بحال الزوج وأنها تختلف بحسب غناه وفقره، ولو كان المجزئ من المتعة ما يقع عليه الاسم لسقط الاختلاف، ولو كانت معتبرة بحال المرأة لما كان على الغني قدره وعلى الفقير قدره (^١)
ثانيًا: قول الصحابي.
١ - عن صالح بن إبراهيم (^٢): «أن عبد الرحمن بن عوف حَمَّمَ (^٣) امرأته (^٤) التي طَلقَ: جاريةً سوداء» (^٥)
وجه الدلالة: فعل الصحابي عبدالرحمن بن عوف -﵁- حيث جعل متعة امرأته عند طلاقها جارية وهذا أعلى المتعة.
٢ - وعن عكرمة عن ابن عباس -﵄- قال: «أرفع المتعة: الخادم، ثم دون ذلك: الكسوة، ثم دون ذلك: النفقة» (^٦)
وجه الدلالة: جعل ابن عباس -﵄- أرفع المتعة؛ الخادم. قال ابن قدامة -﵀-: (وهذا تفسير من الصحابي، يجب الرجوع إليه.) (^٧)
الرواية الثانية: الرجوع في المتعة إلى تقدير الحاكم.
_________________
(١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٤٣)
(٢) هو: صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أخذ عن: أبيه وأخيه سعد، وعنه: ابنه سالم، وعمرو بن دينار. قال ابن سعد: (كان قليل الحديث ومات بالمدينة في ولاية إبراهيم بن هشام.) انظر: «تاريخ الإسلام» (٣/ ٤٣٣)، «تهذيب التهذيب» (٤/ ٣٧٩)
(٣) حمَّمَ امراته: أي متعها بها بعد الطلاق، وكانت تسمى التحميم. انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر»، (١/ ٤٤٥) مادة (حمم).
(٤) اسمها تماضر بنت الأصبغ. انظر: «الإصابة في تمييز الصحابة» (٨/ ٥٦)
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، (٤/ ١٤١) رقم (١٨٧٠٨) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو عن صالح بن إبراهيم …، وعبد الرزاق في «مصنفه»، (٧/ ٧٢) رقم (١٢٢٥٤)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢/ ٢٦) رقم (١٧٦٨) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٣٩٨) رقم (١٤٤٠٧)، والإسناد رواته ثقات، سفيان بن عيينه= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بأخرة وكان ربما دلس لكن عن الثقات) (ص ٢٤٥)، عمرو بن دينار= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة ثبت) (ص ٤٢١)، صالح بن إبراهيم= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة) (ص ٢٧١)
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٤/ ١٤١) رقم (١٨٧١٥) والطبري في «جامع البيان في تأويل القران» (٥/ ١٢١) رقم (٥١٩٣) وصححه الألباني في «الإرواء» (٦/ ٣٦١)
(٧) «الكافي» (٣/ ٧٣)
[ ٨٧ ]
* قال المرداوي -﵀-: (وعنه، يرجع في تقديرها إلى الحاكم) (^١)
دليلها الكتاب:
قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٢)
وجه الدلالة: جاءت لفظة المتعة في هذه الآية بلا تقدير معين والمرجع لذلك الحاكم فيجتهد فيها قياسًا على بقية اجتهاداته. (^٣)
الرواية الثالثة: أن مقدار المتعة نصف مهر مثلها.
* قال ابن قدامة -﵀-: (الرواية ثالثة: أنها مقدرة بما يصادف نصف مهر المثل؛ لأنها بدل عنه، فيجب أن تتقدر به) (^٤)
* وقال المرداوي -﵀-: (وعنه، يجب لها نصف مهر المثل) (^٥)
واستدلوا على هذه الرواية بالمعقول:
وذلك أن المتعة بدل عن المهر، والواجب أن تتقدر به. (^٦)
ونوقش بضعف هذه الرواية من وجهين:
الأول: أن الذي يقتضيه نص القران الكريم هو: تقديرها بحال الزوج غنًى وفقرًا، وأما تقديرها بنصف مهر المثل فهو: مخالف للآية لأنه يوجب اعتبارها بحال المرأة؛ لأن مهرها معتبر بها لا بزوجها. (^٧)
الثاني: أن المتعة لو قدرت بنصف المهر لكانت نصف المهر، وليس المهر معينًا في شيء ولا المتعة. (^٨)
_________________
(١) «الإنصاف» (٢١/ ٢٧٤)
(٢) [سورة البقرة: ٢٣٦]
(٣) «التمام» (١٤٥)، «المغني» (١٠/ ١٤٤)
(٤) «المغني» (١٠/ ١٤٤)
(٥) «الإنصاف» (٢١/ ٢٧٤)
(٦) انظر: «المغني» (١٠/ ١٤٤) و«المبدع في شرح المقنع» (٦/ ٢٢٤)
(٧) انظر: «المغني» (١٠/ ١٤٤)
(٨) «المغني» (١٠/ ١٤٤)
[ ٨٨ ]
الراجح:
الراجح والله أعلم الرواية الأولى وأن المتعة معتبرة بحال الزوج في غناه وفقره. ورجحها ابن قدامة (^١) والبهوتي (^٢) وغيرهم (^٣) وهي المذهب عند الحنابلة وذلك لصحة الأدلة وأسانيد الآثار الواردة عن الصحابة -﵃-. -والله أعلم-
* * *