* قال ابن قدامة -﵀-: (وكل موضع وجب تأخير الاستيفاء، فإن القاتل يحبس حتى يبلغ الصبي وقد حبس معاوية (^٤) هدبة بن خشرم (^٥) في قصاص حتى بلغ ابن القتيل (^٦)، في عصر الصحابة، فلم
_________________
(١) المراد بالشيخين: هما علي وعثمان -﵄-. انظر: «عمدة القاري»، للعيني (١٦/ ٢١٣)
(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب فضائل الصحابة باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان) (٥/ ١٥) رقم (٣٧٠٠)
(٣) انظر: «المغني»، (١١/ ٥٠٧)، ««العدة شرح العمدة»، لبهاء الدين المقدسي (٢/ ١٢٩) «المبدع في شرح المقنع»، (٧/ ٤٠٢)
(٤) هو: معاوية بن صخر بن حرب، ولد قبل البعثة بخمس سنين وهو: الأشهر، روى عن أبي بكر، وعمر -﵄-، وروى عنه: ابن عباس وابن الزبير -﵄-، وهو: أحد الذين كتبوا لرسول الله -ﷺ-، وولاه عمر -﵁- على الشام عند موت أخيه يزيد. قال أبو نعيم: (كان من الكتبة الحسبة الفصحاء، حليمًا وقورًا). مات سنة (٦٠ هـ) على الصحيح. «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (٣/ ١٤١٦) «الإصابة في تمييز الصحابة» (٦/ ١٢٠)
(٥) هو: هدبة بن الخشرم بن كرز بن أبي حية، أبوسليمان، وهو شاعر مفلق كثير الأمثال في شعره وهو: قاتل ابن عمه زيادة بن زيد العذري في أيام معاوية فحبسه سعيد بن العاص وهو: على المدينة خمس سنين أو ستًا إلى أن بلغ المسور بن زيادة وكان صغيرًا فقتله بأبيه. وقال معاويه المسور أحق بدم أبيه. «معجم الشعراء»، للمرزباني (٤٨٣) «الوافي بالوفيات» (٢٧/ ١٩٦)
(٦) اسم الغلام المسور بن زيادة واسم المقتول زيادة ابن زيد. «تاريخ دمشق» لابن عساكر (٧٣/ ٣٦٧)
[ ١٣٣ ]
ينكر ذلك، وبذل الحسن (^١) والحسين (^٢) وسعيد بن العاص (^٣) لابن القتيل سبع ديات، فلم يقبلها). (^٤)
* وقال المرداوي -﵀-: (قوله: ويشترط له ثلاثه شروط أحدها: أن يكون مستحقه مكلفا فإن كان صبيا أو مجنونا: لم يجز استيفاؤه ويحبس القاتل حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون بلا نزاع في الجملة). (^٥)
* وقال البهوتي -﵀-: (ويحبس القاتل حتى يبلغ الصغير وحتى يعقل المجنون لأن فيه حظًا للقاتل بتأخير قتله وحظا للمستحق بإيصاله إلى حقه، ولأنه يستحق إتلاف نفسه ومنفعته فإذا تعذر استيفاء النفس لعارض بقي إتلاف المنفعة سالمًا عن المعارض وقد حبس معاوية هدبة بن خشرم في قود حتى بلغ ابن القتيل فلم ينكر ذلك وكان في عصر الصحابة.) (^٦)
استدلوا بقول الصحابي والمعقول:
أولًا: قول الصحابي:
١ - قال معاوية (^٧) لهدبة (^٨) حينما أقر على نفسه بقوله: رمينا فرامينا فصادف رمينا … منايا رجال في
_________________
(١) سبقت ترجمته قريبًا
(٢) هو: الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله، ولد سنة (٣ هـ) وقيل سنة (٤ هـ)، سبط رسول الله -ﷺ- وريحانته. روى: عن النبي -ﷺ- وعن أبيه علي -﵁-، روى عنه: أخوه الحسن وبنوه: علي زين العابدين، قتل سنة (٦١ هـ). انظر: «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (١/ ٣٩٢) «الإصابة في تمييز الصحابة» (٢/ ٦٧)
(٣) هو: سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي، روى عن عثمان وعائشة -﵄-، وهو: أحد أشراف قريش ممن جمع السخاء والفصاحة، وهو: أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان -﵁-، استعمله عثمان على الكوفة كان له يوم مات النبي -ﷺ- تسع سنين، مات سنة (٥٩ هـ). «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (٢/ ٦٢١)، «الإصابة في تمييز الصحابة» (٣/ ٩٠)
(٤) «المغني» «١١/ ٥٧٧)
(٥) «الإنصاف» (٢٥/ ١٤٣)
(٦) «كشاف القناع» (١٣/ ٢٦٩)
(٧) سبقت ترجمته قريبًا
(٨) سبقت ترجمته قريبًا
[ ١٣٤ ]
كتاب وفي قدر «أراك قد أقررت بقتل صاحبهم ثم قال لعبد الرحمن (^١) هل لزيادة ولد؟ قال: نعم. المسور وهو غلام صغير لم يبلغ وأنا عمه وولي دم أبيه فقال إنك لا تؤمن على أخذ الدية أو قتل الرجل بغير حق والمسور أحق بدم أبيه فرده إلى المدينة فحبس ثلاث سنين حتى بلغ المسور». (^٢)
٢ - عن ابن قتيبة (^٣) قال «فسأل سعيد بن العاص أخا زيادة (^٤) أن يقبل الدية عنه قال أعطيك ما لم يعطه أحد من العرب أعطيك مائة ناقة حمراء ليس فيها جداء (^٥) ولا ذات داء فقال له والله لو نقبت لي قبتك هذه ثم ملأتها لي ذهبًا ما رضيت بها من دم هذا الأجدع فلم يزل سعيد يسأله ويعرض عليه فيأبى ثم قال له والله لو أردت قبول الدية لمنعني قوله: لنَجدَعَنّ بأيدينا أُنوفَكم ويذهبُ القتلُ فيما بيننا هَدَرا. فدفعه حينئذ ليقتله بأخيه». (^٦)
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن زيد بن مالك العذري أخو زيادة بن زيد، شاعر من أهل الحجاز وفد على معاوية بن أبي سفيان وطلب بدم أخيه زيادة. انظر: «تاريخ دمشق» (٣٤/ ٣٧٣)، وزيادة بن زيد بن مالك بن ثعلبة، الذي قتله هدبة. وابنه المسور ابن زيادة، قاتل هدبة بأبيه. انظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (١/ ٤٤٨)
(٢) أخرجه الأصفهاني في «الأغاني» (٢١/ ١٧٧) من طريق علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه قال …)، علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني= قال ابن حجر -﵀- في «لسان الميزان» (اتهم والظاهر أنه صدوق) (٥/ ٥٢٦)، علي بن محمد بن سليمان= لم أقف على من ذكره بجرح أو تعديل ووردت ترجمته عند ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٣/ ١٢٨)، محمد بن سليمان= لم أقف على من ذكره بجرح أو تعديل وورد أنه روى عن أبيه عند ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٣/ ١٢٨)
(٣) هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد، حدث عن: إسحاق بن راهويه ومحمد بن زياد الزيادي، وروى عنه: عبيد الله السكري وعبيد الله بن أحمد ابن بكير، من مؤلفاته «مشكل القرآن» «مشكل الحديث» وقد ولي قضاء الدينور، وكان رأسا في علم اللسان العربي، والأخبار، وأيام الناس. مات سنة (٢٧٦ هـ). انظر: «سير أعلام النبلاء» (١٣/ ٢٩٦)، «الوافي بالوفيات» (١٧/ ٣٢٦)
(٤) سبقت ترجمته قريبًا.
(٥) الجداء: هي ما لا لبن لها من كل حلوبة، وذلك لآفة أيبست ضرعها. انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (١/ ٢٤٥)
(٦) أخرجه الاصفهاني في «الأغاني» (٢١/ ١٧٧) من طريق إبراهيم بن أيوب الصائغ عن ابن قتيبة قال ، وذكرها غير مسندة أيضا أبو العباس المبرد في «الكامل في اللغة والأدب» (٤/ ٧٢)، الأصفهاني= تقدم قريبًا، إبراهيم بن أيوب الصائغ = قال ابن حجر -﵀- في «لسان الميزان» (قال مسلمة في «الصلة»: مجهول) (١/ ٣٤١)، عبد الله بن مسلم ابن قتيبة= قال ابن حجر -﵀- في «لسان الميزان» (صدوق قليل الرواية) (٥/ ٨)، وذكرها مختصرة ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٧٣/ ٣٦٧)، وساقها الأصفهاني بسند اخر فقال: حدثني به محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل العتكي تينة قال حدثنا خلف بن المثنى الحداني عن أبي عمرو المديني «فلم يزل هدبة يطلب غرة زيادة حتى أصابها فبيته فقتله وتنحى مخافة السلطان وعلى المدينة يومئذ سعيد بن العاص فأرسل إلى عم هدبة وأهله فحبسهم بالمدينة فلما بلغ هدبة ذلك أقبل حتى أمكن من نفسه وتخلص عمه وأهله فلم يزل محبوسا حتى شخص عبد الرحمن بن زيد أخو زيادة إلى معاوية فأورد كتابه إلى سعيد بأن يقيد منه إذا قامت البينة فأقامها فمشت عذرة إلى عبد الرحمن فسألوه قبول الدية فامتنع».
[ ١٣٥ ]
وجه الدلالة: أن معاوية حبس هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل وكان ذلك في عصر الصحابة ولم ينكر فكان كالإجماع السكوتي. (^١)
ونوقش: …
بأنه إذا قيل: لماذا لايخلى سبيل القاتل قياسًا على إخلاء سبيل الذي لايستطيع سداد دينه.
وأجيب.
أ - أن في تخلية القاتل تضييعًا للحق، فإنه لا يؤمن هربه.
ب - هناك الفرق بين القاتل وبين المعسر من وجوه:
أولًا: أن قضاء الدين لا يجب مع الإعسار، فلا يحبس بما لا يجب، والقصاص هاهنا واجب، وإنما تعذر المستوفي.
ثانيًا: أن المعسر إذا حبسناه فيتعذر الكسب لقضاء الدين، فلا يفيد، بل يضر من الجانبين، وها هنا الحق نفسه يفوت بالتخلية لا بالحبس.
ثالثًا: أن القاتل قد استحق قتله، وفيه تفويت نفسه ونفعه، فإذا تعذر تفويت النفس لمانع جاز تفويت نفعه لإمكانه، ولو كان القود لحي في طرفه لم يتعرض لمن هو: عليه، فإن أقام كفيلا بنفسه ليخلي سبيله لم يجز; لأن الكفالة لا تصح في القصاص كالحد. (^٢)
ثانيا: المعقول وذلك من وجهين.
الأول: أن فيه حظًا للقاتل بتأخير قتله وحظا للمستحق بإيصاله إلى حقه.
الثاني: أنه يستحق إتلاف نفسه ومنفعته، فإذا تعذر استيفاء النفس لعارض بقي إتلاف المنفعة سالما عن المعارض (^٣).
_________________
(١) انظر: «معونة أولى النهى» (١٠/ ٢٦١)
(٢) «المغني» (١١/ ٥٧٧)، «المبدع في شرح المقنع» (٧/ ٢٢٤)
(٣) «المبدع في شرح المقنع» (٧/ ٢٢٤)
[ ١٣٦ ]