أكثر الحنابلة يرون حجية قول الصحابة -﵃- وأنه مُقدَّم على القياس. (^٣)
وقد أومأ الإمام أحمد -﵀- إلى هذا في مواضع من مسائله: فنقل أبو الحارث (^٤) عنه: (ترك الصلاة بين التراويح، واحتج: بما روي عن عبادة (^٥) وأبي الدرداء. (^٦)
فقيل له: فعن سعيد (^٧) والحسن (^٨): أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح. فقال: أقول لك:
_________________
(١) انظر: الرسالة (١/ ٥٩٦)
(٢) للاستزادة حول أدلة مذهب الصحابي وحجيته انظر: «إعلام الموقعين» (٥/ ٥٥٦ وما بعدها)
(٣) «روضة الناظر» (١/ ٤٦٦)، و«المسودة» ٣٣٦)، و«الكوكب المنير،» (٤/ ٤٢٢)،
(٤) هو: أحمد بن محمد الصائغ، أبو الحارث، ذكره الخلال فقال: كان أبو عبدالله يأنس به وكان يقدمه ويكرمه وكان عنده بموضع جليل، وروى عنه مسائل كثيرة وجَوَّدّ الرواية عنه. «طبقات الحنابلة»، (١/ ٧٤) و«المقصد الأرشد» (١/ ١٦٣)
(٥) هو: عبادة بن الصامت الأنصاري، أبو الوليد، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، آخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين أبى مرثد، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، مات سنة (٣٤ هـ). «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (٢/ ٨٠٧) و«الإصابة في تمييز الصحابة» (٣/ ٥٠٥)
(٦) هو: اسمه عويمر بن عامر بن مالك وقيل: اسمه عامر بن مالك، أبو الدرداء، روى عن النبي -ﷺ- وعائشة، روى عنه ابنه بلال، وزوجته أم الدرداء، كان فقيهًا عاقلًا حكيمًا، آخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين سلمان الفارسي، وتوفي قبل أن مقتل عثمان بسنتين، انظر: «أسد الغابة في معرفة الصحابة» (٦/ ٩٤) و«الإصابة في تمييز الصحابة» (٤/ ٦٢٢)
(٧) هو: سعيد بن جبير الوالبي، أبو محمد وقيل أبو عبد الله، أخذ عن: ابن عباس -﵁-، وعائشة -﵂-، وعنه: أبو صالح السمان، وأيوب السختياني، كان إمامًا، حافظًا، مقرئًا، مفسرًا، قال عنه ميمون بن مهران: (لقد مات وما على ظهر الأرض رجل إلا يحتاج إليه). قُتِلَ سنة (٩٤ هـ) وقيل (٩٥ هـ)، «الطبقات الكبرى»، لابن سعد (٦/ ٢٦٧) «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٣٢١)
(٨) هو: الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، ولد سنة (٢١ هـ). أخذ عن: عمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة وعنه: ثابت البناني، ومالك بن دينار، كان سيد أهل زمانه علمًا وعملًا. قال قتادة: (ما كان أحد أكمل مروءة من الحسن). مات سنة (١١٠ هـ) انظر: «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٥٦٣) «الوافي بالوفيات» للصفدي (١٢/ ١٩٠)
[ ٥٢ ]
أصحاب النبي، وتقول: التابعون). (^١)
واستدلوا على ذلك:
أولًا: الأدلة من الكتاب:
١ - قال تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (^٢).
وجه الدلالة: أن الله شهد لهم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واتباع المعروف واجبٌ، فلو كانت فتاواهم للمسألة غير صواب، لم يكن معروفًا؛ فدل على أن فتاواهم صواب وحجة تقبل (^٣)
٢ - قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ (^٤)
وجه الدلالة: أن كلًا من الصحابة -﵃- منيب إلى ربه وهذا لا ريب فيه، فيجب اتباع سبيله، وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله، وقد هداهم الله كما قال: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (^٥) وهذا دليل على إنابتهم إلى ربهم. (^٦)
٣ - قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ (^٧).
وجه الدلالة: أن الله تعالى شاهدًا لهم بأنهم أوتوا العلم، وإذا كانوا كذلك كان اتباعهم واجبًا (^٨)
ثانيًا: الأدلة من السنة:
استدلوا بمثل الأدلة التي وردت في المبحث الثاني، عند المطلب الثالث، مكانة الصحابة -﵃-، فليُرَاجع. (^٩)
_________________
(١) «العدة في أصول الفقه» (٤/ ١١٨١)
(٢) [سورة آل عمران: ١١٠].
(٣) انظر: «إعلام الموقعين»، (٥/ ٥٦٩)
(٤) [سورة لقمان: ١٥]
(٥) [سورة الشورى: ١٣]
(٦) انظر: «إعلام الموقعين»، (٥/ ٥٦٧)
(٧) [سورة سبأ: ٦].
(٨) «إعلام الموقعين»، (٥/ ٥٦٨)
(٩) (ص: ٤٠)
[ ٥٣ ]
ثالثًا: الآثار:
١ - قال عبد الله بن مسعود -﵁-: «إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد -ﷺ- خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ». (^١)
وجه الدلالة: أنه من المحال أن يُخْطِئَ الحق في حكم الله، خير قلوب العباد، بعد رسول الله -ﷺ-، ويظفر به من بعدهم. (^٢)
٢ - وعنه أيضًا قال: «ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر». (^٣)
وجه الدلالة: أنه من المحال يكون من بعد الصحابي عمر -﵁- من المتأخرين أسعد بالصواب منه في أحكام الله تعالى. (^٤)
رابعًا: المعقول:
وذلك أن قول الصحابي له حالتان: إما كونه توقيفًا فيصبح واجب الاتباع، أو الحالة الثانية: كونه اجتهادًا، ولا شك أن اجتهاده أولى من اجتهاد غيره. (^٥)
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا يمكن أن يكون توقيفًا، أي من كلام الرسول -ﷺ-؛ لأنه لو كان كذلك لظهر فيما بعد، ونُقلَ. ولأنه لو كان توقيفًا لكان واجبًا اتباع الصحابي، كوجوب اتباع الرسول -ﷺ- (^٦)
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده»، (٦/ ٨٤) رقم (٣٦٠٠)، وأبو داود الطيالسي في «مسنده»، (١/ ١٩٩) رقم (٢٤٣)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٩/ ١١٨) رقم (٨٥٨٢)، وأيضًا في «المعجم الأوسط»، (٤/ ٥٨) رقم (٣٦٠٢)، وقال الزيلعي في «نصب الراية»: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه) (٤/ ١٣٣)
(٢) انظر: «إعلام الموقعين» (٥/ ٥٧٩)
(٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير». (٩/ ١٨٤) رقم (٨٨٢٧)، وحَسَّنه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٦٧)
(٤) انظر «إعلام الموقعين» (٦/ ١٢)
(٥) انظر: «العدة في أصول الفقه» (٤/ ١١٨٦)
(٦) انظر: المصدر السابق، (٤/ ١١٨٧)
[ ٥٤ ]
ويجاب عنه بما يأتي: قولكم غير صحيح لسببين:
أولًا: أن الصحابي غير ملزم بنقل قوله في هذه المسألة، وإنما القدر الكافي أن يفتى بالصواب، فله ذكر الرواية وعدمها، كالمفتي له ذكر الدليل، أو ذكر الحكم.
ثانيًا: احتمال ترك الصحابي للرواية بسبب الورع، كما كان كثيرًا من السلف، يتوقفون في الرواية للأحاديث خشية الوقوع في الخطأ فيُفتي بالمعنى. (^١)
الوجه الثاني: أن الاجتهاد لا يُوجب الاتباع للصحابي، بسبب طول المشاهدة للنبي -ﷺ-، وهذا لا يوجب عصمته من الوقوع في الخطأ في الاجتهاد، والحاصل له حسن الظن وأنه أقرب للصواب. لكن لا يجب الاتباع، كالعالم لا يجوز له اتباع الأعلم منه، وإن كان اجتهاد الأعلم أقرب للصواب، وهذ يقتضي أن الصحابي الذي طالت صحبته أولى من غيره وكبارهم أولى من صغارهم. (^٢)
ويجاب عنه بما يأتي:
١ - قولهم: لا يجب اتباع الصحابي بسبب عدم الإخبار والرفع للرسول -ﷺ- غير صحيح.
لأن قول الصحابي المخالف للقياس الظاهر أنه حديث موقوفُ، ففتواه تكون دليلًا على أن الخبر ورد عن الرسول -ﷺ- فيجب العمل به كحال خبر الواحد. بمعنى مأمورنا بالعمل بغلبة الظن ولدينا احتمالان:
الاحتمال الأول: أن يكون قاله بلا توقيف.
الاحتمال الثاني: أن يكون قاله عن توقيف، والثاني هو الأقرب وهذا يكفي في غلبة الظن.
٢ - قولهم: كون الصحابي شاهد الرسول -ﷺ- لا تجعله معصومًا من الخطأ في الاجتهاد لأقواله، وأفعاله.
وإن كانت المشاهدة لا توجب العصمة لكن توجب مزايا أخرى، فكونهم شهدوا التنزيل وعَلمُوا التأويل، فهذه الأمور تجعل لأقوالهم اعتبارًا لا يُجعَل لأحد من بعدهم؛ فالصحابي يُلاحظ القرائن التي لا يعرفها من بعده. فيستطيع فهمَ المقصود أكثر ممن جاء بعده، وهذا كافي في ترجيح قوله فيقدم قول الصحابي كما يقدم خبر الواحد على القياس.
٣ - قولهم: العالم لا يجب اتباع من هو أعلم منه، وصغار الصحابة لا يتبعون كبارهم -أي ترجيح بعض الصحابة على بعض يختلف عن ترجيح الصحابة على غيرهم-غير صحيح.
_________________
(١) انظر: «العدة في أصول الفقه» (٤/ ١١٨٧)
(٢) انظر: المصدر السابق، (٤/ ١١٨٧)
[ ٥٥ ]
فهناك فرق بين الترجيح بالصحبة، والترجيح بالكِبَر، فكبار الصحابة وصغارهم متساوون في الصحبة، فهم متساوون في المشاهدة للتنزيل التي هي سبب الترجيح لهم على غيرهم. (^١)
* * *