اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على ثلاث روايات:
الرواية الأولى: دية تسود السن الدية كاملة.
* قال ابن قدامة -﵀-: (وإن جنى على سنه فسودها، فحكي عن أحمد، -﵀- في ذلك روايتان؛ إحداهما، تجب ديتها كاملة ويروى هذا عن زيد بن ثابت) (^٢)
* وقال المرداوي -﵀-: (قوله (إن اسود السن بحيث لا يزول سواده، فالصحيح من المذهب: أن فيه ديته) (^٣)
* وقال البهوتي -﵀-: (وفي تسويد السن والظفر ديته لما روي عن زيد بن ثابت ولم يعرف له مخالف من الصحابة ولأنه أذهب جمال ذلك على الكمال فكملت ديتها كما لو قطع أذن الأصم) (^٤)
واستدلوا على هذه الرواية بقول الصحابي والمعقول:
أولا: قول الصحابي:
_________________
(١) انظر: «الممتع في شرح المقنع» (٤/ ١٢٥) «المبدع في شرح المقنع» (٧/ ٢٩٣)
(٢) «المغني» (١٢/ ١٣٧)
(٣) «الإنصاف» (٢٥/ ٤٩٩)
(٤) «كشاف القناع» (١٣/ ٤٠٩)
[ ١٥٣ ]
عن مكحول، عن زيد بن ثابت قال: «في السن يُستَأنَى بها (^١) سنة، فإن اسودت ففيها العقل كاملا، وإلا فما اسود منها فبحساب ذلك» (^٢)
وجه الدلالة: أن زيد بن ثابت -﵁- قضى في تسويد السن الدية الكاملة ولم يعرف له مخالف فكان إجماعًا. (^٣)
ثانيا: المعقول:
وذلك أنه ذهب جمال السن بتسويدها. فكملت ديتها على من سودها؛ كما لو سود وجهه. (^٤)
الرواية الثانية: دية تسود السن ثلث الدية.
* قال المرداوي -﵀-: (وعنه في تسويد السن: ثلث ديتها. كتسويد أنفه مع بقاء نفعه.) (^٥)
واستدلوا بالسنة وقول الصحابي والمعقول:
أولا: السنة:
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله -ﷺ- «قضى في العين العوراء السادة لمكانها إذا طمست بثلث ديتها، وفي اليد الشلاء إذا قطعت بثلث ديتها، وفي السن السوداء إذا نزعت بثلث ديتها.» (^٦)
_________________
(١) يستأنى بها: أي ينتظر بها. انظر: «مختار الصحاح»، (ص: ٢٥).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٩/ ٣٤٨)، رقم (١٧٥٠٩)، من طريق عن الحجاج بن أرطاة، عن مكحول، عن زيد بن ثابت، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٥/ ٣٧٢) رقم (٢٧٠٣٦) و«المحلى»، لابن حزم، (١١/ ٢٦) والبيهقي في «السنن الكبرى»، (٨/ ١٥٧) رقم (١٦٢٦٢)، حجاج بن أرطاه = قال ابن حجر -﵀- في «التقريب»: (صدوق كثير الخطأ والتدليس) (ص: ١٥٢) مكحول بن أبي مسلم= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة فقيه، كثير الإرسال، مشهور) (ص: ٥٤٥)
(٣) انظر: «كشاف القناع» (٦/ ٤٤)
(٤) انظر: «المغني» (١٢/ ١٣٧) و«العدة شرح العمدة»، لبهاء الدين المقدسي (٢/ ١٥٢). و«الممتع في شرح المقنع» (٤/ ١٤٦)
(٥) «الإنصاف» (٢٥/ ٤٩٩)
(٦) أخرجه النسائي في «سننه»، كتاب القسامة والقود، باب العين العوراء السادة لمكانها إذا طمست، (٨/ ٥٥) رقم (٤٨٤٠)، وعبد الرزاق في «مصنفه»، (٩/ ٣٥٠) رقم (١٧٥٢١)، وابن أبي شيبة في «مصنفه»، (٥/ ٣٧٣) رقم (٢٧٠٥٧)، والدارقطني في «سننه» (٤/ ١٤٦) رقم (٣٢٤١) والبيهقي في «السنن الكبرى»، (٨/ ١٧١) رقم (١٦٣٢٧)، وابن أبي عاصم «كتاب الديات»، (ص: ٤٥٦) وقال الألباني في «الأرواء»: (وهذا إسناد حسن إن كان العلاء حدث به قبل الاختلاط فإنه صدوق فقيه) (٧/ ٣٢٨)
[ ١٥٤ ]
وجه الدلالة: أن الرسول -ﷺ- قضى في السن السوداء ثلث الدية
ثانيا: قول الصحابي:
عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: «في العين القائمة والسن السوداء واليد الشلاء ثلث ديتها.» (^١)
وجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب -﵁- جعل مقدار السن السوداء ثلث الدية.
ثالثا: المعقول:
وذلك أن التقدير لا يثبت إلا بالتوقيف وكتسويد أنفه مع بقاء نفعه (^٢)
الرواية الثالثة: أن تسويد السن فيه حكومة
* قال ابن قدامة -﵀-: (وإن جنى على سنه فسودها، فحكي عن أحمد، -﵀- في ذلك روايتان؛ والرواية الثانية، عن أحمد، أنه إن أذهب منفعتها من المضغ عليها ونحوه، ففيها ديتها، وإن لم يذهب نفعها، ففيها حكومة.) (^٣)
* وقال المرداوي -﵀-: (وقال أبو بكر: في تسويد السن حكومة. وهو رواية عن الإمام أحمد -﵀- كما لو احمرت، أو اصفرت، أو كلت) (^٤)
الدليل المعقول:
وذلك أنه لم تذهب منفعتها. أشبه ما لو تغير لون عينه وهو يبصر. (^٥)
الراجح:
الراجح والله أعلم الرواية الأولى وأن دية تسود السن الدية كاملة وذلك أن قول زيد بن ثابت ولم يعرف له مخالف في الصحابة، فكان إجماعًا ورجح ذلك ابن قدامة (^٦) والبهوتي (^٧) وغيرهم (^٨)
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى»، (٨/ ١٧١) رقم (١٦٣٢٧) وعبد الرزاق في «مصنفه»، (٩/ ٣٥٠) رقم (١٧٥٢١) وابن أبي شيبة في «مصنفه»، (٥/ ٣٧٣) رقم (٢٧٠٥٧)، وابن أبي عاصم في «كتاب الديات»، (ص: ٤٥٦) قال الألباني في «الأرواء»: (هذا إسناد صحيح) (٧/ ٣٢٩)
(٢) «الممتع في شرح المقنع» (٤/ ١٤٦)
(٣) «المغني» (١٢/ ١٣٧)
(٤) «الإنصاف» (٢٥/ ٤٩٩)
(٥) انظر: «الممتع في شرح المقنع» (٤/ ١٤٦)
(٦) «المغني» (١٢/ ١٣٧)
(٧) «كشاف القناع» (١٣/ ٤٠٩)
(٨) كالدجيلي في «الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل» (ص ٤٤٩) والأدمي الحنبلي في «المنور في راجح المحرر» (ص ٤١٨)
[ ١٥٥ ]
المبحث الثاني: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب الحدود
* المطلب الأول: من ارتكب حدًا جاهلًا.
* المطلب الثاني: إقامة الحد على الأمة المزوَّجة.
* المطلب الثالث: صفة إقامة الحد على الرجل.
* المطلب الرابع: عدم مد المحدود وربطه وشده.
* المطلب الخامس: إتقاء ضرب الرأس والوجه للمحدود.
* المطلب السادس: صفة إقامة الحد على المرأة.
* المطلب السابع: تداخل الحدود مع القتل.
* المطلب الثامن: من سرق من بيت المال.
* المطلب التاسع: سرقة أحد الزوجين من الأخر.
* المطلب العاشر: موضع القطع لليد اليمنى في السرقة الأولى.
* المطلب الحادي عشر: موضع القطع للرجل اليسرى في السرقة الثانية.
* المطلب الثاني عشر: ثبوت الإمامة بإجماع المسلمين.
* المطلب الثالث عشر: ثبوت الإمامة بتنيص الخليفة قبله.
* المطلب الرابع عشر: ثبوت الإمامة بالغلبة.
* المطلب الخامس عشر: حكم مراسلة أهل البغي.
* المطلب السادس عشر: عزل الإمام لنفسه.
* المطلب السابع عشر: غنيمة أموال أهل البغي وسبي ذريتاهم.
* المطلب الثامن عشر: قتل مدبر وجريح أهل البغي.
* المطلب التاسع عشر: من أظهر من قول الخوارج.
* المطلب العشرون: من أتى حد من أهل البغي.
[ ١٥٧ ]