اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين:
الرواية المعتمدة: ثبوت خيار الفسخ للمرأة في زوجها.
* قال ابن قدامة -﵀-: (إن وجدت زوجها خصيًا ففيه وجهان. أحدهما، لها الخيار) (^٤)
* وقال المرداوي -﵀- (الخصاء: وهو قطع الخصيتين، والسل، وهو سل البيضتين، والوجاء؛ وهو رضهما هل يثبت الخيار؟ على وجهين، أحدهما، يثبت الخيار.) (^٥)
_________________
(١) الاستبراء: براءة رحم الأمة من الحمل. انظر: «المطلع على ألفاظ المقنع» (ص ٤٢٤)
(٢) «المغني» (٩/ ٥٦٦)
(٣) الخَصي: هو: من سُلَّتْ خصيتاه. انظر: «الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي»، لابن المبرد (٣/ ٦٤٢)
(٤) انظر: «الكافي» (٣/ ٤٣)
(٥) انظر: «الإنصاف» (٢٠/ ٥٠٣)
[ ٨٣ ]
* وقال البهوتي -﵀-: (ويثبت للمرأة خيار الفسخ بخصاء الرجل وهو قطع الخصيتين ويثبت لها الخيار أيضا بسل وهو سلهما أي الخصيتين، ويثبت الخيار لها أيضا بوجاء بكسر الواو والمد وهو رضهما أي رض الخصيتين، وقد روى أبو عبيد (^١) بإسناده عن سليمان بن يسار (^٢) أن ابن سند (^٣) تزوج امرأة وهو خصي فقال له عمر: أعلمتها قال: لا قال أعلمها ثم خيرها) (^٤)
استدلوا على هذه الرواية: بقول الصحابي والمعقول:
أولًا: قول الصحابي:
عن سليمان بن يسار «أن ابن سندر تزوج امرأة وهو خصي (^٥)، فقال له عمر: أكنت أعلمتها؟ قال: لا. قال: فأعلمها ثم خيرها» (^٦)
_________________
(١) هو: القاسم بن سلام بن عبد الله، أبو عبيد، ولد سنة (١٥٧ هـ)، وسمع: سفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، حدث عنه: نصر بن داود، وأبو بكر الصاغاني، له: «كتاب الغريب» و«فضائل القرآن»، اشتغل بالحديث والأدب والفقه، وكان ذا دين وسيرة جميلة ومذهب حسن وفضل بارع، مات سنة (٢٢٣ هـ) وقيل غير ذلك. «وفيات الأعيان»، (٤/ ٦٠)، «سير أعلام النبلاء»، (١٠/ ٤٩٠)
(٢) هو: سليمان بن يسار المدني مولى أم المؤمنين مولى ميمونة زوجة رسول الله -ﷺ-، أبو أيوب وقيل: أبو عبد الرحمن، وأبو عبد الله، ولد: في خلافة عثمان -﵁-، حدث عن: زيد بن ثابت، وابن عباس، حدث عنه: أخوه؛ عطاء، والزهري، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان عالمًا ثقة عابدًا ورعًا حجة، مات سنة (١٠٧ هـ). «وفيات الأعيان» (٢/ ٣٩٩)، «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٤٤٤)
(٣) الصحيح الذي ورد في كتب التراجم هو: ابن سندر وليس ابن سند. انظر: «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (٣/ ٩٢٤) «الإصابة في تمييز الصحابة» (٣/ ١٦٠)
(٤) «كشاف القناع» (١١/ ٤٠٨)
(٥) اسمه عبد الله بن سندر. انظر: «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (٣/ ٩٢٤) «الإصابة في تمييز الصحابة» (٣/ ١٦٠)
(٦) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٨/ ٤٥٤) من طريق علي قال: حدثنا عمر بن طارق، عن يحيى، عن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار ، وابن أبي شيبة في «مصنفه»، (٤/ ٤٧) رقم (١٧٦٤٦) من طريق زيد بن الحباب، قال: حدثني يحيى بن أيوب المصري، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار … وفيه ولم يعلمها ففرق بينهما. والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١٠/ ١٨٩) رقم (١٤١٥٩) قال روينا عن سليمان بن يسار وفيه ولم تعلم فنزعها منه عمر بن الخطاب. تنبيه: تفرد ابن المنذر -﵀- بلفظ فأعلمها ثم خيرها.، وقال البيهقي في «معرفة السنن والآثار»: (إسناده منقطع)، وقال الألباني في «الإرواء» (وهذا سند صحيح على شرط مسلم لو كان سليمان سمع من عمر، فقد ولد بعد وفاته بسنة أو أكثر) (٦/ ٣٢٢) فهو منقطع.
[ ٨٤ ]
وجه الدلالة: دل فعل عمر -﵁- على أن للمرأة الخيار في الفسخ وعدمه. وبذلك يكون الخصاء عيب ينفسخ به النكاح.
ثانيًا: المعقول.
وذلك أن الرجل الخصي يعتبر هذا العيب في حقه نقصًا وعارًا مانعٌ للوطء ومثيرٌ للنفرة. (^١)
الرواية الثانية: عدم ثبوت خيار الفسخ للمرأة في زوجها.
* قال ابن قدامة -﵀-: (إن وجدت زوجها خصيًا ففيه وجهان: والثاني: لا خيار لها؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع.) (^٢)
* وقال المرداوي -﵀-: (الخصاء … هل يثبت الخيار؟ على وجهين. والوجه الثاني، لا يثبت الخيار.) (^٣)
واستدلوا بالمعقول:
وذلك أن الخصاء لايعتبر مانع من الاستماع وبذلك لايثبت للمرأة الخيار في البقاء مع زوجها أو فسخ عقد النكاح. (^٤)
الراجح:
والراجح والله أعلم الرواية الأولى وأن للمرأة ثبوت خيار الفسخ في زوجها إذا كان زوجها خصيَّا. وهي المذهب عند الحنابلة ورجح ذلك ابن القيم -﵀- وقال: (كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة فيوجب الخيار بل هو: أولى من البيع.) (^٥) وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: (الخصاء يضعف الوطء، أو يزول بالكلية، ويمنع من النسل) (^٦) ولاشك أن المطلب الأساسي من الزواج هو: وجود النسل والعيب الذي يمنع النسل يثبت فيه الخيار.
_________________
(١) انظر: «الكافي» (٣/ ٤٣) و«الممتع في شرح المقنع» (٣/ ٦٣٢)
(٢) انظر: «الكافي» (٣/ ٤٣)
(٣) انظر: «الإنصاف» (٢٠/ ٥٠٣)
(٤) انظر: «الكافي» (٣/ ٤٣)
(٥) انظر: «زاد المعاد»، لابن القيم، (٥/ ١٦٦)
(٦) انظر: «الشرح الممتع» (١٢/ ٢١٥)
[ ٨٥ ]