تصوير المسألة: وهي أن الأمة المعروضة للبيع إذا أراد الرجل شراؤها فيجوز له عند الحنابلة النظر إليها لكن اختلفوا في القدر المباح الذي ينظر إليه منها ما هو؟ أما إن كان الرجل لا يريد شراؤها، أو كانت الأمة غير مستامة؛ فليست محل البحث هنا.
اختلف فقاء الحنابلة في ذلك على روايتين:
الرواية المعتمدة: جواز النظر إلى الأمة المستامة إلى ما يظهر غالبًا كالوجه واليد والرقبة والقدم، وإلى الرأس والساقين منها.
* قال المرداوي -﵀-: (قوله: وله النظر إلى ذلك، وإلى الرأس والساقين من الأمة المستامة. يعني له النظر إلى ما يظهر غالبًا، وإلى الرأس والساقين منها. وهوالمذهب). (^٢)
* وقال البهوتي -﵀-: (ولرجل وامرأة نظر ذلك أي الوجه واليد والرقبة والقدم ورأس وساق من أمة مستامة أي معرضة للبيع يريد شراءها كما لو أراد خطبتها بل المستامة أولى، لأنها تراد للاستمتاع وغيره وروى أبو حفص (^٣) أن ابن عمر كان يضع يده بين ثدييها وعلى عجزها (^٤) من فوق الثياب ويكشف عن ساقيها.) (^٥)
_________________
(١) الأمة المستامة: هي المطلوب شراؤها، يقال: سام الشيء اتسامه: طلب ابتياعه. انظر: «المطلع على ألفاظ المقنع» (ص ٣٨٧)
(٢) «الإنصاف»، (٢٠/ ٣٣)
(٣) هو: عمر بن إبراهيم بن عبد اللَّه العكبري، أبو حفص، عرف بابْن المسلم، سمع من أبي علي الصواف وأبي بكر النجاد،، وأكثر من ملازمة ابن بطة له معرفة تامة بالمذهب، رحل إلى الكوفة والبصرة وغيرهما من البلدان، وله تصانيف كثيرة منها المقنع وشرح الخرقى، مات سنة (٨٨٧ هـ) «طبقات الحنابلة»، (٢/ ١٦٣)، «المقصد الأرشد»، (٢/ ١٩٢)
(٤) عجزها: العجز: مؤخر الشيء والمقصود مؤخرة المرأة. انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٣/ ١٨٥)
(٥) انظر: «شرح منتهى الإرادات» للبهوتي (٥/ ١٠٣)
[ ٦٨ ]
استدلوا على هذه الرواية: بقول الصحابي والمعقول:
أولًا: قول الصحابي:
عن نافع (^١) عن ابن عمر -﵁- «أنه كان إذا اشترى جارية كشف عن ساقها ووضع يده بين ثدييها وعلى عَجُزهَا. وكأنه كان يضعها عليها من وراء الثوب.» (^٢)
وجه الدلالة: فعل ابن عمر -﵁- عند شراء الأمة دليل على الجواز في النظر للأمة إلى ما يظهر غالبًا وإلى ساقيها.
ثانيًا: المعقول:
أن الحاجة عند شراء الأمة المستامة تدعو إلى النظر إلى ما يظهر منها غالبًا، وإلى رأسها وساقيها؛ وأن رؤية ذلك يحصل المقصود به؛ لأنها تراد للاستمتاع وغيره من التجارة، وحسنها يزيد في ثمنها. (^٣)
الرواية الثانية: جواز النظر للأمة المستامة ماعدا عورتها في الصلاة. (^٤)
* قال ابن قدامة -﵀-: (ويجوز لمن أراد شراء جارية النظر منها إلى ما عدا عورتها). (^٥)
* وقال المرداوي -﵀-: (وعنه، ينظر سوى عورة الصلاة.). (^٦)
واستدلوا بالمعقول.
وذلك أن الرجل الذي يريد شراء الأمة المستامة تستدعي حاجته النظر إليها لمعرفتها ويستثنى من ذلك عورتها في الصلاة وذلك كالنظر الى الوجه ليعرف مايشتريه. (^٧)
ويمكن أن يناقش: بأن المقصود الذي يحصل به للرجل في شراء الأمة غالبًا هو: النظر إلى مايظهر
_________________
(١) هو: نافع القرشي مولى ابن عمر أبو عبد الله، أخذ عن: ابن عمر وعائشة،، وعنه: الزهري، ومالك بن أنس، أحد الأئمة الكبار بالمدينة قال أهل الحديث: (رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة.)، مات سنة (١١٧ هـ) (١٢٠ هـ). «وفيات الأعيان» (٥/ ٣٦٧) و«سير أعلام النبلاء» (٥/ ٩٥)
(٢) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» للبيهقي (٥/ ٥٣٧) رقم (١٠٧٨٩)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (٧/ ٢٨٥) رقم (١٣٢٠٠)، وابن أبي شيبه في «مصنفه»، (٤/ ٢٨٩) رقم (٢٠٢٤١) وصححه الألباني في «الإرواء» (٦/ ٢٠١)
(٣) انظر: «المبدع في شرح المقنع» لإبراهيم ابن مفلح (٦/ ٨٥) «كشاف القناع» (٥/ ١١)
(٤) عورة الأمة في الصلاة: هي ما بين السرة والركبة انظر: «كشاف القناع» (٢/ ١٢٧)
(٥) «الكافي» (٣/ ٥)
(٦) «الإنصاف»، (٢٠/ ٣٤)
(٧) انظر: «الكافي» (٣/ ٥) و«فتح الملك العزيز»، (٥/ ١٣٦)
[ ٦٩ ]
غالبًا كالوجه واليد والرقبة والقدم، وإلى الرأس والساقين منها. وبما ورد في الأثر الصحيح عن ابن عمر -﵁-
الراجح:
الراجح والله أعلم الرواية الأولى وجواز النظر إلى الأمة المستامة يكون إلى ما يظهر منها غالبًا، وإلى الرأس والساقين منها. وهي المذهب عند الحنابلة ورجحها أبو الخطاب (^١) والبهوتي (^٢) وذلك لصحة الأثر عن ابن عمر -﵁-.
* * *