اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين:
الرواية المعتمدة: عدة المفارقة لزوجها وهو غائب من يوم فراقه بموت أو طلاق.
* قال ابن قدامة -﵀-: (وإذا طلقها زوجها، أو مات عنها، وهو ناء عنها، فعدتها من يوم مات أو طلق، إذا صح ذلك عندها، وإن لم تجتنب ما تجتنبه المعتدة هذا المشهور
_________________
(١) [سورة الأحقاف: ١٥]
(٢) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٧٢٧) رقم (١٥٥٤٨) من طريق أبي نصر بن قتادة، أنا أبو منصور العباس بن الفضل النضروي، نا أحمد بن نجدة، نا سعيد بن منصور، نا هشيم، أنا داود بن أبي هند عن عكرمة …، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢/ ٩٣) رقم (٢٠٧٥)، والحاكم في «مستدركه» (٢/ ٣٣٦) رقم (٣١٦٧) من طريق علي بن عيسى الحيري، ثنا الحسين بن محمد بن زياد، وإبراهيم بن أبي طالب، قالا: ثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، ثنا حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. أبو نصر بن قتادة = قال الشيخ الفاضل محمَّد عمرو عبد اللطيف في «أحاديث ومرويات في الميزان، حديث قلب القرآن يس» عقب حديث "من قرأ يس فكأنما قرأ القرآن عشر مرات": ورجاله كلهم ثقات إلا أن أبا نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة النعماني لم أهتد إليه بعد، وهو: من شيوخ البيهقي الذين أكثر عنهم جدًا في تصانيفه. (ص ٦٢) ووثقه الشيخ أبو الطيب المنصوري في «السلسبيل النقي في تراجم شيوخ البيهقي» وذكر أنه مكثرا ويحدث من أصل كتابه (ص ٥١٧)، العباس بن الفضل = قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة مشهور) (ص ٢٩٤)، أحمد بن نجدة = قال الذهبي -﵀- «تاريخ الإسلام» (كان ثقة معمرا) (٦/ ٨٩٨)، سعيد بن منصور = قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة مصنف) (ص ٢٤١)، هشيم بن بشير = تقدم أنه ثقة، داود بن أبي هند = قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة متقن، كان يهم بآخره) (ص ٢٠٠)، عكرمة أبو عبد الله= تقدم أنه ثقة.
(٣) انظر: «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٨٩)
(٤) العدة: ما تعده المرأة من أيام أقرائها، وأيام حملها، أو أربعة أشهر وعشر ليال للمتوفى عنها. «المطلع على ألفاظ المقنع» (ص ٤٢٢)
[ ١١٩ ]
في المذهب، وأنه متى ما تزوجها أو طلقها، فعدتها من يوم موته وطلاقه وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود.) (^١)
* وقال المرداوي -﵀-: (قوله: ومن طلقها زوجها، أو مات عنها وهو غائب عنها، فعدتها من يوم مات أو طلق، وإن لم تجتنب ما تجتنبه المعتدة -وهذا المذهب مطلقا. وعليه الأصحاب) (^٢)
* وقال البهوتي -﵀-: (ومن طلقها زوجها وهو غائب أو مات عنها زوجها وهو غائب عنها فعدتها من يوم مات أو طلق روي عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود) (^٣)
استدلوا على هذه الرواية بقول الصحابي والمعقول.
أولًا: قول الصحابي
١ - عن نافع عن ابن عمر -﵄- قال: «عدتها من يوم طلقها ومن يوم يموت عنها.» (^٤)
٢ - وعن الأسود (^٥) ومسروق (^٦) وعَبِيدَةَ (^٧) عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «عدة المطلقة من
_________________
(١) «المغني» (١١/ ٣٠٧)
(٢) «الإنصاف» (٢٤/ ٩٨)
(٣) «كشاف القناع» (١٣/ ٣٧)
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٤/ ١٦٠) رقم (١٨٩١٧) من طريق أبو معاوية، عن عبيد الله، عن نافع …، والبيهقي في «السنن الكبرى»، (٧/ ٦٩٧) رقم (١٥٤٤٥)، وعبد الرزاق في «مصنفه»، (٦/ ٣٢٧) رقم (١١٠٤٢)، وسعيد بن منصور في «سننه»، (١/ ٣٢٨) رقم (١١٩٨)، وصححه الزيلعي في «نصب الراية» (٣/ ٢٥٩)
(٥) هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي أبو عمرو، وهو: من المخضرمين، حدث عن: معاذ بن جبل، وابن مسعود، حدث عنه: إبراهيم النخعي، وعمارة بن عمير، قال الشعبي: (كان صوامًا، قوامًا، حجاجًا). مات سنة (٧٥ هـ). «الطبقات الكبرى» (٦/ ١٣٤) و«سير أعلام النبلاء» (٤/ ٥٠)
(٦) هو: مسروق عبد الرحمن بن مالك بن أمية الهمداني، أَبو عائشة، من المخضرمين، سمع من أبي بكر وعمر -﵄-، روى عنه: سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، قال ابن سعد: (كان مسروق ثقة، له أحاديث صالحة)، مات سنة ٦٣ (٦٣ هـ) «تاريخ بغداد،» (١٥/ ٣١١) و«تاريخ الإسلام» (٢/ ٧١٢)
(٧) هو: عَبِيدَةَ بن عمرو السلماني، أخذ عن: علي، وابن مسعود -﵄-، روى عنه: إبراهيم النخعي، والشعبي، وكان ثبتًا في الحديث وبرع في الفقه، قال ابن سيرين: (ما رأيت رجلا كان أشد توقيًا منه). وكان من أصحاب ابن مسعود، مات سنة (٧٢ هـ) على الأصح. انظر: «تاريخ بغداد،» (١٢/ ٤٢٢) و«سير أعلام النبلاء»، (٤/ ٤٠)
[ ١٢٠ ]
حين تطلق والمتوفى عنها زوجها من حين يتوفى.» (^١)
٣ - وعن عكرمة، عن ابن عباس -﵁- قال: «تعتد من يوم طلقها أو مات عنها.» (^٢)
وجه الدلالة منها: جعل الصحابة -﵃- ابتداء العدة للمفارقة لزوجها سواء بطلاق أو بموت من حين الفراق فإن كان طلاقًا فمن يوم طلاقها وإن كان بالوفاة فمن يوم الوفاة.
ثانيا: المعقول، وذلك من وجهين:
الأول: أن المرأة لو كانت حاملًا، فوضعت غير عالمة بفرقة زوجها؛ لانقضت عدتها، وهكذا سائر أنواع العدد كما لو كان حاضر.
الثاني: أن القصد غير معتبر في العدة بدليل الصغيرة، والمجنونة تنقضي عدتهما من غير قصد، ولم يعدم ههنا إلا القصد (^٣)
الرواية الثانية: إن قامت بينة ابتدت عدتها من يوم الفراق بموت أو طلاق وإن لم تقم بينة فمن يوم يأتيها الخبر.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى»، (٧/ ٦٩٧) رقم (١٥٤٤٦)، من طريق علي بن محمد المقري، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، نا يوسف بن يعقوب، نا عمرو بن مرزوق، نا زهير عن أبي إسحاق، عن الأسود ومسروق وعَبِيدَةَ …، علي بن محمد المقري= ذكر الذهبي -﵀- ترجمته في «تاريخ الإسلام» (٩/ ٣٢٣) ولم يذكر فيه ولم يذكر فيه جرحًا وتعديلًا إلا أنه قال: روى عن الحسن بن محمد بن إسحاق ابن أخت أبي عوانة الإسفراييني، وغيره. أكثر عنه أبو بكر البيهقي في كتبه، الحسن بن محمد الإسفراييني = قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» (قال الحاكم: كان محدث عصره، ومن أجود الناس أصولا.) (٧/ ٨٣٣)، يوسف بن يعقوب = قال الذهبي -﵀- في «تاريخ الإسلام» (قال الخطيب -﵀-: كان ثقة) (٦/ ١٠٦٩)، عمرو بن مرزوق = قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة فاضل له أوهام) (ص: ٤٢٦)، زهير بن معاوية = قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة ثبت) (ص ٢١٨) أبو إسحاق عمرو بن عبد الله = تقدم أنه ثقة، الأسود بن يزيد= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (مخضرم ثقة مكثر فقيه) (ص ١١١)، مسروق بن الأجدع= تقدم أنه ثقة، عَبِيدَةَ بن عمرو= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (تابعي كبير مخضرم فقيه ثبت) (ص ٣٧٩)
(٢) أخرجه عبد الرزاق «مصنفه» (٦/ ٣٢٧) رقم (١١٠٤٣) من طريق عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة …، وابن أبي شيبة في «مصنفه»، (٤/ ١٦٠) رقم (١٨٩١٦) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٦٩٧) رقم (١٥٤٤٧) وصححه زكريا غلام في كتابه «ما صح من اثار الصحابة» (٣/ ١٠٥٨).
(٣) انظر: «المغني» (١١/ ٣٠٨) «المبدع في شرح المقنع» (٧/ ٩٤)
[ ١٢١ ]
* قال ابن قدامة -﵀-: (وعن أحمد: إن قامت بذلك بينة، فكما ذكرنا وإلا فعدتها من يوم يأتيها الخبر ويروى عن علي -﵁-.) (^١)
* وقال المرداوي -﵀-: (وعنه إن ثبت ذلك ببينة -أو كانت بوضع الحمل- فكذلك، وإلا فعدتها من يوم بلغها الخبر.) (^٢)
واستدلوا بقول الصحابي والمعقول:
أولًا: قول الصحابي:
عن الحكم (^٣) أن عليًا قال: «من يوم يأتيها الخبر» (^٤)
وجه الدلالة: جعل الصحابي علي -﵁- ابتداء عدة الفراق سواء بطلاق أو موت عن زوجها من حين سماعها بالخبر. (وهذه الرواية الأشهر عن علي) (^٥)
ثانيًا: المعقول:
وذلك أن العدة فيها اجتناب أشياء وهي الزينة، ولم تجتنبها من تعتد بمفارقة زوجها تلك الأشياء إلا من وقت إتيان الخبر لها. (^٦)
_________________
(١) «المغني» (١١/ ٣٠٧)
(٢) «الإنصاف» (٢٤/ ٩٨)
(٣) هو: الحكم بن عتيبة الكندي مولى عدي بن عدي الكندي، أبو محمد، ولد سنة (٥٠ هـ) حدث عن: شريح القاضي، وعطاء بن أبي رباح، وعنه: منصور، والأعمش، عالم أهل الكوفة، قال يحيى بن أبي كثير: (ما بين لا بتيها أفقه منه)، وقال العجلي: (كان ثقة، ثبتًا، فقيهًا، من كبار أصحاب إبراهيم، وصاحب سنة واتباع). مات سنة (١١٥ هـ) انظر: «سير أعلام النبلاء» (٥/ ٢٠٨) «طبقات الحفاظ» (٥٢/ ١٠٠)
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٤/ ١٦١) رقم (١٨٩٢٧) من طريق إسماعيل ابن علية، عن ليث، عن الحكم …، وعبد الرزاق في «مصنفه» (٦/ ٣٢٨) (١١٠٥١)، إسماعيل ابن علية= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة حافظ) (ص ١٠٥)، ليث بن أبي سليم = قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك) (ص ٤٦٤)، الحكم بن عتيبة= قال ابن حجر -﵁- في «التقريب» (ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس) (ص ١٧٥)، ولم يدرك عليًا كما في «تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل»، لابن العراقي (ص ٨١).
(٥) قاله البيهقي في «السنن الكبرى»، (٧/ ٦٩٨) رقم (١٥٤٤٩)
(٦) انظر: «المبدع في شرح المقنع» (٧/ ٩٤)
[ ١٢٢ ]
ونوقش من ثلاث أوجه:
الأول: أنه ينتقض بما إذا ثبت ببينة (^١)
الثاني: أن الإحداد الواجب ليس بشرط في العدة، فلو تركته قصدًا، أو عن غير قصد، لانقضت عدتها.
قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (^٣)، وقال تعالى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (^٤).
الثالث: أن القول بالاشتراط في الإحداد مخالفة لهذه الأيات السابقة، فوجب أن لا يشترط. (^٥)
الراجح:
الراجح والله أعلم الرواية الأولى وأن عدة المفارقة لزوجها وهو غائب من يوم فراقه بموت أو طلاق. وهي المعتمدة في المذهب لصحة الأثر فيها ورجحها ابن قدامة (^٦) والبهوتي (^٧) وغيرهم (^٨) وقد رجحها الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^٩)
* * *