بعد عرض أدلة القائلين بحجية مذهب الصحابي وأدلة النافين له، يظهر للباحثة والعلم عند الله حجية مذهب الصحابي، وذلك للأدلة التي نصت على فضلهم، ومكانة علمهم، وموافقتهم للصواب، وملازمتهم للنبي -ﷺ-، وأخذ التابعين عنهم واقتفائهم لأقوالهم واجتهاداتهم، كما هو معروف عند الأئمة الأربعة -﵏- في طيات كتبهم الفقهية وخاصة الإمام أحمد -﵀-. كل هذا يجعل لمذهب الصحابي قوة ليكون دليلًا من أدلة التشريع الإسلامي، يستدل به في الفروع الفقهية. وقد رجحه أكثر الحنابلة -﵏-، ومنهم ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله وغيرهم. قال ابن تيمية -﵀-: (وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها واعتبر هذا بمسائل الأيمان بالنذر وغير ذلك، وقد بينت فيما كتبته أن المنقول
_________________
(١) المصدر السابق (٤/ ١١٨٩)
(٢) انظر: «إتحاف ذوي البصائر»، للنملة (٤/ ٢٦٣)
(٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢٦٣)
(٤) انظر: «العدة في أصول الفقه» (٤/ ١١٩٠)
(٥) انظر: «إتحاف ذوي البصائر» (٤/ ٢٦٣)
(٦) انظر: «إتحاف ذوي البصائر» (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥)
[ ٥٨ ]
فيها عن الصحابة هو أصح الأقوال قضاء وقياسًا، وعليه يدل الكتاب والسنة وعليه يدل القياس الجليّ وكل قول سوى ذلك تناقض في القياس مخالف للنصوص … ولم أجد أجود الأقوال فيها إلا الأقوال المنقولة عن الصحابة). (^١)
ثمرة الخلاف في أن قول الصحابي حجة أم لا؟
الخلاف هنا معنوي له ثمرة وهي: اعتبار قول الصحابي دليلًا من الأدلة.
فمن قال: إن قول الصحابي حُجة
أضاف هذا الدليل إلى أدلتهم؛ فاستدل به على إثبات أحكامٍ شرعيةٍ لبعض الحوادث، فقالوا مثلًا بعدم وجوب الزكاة في الحلي؛ حيث إن ابن عمر -﵁- كان لا يخرج على حُلي بناته وجواريه الزكاة. (^٢) وغير ذلك من الأحكام الشرعية الكثيرة.
وأما النافون لحجية قول الصحابي
فلم يجعلوا قوله أو مذهبه أو فعله من الأدلة المعتبرة. فأوجبوا الزكاة في الحلي، ولم يعملوا بما ورد عن ابن عمر -﵁-، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^٣). وبغير ذلك من الأدلة. (^٤)
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٨٢)
(٢) أخرجه الإمام مالك في «الموطأ» (٢/ ٣٥٢) رقم (٨٥٩) من طريق عن نافع؛ «أن عبد الله بن عمر كان يحلي بناته وجواريه الذهب. ثم لا يخرج من حليهن الزكاة». وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ٥٨١).
(٣) [سورة البقرة: ٤٣]
(٤) انظر: «المهذب في علم أصول الفقه المقارن»، (٣/ ٩٨٧، ٩٨٦).
[ ٥٩ ]