اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين:
الرواية المعتمدة: أن الإيلاء يكون في حالتي الرضا والغضب.
* قال ابن قدامة -﵀-: (ولا يشترط (^٦) في الإيلاء الغضب، ولا قصد الإضرار روي ذلك عن ابن مسعود -﵁-.) (^٧)
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط»، (٧/ ٨٥) رقم (٦٩٢٧)، وقال عقب ذكره للأثر: (لم يرو هذا الحديث عن جعفر بن برقان عن هشام بن عروة إلا حسين بن عياش تفرد به علي بن جميل)، وقال ابن حبان في «المجروحين»: (علي بن جميل يضع الحديث وضعًا لا يحل كتابة حديثه ولا الرواية عنه بحال.) (٢/ ١١٦).
(٢) «المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين» (٢/ ٨٥)
(٣) انظر: «المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين» (٢/ ٨٥)
(٤) «المجروحين»، لابن حبان، (٢/ ١١٦)
(٥) الإيلاء: هو: أن يحلف الزوج القادر على الوطء بالله تعالى أو صفة من صفاته على ترك وطء زوجته في قُبلها مدة زائدة على أربعة أشهر. انظر: «المطلع على ألفاظ المقنع» (ص ٤١٦)
(٦) الشرط: هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. انظر: «التحبير شرح التحرير»، (٣/ ١٠٦٧)
(٧) «المغني» (١١/ ٢٦)
[ ١١١ ]
* وقال المرداوي -﵀-: (الشرط الثاني من شروط الإيلاء وهو الحلف بالله أو بصفه من صفاته وسواء كان في الرضا أو الغضب.) (^١)
* وقال البهوتي -﵀-: (ولا يشترط في صحة الإيلاء الغضب ولا قصد الإضرار قاله ابن مسعود، كالطلاق وقال ابن عباس: إنما الإيلاء في الغضب.) (^٢)
استدلوا على هذه الرواية: بالكتاب وقول الصحابي والمعقول والمعتمد قول الصحابي.
أولًا: الكتاب
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ (^٣)
وجه الدلالة: أن الله تعالى ذكر الإيلاء في الآية عامًا فكل مولٍ سواء في الرضا أو الغضب داخل في الآية إذ لم تخصص حالًا دون آخر فيقع منه. (^٤)
ثانيًا: قول الصحابي:
عن أبي عبيدة (^٥) عن عبد الله بن مسعود قال: «الإيلاء في الرضا والغضب.» (^٦)
وجه الدلالة: جعل ابن مسعود -﵁- الإيلاء في جميع الأحوال سواءً ولم يفرق بين الرضا والغضب.
ثالثًا: المعقول وذلك من عدة أوجه:
الأول: أن الزوج منع نفسه عن جماع زوجته بيمينه فكان موليًا كما في حال الغضب.
_________________
(١) انظر: «الإنصاف» (٢٣/ ١٤٧)
(٢) «كشاف القناع» (١٢/ ٤٥٠)
(٣) [سورة البقرة: ٢٢٦].
(٤) «المغني»، (١١/ ٢٦)
(٥) هو: عامر بن عبد الله بن مسعود الهذلي، أبو عبيدة روى عن: البراء بن عازب، وأبي موسى الأشعري -﵄-، وعنه: إبراهيم النخعي، وتميم بن سلمة، مات سنة (٨١ هـ) وقيل ٨٢ (٨٢ هـ). «تهذيب الكمال»، للمزي (١٤/ ٦١)، «تهذيب التهذيب» لابن حجر (٥/ ٧٥)
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، (٤/ ١٣٣) رقم (١٨٦٢٤). من طريق حفص بن غياث عن عبد الله بن عمرو بن مرة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة ، حفص بن غياث = قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة فقيه تغير حفظه قليل في الآخر) (ص: ١٧٣)، عبد الله بن عمرو بن مرة = قال ابن حجر -﵀- في «التقريب»: (صدوق يخطئ) (ص: ٣١٦)، عمرو بن مرة = قال ابن حج -﵀- في «التقريب»: (ثقة عابد كان لا يدلس ورمي بالإرجاء) (ص ٤٢٦)، أبو عبيدة = هو: عامر بن عبد الله بن مسعود قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه) (ص ٦٥٦) فالأثر مرسل.
[ ١١٢ ]
الثاني: أن حكم الإيلاء يثبت لحق الزوجة، فالواجب أن يثبت سواء قصد الإضرار أو لم يقصد، كما لو غضب فأتلف مالها فإنه يضمن. (^١)
الثالث: أن الطلاق والظهار وسائر الأيمان حكمها سواء لايختلف في حالتي الغضب والرضا وكذلك الإيلاء لايختلف في ذلك.
الرابع: أن حكم اليمين في الكفارة عند الحنث سواء فلا يختلف في الغضب والرضا وكذلك الإيلاء لايختلف عنها. (^٢)
الرواية الثانية: الإيلاء يكون في حال الغضب فقط.
* قال البهوتي -﵀-: (وقال ابن عباس، إنما الإيلاء في الغضب.) (^٣)
واستدلوا بقول الصحابي:
عن أبي فَزَارَةَ، (^٤) عن ابن عباس أنه قال: «إنما الإيلاء في الغضب.» (^٥)
وجه الدلالة: حصر ابن عباس -﵀- الإيلاء في حالة الغضب فقط وذلك بكلمة إنما وهي أداة حصر ومفهومه أن الإيلاء لايكون في الرضا.
وقد يناقش بأن تخصيص الإيلاء في حالة الغضب فقط بلا دليل. لأن الإيلاء في الآية لم يُقَيد حالة دون أخرى وإنما أطلق فدل على أن الإيلاء لا يختص بحالة دون أخرى. كما أن أثر ابن عباس -﵁- ضعيف
الراجح:
الراجح والله أعلم الرواية الأولى وأن الإيلاء لا يشترط في صحته الرضا والغضب فيقع في الحالتين ولأن قول الصحابي ابن مسعود -﵁- موافق لظاهر الأية وهي قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا
_________________
(١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٦)
(٢) المصدر السابق
(٣) «كشاف القناع» (١٢/ ٤٥٠)
(٤) هو: راشد بن كيسان العبسي، أبو فزارة، روى عن: أنس بن مالك، وسعيد بن جبير وعنه: حماد بن زيد، وسفيان الثوري، قال الدارقطني: ثقة كيس. «تهذيب الكمال» (٣/ ٥٧٦) و«تاريخ الإسلام» (٩/ ١٣)
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٢/ ٤٩) رقم (١٨٧٦) من طريق أبو وكيع، عن أبي فزارة …، والطبري في «جامع البيان» (٤/ ٤٥٩)، رقم (٤٤٨٨)، أبو وكيع الجراح بن مليح= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (صدوق يهم.) (ص ١٣٨)، أبو فزارة راشد بن كيسان= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة) (ص ٢٠٤).
[ ١١٣ ]
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ (^١) .. فهي لم تختص بحالة دون أخرى.
* * *