اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين:
الرواية الأولى: وجوب الدية كاملة.
* قال ابن قدامة -﵀-: (قال وتجب في أهداب العينين بمفردها الدية، وهو الشعر الذي على الأجفان، وفي كل واحد منها ربعها) (^٢) وقال في موضع اخر (وفي قرع الرأس إذا لم ينبت الشعر الدية. وفي شعر اللحية الدية، إذا لم ينبت. وفي الحاجبين الدية إذا لم تنبت هذه الشعور الثلاثة في كل واحد منها دية وذكر أصحابنا معها شعرا رابعا، وهو أهداب العينين، وقد ذكرناه قبل هذا. ففي كل واحد منهما دية. وروي عن علي وزيد بن ثابت) (^٣)
* وقال المرداوي -﵀-: (قوله وفي كل واحد من الشعور الأربعة: الدية. وهو شعر الرأس واللحية والحاجبين، وأهداب العينين. هذا المذهب، نص عليه. وعليه الأصحاب) (^٤)
* وقال البهوتي -﵀-: (وفي كل واحد من الشعور الثلاثة الأخرى الدية وهي شعر الرأس وشعر اللحية وشعر الحاجبين كثيفة كانت تلك الشعور أو خفيفة جميلة أو قبيحة من صغير أو كبير أذهبها بحيث لا تعود روي عن علي وزيد بن ثابت في الشعر الدية ولأنه أذهب الجمال على الكمال كما تقدم.) (^٥)
استدلوا على هذه الرواية بقول الصحابي والمعقول:
أولًا: قول الصحابي:
١ - عن سلمة بن تمام الشقري (^٦) قال: «مر رجل بِقِدِر، فوقعت على رأس رجل فأحرقت شعره،
_________________
(١) الشعور الأربعة هي: شعر الرأس، وشعر اللحية، وشعر الحاجبين، وأهداب العينين. «الروض المربع» (٣/ ٣٦٠)
(٢) «المغني» (١٢/ ١١٤)
(٣) «المغني» (١٢/ ١١٧)
(٤) «الإنصاف» (٢٥/ ٥٤٨)
(٥) «كشاف القناع»، (٦/ ٣٧)
(٦) هو: سلمة بن تمام الشقري الكوفي، أبو عبد الله، روى عن: إبراهيم النخعي، والشعبي، روى عنه: سفيان الثوري، وحماد بن زيد، قال أبو حاتم: صدوق. مات مابين سنة (١٣١ - ١٤٠ هـ) «تهذيب الكمال» (٣٤/ ٢٩) «تاريخ الإسلام» (٣/ ٦٦٦)
[ ١٤٧ ]
فرفع إلى علي فأجله سنة، فلم ينبت، فقضى فيه علي بالدية.» (^١)
وجه الدلالة: قضاء علي -﵁- بالدية كاملة لشعر الرأس حينما لم ينبت للمجني عليه وذلك بعد تأجيله سنه.
٢ - عن مكحول (^٢)، عن زيد بن ثابت -﵁- قال: «في الشعر إذا لم ينبت الدية.» (^٣)
وجه الدلالة: قول زيد نصٌّ في أن الشعر إذا لم ينبت تكون فيه الدية كاملة.
ثانيًا: المعقول وذلك من وجهين:
الأول: وذلك أنه أذهب الجمال على الكمال، فوجب فيه دية كاملة كأذن الأصم، وأنف الأخشم. (^٤)
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه»،، (٥/ ٣٥٧) رقم (٢٦٨٧٥) من طريق وكيع قال: حدثنا المنهال بن خليفة العجلي عن سلمة بن تمام الشقري ، وعبد الرزاق في «مصنفه»،، (٩/ ٣١٩) رقم (١٧٣٧٤)، وابن المنذر في «الاوسط»،، (١٣/ ٢٠٦) رقم (٩٤٦١). وابن حزم في «المحلى»، (١١/ ٥٢) وقال ابن المنذر عقب روايته للاثر: (ولا يثبت عن علي وزيد ما روي عنهما.) (١٣/ ٢٠٧)، وكيع بن الجراح= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة حافظ عابد) (ص ٥٨١)، المنهال بن خليفة العجلي = قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ضعيف) (ص ٥٤٧)، سلمة بن تمام الشقري= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (صدوق) (ص ٢٤٧)
(٢) هو: مكحول بن أبي مسلم واسمه شهراب ابن شاذل بن سند، أبو عبد الله، روى عن: أنس بن مالك وأبي إدريس الخولاني، وعنه: عامر الأحول، وحجاج بن أرطأة، وهو: فقيه الشام وشيخ أهل دمشق، قال الزهري: العلماء ثلاثة، فذكر منهم مكحولًا. واختلف في وفاته قيل (١١٢ هـ) وقيل (١١٣ هـ) وقيل غير ذلك. انظر: «تاريخ الإسلام» (٣/ ٣٢٠) «وفيات الأعيان» (٥/ ٢٨٠)
(٣) أخرجه البيهقي، في «السنن الكبرى» (٨/ ١٧٢) رقم (١٦٣٣٠)، وابن أبي شيبة في «مصنفه»،، (٥/ ٣٥٧) رقم (٢٦٨٧٦)، وابن المنذر، في «الأوسط»، (١٣/ ٢٠٦) رقم (٩٤٦١)، وابن حزم في «المحلى»،، (١١/ ٥٢). وقال ابن حزم: (جاء هاهنا عن علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت: ما لا يعرف عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين مخالف) (١١/ ٥٢).: قال البيهقي: في «السنن الكبرى» (هذا منقطع. والحجاج بن أرطاة لا يحتج به) (٨/ ١٧٢) رقم (١٦٣٣٠)،، وقال ابن المنذر في «الأوسط» (ولا يثبت عن علي وزيد ما روي عنهما) (١٣/ ٢٠٧)
(٤) انظر: «المغني» (١٢/ ١١٧)، «المبدع في شرح المقنع» (٧/ ٣٢٤)
[ ١٤٨ ]
الثاني: أن فيها أي أهداب العينين جمالًا ونفعًا، فإنها تقي العينين، وترد عنهما، وتحسن العين وتجملها، فوجبت فيها الدية كالأجفان، فإن قطع الأجفان بأهدابها، لم يجب أكثر من دية؛ لأن الشعر يزول تبعًا لزوال الأجفان، فلم تفرد بضمان، كالأصابع إذا قطع اليد وهي عليها. (^١)
الرواية الثانية أن في كل شعر من ذلك فيه حكومة (^٢).
* قال المرداوي -﵀-: (وعنه في كل شعر من ذلك حكومة. كالشارب، نص عليه) (^٣)
* وقال ابن مفلح -﵀-: (وعنه: فيه حكومة كالشارب) (^٤)
واستدلوا بالمعقول:
وذلك أنه إتلاف جمال من غير منفعة كاليد الشلاء والعين القائمة.
ونوقش: أنه أذهب الجمال على الكمال فوجب فيه دية كأذن الأصم وأنف الأخشم، والحاجب يرد العرق عن العين ويفرقه، وهدب العين يرد عنها ويصونها فجرى مجرى أجفانها، واليد الشلاء ليس جمالها كاملا، وظاهره لا فرق فيها بين كونها كثيفة أو خفيفة، جميلة أو قبيحة، من صغير أو كبير; لأن سائر ما فيه الدية من الأعضاء لا يفرق الحال فيه بذلك. (^٥)
الراجح:
الراجح والله أعلم الرواية الأولى وأن الشعور الأربعة يجب فيها الدية كاملة ورجحه ابن قدامة (^٦) والبهوتي (^٧) وغيرهم (^٨).
_________________
(١) انظر: «المغني» (١٢/ ١١٤)
(٢) الحكومة: هي القضية المحكوم فيها. وفي الجراح عند أهل العلم: أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوم وهي به قد برئت، فما نقصته الجناية فله مثله من الدية، كأن تكون قيمته وهو عبد صحيح عشرة، وقيمته وهو عبد به الجناية تسعة، فيكون فيه عشر ديته. «المطلع على ألفاظ المقنع» (ص: ٤٨٥) «القاموس الفقهي»، (ص: ٩٧)
(٣) «الإنصاف» (٢٥/ ٥٤٨)
(٤) «المبدع شرح المقنع» (٧/ ٣٢٤)
(٥) المصدر السابق.
(٦) «المغني» (١٢/ ١١٧)
(٧) «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ١٢٩)
(٨) البنا في «المقنع في شرح مختصر الخرقي» (٣/ ١٠٨٢)، الزركشي في شرحه (٣/ ٦١٣) وابن عثيمين في «الشرح الممتع»، (١٤/ ١٥٣)
[ ١٤٩ ]