القيمة العلميَّة للكتاب
هذا الكتاب ذو قيمةٍ علميَّة كبيرة، تبيّن المكانة التي تبوّأها ابن الزاغوني في الفقه الحنبلي - على وجه الخصوص ـ، وهذه القيمة تتمثّل فيما يلي:
١ - أنّ مؤلّفه أحد المجتهدين في المذهب الحنبلي، وممن بلغ مرتبة الترجيح بين الروايات والأوجه.
فقد سُئل ابن تيميّة عن كتب المذهب التي يذكر فيها روايتان أو وجهان ولا يذكر فيها الصحيح، فبأيهما يُؤخذ؟
فأجاب: «طالب العلم يمكنه معرفة ذلك من كتب أخرى؛ مثل كتاب «التعليق» للقاضي أبي يعلى، و«الانتصار» لأبي الخطاب، و«عمد الأدلة» لابن عقيل، و«تعليق» القاضي يعقوب البرزبيني، وأبي الحسن ابن الزاغوني، وغير ذلك من الكتب الكبار التي يذكر فيها مسائل الخلاف ويذكر فيها الراجح» (^١).
٢ - عناية جملةٍ من جهابذة العلماء بذكر آراء ابن الزاغوني واختياراته، وتقييداته، ولولا مكانة ابن الزاغوني العلميّة لما كانت اختياراته وتقييداته موضعًا لعنايتهم.
منهم الزركشي لما تكلّم عن نقض شعر المرأة في الغسل من الحيض لا من الجنابة، قال: «هذا منصوص أحمد في الصورتين .. وحكى ابن الزاغوني رواية أخرى في الحيض أنه لا يجب النقض .. وابن الزاغوني
_________________
(١) ينظر: الفتاوى ٥/ ٩٢.
[ ٥١ ]
قيّده بما إذا طالت المدة، قال: بناء على أن العلة في النقض في الحيض طول المدة، أما إن جعل المناط النص تعبدًا فلا» (^١).
ومنهم ابن مفلح لما تكلم عن صلاة العيد وأنها سنة في حق المسافر، قال: «قال في الشرح وغيره: إن صلوا بعد خطبة الإمام صلوا بغير خطبة؛ لئلا يؤدي إلى تفريق الكلمة، وصحح ابن الزاغوني: أنه يشترط الاستيطان» (^٢).
٣ - أن آراء ابن الزاغوني واختياراته الفقهيَّة تذكر ويُذكر معها آراء واختيارات فحول العلماء وجهابذتهم.
كالقاضي أبي يعلى، وأبي الخطاب، والمجد، وغيرهم، ولما تكلّم المرداوي عن مسألة: إن زوّج الولي اثنين ولم يعلم السابق، قال: «فعلى هذا يفسخه الحاكم على الصحيح من المذهب، وقاله القاضي في «المجرد» و«التعليق» و«الجامع الصغير»، وابن الزاغوني، وأبو الخطاب، والمصنِّف، والمجد، والشارح، والنَّاظم، وغيرهم» (^٣).
٤ - أن هذا الكتاب يحوي عددًا من المسائل الخلافيَّة على المذاهب الأربعة، كما أنه يحوي الخلاف داخل المذهب.
فمثلًا: لما تكلّم المصنّف عن حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والجنابة، وذكر أنها واجبة، قال: «هذا مذهبنا في إحدى الروايات .. وفيه رواية أخرى: أنهما يجبان في الغسل دون الوضوء .. وهي مذهب أبي حنيفة .. وفيه رواية ثالثة: أنه يختص الاستنشاق بالوجوب .. وقال مالك والشافعي: هما سنتان في الطهارتين ..».
٥ - أن هذا الكتاب تضمّن عددًا من الأقوال المنسوبة إلى داود، فكتاب ابن الزاغوني هذا يُعدّ من المراجع المتقدّمة لتوثيق الأقوال المنسوبة إلى هذا الفقيه (داود).
_________________
(١) ينظر: شرح الزركشي ١/ ٣٢٠.
(٢) ينظر: المبدع ٢/ ١٨٢.
(٣) ينظر: الإنصاف ٨/ ٨٩.
[ ٥٢ ]
٦ - أن هذا الكتاب يُعدّ من كتب الحنابلة المتقدّمة، فقد توفّي مصنّفه عام ٥٢٧ هـ، فتحقيقه وإخراجه إخراجٌ لثروة الحنابلة التي هي شاهد على سبقهم في التصنيف في الفقه وسلوكهم في ذلك مسالك متعدّدة.
٧ - أن هذا الكتاب يبيّن ما عليه الحنابلة من عنايتهم بالاستدلال بالكتاب والسنّة، فهي كثيرة فيه، فضلًا عمّا يورده المصنّف من تعليلات أو أقيسة.
٨ - أن هذا الكتاب اشتمل على مسائل أصوليَّة.
كالتحسن والتقبيح، ونسخ القرآن بخبر الواحد، والزيادة على النص نسخ، وقياس الشبه، وتخصيص عموم القرآن بالسنة، والمطلق هل يحمل على المقيد، وعلّة الأصل والفرع، واستثناء الأكثر، وغير ذلك كثير.
[ ٥٣ ]