. . . . . . . . . . . . حنيفة على أن المراد باسم الله (^٢).
والدليل عليه - أيضًا - وأنه المراد بالذكر، أنهم قالوا: تستحب التسمية بهذا الخبر ولا يستحب إلا هذا الاسم، فثبت ما قلنا.
وأما الرابع وقولهم بحمله على نفي الفضيلة والكمال فغلط؛ لأن قوله: «لا وضوء» نفي في نكرة تعم الكمال والإجزاء، كقوله: «لا صلاة إلا بوضوء» (^٣)، و«لا صلاة إلا بقرآن» (^٤)، وغير ذلك من الألفاظ، وكقول القائل: «لا رجل في الدار»، و«لا درهم في الكِيس».
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد اقتضى منهج التحقيق إثباته.
(٢) حديث المصنِّف هُنا عن تتمّة مسألة: (التسمية عند الوضوء)، وما قبل هذا سَقْطٌ لم أعثُر عليه.
(٣) أخرجه الطيالسي في مسنده ١/ ١٩٦، ح ٢٤٠ حدثنا أبو داود، قال: حدثنا الحسن بن أبي جعفر، عن أبي ثفال، عن أبي حويطب بن عبد العزى، عن جدته، عن أبيها، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». قال أبو زرعة وأبو حاتم: ليس عندنا بذاك الصحيح؛ أبو ثفال مجهول، ورباح مجهول. وقال ابن حبان: في القلب من هذا الحديث؛ لأنه قد اختلف على أبي ثفال فيه. [ينظر: العلل ٦/ ٣٦٠، الثقات ٨/ ١٥٧].
(٤) رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في الصلاة بفاتحة الكتاب ١/ ٢٧٦، ح ٨١٩ من طريق حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا عيسى عن جعفر بن ميمون البصري، ثنا أبو عثمان النهدي، قال: حدثني أبو هريرة، قال: قال لي رسول الله ﷺ «أخرج فنادِ في المدينة: إنه لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد». وجعفر بن ميمون قال عنه النسائي: ليس بثقة، وقال عنه أحمد: ليس بقوي في الحديث، وقال ابن عدي: يكتب حديثه في الضعفاء. [ينظر: عون المعبود ٣/ ٢٦، نيل الأوطار ٢/ ٢٢٩].
[ ٦٩ ]
قال أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني (^١) - من أصحابنا ـ: من ترك التسمية على الوُضوء ناسيًا فإن وضوءَه جائز - إن شاء الله ـ؛ للحديث المروي عن رسول الله - صلَّى الله عليه - في رفع الخطأ والنسيان (^٢).
فروى بإسناده عن ابن عباس (^٣) قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «تُجُوِّزَ لأمتي عن ثلاث؛ الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه» (^٤).
_________________
(١) إبراهيم بن يعقوب، أبو إسحاق السعدي الجُوزجاني الحافظ، تفقه على الإمام أحمد بن حنبل، وسأله مسائل مشهورة. قال الخلال: جليل جدًا كان أحمد يكاتبه ويكرمه إكرامًا شديدًا، وقد حدثنا عنه الشيوخ المتقدمون، وعنده عن أبي عبد الله جزءان مسائل. قال الدارقطني: كان من الحفاظ المصنفين الثقات، لكن كان فيه انحراف عن عليّ بن أبي طالب. مات في أول ذي القعدة سنة ٢٥٩ هـ. [ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٩٨، تاريخ الإسلام ٦/ ٤٣، الأعلام للزركلي ١/ ٨١].
(٢) لم أقف على كلام الجوزجاني، ولعلّ الجوزجاني ذكر هذا الكلام في كتابه (المترجم)، الذي شرح فيه مسائل إسماعيل الشالنجي عن الإمام أحمد بن حنبل، وهو كتاب لم يطبع حتى الآن. [ينظر موضوع كتاب المترجم: الفتاوى ٥/ ١٠٨].
(٣) عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي، الهاشمي، أبو العباس، ابن عم رسول الله ﷺ، ولد قبل الهجرة بثلاث، وكان له عند موت النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة، دعا له النبي ﷺ فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، وكان يقال له: حبر العرب. توفي بالطائف سنة ٦٨ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ٩٣٣، أسد الغابة ٣/ ١٨٦، الإصابة ٤/ ١٢١].
(٤) أخرجه ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي ١/ ٦٥٩، ح ٢٠٤٥ من طريق الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، بلفظ: «إن الله وضع عن أمتي». وسئل عنه أحمد فأنكره جدًا وقال: ليس يروى فيه إلا عن الحسن عن النبي ﷺ. وقال ابن أبي حاتم: حديث منكر، كأنه موضوع، لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث من عطاء؛ إنه سمعه من رجل لم يسمه، أتوهم أنه عبد الله بن عامر، أو إسماعيل بن مسلم، ولا يصح هذا الحديث، ولا يثبت إسناده. [ينظر: العلل لأحمد رواية عبد الله ١/ ٥٦١، علل الحديث ٤/ ١١٦].
[ ٧٠ ]
وبإسناده عن ثوبان (^١)، عن رسول الله - صلَّى الله عليه - قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي عن الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه» (^٢).
وبإسناده عن الحسن (^٣) أن رسول الله - صلَّى الله عليه - قال: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه من قول» (^٤).
_________________
(١) أبو عبد الله ثوبان بن بجدد، وقيل: ابن جحدر، مولى رسول الله ﷺ، من أهل السراة - موضع بين مكة واليمن ـ، وقيل: إنه من حمير. وقيل: إنه حَكَمي من حكم بن سعد العشيرة، أصابه سباء فاشتراه رسول الله ﷺ فأعتقه، ولم يزل يكون معه في السفر والحضر إلى أن توفي رسول الله ﷺ، فخرج إلى الشام فنزل الرملة، ثم انتقل إلى حمص فابتنى بها دارًا، وتوفي بها سنة ٥٤ هـ. [ينظر: الاستيعاب ١/ ٢١٨، أسد الغابة ١/ ٢٩٦، الإصابة ١/ ٥٢٧].
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير ٢/ ٩٧، ح ١٤٣٠ من طريق يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن ثوبان، بلفظ: «إن الله تجاوز عن أمتي ثلاثة»، وقال ابن رجب: يزيد بن ربيعة ضعيف جدًا. وقال ابن الملقن: يزيد هذا أحاديثه مناكير كما قال البخاري، وقال الهيثمي: فيه يزيد بن ربيعة الرحبي، وهو ضعيف. [ينظر: جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٦٣، البدر المنير ٤/ ١٨٢، مجمع الزوائد ٦/ ٢٥٠، التلخيص الحبير ١/ ٥١١].
(٣) أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن - يسار - البصري، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، كان من سادات التابعين وكبرائهم، وجمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادة، نشأ بوادي القرى، وحضر الجمعة مع عثمان، وسمعه يخطب، وشهد يوم الدار، وله يومئذ أربع عشرة سنة، وكان سيد أهل زمانه علمًا وعملًا، وتوفي بالبصرة مستهل رجب سنة ١١٠ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٦٩، سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٦٣].
(٤) أخرجه معمر في الجامع، باب لله أرحم بعبده ١١/ ٢٩٨، ح ٢٠٥٨٨، وعبد الرزاق في المصنف، كتاب الطلاق، باب طلاق الكره ٦/ ٤٠٩، ح ١١٤١٦، وسعيد بن منصور في السنن، كتاب الطلاق، باب ما جاء في طلاق المكره ١/ ٣١٧، ح ١١٤٥، وابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الطلاق، باب من لم ير طلاق المكره شيئًا ٤/ ٨٢، ح ١٨٠٣٦ من طريق هشام بن حسان، عن الحسن، مرسلًا، دون قوله: «من قول»، وهذا وإن كان مرسلًا فقد خولف فيه هشام - أيضًا ـ، وذلك فيما أخرجه سعيد بن منصور في السنن، كتاب الطلاق، باب ما جاء في طلاق المكره ١/ ٣١٧، ح ١١٤٤ من طريق منصور بن زاذان، وعوف الأعرابي، عن الحسن، قوله، غير مرفوع.
[ ٧١ ]
قال: ولا يبلغ الخبر الوارد في التسمية أن يكون أوكد من قول الله - تعالى ـ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (^١)، والمسلمون مجمعون ألا بأس بذبيحة المسلم إذا نسي ذكر اسم الله عليه (^٢).
وقال أبو إسحاق (^٣): قال ابن أبي شيبة (^٤): ثبت لنا عن رسول الله - صلَّى الله عليه - أنه قال: «لا وضوء لمن لم يُسَم» (^٥).
فأما قوله: «لا/ صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (^٦) فلو خُلِّينا
_________________
(١) الأنعَام: ١٢١.
(٢) لم أقف على كلام الجوزجاني.
(٣) نسب ذلك ابن تيمية في شرح العمدة ١/ ١٤٢ له، فقال: قال أبو إسحاق الجوزجاني: قال ابن أبي شيبة: ثبت لنا عن النبي ﷺ أنه قال: لا وضوء لمن لم يسمِّ.
(٤) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خواستى، الإمام أبو بكر العبس، مولاهم الكوفي، ولد سنة ١٥٩ هـ، قال أبو عبيد: انتهى علم الحديث إلى أربعة: أبي بكر بن أبي شيبة، وهو أسردهم له، وابن معين، وهو أجمعهم له، وابن المديني، وهو أعلمهم به، وأحمد بن حنبل، وهو أفقههم فيه. له كتابان كبيران نفيسان: المسند والمصنف، وله أيضًا: الإيمان، والزكاة، مات في المحرم سنة ٢٣٥ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ١١/ ٢٥٩، تاريخ الإسلام ٥/ ٨٥٥، شذرات الذهب ٣/ ١٦٥، الأعلام للزركلي ٤/ ١١٧].
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنّفه، كتاب الطهارات، باب التسمية في الوضوء ١/ ١٣، وأخرجه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في التسمية في الوضوء ١/ ١٤٠، ح ٣٩٨، وأخرجه الترمذي، باب في التسمية عند الوضوء ١/ ٣٧، ح ٢٥ من طريق أبي ثفال المري، عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان، أنه سمع جدته بنت سعيد بن زيد تذكر أنها سمعت أباها سعيد بن زيد، يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». وقال أحمد بن حنبل: لا يثبت. قال أبو زرعة وأبو حاتم: ليس عندنا بذاك الصحيح؛ أبو ثفال مجهول، ورباح مجهول. [ينظر: تاريخ أبي زرعة الدمشقي ص ٦٣١، الضعفاء الكبير ١/ ١٧٧، علل الحديث ١/ ٥٩٥، السنن الصغير ١/ ٤٤، الأحكام الوسطى ١/ ١٨].
(٦) أخرجه الدارقطني في السنن، كتاب الصلاة، باب حث جار المسجد على الصلاة فيه إلا من عذر ٢/ ٢٩٢، ح ١٥٥٣، والحاكم في المستدرك، كتاب الصلاة، باب التأمين ١/ ٣٧٣، ح ٨٩٨، وابن الجوزي في العلل المتناهية، كتاب الصلاة، باب حديث في أنه لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ١/ ٤١٢، ح ٦٩٣ من طريق سليمان بن داود اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. قال البيهقي وعبد الحق: سليمان بن داود اليمامي ضعيف. وقال ابن عبد البر: لا يثبت مرفوعًا. وقال ابن الجوزي: لا يصح. [ينظر: الاستذكار ٢/ ١٣٨، الأحكام الوسطى ١/ ٢٧٥، المغني عن الحفظ والكتاب ٢/ ٢٧١].
[ ٧٢ ]
والظاهر لقلنا: ليس له صلاة صحيحة، لكن قام دليل الإجماع منا ومنكم على أنه له صلاة صحيحة، وبقي ما عداه على ظاهره.
وقد قيل: قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» معناه: لا صلاة لجار المسجد مقتديًا بإمام المسجد إلا في المسجد، فقد قلنا بالخبر [و] (^١) بيّناه.
على أنه قد رُوي ما يدل على أنه أراد نفي الإجزاء، فروى أبو حفص ابن شاهين (^٢) بإسناده عن أنس بن مالك (^٣) أن شابًّا دخل المسجد فصلى، والنبي - صلَّى الله عليه - جالس، فقال له: «يا شاب، ما صليت» حتى أعاد الشاب الصلاة ثلاثًا، والنبي - صلَّى الله عليه - يقول له: «ما صليت» فذهب الشاب إلى علي بن أبي طالب (^٤) فأخبره فقال:
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن أيوب بن أزداذ، أبو حفص ابن شاهين، الحافظ الواعظ، محدث بغداد، ولد سنة ٢٩٧ هـ، روي عنه أنه قال: صنّفتُ ثلاث مائة وثلاثين مصنفًا، أحدها التفسير الكبير ألف جزءٍ، والمسند ألف وثلاث مائة جزء، والتاريخ مائة وخمسون جزءً، والزهد مائة جزء. قال الداودي: كان ثقة يشبه الشيوخ إلا أنه كان لحّانًا، وكان لا يعرف في الفقه لا قليلًا ولا كثيرًا. توفي في ذي الحجة سنة ٣٨٥ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٨/ ٥٨٠، الوافي بالوفيات ٢٢/ ٢٥٨، الأعلام للزركلي ٥/ ٤٠].
(٣) أبو حمزة، أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم النجاري الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، مولده بالمدينة، وأسلم صغيرًا، وخدم النبي ﷺ إلى أن مات، ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى البصرة، فمات فيها، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، توفي سنة ٩٣ هـ. [ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب ١/ ١٠٩، أسد الغابة ١/ ٢٩٤، تاريخ الإسلام ٢/ ١٠٥٧].
(٤) أبو الحسن، علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين، وابن عم النبي وصهره، وأحد الشجعان الأبطال، ومن أكابر الخطباء والعلماء بالقضاء، وأول الناس إسلامًا بعد خديجة، ولد بمكة، وربى في حجر النبي ﷺ ولم يفارقه، وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد، وولي الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان، وأقام علي بالكوفة إلى أن قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي غيلة سنة ٤٠ هـ. [ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣/ ١٠٨٩، أسد الغابة ٣/ ٥٨٨].
[ ٧٣ ]
لعلك لم تذكر اسم الله على وُضوئك. قال: نعم. قال: اذهب فتوضأ، واذكر اسم الله على وُضوئك، ففعل، ثم صلى، فقال النبي - صلَّى الله عليه ـ: «الآن صليت» (^١).
وقد رواه الجُوزجاني في كتابه (^٢) فقال: حدثنا (^٣) عبد العزيز بن محمد (^٤)، قال: حدثنا محمد بن أبي حميد (^٥)، عن عمر بن يزيد (^٦)
_________________
(١) رواه ابن شاهين في كتابه: (ما اجتمع عندي من الأحاديث بيني وبين رسول الله أربعة رجال) ص ٢٧ مخطوط، قال: أخبرنا عمر، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد بن ميسرة، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: «جاء شاب ..». ومصدر المخطوط المكتبة الظاهرية، مجاميع المدرسة العمرية برقم (٣٨٤٣/ عام)، مجاميع (١٠٧)، رقم المخطوط (٧).
(٢) كتاب: (المترجم)، لأبي إسحاق الجوزجاني، قال ابن كثير: فيه علوم غزيرة وفوائد كثيرة. [ينظر: البداية والنهاية ١٤/ ٥٤٥].
(٣) كذا قال المصنف، والجوزجاني لم يدرك الدراوردي، وإنما رواه عن نعيم بن حماد، عنه. [ينظر: شرح العمدة لابن تيمية، كتاب الطهارة ١/ ١٤٥].
(٤) عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي، أبو محمد، الجهني مولاهم، المدني، صدوق، كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، قال النسائي: حديثه عن عبيد الله العمري منكر، توفي سنة ١٨٦ هـ. [ينظر: تقريب التهذيب ص ٣٥٨].
(٥) محمد بن أبي حميد - إبراهيم - الأنصاري، الزرقي، أبو إبراهيم، المدني، لقبه: حماد، ضعيف. [ينظر: تقريب التهذيب ص ٤٧٥].
(٦) عمر بن يزيد الكعبي الخزاعي، قال: كنت جالسًا مع النبي ﷺ، فكان مما حفظت من كلامه قال: أسلم سالمها الله من كل آفة إلا الموت، فإنه لا يسلم منه معترف به ولا غيره، وغفار غفر الله لهم، ولا حي أفضل من الأنصار. بهذا القدر تكلّم عنه من ترجم له - فيما وقفت عليه ـ. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١١٦٠، أسد الغابة ٣/ ٦٨٥، الإصابة ٤/ ٤٩٠].
[ ٧٤ ]
أن رجلًا توضأ، ثم جاء فسلم على رسول الله - صلَّى الله عليه ـ، فكأن رسول الله - صلَّى الله عليه - أعرض عنه، وقال له: «تطهَّر» فرجع فتوضأ، ثم اجتهد فجاء فسلم، فأعرض عنه، وقال له: «ارجع فتطهر» فلقي الرجلُ عليًّا فأخبره بذلك، فقال له علي: هل سمّيت الله حين وضعت يدك في وَضوئك. قال: لا والله. قال له: فارجع فسمِّ الله في وضوءك. فرجع فسمّى الله على وضوئه، ورجع إلى النبي - صلَّى الله عليه - فرد عليه، وأقبل عليه بوجهه ثم قال: «إذا وضع أحدكم طهوره فليسمِّ الله» (^١). فدل على أنه أبطل وضوءه/ وصلاته؛ لأنه أخلّ بالتسمية.
فإن قيل: هذا الحديث فيه سوء عهدة؛ لأن النبي - صلَّى الله عليه - لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، وقد كان بالشاب حاجة إلى البيان.
قلنا: هذا غلط؛ لأن النبي ﵇ ما أخّرَ البيان، وإنما أثبته له بقوله: «صلِّ فإنك لم تصلِّ» وإنما أخر علّة البيان، ويجوز تأخير علّة البيان، وتُبيَّنُ بعدَ وقتٍ آخر، كما روي عن ادِّخار لحوم الأضاحي، ثم ذكر العلة في زمان آخر، وقال: «إنما نهيتكم لأجل الدافة» (^٢)، وغير ذلك، هذا هو المعتمد في المسألة.
فأما القياس فلا مدخل له في تعبّد غير (^٣) معقول، إلا أن أصحابنا قد ذكروا طرقًا منها:
أنهم قالوا: الوضوء عبادة ترجع إلى شطرها في حال العذر
_________________
(١) أورده ابن تيمية في شرح العمدة ١/ ١٤٥ ونسبه للجوزجاني. وهذا الحديث مع انقطاعه فيه نعيم بن حماد، ومحمد بن أبي حميد وكلاهما ضعيف، وفي رواية الدراوردي كلام.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي ٣/ ١٥٦١، ح ١٩٧١ من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂. والدَّافَّة والدَّفافة: القوم يُجدبون فيمطرون، دفوا يدفون. وقال: دفت دافة، أي: أتى قوم من أهل البادية قد أقحموا. وقال ابن دريد: هي الجماعة من الناس تقبل من بلد إلى بلد، قال ابن الأثير: يريد أنهم قوم قدموا المدينة عند الأضحى، فنهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي ليفرقوها ويتصدقوا بها، فينتفع أولئك القادمون بها. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ٢٧٧، النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ١٢٤].
(٣) في هذا المكان في الأصل كلمة: (الوضوء)، ولعل الصواب عدم إثباتها.
[ ٧٥ ]
فكان فيها ذكر واجب، دليله الصلاة، وإن شئت أن تقول: عبادة يفسدها النوم أو يبطلها الحدث أشبه الصلاة، وهذا لأنا وجدنا العبادات على ضربين؛ منها ما يجب فيه الذكر وهو الصلاة، ومنها ما لا يجب فيه الذكر وهو بقية العبادات، ثم وجدنا الطهارة تشابه ما فيه الذكر من حيث إنها تَفسُد بالحدث والنوم وتنشطر بالعذر، والذكر مشروع فيها كالصلاة فألحقناها بها في باب إيجابه تغليبًا واحتياطًا، كما قلنا نحن وأبو حنيفة (^١) في التسمية على الذبيحة (^٢)، وكما قلنا نحن والشافعي (^٣) في إلحاقها بالعبادات في النية (^٤).
يدل عليه: أن الطهارة طاعة مقصودها تحصيل التطهير الشرعي للصلاة
_________________
(١) أبو حنيفة، النعمان بن ثابت، التيمي بالولاء، الكوفي، إمام الحنفية، الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، ولد ونشأ بالكوفة، وكان قوي الحجة، أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي وغيرهم؛ وروى عنه وكيع بن الجراح والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم، من مصنفاته: مسند أبي حنيفة، والمخارج في الفقه، توفي ببغداد سنة ١٥٠ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٥/ ٤٠٥، سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٩٠].
(٢) مذهب أبي حنيفة وأحمد: أنّ التسمية على الذبيحة شرط مع الذكر، وتسقط بالسهو. [ينظر للحنفيّة: الجوهرة النيرة ٢/ ١٧٦، بدائع الصنائع ٥/ ٤٦. وللحنابلة: متن الخرقي ص ١٤٤، شرح الزركشي ٦/ ٦٣٧، الهداية ٢/ ١١٤، الإنصاف ١٠/ ٤٠٠]. أما الشافعيّة: فيبيحون أكل الذبيحة سواء ترك التسمية ناسيًا أو عامدًا. [ينظر: كفاية الأخيار ٢/ ٤٥٥، روضة الطالبين ٣/ ٢٠٥].
(٣) أبو عبد الله، محمد بن إدريس بن شافع، الهاشمي، القرشي، المطلبي، فقيه الملّة، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه نسبة الشافعية كافة، روى عن مالك ومسلم بن خالد وابن عيينة وغيرهم، روى عنه أحمد بن حنبل والبويطي والمزني والربيع، من مصنفاته: الأم وقد جمعه البويطي، وبوبه الربيع بن سليمان، والمسند، وأحكام القرآن، والرسالة، توفي سنة ٢٠٤ هـ. [ينظر: طبقات الفقهاء ص ٧١، ترتيب المدارك وتقريب المسالك ٣/ ١٧٤، وفيات الأعيان ٤/ ١٦٣، سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥].
(٤) مذهب الشافعي وأحمد: أنّ النيّة في الطهارة واجبة. [ينظر للشافعيّة: مختصر المزني ص ٢، الاصطلام ١/ ٦٤. وللحنابلة: متن الخرقي ص ١٣، والإنصاف ١/ ١٤٢]. أما أبو حنيفة فيقول: تصح الطهارة بغير نيّة. [ينظر: المبسوط ١/ ٧٢، بدائع الصنائع ١/ ١٩].
[ ٧٦ ]
فيجب أن يحتاط لتحصيله، والاحتياط/ فيما سمي عليه؛ لأن المقصود يقع به يقينًا، وحصوله مع الإخلال بالتسمية مشكوك فيه، واليقين هو الواجب في باب التَّعبُّدات، بدليل أنه إذا شك في صلاةٍ من يوم وليلة لا يعرف عينها فإنه يأتي بخمس صلوات لتحصيل اليقين، وكذلك إذا شك في الحدث وتيقن الطهارة، أو تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على اليقين، وكذلك إذا شك في ركعات الصلاة بنى على اليقين، وكذلك إذا شك في طواف الزيارة، أو النية في الصوم بنى على اليقين، وأمثال ذلك كثير.
والدليل على أن الوضوء عبادة: النص، والمعنى، والحكم.
أما النص:
فما روى مسلم (^١) وخرجه في «الصحيح» (^٢)، والترمذي (^٣)، والساجي (^٤)
_________________
(١) أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري صاحب الصحيح؛ أحد الأئمة الحفاظ وأعلام المحدثين، رحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر، وسمع يحيى بن يحيى النيسابوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وعبد الله بن مسلمة القعنبي وغيرهم، وقدم بغداد غير مرة فروى عنه أهلها، وروى عنه الترمذي وكان من الثقات، توفي سنة ٢٦١ هـ بنيسابور. [ينظر: وفيات الأعيان ٥/ ١٩٤، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٥٧].
(٢) كتاب: (الجامع الصحيح)، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، قال مسلم: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة، فكل ما أشار علي في هذا الكتاب أن له علة وسببًا تركته، وكل ما قال: إنه صحيح ليس له علة، فهو الذي أخرجت. وقال النووي: اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول. [ينظر: شرح النووي على مسلم ١/ ١٤، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٦٦].
(٣) محمد بن عيسى بن يزيد بن سَورة بن السكن، الحافظ، العلم، الإمام، البارع، السلمي، الترمذي الضرير، مصنف الجامع، والعلل، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، وبه كان يضرب المثل، وهو تلميذ أبي عبد الله البخاري، وشاركه في بعض شيوخه مثل قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر وابن بشار وغيرهم، وتوفي في ثالث عشر رجب، سنة ٢٧٩ هـ بترمذ. [ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٢٧٨، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٧٠].
(٤) زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن بن بحر بن عدي بن عبد الرحمن ابن الأبيض بن الديلم بن باسل بن ضبة الضبي، أبو يحيى الساجي البصري الحافظ، قال الخليلي: فقيه حافظ، وله تصانيف في هذا الشأن، وهو متفق عليه، مجروح من جرحه موثق من وثقه. وقال الذهبي: وكان من الثقات الأئمة، له كتاب جليل في العلل يدل على تبحره وإمامته. ومن كتبه: اختلاف الفقهاء، توفي سنة ٣٠٧ هـ. [ينظر: الإرشاد للخليلي ٢/ ٥٢٧، تاريخ الإسلام ٧/ ١١٧، الوافي بالوفيات ١٤/ ١٣٧، الأعلام للزركلي ٣/ ٤٧].
[ ٧٧ ]
بإسنادهم عن النبي ﵇ أنه قال: «الوضوء شطر الإيمان» (^١)، والإيمان أكبر العبادات، وأعظم القربات فشطره لا بد أن يكون عبادة.
وروي عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «أمتي غُرّ (^٢) محجّلون (^٣) من آثار الوضوء يوم القيامة» (^٤)، ومعلوم أنه إنما يبقى يوم القيامة أثر العبادة لا غيرها.
وقال - صلَّى الله عليه ـ: «من جدد وضوءه جدد الله إيمانه» (^٥)، وتجديد الإيمان إنما يكون بالعبادات.
وقال ﵇: «الوضوء على الوضوء نور على نور يوم القيامة» (^٦)،
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة ١/ ٢٠٣، ح ٢٢٣ بلفظ: «الطهور شطر الإيمان»، وأخرجه الترمذي، أبواب الدعوات ٥/ ٥٣٥، ح ٣٥١٧، من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.
(٢) الغر: جمع الأغر، من الغرة، والغُرَّةُ، بالضم: بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم. يقال فرس أغرُّ، والأغرُّ: الأبيض، وقوم غُرَّان، يريد بياض وجوههم بنور الوضوء يوم القيامة. [ينظر: الصحاح ٢/ ٧٦٧، النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٣٥٤].
(٣) التحجيل: بياض في قوائم الفرس. تقول: فرس محجل، وفرس باد حجوله، قال ابن الأثير: أي: بيض مواضع الوضوء من الأيدي والوجه والأقدام، استعار أثر الوضوء في الوجه واليدين والرجلين للإنسان من البياض الذي يكون في وجه الفرس ويديه ورجليه. [ينظر: تهذيب اللغة ٤/ ٨٨، النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٣٤٦].
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب فضل الوضوء والغرّ المحجّلون من آثار الوضوء ١/ ٣٩، ح ١٣٦.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) قال المنذري: لا يحضرني له أصل من حديث النبي ﷺ ولعله من كلام بعض السلف. وقال العراقي: لم أجد له أصلًا. وقال ابن حجر: حديث ضعيف. [ينظر: الترغيب والترهيب ١/ ٩٨، تخريج أحاديث الإحياء ١/ ٨٤، فتح الباري ١/ ٢٣٤].
[ ٧٨ ]
وقال ﵇: «إذا توضأ العبد تحاتَّت (^١) خطاياه في الماء» (^٢)، وقوله: «الوضوء إلى الوضوء كفارة لما بينهما» (^٣)، والتكفير عبادة، هذا من حيث النص.
أما من حيث المعنى:
فهو أنا نقول: العبادة عبارة عن فعل يأتي به العبد على قصد التقرب إلى الله تعالى في دار الآخرة، وهذا معنى قد تحقّق في الوضوء.
يدل عليه:/ أن التكاليف إنما وردت على العباد ابتلاء وامتحانًا ليجازوا عليها، والجزاء ينقسم إلى جزاء في الدنيا، وإلى جزاء في الآخرة، والوضوء لا يثبت به الجزاء إلا في الدار الآخرة، ولا يعقل فيه نفع عاجل (^٤)، فتمحض (^٥) عبادة وقربة وطاعة.
وأما من حيث الحكم:
فإن الشرع ورد بتَكرار الوضوء، ولو كان يعقل له معنى غير التعبد لما أمر بذلك.
_________________
(١) الحتّ والإنحات والتَّحات والتَّحَتْحُت: سقوط الورق عن الغصن وغيره، يريد: تساقطت خطاياه. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٢/ ٥١٠، النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٣٣٧].
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة ١/ ٢١٥، ح ٢٤٤ من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضأ العبد المسلم - أو المؤمن - فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء ـ، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء ـ، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - حتى يخرج نقيًا من الذنوب».
(٣) لم أقف عليه.
(٤) من فوائد الوضوء في الدنيا: النظافة، وتسكين الغضب، والشهادة للمحافظ عليه بالإيمان.
(٥) المحض: الخالص من كل شيء، وكل شيء أخلصته فقد أمحضته. [ينظر: جمهرة اللغة ١/ ٥٤٧، الصحاح ٤/ ١١٠٤].
[ ٧٩ ]
والذي يدل عليه: أن التيمم الذي هو بدل عنه عبادة فكان مثله، وهذا لأن الأبدال تحكي الأصول وتماثلها.
فإن قيل: جميع ما ذكرتم لا يُسلّم أن الوضوء عبادة من قِبَل أن أدنى أحوال العبادة أن تكون خدمة في الشاهد يتحقق فيها معنى العبادة في الغائب كما نقول في الصلاة، فإنها تشتمل على أركان صالحة في الشاهد للخدمة، فإن من قام بين يدي الملك كان طائعًا له، وإذا ركع كان معظِّمًا، وإذا سجد كان نهاية التواضع، والدعاء والأذكار ثناء ومدح وسؤال وتعظيم وطلب، فقد تحقق فيها معنى العبادة، أما غسل الوجه وهذه الأعضاء فليس فيها ما يقتضي معنى الخدمة في الشاهد فكيف يكون عبادة لله - تعالى ـ.
و- أيضًا - فإن العبادة لابدّ وأن تتصف بصفة الحسن كما تتصف المعصية بصفة القبح، وليس في الوضوء ما يقتضي صفة الحسن بذاته، وتخرَّج عليه الصلاة، فإن هناك تُعقل فيها صفات الحسن، والتقرب إلى الله تعالى، فدل بما ذكرناه من الحقيقة أن الوضوء ليس بعبادة.
قالوا: والحكم - أيضًا - يدل على ذلك، فإن غسل الذِّمِّية صحيح حتى يستقبح/ زوجها المسلم وطأها، ولو أسلمت جاز لها أن تصلي به، والعبادة لا تصح من الكافر.
على أنا نقول: سلّمنا لكم أنها عبادة ولكنها لا تراد لعينها وذاتها، ولكنها تراد لغيرها فهي تابعة لذلك الغير.
وأما قولكم: إنها ترجع إلى شطرها، غلط؛ لأن الطهارة لا ترجع إلى شطرها في غسل الماء، ولا نسلّم أن الصلاة ترجع إلى شطرها؛ لأن الواجب عندنا في السفر ركعتان فحسب (^١).
وقولكم: يفسدها الحدث والنوم؛ ممنوع - أيضًا ـ، فإن الصلاة لا يفسدها الحدث ولا النوم، وإنما تفسد الطهارة بذلك، فتفسد الصلاة.
_________________
(١) ينظر: متن الخرقي ص ٣٠، الإرشاد ص ٩٢، شرح الزركشي ٢/ ١٤٤.
[ ٨٠ ]
ولأنه لا يصح القياس على الصلاة؛ لأن التسمية ليست واجبة فيها عندكم، ولأن الصلاة لما كان في آخرها ذكر واجب كان في أولها، [و] (^١) ليس كذلك الوضوء فإنه لما كان لم يكن في آخره ذكر واجب لم يكن في أوله، فبطل القياس من هذه الأوجه.
قلنا: أما الممانعة، فقد سبق الدليل عليها.
أما قولهم بأن العبادة ما صلحت خدمة في الشاهد، لا نسلم ذلك، ولا تجوز دعواه، وهو تحكّم على الشرع، بل العبادة ما جعلها الشرع عبادة، واستحسنها سواء صلحت خدمة في الشاهد أو لم تصلح.
والدليل على ذلك: الإيمان فإنه أكثر العبادات ولا يصلح خدمة في الشاهد، وكذلك الصوم والحج، وهذا هو الجواب عن قولهم: العبادة ما كان فيها نوع حسن. فإن هذا بناء منهم على التحسين والتقبيح، وذلك يثبت شرعًا لا عقلًا.
أما قولهم بعد التسليم أنها عبادة، ولكنها تراد لغيرها، قلنا: لا نسلم، بل هي مقصودة لذاتها/ ولهذا شرع التنفل بها والتَكرار وإن لم ترد ذلك للصلاة، على أن هذا يلزم عليه الإيمان فإنه أصل العبادات وإن وقع شرطًا لصحة غيره.
والثاني: أنها وإن أريدت لغيرها ولكنها تقصد في نفسها - أيضًا ـ، ولهذا يؤمر بتجديد الوضوء.
وأما منعهم كون الطهارة ترجع إلى شطرها، قلنا: نريد به أن التطهير في أربعة أعضاء، وعند تعذر الماء يصير التطهير إلى عضوين، وهذا لا نزاع فيه.
وأما منعهم [كون الصـ] (^٢) ـلاة يفسدها الحدث، فلا يصح؛
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبتُّه ليستقيم الكلام.
(٢) ما بين المعكوفين مطموس في الأصل، وقد استظهرته من السياق.
[ ٨١ ]
لأنه إذا سبقه الحدث خرج وهو في الصلاة ليتوضأ ويبني (^١)، فلو أنه أحدث في طريقه أو نام بطلت صلاته ولا وضوء هناك يبطل، وهذا قول أبي حنيفة (^٢)، وقول الشافعي (^٣)، ورواية لنا (^٤).
وكذا إذا عدم الماء والتراب فصلى على حسب حاله فأحدث في صلاته، أو نام بطلت عندنا (^٥)، وعند الشافعي (^٦).
وأما قولهم: إن التسمية لا تجب في الصلاة، فلا تصح من شافعي؛ فإن عنده التسمية مشروطة في الصلاة (^٧)، ولأن هذا كلام في كيفية الذكر وأنتم تخالفون الأصل، ومن خالف في الأصل لا يتكلم معه في الكيفية.
وأما قولهم: بأن الصلاة لما وجب في آخرها وجب في أولها.
_________________
(١) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فيمن أحدث في الصلاة كيف ينصرف ١/ ٣٨٥، ح ١٢٢١ قال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أصابه قيء أو رعاف أو قَلَس أو مذي فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبنِ على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم». قال الحافظ ابن حجر: أعله غير واحد بأنه من رواية إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب ابن جريج فرووه عنه عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلًا. وأجاب عنه الزيلعي: بأن إسماعيل بن عياش قد وثقه ابن معين، وزاد في الإسناد عن عائشة، والزيادة من الثقة مقبولة. والقَلَس: قلس قلسًا من باب ضرب، يعني: خرج من بطنه طعام أو شراب إلى الفم. [ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٤٩٥، تنقيح التحقيق ١/ ٢٨٤، نصب الراية ١/ ٣٧].
(٢) ينظر: الجوهرة النيرة ١/ ٦٤، المبسوط ١/ ١٧٠، البحر الرائق ١/ ٣٩٠.
(٣) ينظر: روضة الطالبين ١/ ٢٧١.
(٤) ينظر: الفروع مع تصحيحه ١/ ٤٠١.
(٥) ينظر: الإنصاف ١/ ٢٨٣، الفروع ١/ ٢٢٢.
(٦) لم أقف على قول الشافعيّة، ولكن عزا هذا القول لهم أبو الخطّاب في الانتصار ١/ ٢٥٥.
(٧) ينظر: الأم ١/ ١٠٨، المهذب ٣/ ٣٣٢.
[ ٨٢ ]
قلنا: هذا لا يصح من أبي حنيفة؛ لأن عنده السلام ليس بواجب (^١)، ولأنه لا يمتنع أن يكون في أول العبادة ركن واجب ولا يكون في آخرها، بدليل الحج، في أوله ذكر واجب وهي التلبية، وليس في آخره ذكر واجب، وكذلك الصيام تجب النية في أوله، ولا تجب في آخره، وكذلك الذكاة تجب التسمية في أولها، ولا تجب في آخرها، ولأنكم/ تستحبون التسمية في أولها دون آخرها.
وذكروا طريقة أخرى، قالوا: الطهارة سبب يتقدم الصلاة يشتمل على أشياء مختلفة، فكان من شرطه الذكر كالأذان والخطبة.
فإن قيل: الأذان المقصود به الإعلام فاعتبر فيه النطق ليحصل الإعلام، ألا ترى أن جميعه ذكر، والخطبة قد أقيمت مقام ركعتين، والركعتان فيهما ذكر، فكذلك ما قام مقامهما، وليس كذلك في مسألتنا فإن المقصود التطهير خاصة وهذا يحصل من غير تسمية.
قلنا: لو كان المقصود بالأذان الإعلام لكان ينبغي أن يجتزأ ببعض الألفاظ لحصول الإعلام، وأن لا يكون من شرطه الترتيب، فدل على أنه إنما كان ذلك لأجل التعبد، مثله في التسمية.
وقولكم: إن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين؛ كان ينبغي أن لا يوجب الذكر في جميع الخطبتين؛ لأن ليس جميع الركعتين مبناهما على النطق.
هذا غاية ما ذكروا، والاعتماد على الأول.
احتجوا:
بقوله - تعالى ـ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^٢) إلى آخر الآية، والدليل متلقى من الآية من وجهين:
أحدهما: أن الله - تعالى - ذكر الوضوء، واستوفى شرائطه،
_________________
(١) ينظر: تبيين الحقائق ١/ ١٢٥، حاشية ابن عابدين ١/ ٤٤٨.
(٢) المَائدة: ٦.
[ ٨٣ ]
ولم يذكر التسمية، ولو كانت واجبة لذكرها إذْ الوقت وقت الحاجة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
والثاني: أن الآية دلت بمطلقها على إجزاءِ الوضوء من غير تسمية، فمن اشترط التسمية لصحته فقد زاد في النص، والزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن لا يجوز بخبر الواحد، وأخباركم وإن صحت فهي/ أخبار آحاد لا توجب العلم، فلا يجوز نسخ الكتاب بها.
أما بيان قولنا: إن إيجاب التسمية زيادة؛ فهذا لا ينكره أحد، فكما أن الخمسة إذا ضمت إلى الخمسة زاد العدد، فكذلك إذا ضم التسمية إلى الوضوء زاد الواجب.
وأما بيان قولنا: إنها نسخ. فالنسخ: تغيير الحكم، فمتى تغير الحكم الثابت بالكتاب كان نسخًا للكتاب، أي: لموجبه، وكذلك في السنة. وقد وُجد في مسألتنا تغيير الحكم؛ لأن مقتضى الآية أن الوضوء جميع الواجب، بدليل أن لو خُلِّينا والكتاب فَهِمْنا أنه جميع الواجب ولم يزد عليه شيئًا، فإذا أوجبنا التسمية صار غسل الأعضاء بعض الواجب، وهذا تغيير قطعًا، فلا شك أن التغيير قد وجد.
يدل عليه: أن الله - تعالى - أوجب صلاة الصبح ركعتين، فلو جعلت أربعًا كان نسخًا بالاتفاق، فكذلك هاهنا.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: إن النسخ تغيير حكم ثابت مستقر، ولم يجب الوضوء إلا والتسمية معه ثابتة، فلم يوجد تغيير الكل إلى البعض؛ لأن غسل الأعضاء كان بعضًا في جميع الأوقات.
قالوا: هذا لا يجوز أن يقال؛ لأن التغيير ثابت على ما بيّنا، والذي ادعيتم لابدّ له من نقل، ولا نقل معكم، ومثل هذا لا يجوز أن يثبت بالظن والتخمين.
هذا عمدتهم في الاعتراض على استدلالنا بالأخبار.
[ ٨٤ ]
وتعلقوا من حيث السنة: بما روى ابن مسعود (^١)، وابن عمر (^٢)، وأبو هريرة (^٣) عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورًا لسائر جسده، ومن لم يذكر اسم الله كان طهورًا/ لما مر عليه من الماء» (^٤)، فأثبت له طهارة الأعضاء مع عدم التسمية.
_________________
(١) أبو عبد الرحمن، عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، من أكابر الصحابة فضلًا وعقلًا، وقربًا من رسول الله ﷺ، وهو من أهل مكة، ومن السابقين إلى الإسلام وكان من المكثرين في رواية الحديث عن النبي ﷺ، قدم المدينة في خلافة عثمان، فتوفي فيها عن نحو ستين عامًا؛ سنة ٣٢ هـ. [ينظر: أسد الغابة ٣/ ٣٠٦، سير أعلام النبلاء ١/ ٤٦١، الإصابة في تمييز الصحابة ٤/ ١٩٨].
(٢) أبو عبد الرحمن، عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، صحابي، من أعز بيوتات قريش في الجاهلية، كان جريئًا جهيرًا، نشأ في الإسلام، وهاجر إلى المدينة مع أبيه، وشهد فتح مكة، ومولده ووفاته فيها، أفتى الناس في الإسلام ستين سنة، ولما قتل عثمان عرض عليه نفر أن يبايعوه بالخلافة فأبى، وهو آخر من توفي بمكة من الصحابة، توفي سنة ٧٣ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ٩٥٠، أسد الغابة ٣/ ٣٣٦، سير أعلام النبلاء ٣/ ٢٠٣].
(٣) أبو هريرة الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ، اختلفوا في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا لا يحاط به ولا يضبط في الجاهلية والإسلام، كُنِّي أبا هريرة لهرة صغيرة كان يحملها في كمه، أسلم عام خيبر، وشهدها مع رسول الله ﷺ، ثم لزمه وواظب عليه رغبة في العلم، وكان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ، وأكثرهم رواية عنه، شهد له رسول الله ﷺ بأنه حريص على العلم والحديث، استعمله عمر بن الخطاب على البحرين ثم عزله، ثم أراده على العمل فأبى عليه، ولم يزل يسكن المدينة وبها كانت وفاته، توفي سنة ٥٧ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٧٦٨، أسد الغابة ٥/ ٣١٨، الإصابة ٧/ ٣٤٨].
(٤) حديث ابن مسعود؛ أخرجه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات ١/ ٤٣١، ح ٤٨٣، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الطهارة، باب التسمية على الوضوء ١/ ٧٣، ح ١٩٨ من طريق أبي زكريا يحيى بن هاشم السمسار، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم الله ﷿، فإنه يطهر جسده كله، وإن لم يذكر اسم الله ﷿ على طهوره لم يطهر إلا ما مر عليه الماء، فإذا فرغ أحدكم من طهوره فليشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليصل عليّ، فإذا قال ذلك فتحت له أبواب الرحمة». ولفظ الشافعي: «من توضأ فذكر الله ﷿، على وضوئه كان طهورًا لسائر جسده، ومن توضأ ولم يذكر الله ﷿ لم يطهر منه إلا ما أصابه». قال البيهقي: =
[ ٨٥ ]
وحديث الأعرابي الذي علَّمه النبي - صلَّى الله عليه - الوضوء فقال: «اغسل وجهك، ثم يديك، ثم امسح برأسك، واغسل رجليك» (^١)،
_________________
(١) = هذا ضعيف لا أعلمه رواه عن الأعمش، غير يحيى بن هاشم، ويحيى بن هاشم متروك الحديث. وقال ابن الملقن: ضعيف. [ينظر: البدر المنير ٢/ ٩٣، نتائج الأفكار ١/ ٢٣٤]. وأما حديث ابن عمر؛ فأخرجه ابن شاهين في الترغيب، باب في فضل التسمية على الوضوء ص ٣٩، ح ٩٩، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الطهارة، باب التسمية على الوضوء ١/ ٧٣، ح ١٩٩ من طريق عبد الله بن حكيم أبي بكر الداهري، عن عاصم بن محمد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ وذكر اسم الله ﷿ على وضوئه كان طهورًا للجسد، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله ﷿ على طهوره كان طهوره لأعضائه». وقال البيهقي: هذا - أيضًا - ضعيف، أبو بكر الداهري غير ثقة عند أهل العلم بالحديث. وقال ابن الملقن: ضعيف. وقال ابن حجر: تفرد به أبو بكر الداهري، واسمه عبد الله بن حكيم، وهو متروك الحديث. [ينظر: البدر المنير ٢/ ٩٣، نتائج الأفكار ١/ ٢٣٤]. وأما حديث أبي هريرة؛ فأخرجه الدارقطني في السنن، كتاب الطهارة، باب التشهد على الوضوء ١/ ١٢٤، ح ٢٣٢، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الطهارة، باب التسمية على الوضوء ١/ ٧٤، ح ٢٠٠ من طريق مرداس بن محمد بن عبد الله بن أبي بردة، حدثنا محمد بن أبان، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ وذكر اسم الله تطهر جسده كله، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله لم يتطهر إلا موضع الوضوء». وقال البيهقي، والمنذري، وابن الملقن: ضعيف. وقال الذهبي: منكر. وقال ابن حجر: سنده ضعيف. [ينظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٨٨، البدر المنير ٢/ ٩٣، نتائج الأفكار ١/ ٢٣٥].
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في الوضوء على ما أمر الله تعالى ١/ ١٥٦، ح ٤٦٠، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في وصف الصلاة ٢/ ١٠٠، ح ٣٠٢، والنسائي، كتاب التطبيق، باب الرخصة في ترك الذكر في السجود ٢/ ٢٢٥، ح ١١٣٦ من طريق حديث رفاعة بن رافع قال: بينما رسول الله ﷺ جالس ونحن حوله إذ دخل رجل فأتى القبلة فصلى، فلما قضى صلاته جاء فسلم على رسول الله ﷺ وعلى القوم، فقال له رسول الله ﷺ: «وعليك، اذهب فصل فإنك لم تصل»، فذهب فصلى فجعل رسول الله ﷺ يرمق صلاته، ولا يدري ما يعيب منها، فلما قضى صلاته جاء فسلم على رسول الله ﷺ وعلى القوم، فقال له رسول الله ﷺ: =
[ ٨٦ ]
ولم يذكر له التسمية، ولو كانت واجبة لذكرها.
وذكروا من حيث الفقه؛ قالوا: الوضوء إنما أريد لحصول الطهارة، والطهارة إنما أريدت لتتمكن من الصلاة، فإذا غسل هذه الأعضاء كيف ما كان فقد تمكن من أداء الفريضة، فينبغي أن يُجزئه.
والدليل على ذلك، وأنها أريدت للتمكن من الصلاة: أنه إذا أراد الصلاة وهو على وضوء لم يحتج أن يتوضأ؛ لأنه متمكن من الصلاة، فلم يحتج إلى إحداث وضوء آخر، وهذا لأنه لا يجب عليه الوضوء إلا لأجل الصلاة، وهذه جملة لا نزاع فيها، إنما الشأن في بيان أن التمكن من الصلاة بالوضوء على هذا الوجه من غير تسمية قد حصل.
فنقول: الدليل على ذلك: أن الماء خلقه الله - تعالى - طهورًا بطبعه على ما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^١) أي: خلقنا، وإذا كان طهورًا بطبعه فهو يجري على الأعضاء فيطهرها، ويزيل ما بها من الأشياء، وتحصل به الوضاءة والنظافة سواء سمّى، أم لم يسمِّ، وصار هذا كما نقول في الخبز، فإنه لما كان الشبع يحصل منه بطبعه، وكذلك الريّ في الماء، والقطع في السيف، حصلت هذه الأشياء غير مفتقرة في حصولها
_________________
(١) = «وعليك، اذهب فصل فإنك لم تصل»، فأعادها مرتين أو ثلاثا، فقال الرجل: يا رسول الله، ما عبت من صلاتي؟ فقال رسول الله ﷺ: «إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ﷿، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله ﷿ ويحمده ويمجده، ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله وأذن له فيه، ثم يكبر ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يستوي قائما حتى يقيم صلبه، ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه، - وربما قال: جبهته - حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي، ويكبر فيرفع حتى يستوي قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه، ثم يكبر فيسجد حتى يمكن وجهه ويسترخي، فإذا لم يفعل هكذا لم تتم صلاته». وقال الترمذي: حديث حسن. وقال البزار: إسناده حسن. وقال ابن حجر: طرقه قوية. وقال العيني: إسناده صحيح على شرط البخاري. [ينظر: مسند البزار ٩/ ١٨٠، فتح الباري ٢/ ٢٧٩، نخب الأفكار ١/ ٣٠٩].
(٢) الفُرقان: ٤٨.
[ ٨٧ ]
إلى تسمية، كذلك هاهنا بمثابته، والذي يدل على ذلك من جهة الحكم: إزالة النجاسة/ فإن الماء مطهِّر لها بطبعه، ولا يفتقر في ذلك إلى التسمية، كذلك مثله.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: إزالة النجاسة تتعلق بعين قائمة في المحل معقولة، والإزالة بالماء حاصلة، أما في مسألتنا فإن رفع الحدث ليس [عينًا] (^١) تزال، فقد تمحَّض تعبُّدًا وتحكُّمًا من الشرع، فلم يجز اعتبار مواضع التعبدات بغيرها؛ لأنا نقول أولًا قبل الكلام في حقيقة الحدث وماهيته فإنا نعلم بأن الماء إنما استعمل ليكون مطهرًا كما استعمل في إزالة النجاسة ليكون مطهرًا، وإذا ثبت ما ذكرناه، وأنه مطهر بطبعه، فينبغي أن يحصل التطهير به سواء سمى، أم لم يسمِّ، أو كان هناك عين، أو لم يكن.
الثاني: إن لم يكن في الحدث نجاسة عينية فإن فيه نجاسة مقدرة حكمية، وهذا لأن استعمال الماء في الحدث لمّا وجب باسم الطهارة فلابد من نجاسة لتكون ملائمة للتطهير، فثبت في المحل نجاسة حكمية، إذ الطهارات لا تكون إلا عن نجاسة، ولهذا المعنى تأثر الماء بالاستعمال حتى صار عندكم مستعملًا، وعندنا نجسًا.
يدل عليه: أن الطهارة لا تجب إلا عن خارج نجس على ما عرف في موضعه، فدل بذلك أن الحدث في حكم النجاسة، ثم ثبت وتقرر أن إزالة النجاسة لا تفتقر إلى التسمية، فكذلك في رفع الحدث بل أولى من قِبل أن تيك نجاسة حقيقية ثابتة من كل وجه، وهذه نجاسة حكمية ثابتة من حيث الحكم دون الحقيقة، فهي ثابتة من (^٢) وجه دون وجه، فإذا كان طهارة النجاسة/ [الثابتة] (^٣) من كل وجه لا تفتقر إلى التسمية،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (عين)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) كتب بهذا المكان في الأصل: (كل)، وقد حذفته ليستقيم الكلام.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (الثانية)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٨٨ ]
وقوة الماء يدفعها بطبعه، فلأن تكون النجاسة [الثابتة] (^١) من وجه دون وجه غير مفتقرة إلى التسمية، كان ذلك بطريق الأولى.
يدل عليه: أنه لا معنى للنجاسة إلا المنع من الصلاة، والحدث بهذه المثابة فلا فرق بينهما.
قالوا: وقولكم: إن الوضوء حيث عرف إنما عرف شرعًا، فينبغي أن يعتبر فيه مورد الشرع.
فنقول: الشرع ورد به وعقلنا فيه معنى الوضاءة والنظافة، فلا نترك المعنى المعقول.
وقد ذكر بعضهم طريقة أخرى، فقال: الوضوء لا يجب الفعل فيه، فإنه لو وقف تحت ميزاب (^٢)، أو تحت السحاب، فبله الماء أجزأه ذلك الوضوء، ولو وضَّأه غيره أجزأه، وإذا لم يكن الفعل مستحَقًا لم تجب التسمية؛ لأن أدنى أحوال التسمية أن تجب في فعل يأتي به المكلف، والفعل في الوضوء غير مستحَق.
وتعلق بعضهم بطريقة أخرى، فقال: الوضوء شرط من شرائط الصلاة، فلم تكن التسمية [شرطًا] (^٣) فيه؛ كستر العورة، واستقبال القبلة، وما أشبه ذلك، وهذا لأن الشرائط زوائد في الباب، وتوابع الأصل، فلا يعتبر فيها ما يعتبر في الأصل.
يحققه أن الوضوء لا يجب إلا للصلاة، فهو تابع لها، ولهذا لو نذر الصلاة وجب عليه الوضوء، ولو نذر الوضوء لم تجب عليه الصلاة،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (الثانية)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) المئزاب بهمزة ساكنة، والميزاب بالياء لغة، وجمع الأول مآزيب، وجمع الثاني ميازيب، وربما قيل: موازيب من وزب الماء إذا سال، وهو ما يسيل منه الماء من موضع عال، ومنه ميزاب الكعبة، وهو مصب ماء المطر. [ينظر: المصباح المنير ١/ ١٢، تاج العروس ٢/ ٢٤].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (شرط)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
[ ٨٩ ]
فدل أنه تابع للصلاة، فلم تجب فيه التسمية كما قلنا في ستر العورة، واستقبال القبلة.
ومنهم من تعلق بطريقة أخرى، فقال: أجمعنا على/ أنه إذا ترك التسمية ناسيًا صح الوضوء، ولو كانت التسمية واجبة لم تسقط بالنسيان، لأن التسمية شرط في الوضوء، وما جعل شرطًا لم يتصور ثبوته من غير شرطه، وهذا لأن النسيان ليس بعذر في المأمور بحال.
ومنهم من تعلق بطريقة أخرى، فقال: أجمعنا على أن الأخرس يصح وضوءه، ولم توجد التسمية منه، ولا يجوز أن يحال الجواب على علة عذر الخرس، لأنه [من لا] (^١) يمكنه أن يوضئ نفسه لعلة، أو لقطع اليدين فإنه يأمر غيره أن يوضأه، ولا يسقط عنه لهذا العذر، وكذلك قلتم في الأمي الذي يجد قارئًا يقتدي به، فترك الاقتداء به، وصلى منفردًا: لا يجوز؛ لأنه يمكنه أن يجعل صلاته صلاة بقراءة من هذا الوجه، ولم يعذر بالعجز، كذلك هاهنا.
وقد تعلقوا - أيضًا - من حيث الحكم: بغسل الذميّة إذا كانت تحت المسلم عن الحيض والجنابة، فإنه صحيح حتى يستبيح وطأها به، ولو أسلمت استباحت الصلاة بهذا الوضوء وإن لم توجد فيه تسمية معتبرة، دل على أن التسمية غير شرط لصحة الغسل.
وكذلك - أيضًا - تعلقوا بغسل الميت: فإنه لا يعتبر فيه التسمية، وكذلك في غسل الحي، وهذا لأنه لا فرق عندكم بين الغسلين، ولهذا اختص بالماء وافتقر إلى النية، فلما لم تجب فيه التسمية دل على عدم وجوبها في حق الحي، وبل أولى من قبل أن غسل الميت آكد، ولهذا لو اجتمع حي وميت، ووجد من الماء ما يكفي أحدهما قدم الميت، ولأنه آخر زاده من الدنيا فيجب أن يكون على أكمل الأحوال.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم الكلام.
[ ٩٠ ]
/ الجواب:
أما الآية: فنحن قائلون بموجِبها؛ لأن فيها إيجاب غسل الأعضاء وقد أوجبناه، وليس فيها تعرض للتسمية بنفي ولا إيجاب، وقد تضمنت السنة إيجابها، فلا بدّ من القول بالوجوب كسائر ما لم يذكر في الكتاب وشرع بالسنة.
أما قولهم: إن إيجاب التسمية نسخ.
قلنا: ليس كذلك بل هو ضم حكم إلى حكم، ومثل هذا لا يُعدّ نسخًا، كما أن أصل الشريعة لم ينزل جملة، وإنما أُنزلت شيئًا فشيئًا، ولا يقال إن الله ﷿ كلما أوجب شيئًا، وضم حكمًا إلى حكم فقد نسخ الأول. ولذلك قد ضُم بالسنة تحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها، وبين المرأة وبنت أختها، والمرأة وبنت أخيها إلى تحريم الجمع بين الأختين، وكذلك ضُم بالسنة جواز المسح على الخفين إلى غسل الرجلين، ولم يعدَّ شيء من ذلك نسخًا.
أما قولهم: إن النسخ هو تغيير الحكم وقد وجد.
قلنا: إنما يكون التغيير نسخًا إذا حصل التغيير فيما تقتضي الآية، فأما إذا حصل فيما لا تقتضيه الآية، ولم يعرف بها فلا يكون نسخًا، والآية ما اقتضت إلا وجوب غسل الأعضاء، فأما التسمية فلم تتعرض لها الآية أصلًا بوجه ما، وإذا لم تقتضِ الآية نفي التسمية فكيف يكون إيجابها نسخًا.
وقولهم: إن الآية تقتضي أن غسل الأعضاء جميع الواجب.
قلنا: كلا، ولمّا، وليس في الآية إلا الوجوب فحسب، فأما الكل والبعض فلا نعرفه بالآية.
أما قولهم: لو لم يقم دليل التسمية كان غسل الأعضاء جميع الواجب.
[ ٩١ ]
قلنا: بلى، ولكن لا تقتضيه الآية (^١)، لعدم قيام الدليل على وجوب/ غيره، وإذا لم يقم الدليل على وجوب شيء آخر حينئذ قلنا: إنه جميع الواجب؛ لا لمقتضى الآية، لكن لمّا لم يقم دليل على وجوب شيء آخر معه، فيعرف ضرورة أن المذكور جميع الواجب، وهذا لأن ذكر الشيء لا يدل على نفي غيره، كما أن نفي الشيء لا يدل على وجوب غيره، ويجوز أن يذكر الكتاب بعض الحكم، ويكل الباقي إلى السنة، أو إلى الاجتهاد.
والحرف ما قد بيّنا: أن الكتاب لم يتعرض للتسمية بنفي ولا إيجاب، ولا نقول إن الآية اقتضت أن غسل الأعضاء جميع الواجب حتى يكون جعله بعضًا نسخًا.
فهذا جواب معتمد؛ [فراح] (^٢) معه ما يعتقدونه من الإشكال.
وقد قيل في الجواب: إنّ الله - تعالى - ذكر في الآية أركان الطهارة دون شروطها، وبين الرسول ﵇ ذلك، كما ذكر الصلاة، وبين الرسول شرائطها وأركانها وأعدادها، وذكر الزكاة، وبين شرط وجوبها من الحول والنصاب، وذكر الصيام وذكر الرسول شرط النية فيه، ولم يعد ذلك نسخًا.
وأما الحديث: فهو حجة لنا؛ لأنه لم يثبت طهر جميع البدن مع عدم التسمية، والحدث يعم جميع البدن، ولهذا لا يجوز للمحدث مس المصحف بصدره وظهره وكفيه، فإذا توضأ جاز له ذلك، ومع حدث بقية البدن لا تجوز الصلاة.
الثاني: أنكم لا تقولون به فإنه خص بالطهر ما أصابه الماء، وعندكم يطهر جميع البدن، فأما نحن فنقول به، ونحمل قوله: «من ذكر اسم الله كان طهورًا لسائر بدنه» [على] (^٣) الطهارة الشرعية حكمًا، ومن لم يسمّ طَهُر ما أصابه الماء.
_________________
(١) في هذا المكان من الأصل كلمة: (لكن)، وقد حذفتها لإخلالها ببيان الكلام.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل (مراح)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم الكلام.
[ ٩٢ ]
[فذِكرُ اسم الله أصلٌ] (^١) / بنفسه وإن كان شرطًا لغيره، كما قلنا في الإيمان، فإنه أصل القربات والطاعات، ثم هو شرط في صحة الاعتكاف.
فأما ستر العورة، واستقبال القبلة فهناك يوجد الستر والاستقبال في الصلاة حقيقة، فالذكر الذي في الصلاة يأتي عليه فاكتفي بذلك، أما الوضوء فإنه لا يكون في الصلاة متوضئًا فاعتُبِر ذكرٌ يتأدى به الوضوء.
فإن قيل: فالطهارة تفعل في الصلاة على الحد الذي تفعل الستارة والاستقبال والوقوف.
قلنا: ليس كذلك، فإن الطهارة لا تفعل في الصلاة، ولهذا لو حلف لا يتطهر فبقي على طهارة أسبوعًا، أو شهرًا لم يحنث، ولو حلف لا يلبس سترة، ولا يقف على موضع طاهر، ولا يستقبل القبلة وهو لابس، واقف، مستقبل، فاستدام ذلك لحظة حنث، فدل على أن استدامة بقية الشرائط بمنزلة ابتداء الفعل، واستدامة الطهارة ليس بفعل، وإنما الطهارة عبادة منفردة تفعل خارج الصلاة، ولهذا شرع فيها التسمية والنية، ولا يشرع ذلك في بقية الشروط فدل على افتراقهما.
وأما تعلقهم بفصل النسيان فهو ممنوع على ظاهر كلام أحمد (^٢) (^٣)،
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس فيه الأصل، وقد استظهرته ليستقيم الكلام.
(٢) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد، أبو عبد الله، الشيبانيّ الوائلي، إمام المذهب الحنبلي، وإمام أهل السنة في عصره، أصله من مرو، وولد ببغداد، سنة أربع وستين ومئة. وطلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة، وسافر في سبيله أسفارًا كبيرة، قال الذهبي عنه: هو الإمام حقًا، وشيخ الإسلام صدقًا. وقد صنّف المسند، وله كتب في التاريخ والناسخ والمنسوخ، والرد على الزنادقة فيما ادعت به من متشابه القرآن، والتفسير، وفضائل الصحابة، والمناسك، والزهد، والأشربة، والمسائل، والعلل والرجال. مات سنة ٢٤١ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ١٨/ ٦١، سير أعلام النبلاء ١١/ ١٧٧، الأعلام للزركلي ١/ ٢٠٣].
(٣) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٩، الروايتين والوجهين ١/ ٦٩.
[ ٩٣ ]
ولو سلمنا على ما ذكره القاضي (^١) (^٢) فالناسي غير معرض عن التسمية فجاز أن يجعل بمنزلة المسمِّي، فأما التارك عمدًا فهو معرض عن التسمية، فلم يجز أن يجعل بمنزلة من سمى مع وجود الإعراض حقيقة؛ لأنه لا عبرة بالدليل مع التصريح بغيره، ولأن الناسي عاجز عن التسمية، والعاجز معذور، فأما العامد فغير عاجز، فلا عذر له.
على أنه لا يمتنع أن يكون واجب ويسقط بالسهو، هذا كما نقول في الإمساك/ في الصوم، وكالحج فيه واجبات وتسقط بالسهو والعذر، وكالتسمية على الذبيحة عند أبي حنيفة (^٣)، إلى غير ذلك من الأشياء.
وأما تعلقهم بفصل الأخرس فنقول: سقط الأمر بالتسمية في حقه لأجل العجز، وقامت الإشارة في حقه مقام النطق في سائر المواضع، وإذا قامت الإشارة مقام النطق لم نبالِ بقدرته على الاستنابة كما نقول في الطلاق، والعتاق، والبيع، وغيرها.
وأما غسل الذميّة تحت المسلم فلا نسلمه، ونقول: لا يصح، ولا يستبح به الوطء أصلًا، ثم وإن سلمنا فذلك الغسل إنما صححناه ليتوصل الزوج به إلى حقّه، فكأنه على الحقيقة غسل شرع لحق الزوج،
_________________
(١) محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد، القاضي أبو يعلى ابن الفراء البغدادي الحنبلي، كبير الحنابلة، ولد في أول سنة ٣٨٠ هـ، قال ابنه: كان عالم زمانه وفريد عصره ونسيج وحده وقريع دهره، وكان له في الأصول والفروع القدم العالي، وأصحاب الإمام أحمد ﵁ له يتبعون، ولتصانيفه يَدرسون ويُدرِّسون، وبقوله يفتون، وعليه يعولون، والفقهاء على اختلاف مذهبهم وأصولهم كانوا عنده يجتمعون، ولمقاله يسمعون ويطيعون، وبه ينتفعون. وقال الذهبي: إنه في الفقه ومعرفة مذاهب الناس، ومعرفة نصوص أحمد ﵀، واختلافها، إمام لا يدرك قراره. مات سنة ٤٥٨ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٣/ ٥٥، طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣، تاريخ الإسلام ١٠/ ١٠١].
(٢) قال: لا يمنع أن تكون التسمية واجبة وتسقط بالسهو. [ينظر: الجامع الصغير ص ٢٥].
(٣) التسمية شرط في الذبيحة عند أبي حنيفة وتسقط بالسهو. [ينظر: الجوهرة النيرة ٢/ ١٧٦، بدائع الصنائع ٥/ ٤٦].
[ ٩٤ ]
وصورة إباحة الوطء، حتى نقول لو أسلمت لم تستبتح الصلاة بهذا أصلًا، بخلاف الطهارة للصلاة، فإنها تراد لمحض التعبد لله فاختلفا.
على أن هذا ليس بأول محل انعدم أحد مقصوديه، أو أكثرهما فبقي على مقصوده الآخر، هذا كما نقول في الممتنع من أداء الذكاة، فإن أحد المقصودين وهو التعبد بامتناعه وطواعيته، ونفي الإخراج بالخبر عند أبي حنيفة (^١)، وبالأخذ عندنا (^٢) وعند الشافعي (^٣)، ولذلك نحن نعلم أن للزكاة مقصودين؛ إهلال لله، وتطهير، ثم إن انعدم الإهلال والإباحة لم ينعدم التطهير على قول أبي حنيفة، فإنه يقول: ذبح ما لا يؤكل لحمه يفيد طهارة جلده دون لحمه (^٤)؛ إلى غير ذلك من الأشياء، والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: الجوهرة النيرة ١/ ١١٥، فتح القدير ٢/ ١٦٩.
(٢) ينظر: متن الخرقي ص ٤٣، شرح الزركشي ٢/ ٤٢٧.
(٣) ينظر: الأم ٢/ ٢٤.
(٤) في ذبح ما لا يؤكل لحمه روايتان عند الحنفيّة، الأولى: أن الذبح يطهر جلده ولحمه. والثانية: أن الذبح يطهر جلده دون لحمه. [ينظر: الجوهرة النيرة ٢/ ١٨٥، المبسوط ١١/ ٢٥٥].
[ ٩٥ ]