إذا انقطع دم النفساء فيما دون الأربعين كُرِه لزوجها وطئها في ذلك الطهر (^١)، نص عليه أحمد (^٢).
وقد أطلق القول في رواية الأثرم وأبي طالب (^٣)، وغيرهما: لا يجامعها حتى يمضي أربعون يومًا (^٤). قال أصحابنا: وهذا محمول من قوله على الكراهة، لا على التحريم. وكذلك ذكره الخِرقيّ في «مختصره» (^٥).
وقال أكثر الفقهاء: لا يكره وطؤها (^٦).
لنا:
ما روى ابن شاهين بإسناده (^٧) عن معاذ (^٨) أنه سمع النبي - صلَّى الله عليه ـ،
_________________
(١) ينظر: متن الخرقي ص ١٨، شرح الزركشي ١/ ٤٨٥، الإنصاف ١/ ٣٨٤، المبدع ١/ ٢٩٥.
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ ١/ ٣٤.
(٣) أحمد بن حميد، أبو طالب، المشكاني، الفقيه، صاحب أحمد بن حنبل، روى عن أحمد مسائل كثيرة، وصحب أحمد قديمًا إلى أن مات، وكان أحمد يكرمه ويقدمه، وكان رجلًا خيّرًا صالحًا فقيرًا صبورًا على الفقر. مات سنة ٢٤٤ هـ. [ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٣٩، تاريخ الإسلام ٥/ ٩٩٨].
(٤) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٨٣.
(٥) ينظر: متن الخرقي ص ١٨.
(٦) ينظر للحنفيّة: المبسوط ٣/ ٢٠٨، الكفاية ١/ ١٦٥. للمالكيّة: المدونة ١/ ١٥٤، الشرح الكبير ١/ ١٧٤. للشافعيّة: روضة الطالبين ١/ ١٧٩، المجموع ٢/ ٥٣٢.
(٧) في حاشية المخطوط: «قال القاضي في تعليقه الكبير: وفي إسناده نظر».
(٨) أبو عبد الرحمن، معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل، كان أعلم الأمة بالحلال والحرام، وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي ﷺ، أسلم وهو فتى، وآخى النبي ﷺ بينه وبين جعفر بن أبي طالب، وكان من أحسن الناس وجهًا ومن أسمحهم كفًا. مات سنة ١٨ هـ. [ينظر: الطبقات الكبرى ٢/ ٢٦٤، أسد الغابة ٥/ ١٨٧، الإصابة ٦/ ١٠٧].
[ ٢٤٩ ]
وذكر أكثر النفاس، ثم قال: «ولا نفاس فوق الأربعين، فإذا رأت النفساء الطهر فيما دون الأربعين صامت، وصلت، ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين» (^١). وهذا نص، وقد اعتمد الإمام أحمد ﵁ على إجماع الصحابة، فروى بإسناده عن علي، وابن عباس، وعثمان بن أبي العاص (^٢)، وعائذ بن عمرو (^٣)، أنهم قالوا: لا توطأ المستحاضة إلا بعد الأربعين (^٤). ولا يعرف لهم مخالف.
والفقه فيه: أن زمان النفاس باقٍ، فلا يأمن معاودة الدم في حال وطئها، فيكون قد صادف وطؤه نفاسًا، فكره له ذلك.
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل ٩/ ١٠٧، ح ١٤٧٥٧ من طريق محمد بن سعيد الشامي المصلوب، عن عبد الرحمن بن غنم، قال: سمعت معاذ بن جبل يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا حيض فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة، فما زاد تتوضأ لكل صلاة إلى أيام أقرائها، ولا نفاس دون أسبوعين، ولا نفاس فوق أربعين، فإن رأت النفساء الطهر دون الأربعين، صامت وصلت، ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين»، ومن طريقه أخرجه البيهقي في الخلافيات ٣/ ٤١٩، ح ١٠٦١، وقال البيهقي: محمد بن سعيد هذا هو الذي قتل وصلب في الزندقة، وهو متروك الحديث. وقال عبد الحق: محمد بن سعيد كذاب عندهم. وقال ابن حجر: إسناده واه. [ينظر: الأحكام الوسطى ١/ ٢١٨، الدراية لابن حجر ١/ ٨٤].
(٢) الثقفي، أبو عبد الله، نزيل البصرة، أسلم في وفد ثقيف، فاستعمله النبي ﷺ على الطائف، وأقرّه أبو عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد دهمان بن عبد الله بن همام بكر ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان والبحرين سنة ١٥ هـ، وكان هو الذي منع ثقيفًا عن الردة، خطبهم، فقال: كنتم آخر الناس إسلامًا، فلا تكونوا أولهم ارتدادًا. مات سنة ٥٠ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١٠٣٥، أسد الغابة ٣/ ٤٧٥، الإصابة ٤/ ٣٧٣].
(٣) عائذ بن عمرو بن هلال بن عبيد بن يزيد المزني، أبو هبيرة، كان ممن بايع تحت الشجرة، سكن البصرة، وابتنى بها دارًا. مات في إمارة ابن زياد أيام يزيد بن معاوية، وأوصى أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٧٩٩، أسد الغابة ٣/ ٤٣، الإصابة ٣/ ٤٩٤].
(٤) لم أقف عليه.
[ ٢٥٠ ]
ولأن هذا الطهر مشكوك فيه؛ لأنه إن رأت الدم بعده في زمن الأربعين فعند أبي حنيفة هو نفاس (^١)، وعند الشافعي إن لم يكن كاملًا فهو نفاس، فإذا كان معرضًا لذلك كره الوطء فيه (^٢).
احتجوا:
بأنها قد رأت النقاء الخالص، فأشبه إذا رأته بعد الأربعين، ولأنها في حكم الطاهرات في جميع الأشياء، كذلك في باب الوطء.
قالوا: ولأنها لو كانت معتادة،/ فانقطع الدم في بعض عادتها حل وطؤها، كذلك في [النفاس] (^٣).
الجواب:
أما قياسهم على ما بعد الأربعين فلا يصح؛ لأن بعد الأربعين قد أمن أن يطأ في نفاس، فلهذا لم يكره، بخلاف مسألتنا فإنه لا يأمن ذلك على ما تقدم بيانه، فكُره.
وهذا كما قال أبو حنيفة: إذا انقطع دم الحائض لأقل من أكثره حرم وطؤها قبل الغسل لجواز أن يعود الحيض، وإذا انقطع لأكثره لم يحرم الوطء قبل الغسل (^٤).
وكما قال الشافعي في الناسية لعادتها: لا توطأ وإن صامت وصلت مخافة أن يصادف وطؤه الحيض (^٥).
وبهذه المسألة نجيب عن قولهم: إنها في حكم الطاهرات، فإن الناسية إذا استحيضت هي في حكم الطاهرات في جميع الأشياء إلا في الوطء،
_________________
(١) ينظر: المبسوط ٢/ ١٤١.
(٢) ينظر: المجموع ٢/ ٥٣٢، ٥٣٣.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (القياس)، وما أثبته هو الموافق للسياق نقلًا من الانتصار ١/ ٦٠٣.
(٤) ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٤١، ٤٢.
(٥) ينظر: المجموع ٢/ ٤٣٣.
[ ٢٥١ ]
وكذلك قال الشافعي في الحائض إذا انقطع دمها ولما تغتسل: هي في حكم الطاهرات في جميع الأشياء إلا في الوطء (^١)، كذلك هاهنا.
وأما مسألة المعتادة إذا انقطع الدم في بعض عادتها؛ قلنا: لا نسلم ذلك، بل يكره وطؤها حتى يتكرر الانقطاع ثلاثًا، فنعلم أن عادتها قد انتقلت، وأن ذلك طهر بيقين، فلا فرق بين ذلك، وبين مسألتنا في إحدى الروايتين (^٢)، وفي الأخرى: لا يكره؛ لأن النفاس إذا احتطنا فيه لم يشق، والحيض يتكرر فيشق، ولأن النفاس آكد، ولهذا يمتد زمانه، والأصح المنع، والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: المجموع ٨/ ٢٣٥.
(٢) ينظر: الإنصاف ١/ ٢٧٢، ٢٧٣.
[ ٢٥٢ ]