التكبير - غير تكبيرة الإحرام ـ، والتسبيح في الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وقول: ربنا ولك الحمد، وقول: رب اغفر لي بين السجدتين، والتشهد الأول واجب (^١)، نص عليه أحمد (^٢)، وهو قول داود (^٣).
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: كل ذلك سنة (^٤).
لنا:
قوله - تعالى ـ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ *﴾ (^٥)، وقوله - تعالى ـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ (^٦)، وهذا أمر يقتضي الوجوب، وأجمعنا أن ذلك لا يجب في غير الصلاة، فدل على وجوبه في الصلاة.
يدل عليه ما روى أبو داود في «سننه» عن عقبة بن عامر قال: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ *﴾ (^٧) قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «اجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ (^٨) قال: «اجعلوها في سجودكم» (^٩). وهذا أمر، وهو يقتضي الوجوب.
_________________
(١) ينظر: متن الخرقي ص ٢٦، الإنصاف ٢/ ١١٥، شرح الزركشي ١/ ٥٥٣ - ٥٥٨، كشاف القناع ١/ ٣٨٩.
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ ١/ ٥١، زاد المسافر ٢/ ١٥٢، ١٥٧.
(٣) ينظر: المحلّى ٢/ ٢٨٦.
(٤) ينظر للحنفيّة: مختصر الطحاوي ص ٣٠، حاشية ابن عابدين ١/ ٤٧٣. وللمالكيّة: مواهب الجليل ١/ ٥٣٨، حاشية الدسوقي ١/ ١١٩، ٢٤٣. وللشافعيّة: المجموع ١/ ٣٩٧، روضة الطالبين ١/ ٢٢٣.
(٥) الواقِعَة: ٧٤، ٩٦.
(٦) الأعلى: ١.
(٧) الواقِعَة: ٧٤، ٩٦.
(٨) الأعلى: ١.
(٩) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده ١/ ٢٣٠، ح ٨٦٩ من طريق موسى بن أيوب، عن عمه إياس بن عامر، عن عقبة. قال الحاكم: حديث حجازي صحيح الإسناد وقد اتفقا على الاحتجاج برواته غير إياس بن عامر، وهو عم موسى بن أيوب القاضي، ومستقيم الإسناد. وقال النووي: إسناده حسن. وقال الذهبي: إياس ليس بالمعروف. وقال ابن رجب: موسى وثقة ابن معين وأبو داود وغيرهما، لكن ضعف ابن معين رواياته عن عمه المرفوعة خاصة. وقال العيني: طريق صحيح. [ينظر: المستدرك ١/ ٣٤٧، خلاصة الأحكام ١/ ٣٩٦، فتح الباري لابن رجب ٧/ ١٧٦، نخب الأفكار ٤/ ٢٦٥].
[ ٢٦٦ ]
وروى أبو داود بإسناده عن حذيفة (^١) أنه صلى مع النبي - صلَّى الله عليه - فكان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم» وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلى» (^٢).
وفي لفظ آخر: فكان إذا رفع رأسه من الركوع قال: «لربي الحمد» وإذا قعد بين السجدتين قال: «رب اغفر لي، رب اغفر لي» (^٣).
_________________
(١) حذيفة بن اليمان - حسيل - بن جابر العبسي، القطيعي، من كبار الصحابة، كان أبوه قد أصاب دمًا فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان، لكونه حالف اليمانية، وتزوج والدة حذيفة، فولد له بالمدينة، وأسلم حذيفة وأبوه، وشهدا أحدًا، فاستشهد اليمان بها، وشهد حذيفة الخندق وما بعدها، وشهد فتوح العراق، وكان عمر بن الخطاب يسأله عن المنافقين، وهو معروف في الصحابة بصاحب سرِّ رسول الله ﷺ، وكان عمر ينظر إليه عند موت من مات منهم، فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر، وكان حذيفة يقول: خيرني رسول الله ﷺ بين الهجرة والنصرة؛ فاخترت النصرة، وشهد نهاوند، فلما قُتل النعمان بن مقرن أخذ الراية، وكان فتح همذان، والري، والدينور على يده، استعمله عمر على المدائن، فلم يزل بها حتى مات بعد قتل عثمان وبعد بيعة علي، بأربعين يومًا، وذلك في سنة ٣٦ هـ. [ينظر: الاستيعاب ١/ ٣٣٤، أسد الغابة ١/ ٤٦٨، الإصابة ٢/ ٣٩].
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده ١/ ٢٣٠، ح ٨٧١، من طريق سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده ١/ ٢٣١، ح ٨٧٤)، والنسائي، كتاب التطبيق، باب قدر القيام بين الرفع من الركوع والسجود ٢/ ١٩٩، ح ١٠٦٩ من طريق عمرو بن مرة، عن أبي حمزة الأنصاري، عن رجل من بني عبس، عن حذيفة، وعند النسائي: لربي الحمد، لربي الحمد. والحديث أصله عند مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ١/ ٥٣٦، ح ٧٧٢ من طريق سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع، فجعل يقول: «سبحان ربي العظيم»، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده»، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: «سبحان ربي الأعلى»، فكان سجوده قريبًا من قيامه. وفي رواية: فقال: «سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد».
[ ٢٦٧ ]
وروى بإسناده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «إذا ركع أحدكم فليقل: سبحان ربي العظيم. ثلاثًا، وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال» (^١). وهو أمر - أيضًا ـ.
وروى - أيضًا - بإسناده عن رفاعة بن رافع (^٢)، عن النبي - صلَّى الله عليه ـ: «لا تتم صلاة أحدكم» وذكر الخبر إلى أن قال: «وفي التكبير في كل خفض/ ورفع، وقول: سمع الله لمن حمده» (^٣)، فعلق تمام الصلاة على ذلك.
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب مقدار الركوع والسجود ١/ ٢٣٤، ح ٨٨٦، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود ٢/ ٤٦، ح ٢٦١ من طريق عون بن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، أن النبي ﷺ قال: «إذا ركع أحدكم، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد، فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، فقد تم سجوده، وذلك أدناه»، وليس عند أبي داود: «فقد تم ركوعه»، وقال البخاري: لا يصح. وقال أبو داود، والبيهقي: هذا مرسل، عون لم يدرك عبد الله. وقال الترمذي: ليس إسناده بمتصل، عون بن عبد الله بن عتبة لم يلق ابن مسعود. وقال ابن الملقن: حديث منقطع. وقال ابن حجر: فيه انقطاع. [ينظر: التاريخ الكبير ١/ ٣٣، السنن الكبير ٢/ ١٢٣، البدر المنير ٣/ ٦٠٧، التلخيص الحبير ١/ ٤٣٨].
(٢) رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق، الأنصاري الخزرجي الزرقي، أبو معاذ، من أهل بدر، وشهد هو وأبوه العقبة وبقية المشاهد، وقيل: شهد الجمل وصفين، مات سنة ٤١ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٤٩٧، أسد الغابة ٢/ ٧٣، الإصابة ٢/ ٤٠٦].
(٣) لم أجده بهذا اللفظ، ولعل المصنف ذكره بمعناه، والذي عند أبي داود: «ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر»، والحديث تقدم تخريجه.
[ ٢٦٨ ]
وروى - أيضًا - بإسناده عن ابن عباس: كان النبي - صلَّى الله عليه - يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني» (^١).
وروى - أيضًا - بإسناده عن رفاعة بن رافع أنه ذكر حديثه فقال فيه: «فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد، ثم إذا قمت فافعل مثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك» (^٢). يعني بقوله: «مثل ذلك» ما تقدم من التكبير، والقراءة، والطمأنينة، وهو أمر بالتشهد، والتكبير، فاقتضى الوجوب.
وروى أحمد بإسناده عن أبي موسى الأشعري أن النبي - صلَّى الله عليه - خطبنا فعلمنا صلاتنا وذكر الخبر بطوله إلى قوله: «فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم» (^٣).
وكذا في حديث أبي هريرة: «فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد» (^٤). وهو في الصحاح، وهذا أمر، وهو يدل على الوجوب.
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء بين السجدتين ١/ ٢٢٤، ح ٨٥٠، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما يقول بين السجدتين ٢/ ٧٦، ح ٢٨٤ من طريق كامل أبي العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقال الترمذي: «أجبرني» بدل: «عافني». قال الترمذي: هذا حديث غريب، وروى بعضهم هذا الحديث، عن كامل أبي العلاء مرسلًا. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد. وقال ابن الملقن: حديث صحيح. وقال ابن حجر: غريب. [ينظر: المستدرك ١/ ٣٩٣، خلاصة الأحكام ١/ ٤١٥، البدر المنير ٣/ ٦٧٢، نتائج الأفكار ٢/ ١٢٢].
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود ١/ ٢٢٧، ح ٨٦٠، والحديث تقدم الكلام عليه.
(٣) المسند ٣٢/ ٤٣٥، ح ١٩٦٦٥، والحديث عند مسلم، كتاب الصلاة ١/ ٣٠٣، ح ٤٠٤ من طريق حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى الأشعري.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة ١/ ١٤٥، ح ٧٢٢، ومسلم، كتاب الصلاة ١/ ٣٠٦، ح ٤٠٩، وعند مسلم: «فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد».
[ ٢٦٩ ]
وبالجملة إنّ جميع هذه الأذكار والتكبيرات قد كان ﵇ يقولها، ويأمر بها، واشتهر ذلك في الأخبار، وقد قال ﵇: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^١)، فوجب امتثال أمره.
وقد اشتهر ذلك في الصحابة، فروي عن الأئمة أبي بكر (^٢)، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ أنهم كانوا يكبرون في كل خفض ورفع (^٣).
وفي السلف - أيضًا - حتى إنهم قالوا: إذا أخل بشيء منه وجبت الإعادة.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر، إذا كانوا جماعة، والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع، وقول المؤذن: الصلاة في الرحال، في الليلة الباردة أو المطيرة ١/ ١٢٨، ح ٦٣١ من حديث مالك بن الحويرث.
(٢) عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي أبو بكر بن أبي قحافة الصديق الأكبر خليفة رسول الله ﷺ، صحب النبي ﷺ قبل البعثة، وسبق إلى الإيمان به، واستمر معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحج في الناس في حياة رسول الله ﷺ سنة تسع، واستقرّ خليفة في الأرض بعده، ولقبه المسلمون خليفة رسول الله، مات في جمادى الأولى سنة ١٣ هـ[ينظر: أسد الغابة ٣/ ٢٠٥، الإصابة ٤/ ١٤٤].
(٣) أخرجه النسائي، كتاب السهو، باب التكبير إذا قام من الركعتين ٣/ ٢، ح ١١٧٩ من طريق عبد الرحمن بن الأصم قال: سئل أنس بن مالك عن التكبير في الصلاة فقال: «يكبر إذا ركع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، وإذا قام من الركعتين»، فقال حطيم: عمن تحفظ هذا؟ فقال: عن النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر ﵄، ثم سكت، فقال له حطيم: وعثمان؟ قال: وعثمان. وأما أثر علي فأخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إتمام التكبير في السجود ١/ ١٥٧، ح ٧٨٦. ومسلم، كتاب الصلاة ١/ ٢٩٥، ح ٣٩٣ من طريق مطرف بن عبد الله، قال: صليت خلف علي بن أبي طالب ﵁ أنا وعمران بن حصين، «فكان إذا سجد كبّر، وإذا رفع رأسه كبر وإذا نهض من الركعتين كبر» فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين، فقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد ﷺ، أو قال: لقد صلى بنا صلاة محمد ﷺ.
[ ٢٧٠ ]
فروى ابن المنذر في «الإشراف» (^١) (^٢) عن قتادة أنه قال: من نسي شيئًا من تكبير الصلاة فإنه يقضيه حين يذكره (^٣).
وعن الحسن البصري أنه قال: التسبيح التام في السجود سبعًا والمجزئ ثلاثًا (^٤).
وعن الأوزاعي: يقضي ما سهى عنه من التكبير (^٥).
/ وعن إسحاق: إن ترك التسبيح عامدًا أعاد (^٦).
وعن الحكم وأبي ثور فيمن ترك تكبيرة: سجد سجدتي السهو (^٧).
فإن قيل: يحمل جميع ذلك من أمره وفعله على الاستحباب، بدليل أنه قال في حديث ابن مسعود: «إذا ركع أحدكم فليقل: سبحان ربي العظيم ثلاثًا» (^٨). وكذا في السجود، ولا يجب الثلاث،
_________________
(١) كتاب: (الإشراف على مذاهب العلماء) لابن المنذر، وهو مختصر عن كتاب الأوسط للمؤلف، وهو من أحسن المصنفات في فنه، جمع فيه بين طريقة المحدثين في شروح الحديث، وبين طريقة الفقهاء في كتب الفقه. [ينظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١/ ٩٨، لسان الميزان ٦/ ٤٨٢].
(٢) ينظر: الإشراف ٢/ ٧١.
(٣) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الصلاة، باب الرجل يسهو بها في التكبير أو سمع الله لمن حمده ٢/ ٣٢٩، ح ٣٥٦٤ عن معمر، عن قتادة قال: من نسي شيئًا من تكبير الصلاة، أو سمع الله لمن حمده؛ فإنه يقضيه حين ذكره.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصلوات، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده ١/ ٢٢٤، ح ٢٥٦٨ من طريق منصور، عن الحسن، أنه كان يقول: التام من السجود قدر سبع تسبيحات، والمجزئ ثلاث.
(٥) ينظر: الإشراف ٢/ ٧١.
(٦) ينظر: الأوسط ٣/ ١٨٥.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصلوات، باب الرجل يريد أن يقول سمع الله لمن حمده، فيقول: الله أكبر ١/ ٤٢١، ح ٤٨٣٦.
(٨) تقدم تخريجه.
[ ٢٧١ ]
وكذلك نُقل عنه - صلَّى الله عليه - أنه كان يقول دعاء الاستفتاح (^١)، والتعوذ (^٢)، و«ملء السماء وملء الأرض» بعد التحميد (^٣)، وكل ذلك مستحب، وكذلك في هذه الأذكار، ولهذا لو ترك جميع ذلك ساهيًا لم تبطل صلاته، ولو كان ذلك واجبًا لم يسقط بالسهو.
قلنا: ظاهر أمره على الوجوب، وقوله في خبر رفاعة: «لا تقبل» يقطع العذر أصلًا، ورأسًا، فأما حديث ابن مسعود فيسقط فيه الثانية والثالثة؛ لأنه أمر في غيره بمرة واحدة، فأَخذْنَا بما [اتفقت] (^٤) الأخبار عليه، وحملنا الزائد على الندب.
وأما دعاء الاستفتاح، والتعوذ، وبقية الأدعية، فقد روى أبو طالب
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير ١/ ١٤٩، ح ٧٤٤، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٤١٩، ح ٥٩٨ من حديث أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة، سكت هنية قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد».
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، والسنة فيها، باب الاستعاذة في الصلاة ١/ ٢٦٥، ح ٨٠٧، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء ١/ ٢٠٣، ح ٧٦٤ من طريق عاصم العنزي، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة، فقال: «الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، والحمد لله كثيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا ثلاثًا، أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه»، وقال ابن الملقن: حديث صحيح. وقال العراقي: حديث حسن مشهور. وقال ابن حجر: حديث حسن. [ينظر: البدر المنير ٣/ ٥٣٤، المستخرج على المستدرك ص ٦٧، نتائج الأفكار ١/ ٤١٢].
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة ١/ ٣٤٦، ح ٤٧٦ من حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان رسول الله ﷺ، إذا رفع ظهره من الركوع، قال: «سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد».
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (اتفق)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٢٧٢ ]
عن أحمد ﵁ أنه سُئل عن من ترك شيئًا من الدعاء في الصلاة عامدًا: يعيد (^١). فظاهره أن جميع ذلك واجب.
وقد اختاره الشيخ أبو عبد الله بن بطة فقال: من ترك شيئًا من الأدعية المشروعة التي يقصد بها الثناء على الله ﷿ كالاستفتاح والتسبيح أعاد، ومن ترك الأدعية التي يقصد بها مصلحة نفسه لم يُعد (^٢).
[ولا] (^٣) نُسلِّم ذلك، وإن سُلِّم على ما اختاره الخرقي (^٤) فإن تلك الأذكار محلها غير واجب، ولهذا لو كبّر، وقرأ قدر الفاتحة، أو الآية، ولم يقف غير ذلك جاز، بخلاف مسألتنا؛ فإن محل هذه الأذكار واجب وهو الركوع، والسجود، والرفع منهما، فجاز أن تجب كصلاة الجنازة لما/ كان محل التكبيرات فيها واجب [وجبت] (^٥) التكبيرات.
وأما إذا تركه ساهيًا؛ فقد نقل حنبل (^٦) عنه فيمن نسي تكبيرة من صلاته حتى قضى صلاته: يعيد الصلاة (^٧)؛ لأنها نقصت، فإن كان وراء إمام فهو أسهل.
_________________
(١) ينظر: الانتصار ٢/ ٢٧٩، الإنصاف ٢/ ٨١.
(٢) ينظر: الانتصار ٢/ ٢٧٩، الإنصاف ٢/ ٨١.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (فلا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) ينظر: متن الخرقي ص ٢٦.
(٥) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٦) حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد، أبو علي الشيباني، ابن عم الإمام أحمد، وأحد تلامذته، وكان يفهم ويحفظ، وصنف تاريخًا حسنًا، قال الخلال: قد جاء حنبل عن أحمد بمسائل أجاد فيها الرواية وأغرب بغير شيء وإذا نظرت في مسائله شبهتها في حُسنها وإشباعها وجودتها بمسائل الأثرم، وكان رجلًا فقيرًا خرج إلى عُكْبَرَا فقرأ مسائله عليهم وخرج - أيضًا - إلى واسط فلقيته بواسط فسمعت منه مسائل يسيرة ثم سمعت مسائله بعُكْبَرَا من أصحابنا العُكْبَرِيِّين عنه. مات بواسط في جمادى الأولى سنة ٢٧٣ هـ. [ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ١٤٣، تاريخ الإسلام ٦/ ٥٤٣].
(٧) ينظر: الانتصار ٢/ ٢٨٠.
[ ٢٧٣ ]
فعلى هذا لا نسلم أنه يسقط بالسهو، وقد ذكرنا مثل ذلك عن السلف، وإن سلمنا فلا يمتنع أن يكون واجبًا ويسقط بالسهو كالأكل في الصيام، وترك التسمية على الذبيحة، [والكلاب] (^١)، والوقوف بعرفة.
فإن قيل: تلك الأشياء منهيات فلهذا افترق عمدها وسهوها، وهذا مأمور به فلم يفترق الحال بين عمده وسهوه.
قلنا: علة الأصل باطلة بالخلاف، وتقليم الأظفار، وقتل الصيد، والحدث في الصلاة، فإنه منهيّ عنه ويسوّى بين عمده وسهوه، وعلّة الفرع باطلة بالوقوف بعرفة، والتسمية على الذبيحة مأمور به ويُفرّق بين عمده وسهوه، وكذلك الإمساك في الصوم مأمور به ويفرق بين عمده وسهوه.
والفقه في المسألة أنا نقول: الركوع، والسجود، والاعتدال بينهما ركن من أركان الصلاة فتضمنت ذِكرًا واجبًا؛ دليله القيام؛ وهذا لأن الصلاة تشتمل على التذلل لله - تعالى - بالفعل، والثناء عليه بالقول، فكل ركن منها يفتقر إلى ذلك، فيجب أن لا نخليه منه؛ لأنها وضعت على ما يعرفه الناس من تعظيم ملوكهم، وهم لا يخضعون بالفعل إلا موشحًا بالثناء، والدعاء لملوكهم، وكذلك يجب في الصلاة.
فإن قيل: المعنى في القيام أنه يفعله الناس عادة، فافتقر إلى الذكر ليفرق به بين العادة والعبادة، بخلاف الركوع، والسجود فإنه لا يفعل إلا عبادة، فلم يفتقر إلى ما يخلصه للعبادة.
قلنا:/ يكفي في الفرق بين القيامين تكبيرة الإحرام، والنية، واستقبال القبلة، وترك الكلام، ثمّ يلزم أبا حنيفة الجلوس للتشهد الأخير، والشافعي الجلوس للتشهد الأوّل، [و] (^٢) تشترك فيه العادة والعبادة،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (الكلام)، وما أثبته هو الموافق للسياق نقلًا من الانتصار ٢/ ٢٨٠.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٢٧٤ ]
ولا يجب الذكر عندهما (^١)، وكذلك القيام في ركعتين من الصلاة، والقيام خلف الإمام، تشترك فيه العادة والعبادة ولا يجب فيه الذكر عند أبي حنيفة (^٢)، وكذلك الاعتدال من الركوع والسجود عند الشافعي، يشترك فيه ذلك ولا يوجب فيه ذكرًا (^٣)، فبطلَ قولهما.
وعلّة الفرع تبطل بالإحرام، لا تشترك فيه العادة والعبادة وفيه ذكر واجب عند أبي حنيفة، وهو التلبية (^٤)، والقيام على المنبر في الجمعة، لا تشترك فيها العادة والعبادة ويجب الذكر وهو الخطبة عندهم جميعًا (^٥).
وقد قيل طريقة أخرى، نقول: التكبير في الركوع، والسجود تكبير في صلاة الفرض، فكان واجبا، دليله تكبيرة الإحرام.
فإن قيل: المعنى في الأصل أنها ركن بخلاف مسألتنا.
قلنا: يجوز أن تكون واجبة وإن لم تكن ركنًا، بدليل الرمي، وطواف الوداع، وغير ذلك، يجب في الحج وليس بركن، وكذلك عند أبي حنيفة تجب التلبية، وركعتا الطواف (^٦)، وليسا بركن، ولأنها عبادة لها تحليل وتحريم، فكان في بعض واجباتها ما يفرق بين عمده وسهوه، دليله الحج، منه ما يفرق بين عمده وسهوه وهو الوقوف، ولا يلزم الصيام؛ لأنه لا تحليل له، ولا تحريم.
_________________
(١) ذهب الحنفيّة إلى وجوب الجلوس بعد الركعة الثانية، واستحباب التشهد فيه. أما التشهد الأخير فالجلوس عندهم فرض والتشهد الأخير واجب. [ينظر: تبيين الحقائق ١/ ١٠٤ - ١٠٦، البحر الرائق ١/ ٣٠٠]. وذهب الشافعيّة إلى أنّ التشهد الأول والجلوس له سنّة. [ينظر: التحقيق ص ٢١٣، الغاية القصوى ١/ ٣٠٣].
(٢) ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٢٤٩، المبسوط ١/ ١٨.
(٣) ينظر: الأم ١/ ١١٢، المهذب ٣/ ٤١٥.
(٤) ينظر: المبسوط ٤/ ١٨٨، بدائع الصنائع ٢/ ١٦١.
(٥) ينظر للحنفيّة: الأصل ١/ ٣٤٦، تبيين الحقائق ١/ ٢١٩. وللشافعيّة: حلية العلماء ٢/ ٢٧٦، المجموع ٤/ ٥١٤.
(٦) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ١٤٨.
[ ٢٧٥ ]
وقد قيل طريقة أخرى: ذكر شرع تكراره في كل ركعة، فكان واجبًا، دليله القراءة.
فإن قالوا: لا تأثير لهذا؛ فإن تكبيرة الإحرام لا تتكرر في كل ركعة وهي واجبة، وكذلك السلام.
قلنا:/ تأثيره في الاستفتاح، والاستعاذة، [لمّا] (^١) لم يتكرر لم يكن واجبًا.
الثاني: أن هذا مما يؤكد؛ لأنه إذا بين أن ما لا يتكرر هو واجب، فأولى أن يجب ما يتكرر لحاجة الصلاة إليه، ولأنها صلاة يتكرر فيها التكبير، فتكرر وجوبه كصلاة الجنازة، أو نقول: تشهد أشبه الأخير، أو نقول: فعل من أفعال الصلاة له ثان من جنسه، فكان حكمه في الوجوب حكم الثاني، كالسجود، والركوع.
فإن قيل: إذا جاز أن يكون الثاني ركنًا ويخالفه الأول في الركنية، لم تجب مساواته له في الإيجاب، وكذلك لم تجب مساواة الأول للثاني في إبطال الصلاة بتركه سهوًا، وإن كان أول الثاني هذه صفاته وأحكامه ولم يكن مثله فيها.
قلنا: الظاهر من كل جنس تساوي أجزائه في المعاني، والأحكام إلا ما قامت عليه دلالة الفرق، ألا ترى أن جميع أركان الصلاة استوت في الوجوب وإن اختص بعضها بتأكيد، وبعضها بضعف، كالقيام يسقط في النفل، والتوجه يسقط - أيضًا - على الراحلة، وبقية الأركان والشروط لم تسقط، وغير ذلك.
احتجوا:
بقول الله - تعالى ـ: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (^٢)، فأمر بالركوع المجرد،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (ما)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) الحَجّ: ٧٧.
[ ٢٧٦ ]
فمن أتى به خرج عن عُهدة الأمر، ولأن اعتبار الذكر فيه زيادة في نص القرآن بما ليس بقرآن وهي نسخ.
وبما روى عبد الرحمن بن أبزى (^١) قال: صليت خلف النبي - صلَّى الله عليه - فلم يكبِّر بين السجدتين (^٢).
وروي عنه أنه سها فقام إلى ثالثة ولم يرجع (^٣)، ولو كان واجبًا لرجع.
وحديث الأعرابي لمّا علّمه النبي - صلَّى الله عليه - ولم يذكر له هذه الأذكار، وإنما قال له: «اركع حتى تطمئن، وارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد/ حتى تطمئن ساجدًا» (^٤)، ولم يأمر بالتكبير، ولا بتسبيحات الركوع، وهو موضع حاجة؛ لأن الرجل كان جاهلًا، ولذلك أساء في صلاته،
_________________
(١) عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم، قال عمر: عبد الرحمن بن أبزى ممن رفعه الله بالقرآن. وفي الصحيح أن عمر قال لنافع بن عبد الحارث الخزاعي: من استعملت على مكة؟ قال: عبد الرحمن بن أبزى. قال: استعملت عليهم مولى. قال: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض. سكن الكوفة، واستعمله علي على خراسان. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٨٢٢، أسد الغابة ٣/ ٣١٨، الإصابة ٤/ ٢٣٨].
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب تمام التكبير ١/ ٢٢١، ح ٨٣٧ من حديث عبد الرحمن بن أبزى أنه صلى مع رسول الله ﷺ وكان لا يتم التكبير، وقال الطيالسي: لا يصح. وقال أحمد، والنسائي: حديث منكر. قال أحمد: ما أراه محفوظًا. وقال ابن الملقن: ضعيف لا يصح من جهة النقل. وقال ابن حجر: حديث غريب. [ينظر: التاريخ الكبير ٢/ ٣٠٠، الإغراب للنسائي ص ١٠٦، التحقيق ١/ ٣٨٣، التوضيح ٧/ ١٣٩، نتائج الأفكار ٢/ ٥٩].
(٣) أخرجه البخاري، أبواب ما جاء في السهو، باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة ٢/ ٦٧، ح ١٢٢٤، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٣٩٩، ح ٥٧٠ من حديث عبد الله ابن بحينة ﵁، أنه قال: صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام، فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم، فسجد سجدتين وهو جالس، ثم سلّم.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب أمر النبي ﷺ الذي لا يتم ركوعه بالإعادة ١/ ١٥٨، ح ٧٩٣، ومسلم، كتاب الصلاة ١/ ٢٩٨، ح ٣٩٧ من حديث أبي هريرة.
[ ٢٧٧ ]
ويبعُد أن يقال إن رسول الله سمعه يسبِّح سرًّا، ويأتي بالأذكار التي كان يخافت بها وراءه، فيقول: «قل الله أكبر ثم اقرأ»، وكيف كان يأتي بتكبيرات الانتقال ولم يأت بالتكبير الأول! فهذه الأوجه له أصل.
وروى أبو هريرة عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «أما الركوع فعظِّموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء» (^١).
قالوا: ويشهد لهذا ضرب من الفقه، وهو: أنها تكبيرات تردف تكبيرة الإحرام، فلم تكن واجبة كتكبيرات العيدين.
قالوا: ولأنه ذكر من غير جنس المعجز، شُرع بعد التحريمة أشبه الاستفتاح، والاستعاذة، وقول: «ملء السماء، وملء الأرض»، وغير ذلك.
أو نقول: ذكر يسقط بالسهو، فلم يكن واجبًا كهذه الأشياء، وهذا لأنه ليس في الصلاة واجب لا يتعين فعله، ولا يعفى عنه بسهو، ولا جهل، ولا عذر سوى العجز، ولأنه لو كان واجبًا لم يسقط إذا أدرك الإمام راكعًا.
وقد نص أحمد - رضي الله [عنه] (^٢) - على ذلك فقال: إذا أدرك الإمام في الركوع كفاه تكبيرة الإحرام (^٣).
وقال: إذا جاء والإمام جالس لم يكبر لجلوسه (^٤).
ونحن نُسقط القراءة في حق المسبوق؛ لأن الإتيان بها غير ممكن فسقوطها للحاجة، ولا حاجة إلى إسقاط تكبيرة الركوع في حق المسبوق، وهذا لازم.
ومنهم من قال: إن القيام متردد بين العادة والعبادة، فيجوز أن يصير بالمذكور متميزًا، والقعود كمثل والركوع، والسجود لا عادة فيها، فتمحض عبادة.
_________________
(١) لم أقف عليه من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم، كتاب الصلاة ١/ ٣٤٨، ح ٤٧٩ من حديث ابن عباس.
(٢) ما بين المعكوفين ليس فيه الأصل، وقد أثبته لتستقيم العبارة.
(٣) ينظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه رواية المروزي ١/ ٥١٧، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص ٩٥.
(٤) ينظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه رواية المروزي ١/ ٥١٩.
[ ٢٧٨ ]
الجواب:
أما الآية؛ قلنا: قد يقع عليه الاسم/ في اللغة، وقد بينا أنه لا يكفي في ذلك ما يقع عليه الاسم في اللغة، فأما في الشريعة فلا نُسلّم أن هذا يسمى ركوعًا شرعيًا.
الثاني: أن هذه الآية دلت على أصل الركوع والسجود دون الذكر فيهما، والذكر ثبت بالسنة، وليس في إثبات تسبيح إلى ركوع بأكثر من إثباته [في] (^١) الابتداء؛ لأنه زيادة في الشرع، والتشريع بأخبار الآحاد جائز ابتداءً، فإثباته بعد تشريع بالكتاب لا يزيد عليه.
ودعواهم أنه نسخ لا يصح؛ لأن النسخ رفع، وهذا زيادة، ولأنه لو كان نسخًا لكان كل عبادة وردت بعد عبادة نسخًا، وكل زيادة يتغير بها حكم الشرع، وليس كل زيادة نسخًا عندهم، على أنا قد استوفينا الكلام على هذا فيما تقدم.
وأما حديث عبد الرحمن: فقد نقل مُهنَّا (^٢) عن أحمد أنه قال: هو حديث منكر (^٣).
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس موجودًا في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) مهنَّا بن يحيى، أبو عبد الله الشامي الفقيه، صاحب الإمام أحمد، دمشقي نزل بغداد، قال الخلال: من كبار أصحاب أحمد، وكان يستجرئ عليه ويسأله عن كبار المسائل، وروى عنه من المسائل ما فخر به وكان أبو عبد الله يكرمه، ويعرف له حق الصحبة، ورحل معه إلى عبد الرزاق، وصحبه إلى أن مات، ومسائله أكثر من أن تحد من كثرتها، كتب عنه عبد الله بن أحمد بضعة عشر جزءً لم تكن عند عبد الله عن أبيه، ولا عند غيره، وكان عبد الله يرفع قدره ويذكره كثيرًا وحدث عنه بأشياء كثيرة عن أبيه وغيره. وقال مهنا: لزمت أبا عبد الله ثلاثًا وأربعين سنة. قال عبد الله بن أحمد: كنت أراه يسأل أبي حتى يضجره، ويكرر عليه جدًا، وكنت أشبهه بابن جريج حين كان يسأل عطاء. وقال غيره: كان أحمد يحترمه ويجله؛ لأنه كان رفيقه إلى عبد الرزاق. [ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٣٤٥، تاريخ الإسلام ٦/ ٢١٧].
(٣) ينظر: التحقيق في أحاديث الخلاف ١/ ٣٨٣.
[ ٢٧٩ ]
ونقل عنه حنبل أنه قال: ما أراه محفوظًا (^١).
وهو يخالف الأحاديث؛ حديث عليّ، وأبي هريرة، كانوا يكبرون في كل خفض ورفع، ويروون ذلك عن النبي ﵇ (^٢).
على أنه يحتمل أنه كان خفض صوته، أو كان بالبعد منه؛ لأن السادات الأكابر كانوا في الصف الأول، فلم يسمعه، أو نسي ذلك، وكذلك في التشهد.
وأما حديث الأعرابي: فليس فيه حجة؛ لأن النبي - صلَّى الله عليه - قد بيّن في موضع آخر، وبيانه كاف، على أنه يحتمل أن يكون وجوب الأذكار نزل بعد ذلك، كما نزل الآيتين التسبيح للركوع، والسجود، فلا يمنع وجوب التكبير - أيضًا - بعد وجوب الركوع والسجود.
ويحتمل أنه كان أساء في الأفعال خاصة وأتى بالأذكار، فعلّمه ما ترك، ولم يذكر له ما أتى به ولم يتركه.
وأما حديث أبي هريرة؛ وذكره/ للتعظيم فيه: فالتعظيم هو بقوله: سبحان ربي العظيم، فهو حجتنا، والسجود يجتهد في الدعاء بعد التسبيح بدليل ما ذكرنا.
ولأن أخبارنا أولى؛ لأنها أصرح، وأصح، وأكثر رواة، وفيها زيادة، وإثبات، واحتياط، وتنقل من العادة إلى العبادة.
_________________
(١) ينظر: التحقيق في أحاديث الخلاف ١/ ٣٨٣.
(٢) حديث عليّ تقدم تخريجه، ولكن الذي رفعه فيه ليس عليًا، وإنما عمران بن حصين لما رأى صلاته. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إتمام التكبير في الركوع ١/ ١٥٧، ح ٧٨٥، ومسلم، كتاب الصلاة ١/ ٢٩٣، ح ٣٩٢ من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنه كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض، ورفع»، فإذا انصرف، قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ.
[ ٢٨٠ ]
وأما قياسهم على تكبيرات [العيد] (^١) فباطل بصلاة الجنازة، على أن محل ذلك التكبير غير واجب، ومحل هذا التكبير واجب، فهو يجري مجرى تكبيرات صلاة الجنازة محلها واجب وهي في أنفسها واجبة، ولأن تكبيرات صلاة العيد جاءت قبل القراءة، وبعد تكبيرة الإحرام، فكانت بين ذكرين واجبين، فما خلا القيام عن ذكر واجب لا سيما من جنسها، والركوع والسجود ليس فيهما ذكر واجب يخصهما، فلا يجوز أن يخلى كل واحد منهما عن ذكر مع كونه ركنًا، فكان الأشبه، والأظهر أن [يكون] (^٢) ما وضع له من الأذكار واجبًا.
وأما قولهم: إنه يسقط بالسهو؛ فقد تقدم جوابه.
وأما الاستفتاح، والاستعاذة فذاك دخل تابعًا، ومتقدمًا على الذكر الواجب، وهو القراءة، فاستقل الركن الذي هو القيام بالقراءة، وتكبيرة الإحرام، فكانت زوائده سنة وفضيلة، وهذا ليس فيه ذكر إلا هذا، فكان واجبًا؛ لئلا تخلو هيئة هي ركن عن ذكر أوجبه الله ﷾.
وأما إذا أدرك الإمام راكعًا فقد أجاب القاضي ﵁ عن هذا في كتاب «الخلاف» (^٣)، فقال: سقوطه في حق المسبوق لا يمنع أصل وجوبه،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (الإحرام)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) كتاب: (الخلاف الكبير)، ويسمى: (التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة)، للقاضي أبي يعلى ابن الفراء، عول عليه المرداوي في الإنصاف، وقد احتج مؤلفه فيه كثيرًا بقياس الشبه. ويعتبر هذا الكتاب ذخيرة للحنابلة في المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أئمة المذاهب، وكان للحنابلة فيها قول من الأقوال، من حيث إنه أبان عن حجج الحنابلة وأدلتهم، والرد على مخالفيهم فيما ذهبوا إليه في تلك المسائل، وهكذا مهّد الطريق لأصحابه وتلامذته كأبي جعفر وأبي الخطاب وابن عقيل وأبي المواهب العكبري، فنسجوا على منواله في تخريج مسائل الخلاف، بل تعتبر كتبهم منتخبات من هذا الكتاب، لخصه تلميذه يعقوب بن إبراهيم العكبري البرزبيني في كتاب سمّاه: (التعليق) أو (التعليقة)، ووضع عليه ابن الجوزي كتابًا ناقدًا للأحاديث التي استدل بها سماه: (التحقيق في أحاديث التعليق). [ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٦٨، الإنصاف للمرداوي ١/ ١٣، المذهب الحنبلي دراسة في تاريخه وسماته ٢/ ٧٨].
[ ٢٨١ ]
كالقراءة على قول الشافعي، وإنما لم يكن إذا أدركه جالسًا؛ لأن هذا التكبير لا يعتد به (^١).
وذكر في كتاب «المجرد» (^٢): أنها لا تسقط عنه، ويأتي بتكبيرتين (^٣).
وهذا صحيح؛ لأنه انحطاط إلى ركن/ معتد به، والتكبيرة واجبة، ومحلها وهو الانحطاط قد وجب عليه الإتيان به، واتسع الوقت لفعله بكون الإمام راكعًا، وليس الإتيان به مما يعيق عن المتابعة، فيقال: إنه إذا تشاغل به ترك ما أدركه، بل هو يأتي به بلسانه حال انحطاطه، فلا يأخذ من وقت الانحطاط شيئًا؛ لأنه معه، ومصاحب له، فلا أجد لإسقاطها وجهًا، وعساه أراد به: لا يكن جهرًا؛ لئلا يسمعه بعض الصفوف، فيظن أنه تكبير الإمام، أو تبليغ عنه، فيشوش على المأمومين، والله أعلم.
وأما قول من قال منهم: إن الركوع، والسجود لا عادة فيه، فتمحض عبادة، والقيام، والجلوس متردد، فاعتبرنا فيه الذكر.
قلنا: هذا غلط؛ فإن القيام عبادة محققة بالنية، والتكبير، ونحن بمجرد النية محّضنا الصوم عبادة، وإن كان الإمساك مترددًا، واللبث في مكان مخصوص دون الذكر صيرناه عبادة وهو الوقوف بعرفة، فبطل ما قاله.
_________________
(١) التعليق الكبير ص ٦١٣.
(٢) كتاب: (المجرد)، للقاضي أبي يعلى ابن الفراء، يبدو أنه من تصانيفه المبكرة، كان متداولًا بين محرري المذهب ومحققيه، وعول عليه المرداوي في الإنصاف، قال ابن القيم: صنفه قديمًا ورجع عن كثير منه في كتبه المتأخرة. شرحه أبو علي ابن البناء في الكافي المجدد شرح المجرد، واختصره أبو طالب عبد الرحمن بن عمر الضرير البصري. [ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٧٧، الإنصاف للمرداوي ١/ ١٤، المذهب الحنبلي دراسة في تاريخه وسماته ٢/ ٧٧].
(٣) ينظر: لم أجد الكتاب، ولعله لم يطبع.
[ ٢٨٢ ]