الإغماء لا يسقط فرض الصلاة بحال (^١)، نص عليه أحمد (^٢)، واختاره الخرقي (^٣)، وهو مذهب مجاهد، وعطاء، وطاوس (^٤).
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: الإغماء مسقط في الجملة (^٥).
إلا أن أبا حنيفة قال: يسقط ما زاد على اليوم والليلة (^٦).
ومالك/ والشافعي [قالا] (^٧): يسقط على الإطلاق (^٨).
وحرف المسألة من وجهين:
أحدهما: أن الإغماء لا يزيل العقل عندنا، وعندهم يزيل (^٩).
الثاني: أن العجز عن الأداء لا يمنع الوجوب عندنا، وعندهم يمنع الوجوب.
_________________
(١) ينظر: شرح الزركشي ١/ ٤٩٧، المبدع ١/ ٣٠٠.
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح ص ١٠٤، ١٧٧، ٢٧٩، مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود ص ٧٣.
(٣) ينظر: متن الخرقي ص ٢٠.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب صلاة التطوع والإمامة، باب ما يعيد المغمى عليه من الصلاة ٢/ ٧١، ح ٦٥٨٨، وحرب في المسائل، كتاب الصلاة، باب المغمى عليه ص ٥٨٠، ح ١٢٦٤ من طريق ليث بن أبي سليم، عن عطاء، عن طاوس، ومجاهد، أنهم قالوا في المغمى عليه: يقضي صلاته كما يقضي رمضان. ولفظ حرب: يعيد كل شيء ترك.
(٥) سيرد توثيق أقوالهم قريبًا.
(٦) ينظر: مختصر الطحاوي ص ٢٤، الحجة على أهل المدينة ١/ ١٥٤.
(٧) ما بين المعكوفين في الأصل: (قال لا)، والمثبت الموافق للسياق.
(٨) ينظر للمالكيّة: المدونة ١/ ٩٣، الإشراف ١/ ٦٢. وللشافعيّة: روضة الطالبين ١/ ١٩٠، المجموع ٣/ ٦.
(٩) من قال إن الإغماء لا يزيل العقل فيلحقه بالنوم، وبالتالي لا تقسط عنه الصلاة طال الإغماء أو قصر، ومن قال إنّ الإغماء يزيل العقل فيلحقه بالجنون.
[ ٣٥٨ ]
لنا:
ما روى الإمام أحمد بإسناده عن ثلاثة من الصحابة؛ عن عمار، وعمران بن حصين، وسمرة (^١).
فروى أنّ عمار بن ياسر أغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأفاق في بعض الليل فقضى (^٢).
ورواه أبو بكر ابن المنذر عن عمار (^٣).
وعن سمرة بن جُندب: المغمى عليه يترك الصلاة؟ [قال] (^٤) يصلي مع كل صلاةٍ صلاةً حتى يقضيها (^٥).
وقال عمران بن حصين: نعم، ولكن يصليهن جميعًا (^٦).
_________________
(١) سمرة بن جُندب بن هلال بن حَرِيج بن مرة بن حزن بن عمرو بن جابر بن خشين بن لأي بن عصيم بن فزارة الفزاري، كان من حلفاء الأنصار، قدمت به أمه بعد موت أبيه، فتزوجها رجل من الأنصار، نزل البصرة، وكان زياد يستخلفه عليها ستة أشهر وعلى الكوفة ستة أشهر، فلما مات زياد استخلفه على البصرة، فأقره معاوية عليها عامًا أو نحوه، ثم عزله، وكان شديدًا على الخوارج، فكانوا يطعنون عليه، وكان الحسن وابن سيرين يثنيان عليه. مات سنة ٥٨ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٦٥٣، أسد الغابة ٢/ ٣٠٢، الإصابة ٣/ ١٥٠].
(٢) لم أقف عليه في المسند، وأخرجه عبد الرزاق، كتاب الصلاة، باب صلاة المريض على الدابة، وصلاة المغمى عليه ٢/ ٤٧٩، ح ٤١٥٦، وابن أبي شيبة، كتاب صلاة التطوع والإمامة، باب ما يعيد المغمى عليه من الصلاة ٢/ ٧٠، ح ٦٥٨٤، والدارقطني، كتاب الجنائز، باب الرجل يغمى عليه وقد جاء وقت الصلاة هل يقضي أم لا ٢/ ٤٥٢، ح ١٨٥٩ من طريق السدي، عن يزيد مولى عمار، عن عمار.
(٣) ذكره ابن المنذر في الإشراف ٢/ ٢٢٠.
(٤) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٥) ذكره ابن المنذر في الإشراف ٢/ ٢٢٠.
(٦) لم أقف عليه في المسند، وأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب صلاة التطوع والإمامة، باب ما يعيد المغمى عليه من الصلاة ٢/ ٧١، ح ٦٥٨٥، وابن المنذر، جماع أبواب الصلوات عند العلل ٤/ ٤٥٥، ح ٢٣٢٧ من طريق سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن سمرة، وعمران.
[ ٣٥٩ ]
وروى بعضهم أن عليًا ﵁ أُغمي عليه أربع صلوات فقضاها (^١)؛ والقضاء إذا أطلق إنما يكون عن واجب.
فإن قيل: فقد روي عن ابن عمر أنه أغمي عليه ثلاثة أيام فلم يعد الصلاة (^٢)، وعن أنس بن مالك أنه أغمي عليه فلم يقض (^٣)، فحصلت المسألة خلافًا في الصحابة.
الثاني: أن الخلاف في وجوب القضاء، وأفعالهم لا تدلّ على الوجوب، على أنه يجوز أن يكون قضاء من قضى احتياطًا منه لا على طريق اعتقاد الوجوب، ولأن القضاء قد يطلق على ما ليس بواجب، ألا ترى أننا نقول إذا فاتته ركعتا الفجر، وركعتا الظهر، والوتر: يقضيها (^٤)، وليست بواجبة، كذلك هاهنا.
قلنا: ما ذكرتموه لا يعارض روايتنا، لأن روايتنا إثبات، ولا [يسمى] (^٥) قضاء لما كان نفلًا، ومن نفى القضاء فما أحاط بأحوال من روى عنه، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن من نوى بصلاته القضاء ولا صلاة عليه لم تقع رأسًا (^٦)، فالظاهر ممن روى الإثبات أنه علم أنهم اعتقدوا القضاء بما ظهر له عنهم، ولأنه يحتمل أنه لم يعد الصلاة،
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه ابن المنذر، جماع أبواب الصلوات عند العلل، ذكر اختلاف أهل العلم فيما يجب على المغمى عليه يفيق بعد خروج الوقت من قضاء الصلوات ٤/ ٤٥٤، ح ٢٣٢٣، والدارقطني، كتاب الجنائز، باب الرجل يغمى عليه وقد جاء وقت الصلاة هل يقضي أم لا ٢/ ٤٥٤، ح ١٨٦٣ من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر.
(٣) أخرجه ابن المنذر، جماع أبواب الصلوات عند العلل، ذكر اختلاف أهل العلم فيما يجب على المغمى عليه يفيق بعد خروج الوقت من قضاء الصلوات ٤/ ٤٥٤، ح ٢٣٢٤ من طريق عمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن أنس.
(٤) ينظر: التعليق الكبير ص ٥٠١، الإنصاف ١/ ٤٤٤، المبدع ١/ ٢٦٧.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (سيما)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٦) ينظر: الإنصاف ٢/ ٢١، كشاف القناع ١/ ٣١٥.
[ ٣٦٠ ]
ولم يقضها مرتبًا، بل/ قضى متفرقًا على نحو ما قال سمرة، خلاف ما حُكي عن ابن عمر وأنه يصليهن مرتبًا.
وأما السنن الراتبة فإنما تسمى قضاء على طريق المجاز، وحكم الكلام أن يحمل على الحقيقة، وحقيقته ما قلنا، وهو أن القضاء إذا أطلق إنما يكون لشيء في الذمة؛ لأنه إذا لم يكن واجبًا كان تطوعًا مبتدأ، والتطوع المبتدأ لا يكون قضاء.
جواب آخر: أن أفعال الصحابة تقتضي الوجوب كأفعال النبي - صلَّى الله عليه - فحملها على الندب يحتاج إلى دليل، ولأن القياس لا يقتضي إيجاب القضاء فدلّ أنهم إنما فعلوا ذلك [توقيفًا] (^١).
والفقه في المسألة: أنه غروب عقل لا يسقط فرض الصوم، فلا يسقط فرض الصلاة كالنوم، أو نقول: الإغماء لا يمنع الوجوب؛ فإن الوجوب إما أن يكون بالأسباب، أو بالخطاب، وأيهما قدر فإن الإغماء لا ينافيه، أما الأسباب فلا كلام فيها، وأما الخطاب فمتوجه عليه؛ لأن القدرة من حيث الآلة ثابتة للمغمى عليه، والتكليف يُبتنى على قيام القدرة من حيث الآلة، لا القدرة الحقيقية، لأن القدرة الحقيقية لا يسبق العقل إليها، وكان الخطاب متوجهًا عليه، وهو مثل النائم سواء؛ فإن الخطاب كان في حقه بهذا الاعتبار لا غير، والدليل على أن الإغماء لا يمنع الخطاب: أنه مخاطب بالصيام، والزكاة، والحج، وسائر الحقوق.
والحرف أن نقول: سبب الوجوب قد تحقق وهو من أهل الوجوب، وفي الوجوب فائدة، فوجب القول بالوجوب، وإذا ثبت الوجوب وجب القضاء، فمن ادعى إسقاطه بعد وجوبه فعليه الدليل، وهو مثل النائم سواء لا فرق بينهما بوجه ما.
فإن قيل: لا نسلم الوجوب في حق المغمى عليه؛ قولكم: الوجوب بالسبب، أو الخطاب؛ أما/ السبب وهو الوقت فلا تقولوا به
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (توقيف)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٦١ ]
فإنه عندكم ليس بسبب، والوجوب [و] (^١) إن كان بالخطاب إلا أنه ليس بأهل للوجوب، والسبب إنما يعمل في حق الأهل لا في حق غيره.
والدليل على أنه ليس بأهل: أن أهل الوجوب من هو من أهل الأداء؛ لأن الوجوب لا يراد لعينه، وإنما يراد به الأداء، وهو ليس بقادر؛ لأن القدرة إنما تكون بقيام الأداء، وآلة الأداء العقل، وقد فات بالإغماء، فلم يبق أهلًا للأداء، فلا يكون أهلًا للوجوب.
قولكم: إنه أهل لسائر الحقوق.
قلنا: [وإن] (^٢) كان أهلًا لوجوب سائر الحقوق التي ليست بعبادة لم [يدل] (^٣) على أنه يكون أهلًا لوجوب العبادة، وهذا لأنه إنما يكون أهلًا لسائر الحقوق؛ لأنه أهل للأداء نيابة، وهو أنه إذا لم يكن قادرًا على الأداء بنفسه فهو قادر بنائبه، والقدرة على الأداء بنيابة كالقدرة على الأداء بنفسه، أما هاهنا ليس بقادر لا بنفسه، ولا بنائبه؛ لأن النيابة لا تجزئ في العبادات، بخلاف الزكاة؛ فإنها ليست بعبادة عندي على ما عرف، فجاز أن يكون أهلًا لها، أما هاهنا بخلافه.
فأما الصوم، والحج، والزكاة - أيضًا - فإنا لا نقول: إنها وجبت عليه في حال الإغماء، وإنما تجب عند الإفاقة، وكذلك - أيضًا - نقول في النائم، وهو الصحيح؛ فإنا لا نقول بالوجوب حالة النوم، والإغماء في هذه المسائل، وإنما نقول بالوجوب حالة الانتباه ابتداء، عرفنا ذلك بالنص وهو قوله ﵇: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا وقت لها غيره» (^٤)، ولا يقال بأنه يسمى قضاء،
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (فبأن)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (دل)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج مسلم، في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٤٧٧، ح ٦٨٤ حديث أنس بن مالك، قال: قال نبي الله ﷺ: «من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها»، وفي رواية: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها»، فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. وأخرجه البخاري، في كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر، ولا يعيد إلا تلك الصلاة ١/ ١٢٢، ح ٥٩٧ دون ذكر النوم.
[ ٣٦٢ ]
ولو وجب ابتداء وقت الانتباه لكان لا يسمى قضاء، وكذلك يشترط نية القضاء، لأنا نقول بأن كان يسمى قضاء ويشترط نية القضاء لم [يدل] (^١) على أنه/ لم يجب ابتداء وقت الانتباه، وهذا لأن القضاء والأداء سواء، فإن الأداء يتأدى بنية القضاء، والقضاء بنية الأداء.
الثاني: أنه إنما سمي قضاء؛ لأن هذا الشخص لو كان منتبهًا وقت الظهر كان يجب عليه الأداء، فإذا لم يكن منتبهًا فالشرع أقام الانتباه مقام ذلك الوقت في حق الإيجاب بعذر النوم، وجعل هذا الوقت خلفًا عن ذلك الوقت، فسمي قضاء باعتبار أن هذا الوقت خلف عن وقت آخر، لا باعتبار أن هذا الفعل خلف عن فعل آخر.
قلنا: الكلام على ما مرّ، وهو أن الإغماء لا يمنع الوجوب؛ لأنه غلبة على العقل كالنوم سواء، ومنعهم لا يصح لما ذكرنا أن الوجوب إما أن يكون بالسبب وهو الأوقات، أو خطاب الشرع، وكلاهما قد وجدا.
قولهم: المغمى عليه ليس بأهل؛ باطل بما ذكرنا من أنه أهل للصوم، والزكاة، والحج، وسائر الحقوق، فيكون أهلًا لوجوب هذا الحق.
قولهم: إنما كان أهلًا لوجوب سائر الحقوق؛ لأنه قادر على الأداء بنائبه.
قلنا: القدرة على الأداء ليست بشرط للوجوب، فالعجز لا يكون مانعًا.
والدليل على أن القدرة على الأداء ليست بشرط للوجوب: أنه ثبت خبرًا من الله - تعالى - لا اختيار لنا فيه، وإنما لنا اختيار في أداء ما أوجب الله علينا، فلا تكون القدرة على الأداء شرطًا للوجوب.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (دل)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٦٣ ]
والدليل عليه: الإجماع، وأنه يجب على النائم، وكذلك يجب على المغمى عليه الصيام، والزكاة، والحج.
قولهم: إن الصوم، والزكاة تجب عليهما ابتداء، وكذلك الصلاة على النائم وقت الانتباه بدليل الحديث.
قلنا: هذا فاسد؛ لأن الواجب عليه صلاة الظهر، ووجوب صلاة الظهر في وقت العصر لا يتصور، ولهذا تشترط الأهلية حالة النوم لا حالة الانتباه، حتى لو كان صبيًّا وقت/ النوم، ثم انتبه بعد خروج الوقت وهو بالغ فإنه لا تجب عليه، ولو كان تجب عليه ابتداء وقت الانتباه لكان يشترط قيام الأهلية وقت الانتباه، لا وقت النوم.
الدليل عليه: قوله: «من نام عن صلاة أو نسيها» (^١)، وهذا يقتضي أن تكون الصلاة إما موجودة، أو واجبة، ولا شك أنها ليست بموجودة، عرفنا أنها واجبة.
وقوله: «فإن ذلك وقتها» أي: في وقت قضائها.
وقوله: «لا وقت لها غيره» أي: لا وقت لقضائها ابتداء غير هذا الوقت.
وقولهم: إن الوجوب لا يراد لعينه.
قلنا: بلى؛ ولكن القدرة على الأداء في الحال ليست بشرط، بل شرط الوجوب أن يكون قادرًا على الأداء في الجملة؛ لأن الشرط أن يكون الإيجاب [مفيدًا] (^٢) في الجملة، وهاهنا الإيجاب مفيد في الجملة؛ لأنه إن قدر على الأداء في الحال فبها ونعمت، وإن لم يقدر على الأداء يقدر على القضاء في تالي الحال، وبهذا الطريق وجب على النائم لهذا المعنى لما كان قادرا على الأداء في الجملة كفى ذلك الإيجاب، فكذا هاهنا.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (مفيد)، والصحيح لغة ما أثبته.
[ ٣٦٤ ]
على أنه كان يجب أن تقولوا: إنه تجب الصلاة عليه عند الإفاقة؛ كما قلتم: يجب عليه الصيام، والزكاة، والحج عند الإفاقة؛ ولما لم تقولوا ذلك بطل ما قلتموه، ولأي علة أفردتم هذه العبادات بالإيجاب حال الإفاقة، ومنعتم من إيجاب الصلاة، وهل هذا إلا مجرد تحكّم من غير دليل يدل عليه.
فإن قيل: سلّمنا أنه وجب عليه، وأنه أهل، لكن لِمَ قلتم بأنه مع هذا لا يسقط لأجل عارض وعذر، وهذا لأن الإسقاط إنما يكون بعد الوجوب والأهل، والعذر هاهنا هو الإغماء، والصلوات مما يتكرر فإذا قلنا بوجوب القضاء أدى إلى المشقة، فسقط عنه القضاء لأجل ذلك، ولأنا رأينا الشرع قد فعل/ مثل ذلك في حق الحائض، والنفساء، فألحقناه به، وخرج على هذا بقية العبادات بدليل أن الحائض، والنفساء لا يسقط عنهما فرض الصوم، والحج، ويسقط فرض الصلاة، ولأن هذه العبادات لا تتكرر، فلا يؤدي قضاؤها إلى الحرج، والصلاة تتكرر، فيؤدي قضاؤها إلى الحرج، فدل على الفرق، وخرج على هذا النائم - أيضًا ـ؛ لأن النوم لا يدوم في الغالب أيامًا، والإغماء بخلاف ذلك، ولأن النائم في حكم اليقظان، بدليل أن النائم يوقظ بالإيقاظ، والإغماء [لا] (^١) يرتفع بالإيقاظ، ولا يعرض إلا لأمراض، وأعراض ليس من أصل الجبلّة، فهو بالجنون أشبه منه بالنوم، ولأن النوم إنما هو راحة تدخل على البدن الصحيح السليم، يوضح هذا أن جميع ما ذكرتموه من السبب، والخطاب موجود في المجنون، ومع هذا لا يجب عليه القضاء.
قلنا: ثبت [الوجوب] (^٢)، فلا طريق إلى الإسقاط إلا بدليل.
قولهم: الحرج دليل مسقط.
قلنا: الحرج إنما يكون في الشيء إذا كان متكررًا، فأما إذا لم يتكرر فلا، [والإغماء] (^٣) لا يتكرر؛ فإنه أمر نادر، وإذا وجد لم يدُم،
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (الوجب)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (والأعمال)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٦٥ ]
فلا يؤدي إلى الحرج الذي ذكره، بخلاف الحيض، والنفاس؛ فإنه يدوم الأيام الكثيرة، فيجتمع القضاء والأداء، فيشق، بخلاف مسألتنا؛ فإنه لا يدوم، فصار بمثابة النوم سواء، يوضح هذا أن النوم لا يدوم، لكن يتكرر، والتكرر نوع دوام يشق معه القضاء، وقد أوجب القضاء، وما منع الإيجاب، والإغماء لا يدوم إذا وجد، ولا يتكرر في العادة، فهو أحق بأن لا يسقط الصلاة، بل تجب معه الإعادة، وهذا جواب قولهم: إن النوم لا يدوم.
وقولهم: إن النائم في حكم اليقظان بدليل أنه ينتبه بالإيقاظ، بخلاف المغمى عليه فإنه/ لا ينتبه بالإيقاظ.
قلنا: دعواك أن الإغماء لا يزول بالإيقاظ ليس كذلك، بل بشمّةٍ من نفط، أو خلِّ خمرٍ، أو ما شاكل ذلك من ذات الروائح الحادة إذا قربت من متنشقه ثاب عقله، ولربما عطس فزال ما غام من جوّ عقله، وصحى لأمره، والنائم يستيقظ بالوكزة (^١)، أو الزعقة، فيختلفان في كيفية الإيقاظ، لا في أصل الإيقاظ، وخرج على هذا المجنون الذي لا يزول جنونه، ولا يثوب إليه عقله بعلاج، ولا معنى سوى فعل الله ابتداء بغير سبب، وهذا لأن الجنون يعدم العقل، فآلة القدرة في حقه ليست موجودة، أما هاهنا فالإغماء لا يزيل العقل، وإنما يغطيه، فآلة القدرة في حقه موجودة، فاختلفا، ولأن الإغماء إنما يعرض لتكاثف خلط، أو استفراغ دم، ولذلك جاز على الأنبياء - صلوات الله عليهم - إذ لم يكن عارضًا، وإذا عرض لا يدوم؛ لأن الأنبياء لا يجوز أن يعرض عليهم ما يزيل عقولهم، ولهذا لا يسقط الصوم، والحج، ولو لم يترجح إلى جانب النوم، بل تردد بين الجنون والنوم لما ذكرت أنت من تشبيهه بالجنون، وذكرنا نحن من تشبيهه بالنوم، لكان تردده غير صالح لإسقاط الفرض الواجب بأصل الشرع بالدليل القاطع، وصار كالمتردد بين الحيض والاستحاضة من الدم.
_________________
(١) وكزه: ضربه ودفعه، ويقال: وكزه - أيضًا ـ: ضربه بجُمْع يده على ذقنه. [ينظر: الصحاح ٣/ ٩٠١، المحكم والمحيط الأعظم ٧/ ١٢٧].
[ ٣٦٦ ]
وقد قيل بأنه إغماء فلا يسقط فرض الصلاة، دليله إذا كان بمعصية.
طريقة أخرى تخص أبا حنيفة (^١): بأنها صلاة تركها في حال إغمائه، فوجب قضاؤها، دليله صلاة يوم وليلة، ونقول: غيبة عقل تجوز على الأنبياء لا تسقط قضاء الصلوات الخمس، فلا تسقط ما زاد عليها كاليوم، ولأن ما لا يسقط قضاء الصلوات/ إذا لم يزد على اليوم لم يسقط وإن زاد على اليوم، كالنوم، والسكر، وعكسه الجنون، والنفاس.
فإن قيل: القياس يقتضي أن لا يجب القضاء لصلاة يوم، لكن تركناه لفعل الصحابة استحسانًا، ولو عللناه فلأنه إذا كان أكثر من يوم وليلة حصلت الصلاة في حد التكرار، فلم يجب القضاء، وليس كذلك إذا كان يوم وليلة، فإن الصلوات المتروكة لم تحصل في حد التكرار، فوجب قضاؤها، وأما السكر فإنما أوجب القضاء لأنه بمعصية، لأنه هو أزال عقل نفسه، فكان متأخرًا عن الصلاة بفعله، وعقله كالمبقى عليه لأجل عصيانه، والمعاصي لا تؤثر في الإسقاط، كما لا يؤثر سفر المعصية في الرخص، وكما جعل القريب المقتول كالحي في حق قاتله في حرمان الإرث، والإغماء غير معصية.
قلنا: هذا ممنوع، وكيف نسلّم هذا وقد قربناه من النوم بالوجوه التي قدمنا ذكرها، ولأن فعل الصحابة اختلف على ما روينا، فمن جملته ما زاد على اليوم والليلة فاقتصاركم على صلاة يوم لا وجه له، ولا لتعلقكم بفعل صحابي دون صحابي، ولأن الذي أغمي عليه يومًا اتفق أنه كان إغماؤه يومًا فقضاه، من أين لكم أنه إذا كان إغماؤه أكثر لا يقضيه إذ لم ننقل نحن ذلك عنهم.
وقولكم: إنه يدخل في حد التكرار؛ باطل بالسكر؛ فإنه يجب قضاء ما ترك فيه من الصلوات وإن دخل في حيز التكرار، ويبطل بالصوم؛ فإنه يجب قضاؤه وإن دخل في حيز التكرار، على أنه يجب أن توجب القضاء فيما زاد، وتقتطع الخمس صلوات بإيجاب القضاء، كما اقتطعت زمن العادة من الحيض،
_________________
(١) فإنه قد قال - كما تمت الإشارة إليه في صدر المسألة ـ: يسقط ما زاد عن يوم وليلة.
[ ٣٦٧ ]
فأعطيته حكم الحيض من وجوب قضاء الصوم، ولم توجب قضاء الصوم فيما عدا أيام العادة، فلما لم تقل مثل ذلك في الصلاة دلّ على بطلان ما قلت.
وقولهم في/ السكر: إنه بمعصية؛ فباطل بالمرأة إذا ضربت بطنها فنفست لم يجب عليها قضاء الصلاة وإن كان بمعصية، وكذلك من ترك الصلاة حال كفره، فإنه لا يجب القضاء بالترك في هذه المسائل وإن كان السبب معصية، ولأن الصعق، والإغماء قد يحصل بالسماع المطرب، وبالعكس النوم يوجب القضاء وإن كان بغير معصية فبطل ما قالوه.
احتجوا:
بما روى الدارقطني بإسناده عن عائشة أنها سألت النبي - صلَّى الله عليه - عن الرجل يغمى عليه يترك الصلاة؟ فقال: «ليس لشيء من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه فيفيق في وقتها» (^١)، وهذا نص.
والفقه فيه: أنه مرض أزال عقله، فأسقط قضاء الصلوات عنه، دليله الجنون، يوضح هذا أنه بالجنون أشبه لما بينا، مما يتكرر على ما بينا، فصار كإسقاط الصلاة عن الحائض، والنفساء، وتقرير الكلام قد مر.
الجواب:
أن هذا الحديث غير معروف، ولا تثبت صحته.
الثاني: أن أصحاب أبي حنيفة لا يقولون به، فإنّ عندهم إنما يسقط ما زاد على اليوم والليلة، والخبر نص الإسقاط على الإطلاق إلا إذا أفاق في وقت الصلاة.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني، كتاب الجنائز، باب الرجل يغمى عليه وقد جاء وقت الصلاة هل يقضي أم لا ٢/ ٤٥٢، ح ١٨٦٠ من طريق الحكم بن عبد الله الأيلي، عن القاسم، عن عائشة، وقال البيهقي: في إسناده ضعف. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح. وقال ابن عبد الهادي: لا يصح إسناده إلى الحكم، فإنه مظلم. [ينظر: التحقيق ١/ ٤١٢، التنقيح لابن عبد الهادي ٢/ ٢٩٥].
[ ٣٦٨ ]
الثالث: أنا نحمله على الجنون بدلائلنا المتقدمة، وكل جنون إغماء، وهو غيبوبة العقل، وغروبه.
وأما قولهم: إنه مرض أزال عقله: ممنوع؛ لا نُسلّم أن الإغماء يزيل العقل، وإنما يغطيه، بخلاف الجنون على ما بينا من قبل، على أن في المجنون هل يجب عليه قضاء الصلوات روايتان (^١):
أحدهما نقلها حنبل: أنه يجب عليه القضاء، فعلى هذا لا نُسلّم.
وقد قال بعض الأصحاب: إن هذه الرواية محمولة على هذا الصرع الذي يعتري الإنسان لحظة أو ساعة فيصادف وقت صلاة فيقضي، إذ لا يجوز/ أن تحمل على جنون مطبق يدوم ويطول (^٢)، ولهذا روى جماعة من أصحابه عنه إسقاط القضاء عن المجنون (^٣)، وهو [المعول] (^٤) عليه، فعلى هذا العذر ما تقدم وهو أن الجنون يزيل العقل، ويثبت الولاية والحجر، ويزيل الولايات، ولا يزول بعلاج، بخلاف الإغماء لأنه لا يزيل ولايته عن ابنته إلى الأبعد من قرابته، ولا يسقط فرض الصوم عنه، ولا يدوم غالبًا، ويزول بالعلاج من شمّ النفط، وخلّ الخمر، والأشياء الحادة، ولأنه يجوز على الأنبياء ﵈ حتى عند نزول الوحي، وهي أجل أحوالهم، فهو بهذه الوجوه أشبه بالنوم من الجنون.
جواب آخر: أن الجنون غالب أحواله الدوام، فيشق قضاء الصلاة، والصيام، والإغماء لا يدوم، ولذلك أسقط الجنون فرض الصيام عندهم، ولم يسقط الإغماء، وإن كان بهذه المثابة دل على الفرق بينهما.
وأما فصل الحرج فقد تقدم الجواب عنه بما فيه كفاية، والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: زاد المسافر ٢/ ١٣٦، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح ص ٢٧٩، المبدع ١/ ٣٠١.
(٢) لم أقف على من تأوّل هذه الرواية من الأصحاب.
(٣) ينظر: الإنصاف ١/ ٤٤٢، الفروع ١/ ٣٠١.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (المعمول)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٦٩ ]