تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال (^١)، نص عليه أحمد (^٢)، وهو مذهب أبي بكر، وعمر، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص (^٣)، وابن مسعود، وأنس (^٤)، وغيرهم (^٥)، وبه قال إسحاق (^٦).
واختلف أصحابنا في الوقت الذي يجوز فعلها فيه:
فقال الخرقي: في الساعة الخامسة. وفي نسخة: السادسة (^٧).
_________________
(١) ينظر: التعليق الكبير ص ١٠٠٩، الانتصار ٢/ ٥٧٥، الإنصاف ٢/ ٣٧٥، شرح الزركشي ٢/ ٢٠٨.
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص ١١١، مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه رواية المروزي ١/ ٨٨٣.
(٣) سعد بن مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، ابن أبي وقاص، أحد العشرة المبشرين بالجنّة، وآخرهم موتًا، وكان أحد الفرسان، وهو أول من أراق دمًا في سبيل الله، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، شهد سائر المشاهد، وأبلى يوم أحد بلاءً عظيمًا، وهو أحد الستة أهل الشورى الذين أخبر عمر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راض، وولي الكوفة لعمر، وهو الذي بناها، ثم عُزل ووليها لعثمان، وكان مجاب الدعوة، قال النبي ﷺ: «هذا خالي فليرني امرؤ خاله». مات سنة ٥٦ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٦٠٦، أسد الغابة ٢/ ٢١٤، الإصابة ٣/ ٦١].
(٤) ينظر: الانتصار ٢/ ٥٧٦، شرح الزركشي ٢/ ٢٠٩.
(٥) كجابر ومعاوية ﵄ [ينظر: المغني ٢/ ٢٦٤].
(٦) ينظر: الانتصار ٢/ ٥٧٦.
(٧) ينظر: متن الخرقي ص ٣٢، ولم أقف على نسخة ذكرت (الساعة الخامسة)، لكن ذكر ذلك في المغني ٢/ ٢٦٤، وأبو الخطاب في الانتصار ٢/ ٥٧٦، وذكرها - أيضًا - في الهداية ١/ ٥٢. وذكر القاضي في التعليق الكبير ص ١٠٠٩ ما نصه: «وقال الخرقي في مختصر: وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة أجزأتهم. فظاهر كلامه أنه لا يجوز فعلها في الساعة الخامسة والرابعة، وإنما يجوز في الساعة السادسة قبل الزوال، والمذهب على جواز ذلك».
[ ٣٧٠ ]
وقال عمر بن بدر المَغَازِلي (^١) فيما حكاه عنه أبو إسحاق بن شَاقلا: تجوز في وقت صلاة العيد عند ابيضاض الشمس (^٢). وهو المنصوص عن أحمد (^٣).
وهل ذلك وقت وجوبها أم لا، على روايتين (^٤):
أحدهما: أنه وقت الوجوب.
والثانية: ليس بوقت الوجوب (^٥).
خلافًا لأكثر الفقهاء في قولهم: لا يجوز فعلها إلا بعد الزوال (^٦).
لنا:
الحديث المذكور في كل الصحاح والسنن رواه أبو هريرة عن النبي/ - صلَّى الله عليه - أنه قال: «من اغتسل في يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولة فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشًا، ومن راح في الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإذا خرج الإمام طويت الصحف،
_________________
(١) نسبة إلى المغازل وعملها، وهو عمر بن بدر بن عبد الله أبو حفص المغازلي، أحد الفقهاء على مذهب أحمد، سمع من ابن بشار مسائل صالح، ومن عمر القافلائي مسائل إبراهيم بن هانئ، حدث عنه ابن شاقلا وأبو حفص البرمكي، وغيرهما. له تصانيف في المذهب واختيارات. [ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٢٨، الأنساب للسمعاني ١٢/ ٣٦٤، ذيل تاريخ بغداد ٢٠/ ٣١].
(٢) ينظر: التعليق الكبير ص ١٠٠٩، الانتصار ٢/ ٥٧٦، الإنصاف ٢/ ٣٧٥.
(٣) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص ١١١.
(٤) ينظر: التعليق الكبير ص ١٠١٩، الانتصار ٢/ ٥٧٦، الإنصاف ٢/ ٣٧٥، شرح الزركشي ٢/ ٢١٢.
(٥) يعني وقت جواز.
(٦) ينظر للحنفيّة: بدائع الصنائع ١/ ٢٦٨، تبيين الحقائق ١/ ٢١٩. وللمالكيّة: الكافي ١/ ٢٤٩، الشرح الصغير ١/ ٦٨٥. وللشافعيّة: حلية العلماء ٢/ ٢٧٢، المجموع ٤/ ٥٠٩.
[ ٣٧١ ]
وحضرت الملائكة يسمعون الذكر» (^١)، وهذا يدل على أنه يخرج في الخامسة، أو عقيب الخامسة للصلاة، وعندكم لا يجوز ذلك.
فإن قيل: لعله يخرج بعد السادسة.
قلنا: فكان يجب أن تذكر السادسة بوجه.
فإن قيل: فلعله يخطب في السادسة ويصلي بعدها.
قلنا: عندكم لا يجوز ذلك؛ فإن الأذان يقع إذا صعد المنبر، وهو لا يجوز قبل الوقت، وكذلك الخطبة قائمة مقام ركعتين من الصلاة فكيف تفعل قبل وقتها.
و- أيضًا - ما روى مسلم، وأبو عبد الرحمن بإسنادهما عن جابر قال: كنا نصلي مع رسول الله - صلَّى الله عليه - الجمعة ثم نرجع فنريح نواضحنا (^٢)، فقيل لجعفر: متى ذاك، قال: زوال [الشمس] (^٣). وإذا كان عند رجوعهم زوال دلّ على أنها كان يفعلها قبل الزوال [يقينًا] (^٤).
و- أيضًا - ما روى البخاري، ومسلم بإسنادهما عن سهل بن سعد قال: كنا نتغدى، ونقيل بعد الجمعة (^٥). فأخبر أن الغداء والقيلولة [بعد الجمعة، ولا يسمى غداء، ولا قائلة إلا ما كان قبل الزوال.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب فضل الجمعة ٢/ ٣، ح ٨٨١، ومسلم، كتاب الجمعة ٢/ ٥٨٢، ح ٨٥٠.
(٢) النواضح: الإبل التي يستقى عليها، واحدها: ناضح. [ينظر: جمهرة اللغة ١/ ٥٤٨، النهاية ٥/ ٦٩].
(٣) ما بين المعكوفين مطموس في الأصل، وقد أتممته من مصادر التخريج.
(٤) ما بين المعكوفين مطموس في الأصل، وقد استظهرته من الانتصار ٢/ ٥٧٨.
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب القائلة بعد الجمعة ٨/ ٦٢، ح ٦٢٧٩ بهذا اللفظ، وأخرجه - أيضًا - في كتاب الجمعة، باب قول الله - تعالى ـ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ٢/ ١٣، ح ٩٣٩، ومسلم، كتاب الجمعة ٢/ ٥٨٨، ح ٨٥٩ بلفظ: ما كنا نقيل، ولا نتغدى إلا بعد الجمعة.
[ ٣٧٢ ]
فإن قيل: لعله أراد أنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة] (^١) في يوم الجمعة إلى بعد الصلاة تهيئًا للجمعة كما يقول القائل: هذا غدائي وعشائي، إذا شغل عن الغداء إلى وقت العشاء، فأما أن يراد به أنها كانت تفعل قبل الزوال فلا.
قلنا: لو أراد ذلك لقال: ما كنا نطعم ولا ننام إلا بعد الصلاة؛ فأما حقيقة الغداء والقيلولة/ فهو قبل الزوال، وبعد الزوال يسمى عشاء، ذكر ذلك ابن قتيبة (^٢) وغيره فقال: الغداء مأخوذ من الغداة، والعشاء مأخوذ من العشي، فإذا انبسطت الشمس سمي الغداء ضحى، قال الله - تعالى ـ: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى *﴾ (^٣)، فإذا كان نصف النهار سمي ظهيرة، ويكون الأكل بعد الظهيرة عشاء (^٤).
وقال غيره: الغداء من الغداة إلى قبل الزوال، يقال: غدوت إلى فلان، أي: قصدته في صدر النهار (^٥).
ويوضح ذلك: ما روى أنس أن النبي - صلَّى الله عليه - صلى إحدى صلاتي العشاء - الظهر، أو العصر - فسلّم من ركعتين، في حديث ذي اليدين (^٦).
_________________
(١) ما بين المعقوفين سقط في الأصل، وقد استظهرته من الانتصار ٢/ ٥٧٧.
(٢) عبد الله بن مسلم بن قتيبة، نزيل بغداد، صاحب التصانيف، ولد سنة ٢١٣ هـ، وكان رأسًا في اللغة والعربية والأخبار وأيام الناس، وتصانيفه كلُّها مفيدة، صنف: غريب القرآن، وغريب الحديث، ومشكل القرآن، ومشكل الحديث، وكتاب الفقه، ومعاني الشعر، وجامع النحو، والرد على من يقول بخلق القرآن، وأدب القاضي، وإعراب القرآن، والقراءات، وغيرها. مات في رجب سنة ٢٧٦ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٤٢، تاريخ الإسلام ٦/ ٥٦٥].
(٣) طه: ١١٩.
(٤) ينظر: المسائل والأجوبة في الحديث والتفسير لابن قتيبة ص ٣٧، ٣٨.
(٥) ينظر: لسان العرب ٥/ ١١٦، المحكم والمحيط الأعظم ٢/ ٤٥١.
(٦) لم أقف عليه من حديث أنس، وأخرجه البخاري، أبواب ما جاء في السهو، باب إذا سلم في ركعتين، أو في ثلاث، فسجد سجدتين، مثل سجود الصلاة أو أطول ٢/ ٦٨، ح ١٢٢٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٤٠٣، ح ٥٧٣ - واللفظ له - من حديث أبي هريرة.
[ ٣٧٣ ]
ويوضح ذلك: أنه لو حلف لا يتغدى فأكل بعد الزوال لم يحنث.
فأما الذي استشهدوا به فلا يعرف عن العرب، وإنما هو تجوُّز العوام فلا يلتفت إليه، ولا يعوّل عليه، والذي يدل على بطلان هذا التأويل ما روى الأثرم قال: حدثنا عبد الله بن بكر السهمي (^١)، قال: حدثنا حميد (^٢)، عن أنس قال: كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعدها (^٣).
و- أيضًا - إجماع الصحابة، روى أحمد بإسناده عن وكيع السلمي (^٤)، عن عبد الله بن سيدان السلمي (^٥)، قال: صليت الجمعة مع أبي بكر (^٦) فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، وصليتها مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن نقول: [انتصف النهار، ثم صليتها مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن نقول:] (^٧) قد زال النهار. فلم أسمع أحدًا عاب ذلك (^٨). فدلّ على أنه إجماع.
قال القاضي: وهذا هو المعتمد عليه في المسألة (^٩).
_________________
(١) عبد الله بن بكر بن حبيب، أبو وهب السهمي الباهلي البصري، نزيل بغداد، كان فقيهًا محدثًا ثقة، وكان أبوه رأسًا في العربية. مات سنة ٢٠٨ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٥/ ٩٨].
(٢) حميد بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقة مدلِّس. مات سنة ١٤٢ هـ وهو قائم يصلي. [ينظر: تقريب التهذيب ص ١٨١].
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس ٢/ ٧، ح ٩٠٥ من طريق ابن المبارك، عن حميد.
(٤) لم أقف على ترجمته.
(٥) عبد الله بن سيدان، قال البخاري: لا يتابع في حديثه. قال اللالكائى: مجهول، لا حجة فيه. [ينظر: التاريخ الكبير ٥/ ١١٠، ميزان الاعتدال ٢/ ٤٣٧].
(٦) في هذا المكان في الأصل: (وعمر)، وحذفها هو الموافق لمصادر التخريج.
(٧) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وما أثبته هو الموافق لمصادر التخريج.
(٨) لم أقف عليه عند أحمد، وأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الجمعة، باب من كان يقيل بعد الجمعة ويقول هي أول النهار ١/ ٤٤٤، ح ٥١٣٢، وابن المنذر، كتاب المواقيت، ذكر وقت الجمعة ٣/ ٤٧، ح ٩٨٩)، والعقيلي ٢/ ٢٦٥، والدارقطني، كتاب الجمعة، باب صلاة الجمعة قبل نصف النهار ٢/ ٣٣٠، ح ١٦٢٣ من طريق جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج الكلابي، عن عبد الله بن سيدان السلمي.
(٩) ينظر: التعليق الكبير ص ١٠١٣.
[ ٣٧٤ ]
وقد رواه الساجي، وابن أبي حاتم، والنجاد من أصحابنا.
فإن قيل: قال هبة الطبري: [ابن] (^١) سيدان مجهول لا تقوم بروايته حجة (^٢).
ولو قبلنا روايته؛ فيحتمل أن يكون ابن سيدان ظنّ أن النهار لم ينتصف؛ فإن الزوال معنى يخفى على كثير من الناس.
قلنا: ما ذكر عن هبة لا يصح؛ لأنه/ معروف من كبار التابعين من بني سليم، وقد صحح أحمد حديثه وأخذ به؛ فنقل عنه الترمذي (^٣) أنه قال: يجوز فعلها قبل الزوال على ما جاء من فعل أبي بكر، وعمر ﵄.
وقولهم: يحتمل أنه لم يعلم؛ غلط؛ لأن الظاهر معرفة الرجل وعلمه، ولهذا فصل بين صلاة كل واحد من الصحابة وخطبته، وهذا يدل على ضبطه ومعرفته للوقت، ولأن زمان الخطبة والصلاة يطول فلا [يخفى] (^٤) في مثله الزوال على أحد.
الثالث: أن هذا إضافة خطأ إلى السلف بالظن، وهذا لا يجوز؛ لأن الظاهر صدقهم؛ ومعرفتهم فيما يقولون.
وروى البخاري، وأبو داود، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة عن سعد، وسهل، وأنس أنهم قالوا: كنا نجمع ونرجع فنقيل (^٥).
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وما أثبته هو الصحيح نقلًا من مصادر ترجمته.
(٢) نسب هذا له ابن عبد الهادي في تنقيح تحقيق أحاديث التعليق ٢/ ٧٢.
(٣) ينظر: التعليق الكبير ص ١٠٠٩، الانتصار ٢/ ٥٧٥.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (يخاف)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب القائلة بعد الجمعة ٢/ ١٣، ح ٩٤١ عن سهل بن سعد، قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم تكون القائلة. وأخرجه - أيضًا - برقم ٩٤٠ عن أنس، يقول: «كنا نبكر إلى الجمعة، ثم نقيل». كما أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب في وقت الجمعة، ١/ ٣٥٢، ح ١٠٨٦ بسنده عن سهل بن سعد، قال: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: «كنا نقيل ونتغدى بعد الجمعة». كما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، كتاب الجمعة، باب الرجوع إلى المنازل بعد قضاء الجمعة للغداء والقيلولة، ٣/ ١٨٤، ح ١٨٧٦ بسند عن سهل بن سعد قال: «ما كنا نتغدى ولا نقيل إلا بعد الجمعة». أما حديث سعد، فلم أقف عليه.
[ ٣٧٥ ]
وروى الإمام أحمد، وهبة الطبري وغيرهما بإسنادهم عن عبد الله بن سلمة (^١) قال: كان عبد الله ينصرف بنا في يوم الجمعة ضحى، ويقول: إنما عجلت بكم خشية الحرّ عليكم (^٢).
وروى أبو بكر النجاد من أصحابنا بإسناده عن سعيد بن سويد (^٣) قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضحى (^٤).
وهذا إجماع منهم؛ لأنهم فعلوه في أزمان متفرقة، وأماكن مختلفة، والجمعة يحضرها الخاص والعام، فلم تقع من أحدهم مخالفة، ولا إنكار، فدلّ على جواز ذلك.
والفقه في المسألة: ما ذكره أحمد ﵁ فيما رواه الترمذي فقال: هي عيد من الأعياد كلها أول النهار (^٥).
_________________
(١) عبد الله بن سلمة - بكسر اللام - المرادي الكوفي، صدوق تغير حفظه. [ينظر: التقريب ص ٣٠٦].
(٢) لم أقف عليه عند أحمد، والأثر أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الجمعة، باب من كان يقيل بعد الجمعة ويقول هي أول النهار ١/ ٤٤٤، ح ٥١٣٤، وابن المنذر، كتاب المواقيت، ذكر وقت الجمعة ٣/ ٤٧، ح ٩٩١ من طريق عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة.
(٣) سعيد بن سويد، عن معاوية، روى عنه عمرو بن مرة، قال البخاري: لا يتابع عليه. وذكره ابن حبان في الثقات. [ينظر: التاريخ الكبير ٣/ ٤٧٧، الجرح والتعديل ٤/ ٢٩، الثقات لابن حبان ٤/ ٢٨٠].
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الجمعة، باب من كان يقيل بعد الجمعة ويقول هي أول النهار ١/ ٤٤٥، ح ٥١٣٥، والبخاري في التاريخ الكبير ٣/ ٤٧٧، وابن المنذر، كتاب المواقيت، ذكر وقت الجمعة ٣/ ٤٨، ح ٩٩٢ من طريق عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد.
(٥) ينظر: التعليق الكبير ص ١٠٠٩.
[ ٣٧٦ ]
فحرر أصحابنا هذا طريقة، وقالوا: صلاة عيد، فجاز فعلها قبل الزوال، دليله الفطر، والأضحى، والدليل على الوصف قول النبي - صلَّى الله عليه ـ: «قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان» (^١).
وإن شئت أن تقول: صلاة العيد صلاة مضافة إلى يومها فصح فعلها قبل الزوال، دليله صلاة/ العيدين، ولا يلزم عليه صلاة الظهر، وبقية الصلوات؛ لأنها لا تضاف إلى يومها، لأنها تفعل في سائر الأيام، والجمعة تضاف إلى يومها، وهو يوم تفعل فيه، كما أن صلاة العيد تضاف إلى يوم العيد، وهذا لأن كل [واحدة] (^٢) منهما تضاف إلى يومها فيقال: صلاة الجمعة، كما يقال: صلاة العيد، وصلاة الأضحى، والفطر، ولهذا تصلى ركعتين بخطبتين، ويجتمع لها الناس الجمع العام، وتؤخذ لها الزينة، ويشترط أصحابنا في العيد العدد، والاستيطان، وإذن الإمام (^٣)، وإذا شبهتها من هذه الوجوه، شبهتها في جواز الصلاة قبل الزوال.
فإن قيل: لو كانت كالعيد لما جاز فعلها بعد الزوال.
قلنا: إنما لم تجز صلاة العيد بعد الزوال؛ لأن وقتها يخرج بالزوال، ووقت الجمعة لا يخرج بالزوال، وغير ممتنع أن يتفقا في جواز فعلهما في ابتداء الوقت، ويختلفا في آخره، كما قال مخالفنا في صلاة الظهر والجمعة: يتفقان في الابتداء، ويختلفان في الانتهاء، فلو خرج وقت الظهر وقد صلى منها ركعة أتمها ظهرًا، ولو خرج وقد صلى من الجمعة ركعة لم يتمها جمعة بل يصلي ظهرًا.
وكذلك طلوع الفجر الثاني وقتان لصلاة الفجر، والصوم، ثم يخرج وقت الفجر بطلوع الشمس، ويمتد وقت الصوم إلى غروب الشمس.
وكذلك زوال الشمس وقت لصلاة الظهر، والوقوف عندهم،
_________________
(١) سيأتي تخريجه في بداية المسألة التالية.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (واحد)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ينظر: الهداية ٢/ ٥٤، الإنصاف ٢/ ٤٢٤.
[ ٣٧٧ ]
ثم يخرج وقت الظهر بكون الظل مثله، أو مثليه على مذهب الحنفي (^١)، ثم يمتد الوقت (^٢) إلى طلوع الفجر يوم النحر.
وقد قيل: بأن الظهر والجمعة صلاتا فرض يجهر في أحدهما، ويُسرّ في الأخرى، فلم يجب اشتراكهما في الوقت، دليله الفجر، والظهر، ولا يلزم عليه النوافل لقولنا: صلاتا فرض؛ ولا يلزم عليه/ صلاة القصر، والإتمام لقولنا: يجهر في أحدهما، ويسر في الأخرى.
وقد قال بعض الأصحاب (^٣): إن المقصود العبادة دون الوقت، وللجمعة تأثير في إسقاط بعض العبادة وهو الركعتان، فلأن يكون لها تأثير في إسقاط فرض الوقت أولى، كالسفر لما أثر في إسقاط بعض العبادة، أثر في إسقاط الوقت، [كذا] (^٤) في الجمعة.
قال: وإن شئت قلت: ما أثر في إسقاط بعض الصلاة أثر في إسقاط وقتها، كالسفر يؤثر في إسقاط وقت العصر إلى وقت الظهر، كذلك يؤثر في إسقاط فرض الظهر إلى ما قبله في صلاة الجمعة.
احتجوا:
بما روى أنس بن مالك قال: كنا نصلي مع رسول الله - صلَّى الله عليه - الجمعة إذا زالت الشمس (^٥).
وروى [سلمة] (^٦) بن الأكوع قال: كنا نصلي مع رسول الله - صلَّى الله عليه - الجمعة إذا زالت الشمس (^٧). وهذا إخبار عن دوام الفعل.
_________________
(١) ينظر: مختصر الطحاوي ص ٢٣.
(٢) يعني: وقت الوقوف.
(٣) ينظر: التعليق الكبير ص ١٠١٧.
(٤) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس ٢/ ٧، ح ٩٠٤ بلفظ: إذا مالت الشمس.
(٦) ما بين المعكوفين في الأصل: (سالم)، وما أثبته هو الموافق لمصادر التخريج.
(٧) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة ٢/ ٥٨٩، ح ٨٦٠ من طريق إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء.
[ ٣٧٨ ]
والفقه فيه: أنها صلاة مقصورة، فلا يجوز فعلها قبل وقت التمام، كصلاة السفر.
والدليل على أنها مقصورة: ما روي عن عمر، وعائشة ﵄ أنهما قالا: إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة (^١).
ولأن الزوال جُعل سببًا لفرض عين وهو الظهر في عموم الأوقات، وقد يقصر بسبب كالسفر، فجاز القول بأنها مقصورة لأجل مشقة الخطبة، والمسافة إلى الجامع، فأما أن يجعل الزوال سببًا لفرض آخر فهو مما لا وجه له، وإذا ثبت أنها ظهر مقصورة لم يجز فعلها قبل الزوال.
ومنهم من قال: الجمعة بدل عن صلاة يختص وقتها بالزوال، فكانت في وقتها، لأن البدل يحكي المبدَل.
قالوا: ولأنها صلاة مفروضة، فلم يجز فعلها قبل وجوبها متبوعة كسائر الصلوات، ولا يلزم العصر في وقت الظهر يفعل قبل وجوبها تبعا،/ وكذلك العشاء في وقت المغرب.
_________________
(١) أما حديث عمر فأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الجمعة، باب الرجل تفوته الخطبة ١/ ٤٦٠، ح ٥٣٢٤ من طريق يحيى بن أبي كثير، قال: حدثت عن عمر بن الخطاب، أنه قال: إنما جعلت الخطبة مكان الركعتين، فإن لم يدرك الخطبة، فليصل أربعًا. وأخرجه - أيضًا - ابن أبي شيبة ١/ ٤٦١، ح ٥٣٣١ من طريق عمرو بن شعيب، عن عمر بن الخطاب، قال: كانت الجمعة أربعًا، فجعلت ركعتين من أجل الخطبة، فمن فاتته الخطبة فليصل أربعًا. وأما حديث عائشة: فلم أقف عليه بهذا السياق، لكن أخرج ابن الأعرابي في المعجم ٢/ ٧٣٤، ح ١٤٩٠ من طريق مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: افترض الله - تعالى - الصلاة على نبيه ﷺ بمكة ركعتين ركعتين، إلا صلاة المغرب فإنها وتر النهار، فلما هاجر إلى المدينة اتخذها دار هجرة، وأقام بها زاد إلى كل ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب فإنها وتر النهار، وإلا صلاة الغداة يطيل فيها القراءة، وإلا الخطبة يوم الجمعة، وصلاتها ركعتين من أجل الخطبة، وكان النبي ﷺ إذا سافر صلى بالناس الصلاة التي افترضها الله عليه، فإن أقام بالمدينة زاد إلى ركعتين ركعتين، فقالت عائشة: افترضها الله على خلقه.
[ ٣٧٩ ]
أو نقول: ليس بوقت لوجوبها، فلم يكن وقتا لجواز فعلها في غير حال التعذر، كما قبل ابيضاض الشمس.
قالوا: ولأنها صلاة يخرج وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله، فلم يجز فعلها قبل الزوال كالظهر.
الجواب:
أما الأخبار: فنحن نقول [بها] (^١)، وأنه وقت الفضيلة، ومداومته على الأفضل، أو إكثاره منه لا يمنع ما روينا عن أن يكون للجواز، فنجمع بين الروايتين، على أنه يحتمل أن يكون ذكر راويكم وقت الفراغ، وراوينا وقت الابتداء والشروع.
وأما القياس: فلا نسلم أن الجمعة ظهر مقصورة، وإنما هي فرض آخر مبتدأ، روى جابر عن النبي ﵇ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا على امرأة، أو مسافر، أو صبي، أو عبد، أو مريض» (^٢)، والظهر مفروضة يوم الجمعة، وغيرها، ولأنها لو كانت ظهرًا لما استثني هؤلاء؛ فإنه يجب عليهم الظهر، ويجوز قصرها في حقهم بمشقة السفر، كما يجوز في حق الرجل العجز؛
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (به)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) أخرجه ابن عدي ١٠/ ٤٠، ح ١٦٦٤٥، والدارقطني، كتاب الجمعة، باب من تجب عليه الجمعة ٢/ ٣٠٥، ح ١٥٧٦، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/ ٢٦٦، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الجمعة، باب من لا تلزمه الجمعة ٣/ ٢٦١، ح ٥٦٣٤ من طريق ابن لهيعة، عن معاذ بن محمد الأنصاري، عن أبي الزبير، عن جابر؛ أن رسول الله ﷺ، قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض، أو مسافر، أو امرأة، أو صبي، أو مملوك، فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه، والله غني حميد». ولم يذكر ابن عدي، والبيهقي المرأة، وقال ابن عدي: معاذ منكر الحديث غير معروف. وقال عبد الحق، وابن الملقن: إسناده ضعيف. وقال ابن عبد الهادي: هذا حديث لا يصح. وقال الذهبي: لم يصح، وقال ابن حجر: حديث غريب. [ينظر: الأحكام الوسطى ٢/ ١٠١، التنقيح لابن عبد الهادي ٢/ ٥٥٢، التنقيح للذهبي ١/ ٢٧٨، البدر المنير ٤/ ٦٤٢، موافقة الخبر الخبر ٢/ ٣٣].
[ ٣٨٠ ]
ولأن للجمعة شروطًا ليست للظهر من العدد، والاستيطان، والخطبة، وإذن الإمام، وغير ذلك، ثم الصلاة المقصورة مع التامة لا تختلف شروطها، ولأنها لو كانت ظهرًا مقصورة لساوتها في الجهر، والإخفات، والقضاء إذا فاتت، ويبنى بعضها على بعض مع سعة الوقت، كالمقصورة مع التامة.
وأما قول عمر، وعائشة - إن صح عنهما - فإنهما أخبرا بأن الجمعة فرضت ركعتين لأجل الخطبة، على أنّ الصحيح عن عمر أنه قال: صلاة السفر ركعتين، وصلاة الجمعة ركعتين، وصلاة الفطر ركعتين تمام غير قصر على لسان نبيكم (^١). أخرج هذا عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم (^٢).
وقولهم:/ إن الزوال سبب لصلاة الظهر في سائر الأيام؛ فهو كذلك إلا في يوم الجمعة؛ فإنها خصت بصلاة أخرى، وفرض آخر قال - تعالى ـ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٣)، وإذا ثبت أنها غيرها جاز أن تخالفها في الوقت، كالظهر مع العصر.
فإن قيل: فلو كانت غيرها ما جاز فعلها في وقت الظهر، كالعصر مع الظهر، ولما صحّ [فعلها] (^٤) مسقطًا لصلاة الظهر ممن لا جمعة عليه كالنساء، والعبيد، فلما سقط فرض الظهر بفعلها في حق من ليس من أهلها عُلم أنها ظهر، كما صحت صلاة التمام من المسافر، ولما صحّ أن يدخل فيها من أدرك التشهد، ثم يبني عليها ظهرًا، وإذا انقضى العدد بنى عليها ظهرًا، وكذلك إذا خرج الوقت في أثنائها ساغ الاجتهاد في بناء الظهر على ما صلى منها، وهذا كله ممن يعطي كون وقتها واحدًا.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب تقصير الصلاة في السفر ١/ ٣٣٨، ح ١٠٦٤، والنسائي، كتاب الجمعة، باب عدد صلاة الجمعة ٣/ ١١١، ح ١٤٢٠ قال عمر: صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ.
(٢) ينظر: علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/ ٢٩٤.
(٣) الجُمُعَة: ٩.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (العصر)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٨١ ]
قلنا: لو كانت ظهرًا، أو بدلًا عن الظهر لصحّت بنية الظهر، كالمقصورة مع التامة في حق المسافر، ولجُمعت في [كلِّ] (^١) محلّ يتيح الجمع، و[لخُوطب] (^٢) بها كل من يخاطب بالظهر، ولوجب أن تَسُدَّ مَسدَّ الظهر لمن عليه قضاء الظهر.
وأما تعلقكم بالشبه في الأحكام التي ذكرتم؛ فنعارضها بما اختصت به من المفارقة للظهر من الجهر، والخطبتين، والعدد، والنية، والاختصاص بأشخاص مخصوصين من غير انعقاد بكل من تجب عليه الظهر، على أن في باب الوقت قد فارقت؛ فإنه لم يجعل وقت العصر في دوامها وقتا لها عند مخالفنا، بل يخرج الوقت، فلا تصح جمعة، ولا تؤخر - أيضًا - فيكون وقت العصر وقتا لابتدائها بحال، [بخلاف] (^٣) صلاة الظهر، فقد خالفت الظهر في سائر أحوالها، كذا الوقت.
ولأنه يجوز/ فعل العصر في وقت الظهر، والظهر في وقت العصر لنوع مشقة، وهو السفر، والمرض، والمطر، وهاهنا نوع مشقة يجوز بها تقديم الجمعة، وهو أنها صلاة يجتمع لها الناس من المواضع البعيدة، و[يبكرون] (^٤) إليها طلبًا للفضيلة، ويتركون أشغالهم، فلو منعنا من فعلها قبل الزوال شقّ عليهم، فصار ذلك [عذرًا] (^٥) كالسفر، والمرض، وكالاشتغال بالدعاء عند أبي حنيفة في صلاتي عرفة، وصلاتي مزدلفة (^٦).
جواب آخر: [أنّا لو] (^٧) قلنا: إنها ظهر مقصورة، قلنا: أليس الاجتماع لها أسقط شطرها، فلأن يسقط تحتم وقتها أولى، وهذا لما ذكرنا
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (لحفظت)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (تخالف)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (يبكروا)، والصحيح لغة ما أثبته.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (عذر)، والصحيح لغة ما أثبته.
(٦) ينظر: المبسوط ٢/ ١٣٠، الجوهرة النيرة ١/ ١٥٦، العناية ٢/ ٢٧٠.
(٧) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٣٨٢ ]
من أن المقصود العبادة لا وقتها، ألا ترى أن السفر لما أسقط شطر العصر والظهر، [أسقط تحتم] (^١) وقتها حتى جاز أن يقدم العصر إلى الظهر، ويقدم الظهر إلى العصر، فكذلك في مسألتنا.
وأما قولهم: صلاة مفروضة، فلم يجز فعلها قبل وقتها كسائر الصلوات.
قلنا: قد بينا أن قبل الزوال وقت لوجوبها في إحدى الروايتين (^٢)، فسقط، ولو سلمنا على الأخرى فيلزم تقديم العصر في السفر، وبعرفة، يجوز ذلك وليست تابعة، بل هي أصل بنفسها، وإنما جاز ذلك لعذر الدعاء والسفر، ويجوز في مسألتنا لما بينا من العذر، وإليه أشار ابن مسعود بقوله: إنما عجلت لكم [خيفة] (^٣) الحرّ عليكم (^٤).
وأما قولهم: بأنها صلاة يخرج وقتها إذا صار ظل الشيء مثله، فلم يجز فعلها قبل الزوال كالظهر.
قلنا: ولِمَ إذا خرج وقتها بحصول الظل مثله لا يجوز فعلها قبل الزوال؟ ولا نسلم أن علة الظهر هذا.
ثم إنه غير ممتنع أن تتفق العبادتان في الانتهاء، وتختلف في الابتداء كصلاة العصر، مع الصوم يتفقان في خروج وقتهما بغروب الشمس، ويختلفان/ في الابتداء؛ فيجب الصوم بطلوع الفجر، ويجب العصر بخروج وقت الظهر، والله أعلم.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (يتحتم)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) سبق توثيقهما في صدر المسألة.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (خفية)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٣٨٣ ]