إذا أخرج بعيرًا عن خمس من الإبل لم يجزئ (^١)، هذا مذهبنا فيما نص عليه أحمد (^٢)، واختاره أبو بكر (^٣)، وابن حامد (^٤)، والقاضي (^٥)، وهو قول مالك (^٦)، وداود (^٧).
وعند أبي حنيفة، والشافعي: يُجزئ (^٨).
لنا:
ما صح من حديث أنس: أن أبا بكرٍ ﵁ كتب لهمذان (^٩): هذه فرائض الصّدقة التي فرض رسول الله - صلَّى الله عليه ـ، والتي أمر الله بها رسوله: «فيما دون خمس وعشرين من الإبل الغنم، في كل خمس ذَوْد (^١٠) شاة» (^١١).
_________________
(١) ينظر: المستوعب ٣/ ٢٢٩، الإنصاف ٣/ ٤٩.
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص ١٥٢، الإنصاف ٣/ ٤٩.
(٣) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٣٦٤.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) ينظر: الجامع الصغير ص ٧١.
(٦) للمالكيّة قولان في المسألة، أصحهما: جواز إخراج البعير عن الشاة. [ينظر: مواهب الجليل ٢/ ٢٥٨، شرح الخرشي ٢/ ١٤٩].
(٧) ينظر: المحلى ٤/ ١٠٨.
(٨) ينظر للحنفيّة: بدائع الصنائع ٢/ ٢٥، البناية ٣/ ٧٣. وللشافعيّة: الحاوي الكبير ٣/ ١٠١، المجموع ٥/ ٣٩٥، حلية العلماء ٣/ ٤٠.
(٩) بالتحريك، مدينة إيرانية مشهورة من مدن الجبال، في الغرب من مدينة قُم، على الطريق الآتي من العراق باتجاه طهران. [ينظر: معجم البلدان ٥/ ٤١٠، آثار البلاد ص ٤٨٣، موسوعة المدن العربية والإسلامية ص ٢٨٨].
(١٠) الذَّوْد من الإبل: ما بين الثلاث إلى العشر. وقيل: ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: من ثلاث إلى خمس عشرة، وقيل: إلى عشرين، وقيل: ما بين الثلاث إلى الثلاثين، وهي مؤنثة ولا واحد لها من لفظها. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٦٢٧، تهذيب اللغة ١٤/ ١٠٦، الصحاح ٢/ ٤٧١، المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ٤١٥].
(١١) أخرجه أبو داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة ٢/ ٩٦، ح ١٥٦٧، والنسائي، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم ٥/ ٢٧، ح ٢٤٥٥ من طريق حماد بن سلمة، عن ثمامة بن عبد الله، عن أنس، ولم يقل النسائي: «الغنم»، والحديث عند البخاري، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم ٢/ ١١٨، ح ١٤٥٤.
[ ٤٦٦ ]
وفي حديث عمر: «فإذا بلغت خمسة ذَوْد شاة» (^١).
وهذا أمرٌ بإخراج الشّاة، والأمر يقتضي الوجوب، ومَن أخرج البعير عن الشاة، فقد خالف أمر الشرع، وقد قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا/ فهو رد» (^٢).
فإن قيل: هذا لا حجة فيه؛ لأنه معقول منه أنه فرض تخفيف لا فرض إيجاب، يوضح هذا، وأنه تخفيفٌ أنه أخذ الغنم لما كان المال قليلًا، فلما كثر المال انتقل إلى الجنس.
قلنا: إطلاق الأمر يقتضي الإيجاب، وليس من حيث كان قليلًا وسهلًا يعطي التنبيه على إيجاب ما زاد عليه بالكثرة والصعوبة، بدليل أن الشاة في الأربعين شاة لم يجعل إيجابها تنبيهًا على أن البقرة الواجبة عن أربعين بقرة، والمجزئة في الهدي مجزئة بدلًا عنها، وكذلك لم يدل على أنه يجزئ البعير عن الشاة في أربعين شاة، وهذا يعود إلى معنى، وذلك أنَّا لا نعرف مصالح التعبدات؛ لأنه قد يكون الأكبر الأصعب مفسدة، والأقل والأسهل مصلحة عند الله - تعالى ـ، وكذلك في عبادة البدن لا يجزئ السجود عن الركوع، وإن كان أبلغ في الخضوع والخشوع.
والفقه في المسألة: أنَّا نقول: إن المنصوص عليه هو الواجب، فلا يجوز غيره، دليله كل الواجبات في الشرع، والدليل على أن المنصوص عليه هو الواجب أن الواجب [عُلم] (^٣) بالشرع، والشرع ورد بالمنصوص عليه، فلا يجب بالنص إلا ما ورد به.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني، كتاب الزكاة، باب زكاة الإبل والغنم ٣/ ١٧، ح ١٩٨٦، والحاكم ١/ ٥٥٠، ح ١٤٤٤، والبيهقي، كتاب الزكاة، جماع أبواب فرض الإبل السائمة، باب إبانة قوله وفي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة ٤/ ١٥٣، ح ٧٢٥٧ من طريق الزهري، قال الحاكم: صحيح.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (أعلمُ)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٤٦٧ ]
يدل عليه أن الزكاة إنْ كانت عبادةً فلا يجوز في العبادة إلا ما ورد به التعبد، بدليل الصلاة وأفعالها؛ فإنه لا يقوم الركوع فيه مقام السجود، ولا السجود مقام الركوع، وكذلك لا يقوم السجود على الخدِّ والذقن مقام السجود على الجبهة، وكذلك في سائر العبادات، ووجه التقريب بين مسألتنا وهذا الأصل: أن الله - تعالى - إذا جعل العبادة على جارحة بفعلٍ يوجد فيها [لم] (^١) تقم جارحة أخرى مقامها، كذلك إذا وضع العبادة في مالٍ سماه بفعلٍ يوجد فيه، لم يقم الفعل في مالٍ آخر مقامه،/ يدل عليه أن أصل العبادة لا تجب بالتعليل، ولا تقبل، وكذلك كيفيتها.
وإن قلنا: إن الزكاة حق الفقراء؛ فالحق الواجب للآدمي في عينٍ لا يقوم غيرها مقامها إلا بسببٍ شرعيٍّ من معاقلة (^٢) ومعاوضة وغير ذلك، يدل عليه أن سبب وجوب الحق إذا اتصل بمحلٍ يتعلق الوجوب بصورته ومعناه، مثل ما لو أسلم في شيءٍ، أو اشترى شيئًا، وكذلك إذا أوصى لإنسانٍ بشاةٍ، أو أوصى بشاةٍ من أربعين من الغنم؛ فإنه تعين حقهم بغير ذلك، كذلك هاهنا.
وتحرير الأصحاب أنه عدل عن الجنس المنصوص عليه إلى غيره في الزكاة، فلم يجزئه، كما لو عدل إلى جنس البقر عن الإبل، والغنم، أو عدل إلى البعير عن أربعين من الغنم (^٣).
فإن قيل: المعنى في الأصل أنه عدل إلى غير الجنس المخرج عنه، وهاهنا أخرج من الجنس المخرج عنه، فوجب القول بالإجزاء.
قلنا: النص ورد بالإخراج من غير الجنس، فيجب أن ينظر إلى المنصوص، ولا ينظر إلى غيره، ألا ترى أنه لو أعتق العبد، أو تصدق به
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (فلم)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) المعاقلة مفاعلة، وهي تدل على المشاركة في الغالب، وهي أن يفعل الواحد بالآخر مثل ما يفعله الآخر به، وهي هنا الدية، والمراد: تحمل الناس بعضهم عن بعض الدية. [ينظر: الصحاح ٦/ ٤٦، المطلع ص ٢٧٠].
(٣) ينظر: رؤوس المسائل الخلافيّة بين جمهور الفقهاء ٢/ ٤١٥.
[ ٤٦٨ ]
على فقيرٍ بدلًا من زكاة الفطر الواجبة عن العبد لم يجزئ وإن كان قد أخرج من الجنس المزكى عنه؛ بل أخرج النصاب رأسًا، وإذا أخرج العَرْض عن العروض قيمة عن قيمة لا يجزئ عند الشافعي وإن كان من الجنس المخرج عنه (^١)، فبطل الاعتماد على المخرج عنه، وصح الاعتماد على المخرج في الزكاة لمكان النص.
ولأن البدنة من البقرة والإبل قامت مقام سبع شياهٍ، وعدلت بسبع من الغنم، ومع ذلك لا تجزئ عن أربعين من الغنم، والواجب هناك شاة، وهي سُبع البدنة في المعنى، فبطل ما قالوه.
احتجوا:
بما روي عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «خذ البعير من الإبل، والشاة من الغنم» (^٢).
والفقه/ فيه: أن الأصل في الزكاة وجوبها من الجنس، وإنما أخذ الشاة عن الإبل في أوائل المال رفقًا بأربابها؛ إذ لا يحتمل مع القلة إيجاب الزكاة من الجنس، والجزء السابع يفضي إلى سوء المشاركة، والفَصِيل (^٣) يضر بالفقراء؛ لأنه لا ردّ فيه، ولا نسل، ويحتاج إلى مؤنة العلف بغير خلفٍ من النماء، فلم يبق لنا مأخوذ يجمع بين اللطف برب المال،
_________________
(١) ينظر: حلية العلماء ٣/ ١٠٥، ١٠٨، المجموع ٦/ ٦٨.
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب ما تجب فيه الزكاة من الأموال ١/ ٥٨٠، ح ١٨١٤، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب صدقة الزرع ٢/ ١٠٩، ح ١٥٩٩ من طريق شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل، وقال الحاكم: إسناده صحيح على شرط الشيخين، إن صح سماع عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل فإني لا أتقنه. وقال البيهقي: رواته ثقات. وقال عبد الحق: عطاء بن يسار لم يدرك معاذ بن جبل. وقال ابن عبد الهادي: عطاء لم يسمع معاذًا، ولم يلقه. وقال الذهبي، وابن التركماني: مرسل. وقال ابن حجر: لم يصح سماع عطاء من معاذ. [ينظر: المستدرك ١/ ٥٤٦، الأحكام الوسطى ٢/ ١٦٥، التنقيح لابن عبد الهادي ٣/ ٣٦، التنقيح للذهبي ١/ ٣٣٣، التلخيص الحبير ٢/ ٣٢٩].
(٣) الفَصِيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه، والجمع فُصلان وفِصال. [ينظر: الصحاح ٥/ ١٧٩١].
[ ٤٦٩ ]
ونفي الإضرار بالفقراء إلا الغنم، فإذا ثبت أنه رفق، فإذا تطوع على الفقراء بالبعير، فقد عاد إلى الأصل، وسمح بما أرفق به إرفاقًا للفقراء، وإسقاطًا لحقه، كما لو دفع أعلى السنين فأعطى بنت لَبُون (^١) عن بنت مَخَاض (^٢)، والحِقَّة (^٣) عن بنت لَبُون، والجَذَعَة (^٤) بدلًا من الحِقَّة.
الجواب:
أما الحديث فهو مطرح الظاهر؛ فإنه لا يملك الساعي الأخذ؛ بل المالك المزكي يعطي، ولا يأخذ من الخمس إلا الشاة، ولا يأخذ بعيرًا، فلا حجة فيه في موضع الخلاف.
الثاني: أن النبي - صلَّى الله عليه - لمَّا قال: «خذ البعير من الإبل» بيَّن مكان الأخذ، ومحله، ونص على عين الجنس قبل المحل، فالمحل الذي نص على أخذ البعير منه بعد الخمس وعشرين قال: «وفي خمس وعشرين بنت مَخَاض» (^٥)، وأنتم تستدلون بقوله: «خذ البعير من الإبل»
_________________
(١) ابن اللَّبُون: ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة، والأنثى ابنة لَبُون، لأن أمه وضعت غيره فصار لها لبن. وهو نكرة ويعرف بالألف واللام، وجمع الذكور كالإناث بنات اللَبُون. [ينظر: الصحاح ٦/ ٢١٩٢، التنبيهات المستنبطة ٢/ ٤٠٠، المصباح المنير ٢/ ٥٤٨].
(٢) بنت المَخاض: هي التي كملت لها سنة فحملت أمُها، لأن الإبل سنة تحمل وسنة تربي، فأمه حامل قد مخض بطنها بالجنين، أو في حكم الحامل إن لم تحمل. [ينظر: التنبيهات المستنبطة ٢/ ٤٠٠].
(٣) الحِقُّ بالكسر: ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين وقد دخل في الرابعة، والجمع حِقاق، والأنثى حِقَّة وحِقّ، وجمعها حِقَق مثل: سِدْرَة وسِدَر، لأنهما استحقا أن يحمل عليهما واستحقا أن يطرق الذكر منهما الأنثى، واستحقت الأنثى أن تُطرق وتحمل. [ينظر: الصحاح ٤/ ١٤٦٠، التنبيهات المستنبطة ٢/ ٤٠٠، المصباح المنير ١/ ١٤٤].
(٤) الجَذَع قبل الثَّنِيِّ، والجمع جُذْعان وجِذاع، والأنثى جَذَعَة، والجمع جَذَعات. تقول منه لولد الشاة في السنة الثانية ولولد البقر والحافر في السنة الثالثة، وللإبل في السنة الخامسة: أَجْذَعُ. فإذا أكملت الإبل الرابعة ودخلت في الخامسة فهو جَذَع، والأنثى جَذَعَة. [ينظر: الصحاح ٣/ ١١٩٤، التنبيهات المستنبطة ٢/ ٤٠٠].
(٥) تقدم تخريجه من حديث ثمامة بن عبد الله، عن أنس.
[ ٤٧٠ ]
وقد بيَّن المحل الذي يؤخذ منه البعير وأخذتم من غيره، وما قبل خمس وعشرين، قال ﵇: «في كل خمس ذود شاة» (^١). وساق الغنم إلى الخمس وعشرين، فعدلتم عن الشاة في محلها إلى البعير قبل محله.
وأمَّا قولهم: إن الأصل في الزكاة وجوبها من الجنس.
قلنا: هذه دعوى لا دليل عليها؛ لأن الأصل ما أصَّله الشرع، فإذا أوجب الغنم ابتداء في الإبل لم يجز أن نقول: الأصل في الإبل الإبل؛ بل الأصل في كل محلّ ما شرعه، ووضعه من الجنس الذي أوجبه، على أن إيجابه لشاةٍ عن أربعين من الغنم لطفٌ، ورفقٌ - على زعمك - لقلّة المال، فإذا زادت/ على المئتين صار في كل مئة شاة، كثر المال، فقلَّ الواجب للفقراء، فما هذا على نمط، ولا يتضح منه ما ذكرت من التعليل، ولا يستمر، ولو تكلّف ربّ المال إخراج بقرة، أو بدنة، وجعل ذلك بدلًا من الشاة عن الأربعين سماحةً للفقراء بالجنس الأعلى عن الأدنى لم يقبل منه، ولم يجزئه عندنا (^٢)، وعند الشافعي لا بطريق التقويم ولا غيره (^٣)، وعلى قول أبي حنيفة لا يجوز بغير طريق التقويم (^٤).
على أنه لو كان لما ذكرتم لكان يوجب التفضيل، وإن لم يكن درّ، ولا نتاج لما يفضي إليه، وينتفي في ثاني الحال كما أوجب بنت مَخَاض وإن لم يكن على صفة النماء، لكن لمَّا كانت من الجنس مارَّة إلى النماء أجزأت، ولا تصلح للحمل على ظهرها، ولا العمل عليها، فلمَّا عدل إلى الغنم علم أنه لا لما ذكرتم.
على أن الحج أفعالٌ، وجُعِل [جزاؤه] (^٥) أموالًا، والصلاة
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ينظر: الجامع الصغير ص ٧٢، الشرح الكبير لابن قدامة ٢/ ٤٧٥ وعبارته: «لم يجزئه، كما لو أخرج البعير عن أربعين شاة».
(٣) ينظر: الحاوي الكبير ٣/ ٨٤، ٨٥، المجموع ٥/ ٣٦٢.
(٤) ينظر: المبسوط ٢/ ١٩١، بدائع الصنائع ٢/ ٢٨.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (جزائه)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
[ ٤٧١ ]
جعل جزائها أفعالًا، ووقفنا على ذلك الجبران لأجل النص لا غير، حتى لو صام شهرًا مع وجود الدم لم يجزئه، وأدخل الدراهم والغنم جبرانًا للسن في الزكاة، ولم يُجوِّز الشافعي العدول إليهما أصلًا في الإخراج، ولا قيمة (^١).
واحتج بعضهم: بأن النصّ على السن الأدنى لم يمنع الانتقال إلى الأعلى، فإنه لمَّا نصّ على بنت مَخَاض في خمس وعشرين لم يمنع ذلك قبول بنت لَبُون عنها، والحِقَّة عن بنت لَبُون أجزأ السن الأعلى مع ترك النص على الأدنى.
والجواب:
أن السن وصفٌ، فهو كالسمن والهزال في الغنم، وهذا عدولٌ إلى غير الجنس، فهو كالعدول عن الشاة الواجبة في أربعين من الغنم إلى البقر، أو الناقة، وكذلك في باب الصلاة السيء، كتطويل القراءة، والركوع، والسجود، والعدول إلى البعير عن الشاة، كإقامة السجود مقام الركوع، فبطل ما قالوه.
قال أصحاب الشافعي: قولنا بجواز أخذ البعير عن الخمس من الإبل لا يناقض/ أصلنا من أنه لا يجوز إخراج القيمة في الزكاة، فأما ما أجزنا أخذه هاهنا بطريق القيمة لا بطريق القياس، وإنما جاز أخذه بدليل النص؛ لأنه إذا جاز عن أضعاف الخمس فعن الخمس أولى (^٢).
قلنا: هذا باطلٌ بما لو أخرج ست حِقاق عن إحدى وستين مكان جَذَعَة، فإنه لا يجوز، وهذا نظير مسألتنا؛ لأن ست حِقاق واجب خمسة أمثال إحدى وستين، وهو ثلاث مئة وخمسة مثل البعير في مسألة الخلاف، وبما تقدم.
_________________
(١) ينظر نفس المراجع السابقة.
(٢) ينظر: المجموع ٥/ ٣٩٥.
[ ٤٧٢ ]
وقد قال بعضهم: إن الواجب في خمس من الإبل خُمس بعير؛ فلأن يجوز ببعيرٍ كاملٍ أولى.
قلنا: ليس كما زعمتم، بل الواجب في خمسٍ من الإبل شاة، وإنما يجب البعير عند بلوغه خمسًا وعشرين، فقبل بلوغه هذا القدر لا يقدر فيه إيجاب شيء من الإبل، كما أن الشاة تجب عند بلوغ الغنم أربعين، فقبل بلوغه هذا القدر لا يقدر فيه إيجاب شيء من الشاة، يبينه أنه كيف يقدر إيجاب خُمس من البعير في خمس من الإبل وقد وجبت الشاة فيها، فثبتَ ما قلنا، وأنه إنما امتنع إخراج القيم؛ لأنه عدولٌ عن المنصوص عليه، وهذا في مسألتنا موجود، ولا فرق، والله أعلم.
[ ٤٧٣ ]