ما يخرج من البحر من اللؤلؤ (^١)، والمَرْجَان (^٢)، والزَّبَرْجَد (^٣)، والعَنْبَر (^٤)، والسمك، والمسك (^٥)، وغير ذلك ففيه الزكاة (^٦)، هذا مذهبنا في إحدى الروايتين (^٧)، وبه قال عمر بن عبد العزيز (^٨)، وكذلك قال الحسن (^٩).
وقال الزهري: في العَنْبَر واللؤلؤ يخرج من البحر الخُمُس (^١٠).
_________________
(١) اللؤلؤة: الدرة، والجمع: اللؤلؤ، واللآلئ، وقيل: اللؤلؤ هو كبار الدر، وقيل: اسم جامع لجنسه، سمي لتلألؤه وهو إشراق لونه ونوره. [ينظر: الصحاح ١/ ٧٠، مشارق الأنوار ١/ ٣٥٣].
(٢) المرجان: اللؤلؤ الصغار. [ينظر: الصحاح ١/ ٣٤١، المحكم والمحيط الأعظم ٧/ ٤٢٣].
(٣) الزبرجد: حجر كريم يشبه الزمرد، وهو ذو ألوان كثيرة. [ينظر: المعجم الوسيط ١/ ٣٨٨].
(٤) العنبر: ضرب من الطيب، والعنبر: الترس، وإنما قيل للترس عنبر؛ لأنه يتخذ من جلد سمكة بحرية يقال لها العنبر، والعنبر: مادة صلبة لا طعم لها ولا ريح إلا إذا سحقت أو أحرقت فتنبعث منها رائحة زكية، يقال: إنه روث دابة بحرية وحيوان ثديي بحري من الفصيلة القبطية ورتبة الحيتان. [ينظر: تهذيب اللغة ٣/ ٢٣٣، الصحاح ٢/ ٧٥٩، المحكم والمحيط الأعظم ٢/ ٤٦٨].
(٥) في هذا المكان بالأصل تكرار لكلمة: (والمسك).
(٦) ينظر: الهداية ١/ ٧٤، الإنصاف ٣/ ١٢٢.
(٧) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٢٤٢، الجامع الصغير ص ٨١.
(٨) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الزكاة، باب العنبر ٤/ ٦٤، ح ٦٩٧٥، وابن سعد ٥/ ٣٥٣، وابن أبي شيبة، كتاب الزكاة، باب من قال: ليس في العنبر زكاة ٢/ ٣٧٤، ح ١٠٠٦٢ من طريق ليث بن أبي سليم، أن عمر بن عبد العزيز خمس العنبر.
(٩) أخرجه أبو عبيد في الأموال، كتاب الخمس، باب الخمس فيما يخرج البحر من العنبر والجوهر، والسمك ص ٤٣٣، ح ٨٨٧، وابن أبي شيبة، كتاب الزكاة، باب من قال: ليس في العنبر زكاة ٢/ ٣٧٤، ح ١٠٠٦٣ من طريق أشعث، عن الحسن، قال: كان يقول: في العنبر الخمس، وكذلك كان يقول: في اللؤلؤ.
(١٠) أخرجه أبو عبيد في الأموال، كتاب الخمس، باب الخمس فيما يخرج البحر من العنبر والجوهر، والسمك ص ٤٣٣، ح ٨٨٨ من طريق الليث، عن الزهري، أنه سئل عن اللؤلؤ يخرج من البحر والعنبر، فقال: يخرج منه الخمس. وأخرج ابن زنجويه في الأموال، كتاب الخمس، باب الخمس مما يخرج البحر من العنبر والجوهر والمسك ٢/ ٧٥٢، ح ١٢٩٥ من طريق يونس، عن الزهري، في الركاز والمعدن واللؤلؤ يخرج من البحر قال: يخرج من ذلك كلّه الخمس.
[ ٥٠٠ ]
وكذلك قال أبو يوسف، وإسحاق في العَنْبَر، حكى ذلك ابن المنذر (^١).
وفيه روايةٌ أخرى: لا شيء في ذلك (^٢)، وبها قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي (^٣).
الأوّلة:
أن هذا البحر مسلك ومقر، كما أن البر مسلك ومقر، والخارج من قعره ودسره (^٤) مرغوبٌ فيه/ من أنفس المرغوبات، وهو فائدة معجلة دفعة واحدة، فوجب فيه حقٌّ كالمعدن والركاز المدفون، وكالزرع والثمر، يوضح هذا أن فيه من المعنى ما في هذه الأصول الثلاثة، فلا وجه لإخلاء فوائده من حقٍّ يجب فيها، يدل عليه أن البحر من حيز دار الإسلام، وهو في حكم البرِّ بدليل أن من أسر حربيًا في البحر كان فيئًا لجماعة المسلمين، كما لو أسره في غير البحر.
فإن قيل: لا يجوز اعتبار البحر بالبر في إيجاب ما يستفاد منه، بدليل أن حيوانه لا يجب فيه شيء بخلاف البر، وكذلك النبات.
قلنا: لا نسلم بل حيوانه إذا بلغ قيمته نصابًا وجب فيه الحق، وفي نباته وهو المَرْجَان، وإنما لم يجب في عين حيوانه؛ لأنه لا يسام، فانعدم الشرط، ولا ينمى غالبًا، وإنما هو فائدة متعجلة، فحيوانه كعقاقيره.
_________________
(١) ينظر: الإشراف ٣/ ٤٦.
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٢٤٢، الجامع الصغير ص ٨١.
(٣) ينظر للحنفية: الأصل ٢/ ١١٥، بدائع الصنائع ٢/ ٦٨. وللمالكية: الإشراف ١/ ١٨٥، الشرح الكبير ١/ ٤٩٢. وللشافعية: الأم ٢/ ٤٢، المجموع ٦/ ٦.
(٤) الدَّسْر: الطعن والدفع الشديد، دَسَرَه البحر، يدسِره، ويدسُره، دَسْرًا: دفعه فألقاه إلى الشط. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٦٢٨، تهذيب اللغة ١٢/ ٢٤٨].
[ ٥٠١ ]
احتجوا:
بما روي عن ابن عباس أنه قال: ليس في العنبر زكاة، وإنما هو شيءٌ دسره البحر (^١).
وعن جابر أنه قال: العنبر ليس بركاز، هو لمن يجده (^٢).
والفقه فيه: أنه موضعٌ غير مظهور عليه؛ لأنه لا يصح ثبوت اليد عليه، فهو كمن وجد معدنًا في دار الحرب لما لم يكن بحيث تثبت اليد عليه، ولا يمكن الظهور عليه هناك لم يجب فيه شيءٌ، كذلك البحر ممتنعٌ بنفسه كامتناع دار الحرب بأهلها.
ولأن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية، أو المرصدة للنماء، كالماشية والأثمان، وليست هذا الجواهر لا معدة للنماء، ولا نامية بنفسها.
ولأن اللؤلؤ من الصدف، والصدف من حيوان البحر، واتفقوا أنه ليس في حيوان البحر شيء، والعَنْبَر روث دابة من دوابّه، وكذلك نباته لا يجب فيه شيءٌ، فكذلك معادنه ونَيْله.
الجواب:
أنه يعارضه ما روى ابن عباس:/ أن عمر بن الخطاب استعمل
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الزكاة، باب العنبر ٤/ ٦٥، ح ٦٩٧٧، وابن أبي شيبة، كتاب الزكاة، باب من قال: ليس في العنبر زكاة ٢/ ٣٧٤، ح ١٠٠٥٩ من طريق عمرو بن دينار، عن ابن أذينة، عن ابن عباس.
(٢) أخرجه ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد ١٦/ ٧٣ من طريق سلام الطويل، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن أبي الزبير، عن جابر، بهذا اللفظ، مرفوعًا، وأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الزكاة، باب من قال: ليس في العنبر زكاة ٢/ ٣٧٤، ح ١٠٠٦٠ عن وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: ليس في العنبر زكاة، إنما هو غنيمة لمن أخذه. وأخرجه أبو عبيد في الأموال، كتاب الخمس، باب الخمس فيما يخرج البحر من العنبر والجوهر، والسمك ص ٤٣٣، ح ٨٨٤ عن مروان بن معاوية، عن إبراهيم المدني، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: ليس العنبر بغنيمة، وهو لمن أخذه.
[ ٥٠٢ ]
يعلى بن [منية] (^١) (^٢) على اليمن، فكتب إليه ليسأله عن عَنْبَرة وجدت على ساحل البحر، فكتب إليه أنها سائبة من سيب الله - تعالى ـ، فيها وفي كل ما يخرج من حلية البحر الخُمُس، قال ابن عباس: وهكذا رأيي (^٣). فوقف ما استدللت به، ونقابل قول ابن عباس الذي رويته بهذا، وبقول عمر ﵃.
أما قولهم: إنه موضعٌ غير مظهور عليه.
قلنا: البحر إذا كان من حيز دار الإسلام كان مظهورًا عليه، وإذا كان من حيز دار الحرب كان حكمه حكم دار الحرب، فلا فرق عندنا بينه وبين البر، وكذلك لو أسر مسلمٌ حربيًّا في البحر كان فيئًا لجماعة المسلمين، كما لو أسره من البر.
ولا نُسلّم المعدن المظهور عليه في ذات الحرب، بل فيه الحق، قال الإمام أحمد في رواية الميموني (^٤) وقد سئل عن الركاز في بلاد الروم:
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (منبه)، وما أثبته هو الصحيح نقلًا من مصدر التخريج.
(٢) يعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث، التميمي، الحنظلي، حليف قريش، وهو الذي يقال له يعلى بن منية، أسلم يوم الفتح، وشهد حنينًا، والطائف، وتبوك، وقيل: كان عامل عمر على نجران، وقيل: استعمله أبو بكر على حلوان في الردة، ثم عمل لعمر على بعض اليمن، فحمى لنفسه حمى فعزله، ثم عمل لعثمان على صنعاء اليمن، وحج سنة قتل عثمان، فخرج مع عائشة في وقعة الجمل، ثم شهد صفين مع عليّ ﵃، وكان مشهورًا بالكرم. مات سنة ٤٧ هـ، وقيل قتل بصفين مع علي سنة ٣٨ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٥٨٥، أسد الغابة ٤/ ٧٤٧، الإصابة ٦/ ٥٣٨].
(٣) أخرجه أبو يوسف في الخراج، باب في قسمة الغنائم إذا أصيبت من العدو، فصل فيما يخرج من البحر ص ٨٢ من طريق الحسن بن عمارة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس.
(٤) عبد الملك بن عبد الحميد بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران، أبو الحسن، الميموني، الرقي، صاحب أحمد، كان من أجل الفقهاء، وكبار المحدثين، وكان شيخ بلده ومفتيه، كان أحمد يكرمه ويفعل معه ما لا يفعله مع غيره، وكان يسأله عن أخباره ومعاشه، ويحثه على إصلاح معيشته ويعتني به عناية شديدة، وله مسائل عن أحمد. مات سنة ٢٧٤ هـ. [ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٢١٢، تاريخ الإسلام ٦/ ٥٧١].
[ ٥٠٣ ]
لا يناله إلا في جماعةٍ هو فيء، وإذا كان شيئًا يقدر عليه وحده بقرب المدينة فهو بمنزلة ما هو في يده، يعني: فيه الخُمُس (^١).
أما قولهم: إن الزكاة إنما تجب في المال المرصد للنماء، أو النامي.
قلنا: إنما يعتبر هذا في المال المعدّ، فأما ما كان فائدة في نفسه، ونماء في وقته وحاله، فلا يعتبر فيه هذا، بدليل المعدن؛ فإن المنطبع منها عند أبي حنيفة (^٢)، وما لا ينطبع - أيضًا - عند الشافعي يجب الحق فيه، وإن لم يكن ناميًا ولا [مرصدًا] (^٣) للنماء (^٤)، وهذا إنما يعتبر فيه ذلك؛ لأنه ينمى في نفسه، فهو كالزرع.
وأما قولهم: إن حيوان البحر لا يجب فيه شيءٌ.
لا نسلم؛ بل نحن نوجب في سموكه إذا بلغت قيمتها نصابًا، نص عليه الإمام (^٥)، والمَرْجَان نبات البحر.
وقولهم: العَنْبَر روث دابةٍ.
دعوى لا وجه لها، ولا علم لأحدٍ ما هو، وإنما هو شيءٌ يقذفه البحر، ويدسره إلى الساحل.
_________________
(١) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٢٤٥، الإنصاف ٣/ ١٢٤.
(٢) تجب الزكاة في كل ما ينطبع من المعادن، والمعدن المنطبع: هو معدن صلب يذوب بالإذابة، وينطبع بالحلية، فيصنع منه الشيء، كما تضرب الدراهم من الفضة والذهب، وذلك مثل الذهب والفضة والرصاص والحديد والنحاس. أما ما لا يقبل الإذابة كالياقوت، وكذا المعدن المائع كالنفط والقار فلا زكاة فيها. [ينظر: مختصر الطحاوي ص ٤٩، بدائع الصنائع ٢/ ٦٧].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (مرصد)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٤) الذي وقفت عليه أنّ الشافعيّة لا يوجبون الزكاة فيما يخرج من المعدن إلا في الذهب والفضّة، أما الحنابلة فيوجبون الزكاة فيما يخرج من المعدن مطلقًا سواء كان ذهبًا أو فضّة أم غيرهما كالياقوت والزبرجد إذا بلغت قيمته نصابًا. [ينظر: مختصر المزني ص ٥٣، حلية العلماء ٣/ ١١٢، الهداية ١/ ٧٤، المستوعب ٣/ ٢٧٣].
(٥) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٢٤٢، الجامع الصغير ص ٨١.
[ ٥٠٤ ]
وبحدس (^١) قومٍ: أنه روث/ دابةٍ؛ لما يجدون في تقطع ريحه ريح السَّرجين (^٢)، ويرون فيه تجعيدًا كتجعيد أخثاء (^٣) بقر، على أنه قد يجب في دواب البر مثل ذلك، فإن العسل قذف دماء، والمسك خارجٌ من حيوان، ويجب فيه.
وقيل: إنه ينفصل من غزالٍ كانفصال الإِنفَحة (^٤)، والله أعلم.
_________________
(١) الحَدْسُ: الظن والتخمين والتوهم في معاني الكلام والأمور. [ينظر: القاموس المحيط ١/ ٦٩٢].
(٢) السَّرجين، ويقال: سرقين، وهو ما يخرجه ذوات الحافر، وتدمل به الأرض. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٧/ ٥٨٣، النظم المستعذب ١/ ١٤].
(٣) خثى البقر، والفيل، خثيًا: رمى بذي بطنه، والاسم: الخِثي بكسر الخاء، وهو: الروث، والجمع: أخثاء، مثل حلس وأحلاس. [ينظر: الصحاح ٦/ ٢٣٢٥، المحكم والمحيط الأعظم ٥/ ٢٥٣].
(٤) الإنفحة: كرش الحَمَل، أو الجدي ما لم يأكل، فإذا أكل فهو كرش، وإنفَحَةُ الجدي، وإنفِحَتُه، وإنفَحَّتُه، ومِنفَحَتُه: شيء يخرج من بطنه أصفر يعصر في صوفه مبتلة في اللّبن فيغلظ كالجبن. [ينظر: الصحاح ١/ ٤١٣، المحكم والمحيط الأعظم ٣/ ٣٨٤].
[ ٥٠٥ ]