إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر في ليلة الثلاثين من شعبان وجب صيام الغد من رمضان، هذا هو الصحيح من المذهب (^١).
واختاره مشايخنا؛ أبو بكر الخلال (^٢)، وعبد العزيز (^٣)، والخِرَقي (^٤)، وابن حامد، وأبو علي الشريف (^٥)، والقاضي (^٦).
وهو مذهب عمر، وابن عمر، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي هريرة، وعائشة، وأسماء ابنة أبي بكر (^٧)، وذكر في «زاد المسافر» (^٨):
_________________
(١) ينظر: الهداية ١/ ٨١، الروايتين والوجهين ١/ ٢٥٧، الإنصاف ٣/ ٢٦٩، وقال: «وهو المذهب عند الأصحاب، ونصروه، وصنفوا فيه التصانيف، وردوا حجج المخالف، وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه، وهو من مفردات المذهب».
(٢) ينظر: المجموع ٦/ ٤٠٨ ونص عبارته: «قال ابن الفراء: وعلى الرواية الأولى [يعني وجوب صيامه من رمضان] عوّل شيوخنا؛ أبو القاسم الخرقي، وأبو بكر الخلال، وأبو بكر عبد العزيز».
(٣) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٣١٧.
(٤) ينظر: متن الخرقي ص ٤٩.
(٥) ينظر: الإرشاد ١/ ١٣٥.
(٦) ينظر: الخلاف الصغير ص ٨٨.
(٧) أسماء بنت أبي بكر الصديق، القرشية، التيمية، أم عبد الله بن الزبير، أسلمت قديمًا بمكة، وتزوجها الزبير بن العوام، وهاجرت وهي حامل منه بولده عبد الله، فوضعته بقباء، وعاشت إلى أن ولي الخلافة، ثم إلى أن قتل، وماتت بعده بقليل، وكانت تلقب ذات النطاقين. ماتت سنة ٧٣ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٧٨١، أسد الغابة ٦/ ٩، الإصابة ٨/ ١٢].
(٨) كتاب: (زاد المسافر)، لأبي بكر عبد العزيز، المعروف بـ (غلام الخلال)، وهو اختصار لكتابه الكبير: (الشافي)، وذكر أنه قد اختصره من علم أبي عبد الله أحمد بن حنبل، ليكون تخفيفًا على المتعلم، ودراسة للمميّز. [ينظر: زاد المسافر ١/ ١٢٠، ٢/ ٥، طبقات الحنابلة ٢/ ١٢٠].
[ ٥٣٥ ]
أنه مذهب علي (^١).
ومن التابعين: بكر بن عبد الله (^٢) (^٣)، وابن أبي مريم (^٤) (^٥)، وأبي عثمان النهدي (^٦) (^٧)، ومطرف (^٨) (^٩)، وميمون بن مهران (^١٠) (^١١)،
_________________
(١) تنظر مذاهب الصحابة في المغني ٣/ ١٠٨، عدا علي ﵁، ولم أجد في زاد المسافر المطبوع نسبة ذلك لعليّ ﵁.
(٢) بكر بن عبد الله بن عمرو المزني، أبو عبد الله، البصري، أحد الأعلام، كان ثقة ثبتًا كثير الحديث حجة فقيها. مات سنة ١٠٨ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ١٨].
(٣) ينظر: المغني ٣/ ١٠٨.
(٤) سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم، الجمحي بالولاء، أبو محمد، المصري، ثقة ثبت، فقيه. مات سنة ٢٢٤ هـ. [ينظر: التقريب ص ٢٣٤].
(٥) ينظر: المغني ٣/ ١٠٨.
(٦) عبد الرحمن بن مل، أبو عثمان، النهدي، البصري، أدرك الجاهلية، وحج فيها مرتين، ثم أسلم في عهد النبي ﷺ، وأدى الصدقة إلى عماله، وصحب سلمان الفارسي ثنتي عشرة سنة، وكان كبير الشأن، صوامًا قوامًا، هاجر إلى المدينة في أول خلافة عمر، وشهد اليرموك، وروي أنه سكن الكوفة، فلما قتل الحسين تحول إلى البصرة. مات سنة ١٠٠ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٢/ ١٢٠٦].
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصيام، باب ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه يصام؟ ٢/ ٣٢٤، ح ٩٥٠٨ من طريق عاصم الأحول، عن أبي عثمان، أنه كان يصوم يوم الذي يشك فيه من رمضان.
(٨) مطرف بن عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب، أبو عبد الله، الحرشي، العامري، البصري، أحد الأعلام، ثقة له فضل، وورع، وعقل، وأدب، قال سليمان بن حرب: كان مجاب الدعوة. مات سنة ٩٥ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: تاريخ الإسلام ٢/ ١١٧٢].
(٩) ينظر: المغني ٣/ ١٠٨.
(١٠) ميمون بن مهران، الجزري، الفقيه، أبو أيوب، عالم الجزيرة، وسيدها، أعتقته امرأة من بني نصر بن معاوية بالكوفة، فنشأ بها، ثم سكن الرقة. مات سنة ١١٧ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٣٢٧].
(١١) ينظر: المغني ٣/ ١٠٨.
[ ٥٣٦ ]
وطاوس (^١)، ومجاهد (^٢).
خلافًا لأبي حنيفة، ومالك، والشافعي في قولهم: لا يجب صومه من رمضان، ويجوز فطره (^٣).
لنا:
ما روى الإمام أحمد بإسناده عن نافع (^٤)، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له»، قال نافع: فكان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يبعث من ينظر له الهلال، فإن رأى فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب، ولا قتر أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب، أو قتر أصبح صائمًا (^٥). وهذا حديثٌ صحيحٌ، رواه البخاري، ومسلم في «صحيحيهما» (^٦).
فمن الخبر أربعة/ أدلة:
أحدها من جهة التفسير، وثلاثة من جهة الاستنباط.
_________________
(١) ينظر: المغني ٣/ ١٠٨.
(٢) ينظر: المغني ٣/ ١٠٨.
(٣) ينظر للحنفيّة: بدائع الصنائع ٢/ ٧٨، البناية ٢/ ٣١٤. وللمالكيّة: الإشراف ١/ ١٩٥، الشرح الكبير ١/ ٥٠٩. الشافعيّة: حلية العلماء ٣/ ١٧٨، المجموع ٦/ ٤٠٣.
(٤) الإمام، المفتي، الثبت، عالم المدينة، أبو عبد الله نافع القرشي، ثم العدوي، العمري، مولى ابن عمر، وراويته، أحد الأئمة الكبار بالمدينة. مات سنة ١١٧ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٣٢٨، سير أعلام النبلاء ٥/ ٩٥].
(٥) أخرجه أحمد ٨/ ٧١، ح ٤٤٨٨ عن إسماعيل، وأخرجه مسلم، كتاب الصيام ٢/ ٧٥٩، ح ١٠٨٠/ ٦ عن أبي خيثمة زهير بن حرب، عن إسماعيل، ولم يقل: فكان ابن عمر .. إلخ، وأخرجه أبو داود، كتاب الصوم، باب الشهر يكون تسعًا وعشرين ٢/ ٢٩٧، ح ٢٣٢٠ من طريق حماد بن زبد، عن أيوب، بلفظ: «فاقدروا له ثلاثين».
(٦) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ «إذا رأيتم الهلال فصوموا» ٢/ ٦٧٤، ح ١٨٠٨، ومسلم، كتاب الصوم، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال ٢/ ٧٥٩، ح ١٠٨٠.
[ ٥٣٧ ]
أما من جهة التفسير: فهو أن ابن عمر راوي الخبر كان في الغيم يصبح صائمًا، وهو أعلم بمعاني كلام النبي - صلَّى الله عليه ـ، فوجب الرجوع إليه كما رجعنا نحن (^١)، وأصحاب الشافعي (^٢) إلى قوله في خبر «المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا» (^٣)، وأنه كان يمشي ليلزم البيع، كذلك هاهنا.
وأما من جهة الاستنباط: وذلك أن قوله: «فاقدروا له» معناه: ضيقوا عدة شعبان، كما قال - تعالى ـ: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (^٤)، معناه: ضيق، وقوله - تعالى ـ: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (^٥)، قال النقاش: فظن أن الله لا يضيق عليه في ذلك (^٦)، كقوله - تعالى ـ: ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (^٧)، أي: ضيق عليه، وإذا كان معناه تضييق عدد شعبان بصوم رمضان، وجب الصيام في يوم الثلاثين؛ لأن أضيق عدد الشهر تسعة وعشرون.
وقد ذكر أبو موسى النحوي المعروف بالحامض (^٨) في كتابه (^٩)، رواية ابن السوسنجردي (^١٠)، قال: قلت لأبي العباس (^١١): أليس قدر:
_________________
(١) ينظر: شرح الزركشي ٢/ ٥٥٤، الإنصاف ٤/ ٣٧١، المغني ٣/ ١٠٩.
(٢) ينظر: المجموع ٩/ ١٧٥، أسنى المطالب ٢/ ٤٨.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا ٣/ ٥٨، ح ٢٠٧٩، ومسلم، كتاب البيوع ٣/ ١١٦٤، ح ١٥٣٢ من حديث حكيم بن حزام.
(٤) الطّلَاق: ٧.
(٥) الأنبيَاء: ٨٧.
(٦) ينظر: زاد المسير لابن الجوزي ٥/ ٣٨٣.
(٧) الطّلَاق: ٧.
(٨) سليمان بن محمد بن أحمد، أبو موسى، النحوي، المعروف بالحامض، كان إمامًا في نحو الكوفيين، أخذ عن أبي العباس ثعلب، وهو المقدم من أصحابه، ومن خلفه بعد موته، وجلس مجلسه، وكان أوحد الناس في البيان والمعرفة بالعربية واللغة والشعر، وكان قد أخذ عن البصريين أيضًا، وخلط النحوين، صنف غريب الحديث، وخلق الإنسان، والوحوش، والنبات. مات سنة ٣٠٥ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ١٠/ ٨٥، وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٦، تاريخ الإسلام ٧/ ٨٨].
(٩) لأبي موسى عدّة كتب، ولعل المصنِّف يريد كتاب: (غريب الحديث).
(١٠) لم أقف عليه.
(١١) أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار، أبو العباس، الشيباني مولاهم، النحوي، المعروف بـ (ثعلب)، شيخ العربية ببغداد، وإمام الكوفيين في النحو، ولد سنة ٢٠٠ هـ، وكان ثقة حجة، ديّنًا صالحًا، مشهورًا بالحفظ وصدق اللهجة، والمعرفة بالغريب، ورواية الشعر القديم، مقدمًا عند الشيوخ من صغره، صنف الفصيح، والمصون، واختلاف النحويين، ومعاني القرآن، وما يلحن فيه العامة، والقراءات، ومعاني الشعر، والتصغير، وإعراب القرآن، وغيرها. مات سنة ٢٩١ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٦/ ٤٤٨، وفيات الأعيان ١/ ١٠٢، تاريخ الإسلام ٦/ ٩٠٠].
[ ٥٣٨ ]
ضيق، وقدر: أصلح؟ كقوله: ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (^١)، ضيقه ونقصه، وكقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (^٢)، نضيِّق عليه ونعاقبه، وكقوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ (^٣)، أصلح في كل بلدة قوتها وصنعة أهلها؟ قال: بلى (^٤).
فإن قالوا: على هذا قوله: «فاقدروا له» بالتخفيف بمثابة قوله: قدِّروا، بالتشديد؛ لأن قدرت الشيء بالتخفيف، وقدّرت بالتشديد معنى واحد عند أهل اللغة، ومنه قوله - تعالى ـ: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ *﴾ (^٥)، معناه: قدّرنا فنعم المقدرون.
وقد ذكره ابن قتيبة في «غريب القرآن» (^٦): ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ *﴾ (^٧) /، يعني: قدَّرنا، مشددة (^٨).
_________________
(١) الطّلَاق: ٧.
(٢) الأنبيَاء: ٨٧.
(٣) فُصّلَت: ١٠.
(٤) لم أقف على الكتاب.
(٥) المُرسَلات: ٢٣.
(٦) كتاب: (غريب القرآن)، لابن قتيبة الدينوري، وهو كالتتمة لكتاب تأويل مشكل القرآن، ابتدأ فيه بذكر الأسماء الحسنى، ثم الألفاظ التي تكرر ذكرها في القرآن، ثم شرع في بيان الغريب، قال: وغرضنا الذي امتثلناه في كتابنا هذا: أن نختصر ونكمل، وأن نوضّح ونجمل، وأن لا نستشهد على اللفظ المبتذل، ولا نكثر الدّلالة على الحرف المستعمل، وأن لا نحشو كتابنا بالنحو وبالحديث والأسانيد، ثم قال: وهو مستنبط من كتب المفسرين، وكتب أصحاب اللغة العالمين، لم نخرج فيه عن مذاهبهم، ولا تكلّفنا في شيء منه بآرائنا غير معانيهم، بعد اختيارنا في الحرف أولى الأقاويل في اللغة، وأشبهها بقصة الآية. [ينظر: غريب القرآن ص ٣].
(٧) المُرسَلات: ٢٣.
(٨) ينظر: غريب القرآن ١/ ٥٠٦.
[ ٥٣٩ ]
يقال: قدرت الشيء في معنى قدَّرت بالتشديد. وإذا كان كذلك صار معناه: قدَّروا لشعبان ثلاثين يومًا، ثم صوموا الحادي والثلاثين.
قلنا: ليس في ذلك ما يدل على أنه يجب تقدير شعبان بثلاثين؛ إذ ليس تقديره بالثلاثين بأولى من تقدره بتسعة وعشرين؛ لأن كل واحدٍ من الشهرين يكون قدرًا للشهر، يبين صحة هذا ما روى إسحاق بن سعيد (^١)، عن أبيه (^٢): قيل لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين، رئي هذا الشهر لتسع وعشرين، قالت: ما يعجبكم من ذلك، لما صمنا مع رسول الله - صلَّى الله عليه - تسعة وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين (^٣).
وقد ذكر أبو بكر النقاش في قوله - تعالى ـ: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (^٤)، قُتّر وضُيّق عليه زرقه، قال: وقدّر بالتشديد، كأنه للمبالغة في القلة (^٥)، وعلى أنا قد بينا في غير موضعٍ من كتاب الله - تعالى - أن المراد بالقدر: التضييق، فلا يصح ادعاء الإجماع من طريق اللغة على الثلاثين.
_________________
(١) إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، الأموي، السعيدي، الكوفي، ثقة. مات سنة ١٧٠ هـ. [ينظر: التقريب ص ١٠١].
(٢) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، الأموي، المدني، نزيل الكوفة، كان مع أبيه إذ غلب على دمشق وذبحه عبد الملك، ثم سار وهو كبير مع أهله إلى المدينة، وطال عمره حتى وفد على الوليد بن يزيد في خلافته، وكان ثقة نبيلًا من كبار الأشراف. [ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٤٢٢].
(٣) أخرجه الطيالسي ٣/ ١٣٤، ح ١٦٥٤، وأحمد ٤١/ ٦٤، ح ٢٤٥١٨، والطبراني في الأوسط ٥/ ٢٥٧، ح ٥٢٤٩، والدارقطني ٣/ ١٨٢، ح ٢٣٥١، والبيهقي ٤/ ٤١٩، ح ٨٢٠١ من طرق عن إسحاق بن سعيد. قال أبو حاتم: هذا خطأ؛ رواه شعبة، عن الأسود بن قيس، عن سعيد بن عمرو، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ. وقال الدارقطني: إسناده صحيح حسن. وقال البوصيري: سنده صحيح على شرط مسلم. وقال ابن حجر: إسناده جيد. [ينظر: علل ابن أبي حاتم ٣/ ٧١، إتحاف الخيرة ٣/ ٥٩، فتح الباري ٤/ ١٢٣].
(٤) الطّلَاق: ٧.
(٥) لم أقف عليه.
[ ٥٤٠ ]
وأما قوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ *﴾ (^١)، فقال أبو بكر النقاش: فقدرنا: فملكنا، فنعم المالكون، ومن شدد فقدَّرنا يقول: قدرنا خلقه على ما أردنا (^٢).
الثاني من الاستنباط: أن قوله: «اقدروا له» معناه: اقدروا زمانًا يطلع في مثله الهلال، وهذا الزمان يصح وجود الهلال فيه.
ومنه قول عائشة ﵂ في خبرها الطويل، تصف أخلاق رسول الله - صلَّى الله عليه ـ، وقربها منه، ومنزلتها من قلبه، في الخبر الذي رواه ابن قتيبة في كتاب «غريب الحديث» (^٣) عنها، قالت: كان رسول الله - صلَّى الله عليه - يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون بالدَرَق (^٤)، وذقني على كتف رسول الله - صلَّى الله عليه - لم يزله، فاقدروا للجارية الحديثة السن، المشتهية للنظر (^٥). ومعناه: اقدروا زمانًا تقف في/
_________________
(١) المُرسَلات: ٢٣.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) كتاب: (غريب الحديث)، لابن قتيبة الدينوري، جمع فيه بين كتابيه؛ إصلاح الغلط، الزوائد في غريب الحديث، افتتحه بتبيين الألفاظ الدائرة بين الناس في الفقه وأبوابه، ثم أتبع ذلك تفسير ما جاء في الحديث من ذكر القرآن وسوره وأحزابه، ثم ما جاء في الحديث والكتاب من ذكر الكافرين والظالمين والفاسقين والمنافقين والفاجرين والملحدين ومن أين أخذ كل اسم منها، ثم ما جاء في الحديث من ذكر أهل الأهواء الرافضة والمرجئة والقدرية والخوارج، ثم ابتدأ بتفسير غريب حديث النبي ﷺ وضمنه الأحاديث التي يدعى بها على حملة العلم حمل المتناقض، وتلاه بأحاديث صحابته رجلًا رجلًا، ثم بأحاديث التابعين ومن بعدهم، وختمه الكتاب بذكر أحاديث غير منسوبة سمع أصحاب اللغة يذكرونها لا يعرف أصحابها ولا طرقها. [ينظر: غريب الحديث ١/ ١٥١].
(٤) الدَرَقة: ترس من جلود ليس فيه خشب ولا عقب يتخذ من جلود دواب تكون في بلاد الحبش. والجمع: دَرَق، وأَدْراق، ودِراق. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٦٣٥، تهذيب اللغة ٩/ ٤٥، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٣١٠].
(٥) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب حسن المعاشرة مع الأهل ٧/ ٢٨، ح ٥١٩٠، ومسلم، كتاب صلاة العيدين ٢/ ٦٠٩، ح ٨٩٢/ ١٨ من طريق الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: قالت عائشة: والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم، في مسجد رسول الله ﷺ، يسترني بردائه، لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي، حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، حريصة على اللهو. وأخرج البخاري، أبواب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد ٢/ ١٦، ح ٩٤٩، ومسلم، كتاب صلاة العيدين ٢/ ٦٠٩، ح ٨٩٢/ ١٩ من طريق أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة، عن عروة، عن عائشة، قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، ودخل أبو بكر، فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: «دعهما»، فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد، يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبي ﷺ، وإما قال: «تشتهين تنظرين؟» فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: «دونكم يا بني أرفدة» حتى إذا مللت، قال: «حسبك؟» قلت: نعم، قال: «فاذهبي». وأخرج مسلم، كتاب صلاة العيدين ٢/ ٦٠٩، ح ٨٩٢/ ٢٠ من طريق هشام بن عروزة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبي ﷺ، فوضعت رأسي على منكبه، فجعلت أنظر إلى لعبهم، حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم.
[ ٥٤١ ]
مثله جارية حديثة السن، وتقدير زمان يطلع في مثله الهلال إنما هو تسع وعشرون، وما بعده تغير لا يحتاج إلى زمانٍ، يوضح هذا استفتاحه الحديث بقوله: «الشهر تسع وعشرون».
الثالث من الاستنباط: أنه قد قيل: معنى قوله: «فاقدروا له» معناه: فاعلموا من طريق الحكم أنه تحت الغيم، وهذا كقوله - تعالى ـ: ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (^١)، معناه: علمناها من الغابرين.
قال بعض أصحابنا المحققين: والحجة عندي من الحديث أنه بدأ فبيَّن عدة أيام الشهر، وأنها تسعة وعشرون، فهذا أصلٌ يعطي أن الزائد عليه زيادة على الأصل، فلما أصَّل هذا الأصل قال: «فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» (^٢)، فقد تم الشهر بعد التسع وعشرين، كما قالت عائشة ﵂:
_________________
(١) النَّمل: ٥٧.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الصيام ٢/ ٧٥٩، ح ١٠٨٠/ ٤ من حديث ابن عمر، أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان، فضرب بيديه فقال: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا - ثم عقد إبهامه في الثالثة - فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين».
[ ٥٤٢ ]
فرضت الصلاة ركعتين، فزيد في صلاة الحضر (^١). كذلك هاهنا إذا تأخر الهلال من غير عذرٍ، فصوموا إذا لم تروا الهلال؛ فإن التأخير مع عدم العذر أوجب الزيادة، وإن غمَّ عليكم لم يقل: فأفطروا، ولو كان الفطر هو الواجب لقال: فإن غم عليكم فأفطروا، لكنه قال: «فاقدروا» فليس «اقدروا» تصريحًا بصوموا، ولا تصريحًا بأفطروا، لكنه قال: فاقدروا أنه طلع حيث قد تم عدة ما يصلح لاطلاعه، أو يكون المراد به: فضيقوا له، فالتضييق له هو تضييق شعبان ليتسع صوم رمضان، هذا مثل قولنا: ضيقوا لفلان، يعني: على أنفسكم، فإذا ضيقتم على أنفسكم اتسع له المجلس.
قال: وليس من الواجب أن تلغوا هذه اللفظة، والمخالف إذا قال:/ أفطروا، فما عمل بقول النبي - صلَّى الله عليه ـ: «فاقدروا له»؛ لأنه ليس التقدير بمعنى الإفطار، وإذا صمنا نحن كنا عاملين بأحد معنيي اللفظة.
فإن قيل: قول النبي - صلَّى الله عليه ـ: «فاقدروا له» أي: قدروا العدد ثلاثين، وقد رواه مسلم في «صحيحه» عن ابن عمر عن النبي - صلَّى الله عليه ـ: «فإن غمّ عليكم فاقدروا له ثلاثين» (^٢)، ذكر ذلك الطبري في «سننه»، ورواه البخاري ومسلم بإسنادهما عن أبي هريرة عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم فعدوا ثلاثين» (^٣)، وفي لفظٍ آخر: «فعدوا شعبان ثلاثين»، تفرّد بإخراجه البخاري (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء؟ ١/ ٧٩، ح ٣٥٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ١/ ٤٧٨، ح ٦٨٥ من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين، في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الصيام ٢/ ٧٦٢، ح ١٠٨١/ ١٩ من طريق معاذ العنبري، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» ٣/ ٢٧، ح ١٩٠٩ عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، بلفظ: «فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين».
[ ٥٤٣ ]
قلنا: المشهور ما روينا، واتفق على روايته مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأصحاب ابن عمر؛ نافع، وسالم، وعبد الله بن دينار (^١)، كلهم روى عن ابن عمر مثل قولنا، ولم يذكروا الثلاثين، ثم فعلُ ابن عمر يدلّ عليه، ولا يظن به أن يروي عن النبي - صلَّى الله عليه - ما ذكرتم ويخالفه مع جلاله قدره وزهده، وتتبعه أفعال النبي - صلَّى الله عليه ـ، فدلَّ على أنه وهمٌ ممن روي عنه، وظن منه أن القدر تقدير العدد ثلاثين، مع كونه قد قيل: إن راوي اللفظ الذي ذكروه (^٢) عثمان بن مقسم البري (^٣)، وهو بصري ضعيف جدًّا.
على أن المراد به: أنه يقدر رمضان ثلاثين إذا غمّ، وقد روى أبو عيسى الترمذي في «صحيحه» (^٤) بإسناده عن أبي هريرة: «صوموا لرؤيته،
_________________
(١) عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، أبو عبد الرحمن، المدني، مولى ابن عمر، ثقة. مات سنة ١٢٧ هـ. [ينظر: التقريب ٣٠٢].
(٢) في هذا المكان بالأصل كلمة: (أبو)، والصحيح حذفها نقلًا من مصادر ترجمته.
(٣) عثمان بن مقسم البري، أبو سلمة الكندي، البصري، قال الذهبي: أحد الأعلام، على ضعف فيه، جمع وصنف، وقيل: إنه كان ينكر الميزان فيقول: وإنما هو العدل. تركه يحيى القطان، وابن المبارك، وقال ابن عدي: يكتب حديثه. وقال النسائي، وغيره: متروك. وقال عباس، عن ابن معين: ليس بشيء. وقال عفان: كان عثمان البري يرى القدر، وكان يغلط في الحديث، وفي كتابه الصواب، فلا يرجع إليه، وكان يحدث عشرين حديثًا عن علي، وابن مسعود، وعمر، ثم يقول: هذا كله باطل، ثم يجيء برأي حماد فيقول: هذا هو الحق. وسمعته يقول: قضايا شريح كله باطل. [ينظر: تاريخ الإسلام ٤/ ٤٥٦].
(٤) كتاب: (الجامع الكبير)، لأبي عيسى الترمذي، أحد الكتب الست الأمهات، قال الترمذي: صنفت هذا الكتاب، وعرضته على علماء الحجاز، والعراق، وخراسان، فرضوا به، ومن كان هذا الكتاب في بيته، فكأنما في بيته نبي يتكلم. وقال أبو إسماعيل الهروي: جامع الترمذي أنفع من كتاب البخاري ومسلم، لأنهما لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، والجامع يصل إلى فائدته كل أحد. وقال الذهبي: فيه علم نافع، وفوائد غزيرة، ورؤوس المسائل، وهو أحد أصول الإسلام، لولا ما كدره بأحاديث واهية، بعضها موضوع، وكثير منها في الفضائل، وهو قاض له بإمامته وحفظه وفقهه. [ينظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٧٤].
[ ٥٤٤ ]
وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يومًا» (^١)، وكذلك روى أبو عبد الله ابن بطة بإسناده، عن ابن عباس، عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامة/ فأتموا العدد ثلاثين، ثم أفطروا» (^٢)، فدلَّ على أنه أراد رمضان.
ورواية أبي هريرة: «فعدوا له شعبان ثلاثين» (^٣)، قد روي عنه خلافه: «فعدوا ثلاثين، ثم أفطروا» (^٤)، فدلَّ على أن العدد لرمضان، فتعارضت روايتاه،
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصوم، باب من قال: فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين ٢/ ٢٩٨، ح ٢٣٢٧ من طريق زائدة بن قدامة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقدموا الشهر بصيام يوم، ولا يومين إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامة، فأتموا العدة ثلاثين، ثم أفطروا، والشهر تسع وعشرون». وأخرجه الترمذي، أبواب الصوم، باب ما جاء أن الصوم لرؤية الهلال والإفطار له ٣/ ٦٣، ح ٦٨٨، والنسائي، كتاب الصيام، باب إكمال شعبان ثلاثين إذا كان غيم، ذكر الاختلاف على منصور في حديث ربعي فيه ٤/ ١٣٦، ح ٢١٣٠ من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غياية، فأكملوا ثلاثين يومًا»، وأخرجه النسائي، كتاب الصيام، باب إكمال شعبان ثلاثين إذا كان غيم، ذكر الاختلاف على منصور في حديث ربعي فيه ٤/ ١٣٦، ح ٢١٢٩ من طريق حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، قال: سمعت ابن عباس، يقول: قال رسول الله ﷺ: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا»، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الجورقاني، وابن عبد الهادي: حديث صحيح. وقال ابن حجر: هو من صحيح حديث سماك لم يدلس فيه ولم يلقن أيضًا. [ينظر: المستدرك ١/ ٥٨٧، الأباطيل والمناكير ٢/ ١٢٦، التنقيح لابن عبد الهادي ٣/ ٢٠٤، التلخيص الحبير ٢/ ٣٧٨].
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه الترمذي، أبواب الصوم، باب ما جاء لا تقدموا الشهر بصوم ٣/ ٥٩، ح ٦٨٤ من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ: «لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين، إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا». وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الدارقطني: إسناده صحيح. وقال البغوي: حديث صحيح. [ينظر: سنن الدارقطني ٣/ ١٠٥، شرح السنة ٦/ ٢٣٧].
[ ٥٤٥ ]
وسقطتا؛ لأنا لا ندري أيهما الثابتة عنه، وربما كانت روايتنا هي الثابتة؛ لأنه يعضدها بقية الأخبار.
وكذا رواية ابن عمر: «فإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدروا ثلاثين» (^١)، وقت الإفطار من الصوم فعدوا ثلاثين، وكذلك روى الطبري عن ابن عمر نفسه: «فإذا رأيتم الهلال فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فأتموا الصوم ثلاثين؛ فإن الشهر لا يزيد على الثلاثين» (^٢) فدل على أنه أراد: فاقدروا العدد ثلاثين لشهر الصوم لا غير، ونحن كذا نقول.
ويوضح ما ذكرنا: أنه لو أراد عدوا شعبان ثلاثين لم يقل الشهر تسعة [وعشرون] (^٣)؛ لأنه يكون مناقضة.
و- أيضًا - ما روى أبو عبيد في «غريب الحديث» (^٤) بإسناده عن عمران بن حصين: أن النبي - صلَّى الله عليه - سأل رجلًا:
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الصيام، باب الصيام ٤/ ١٥٦، ح ٧٣٠٧ عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر.
(٢) أخرجه ابن خزيمة ٣/ ٢٠١، ح ١٩٠٦، والحاكم ١/ ٥٨٤، ح ١٥٣٩ من طريق أبي عاصم، عن عبد العزيز بن أبي رواد، ثنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله جعل الأهلة مواقيت، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فاقدروا له، واعلموا أنّ الشهر لا يزيد على ثلاثين»، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرطهما. وأخرجه البيهقي ٤/ ٣٤٥، ح ٧٩٣١ من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن أبيه، بلفظ: «فإن غم عليكم فاقدروا له، أتموه ثلاثين»، وأخرجه عبد الرزاق، كتاب الصيام، باب الصيام ٤/ ١٥٦، ح ٧٣٠٦ عن عبد العزيز، بلفظ: «فإن غم عليكم فعدوا له ثلاثين يومًا».
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (وعشرين)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٤) كتاب: (غريب الحديث)، لأبي عبيد القاسم بن سلام، عرض على أحمد بن حنبل، فاستحسنه، وقال: جزاه الله خيرًا. وقال الخطابي: انتظم به عامة ما يحتاج إلى تفسيره من مشاهير غريب الحديث، فصار كتابه إمامًا لأهل الحديث، به يتذاكرون، وإليه يتحاكمون. [ينظر: غريب الحديث للخطابي ١/ ٤٨، تاريخ بغداد ١٤/ ٣٩٦].
[ ٥٤٦ ]
«هل صمت من سِرار هذا الشهر شيئًا؟» قال: لا، قال: «فإذا أفطرت رمضان فصم يومين» (^١)، قال الكسائي وغيره: السرار آخر الشهر ليلة يستسر الهلال، قال أبو عبيد: فربما استسر ليلة، وربما استسر ليلتين إذا تمّ الشهر، قال: وإنما سأله عن سرار شعبان، فأمره أن يقضي بعد الفطر يومين، ولا وجه لهذا الحديث إلا ما ذهبنا إليه، وهو إذا غمَّ الهلال في آخر شعبان، فإنه يجب صومه من رمضان، فلما لم يصمه أمره بقضاء ذلك اليوم (^٢).
فإن قيل: بل له وجهٌ غير ما ذهبتم إليه، وهو أنه كان قد نذر ذلك الرجل الصوم في ذلك الوقت،/ أو كان قد ألزم نفسه تطوعًا، فلما فاته أمره بقضائه.
قلنا: لا يصح حمله على التطوع؛ لأنه أمره بالقضاء، والأمر يقتضي الوجوب، وإنما يكون واجبًا على قولنا، فأما التطوع فلا يجب قضاؤه.
ولا يصح حمله على النذر - أيضًا - لوجهين:
أحدهما: أنه نُقِل في الخبر حكمٌ وهو الأمر بالقضاء، وسبب وهو السِرار، فاقتضى تعلق ذلك الحكم بذلك السبب، وعندهم يتعلق بغيره، وهو النذر.
الثاني: أن صوم هذا الزمان منهيٌّ عنه؛ إما لأجل الشك، أو لأجل النهي عن تقدم الشهر بيومٍ أو يومين، فيكون نذر معصية، وعندهم نذر المعصية لا يصح (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب الصوم من آخر الشهر ٣/ ٤١، ح ١٩٨٣، ومسلم، كتاب الصيام ٢/ ٨٢٠، ح ١١٦١/ ٢٠٠ من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عمران، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: عن عمران بن حصين ﵄، عن النبي ﷺ أنه سأله - أو سأل رجلًا وعمران يسمع - فقال: «يا أبا فلان، أما صمت سرر هذا الشهر؟» قال: - وفي رواية: أظنه قال: يعني رمضان - قال الرجل: لا يا رسول الله، قال: «فإذا أفطرت فصم يومين».
(٢) ينظر: غريب الحديث ٢/ ٧٩.
(٣) ذهب الحنفيّة والحنابلة: إلى أن نذر المعصية ينعقد، ويكون موجبه كفارة يمين، وذهب المالكيّة والشافعيّة: إلى أنه لا ينعقد، وليس فيه كفارة. [ينظر: بدائع الصنائع ٥/ ٨٢، الاستذكار ١٥/ ٥١، المجموع ٨/ ٣٤٤، شرح الزركشي ٧/ ١٠١].
[ ٥٤٧ ]
فإن قيل: فقد أمره بقضاء يومين، وعندكم يقضي يومًا.
قلنا: قد يكون مأمورًا بقضاء يومين، وهو إذا غمّ هلال شعبان ورمضان، فعدوا كل واحدٍ من رجب وشعبان ثلاثين يومًا، وحصل صوم رمضان ثمانية وعشرين يومًا، فيعلم أن الخطأ حصل بيومين من شعبان.
فإن قيل: فقد أضاف السرار إلى شعبان بقوله: «صمت من سرار هذا الشهر؟» وعلى قولكم: إن ذلك من رمضان.
قلنا: يحتمل أن تكون الإضافة لمجاورته له، ومقاربته منه، كما سمّيت المزادة (^١) راوية لمجاورتها لها، لما يحصل الري به، وهو الماء، كذلك هاهنا.
و- أيضًا - إجماع الصحابة، روي ذلك عن عمر، وابن عمر، وأبي هريرة، وعمرو بن العاص، ومعاوية، وأنس، وعائشة، وأسماء ابنة أبي بكر (^٢)، ذكره أبو العباس الفضل بن زياد (^٣) في كتاب الصيام في «مسائله» (^٤).
ورواه ابن المنذر في «الإشراف» عن عائشة، وابن عمر (^٥).
_________________
(١) المزادة: التي يحمل فيها الماء، وهي ما فُئم بجلد ثالث بين الجلدين لتتسع، سميت بذلك لمكان الزيادة، وقيل: القربة، وقيل: القربة الكبيرة التي تحمل على الدابة. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ٨٦، مشارق الأنوار ١/ ٣١٤].
(٢) ينظر: الإشراف ٣/ ١١٠، المغني ٣/ ١٠٨.
(٣) الفضل بن زياد، أبو العباس، القطان، البغدادي، أحد أصحاب أحمد بن حنبل، وممن أكثر الرواية عنه، وكان من المقدمين عنده، وكان أحمد يعرف قدره، ويكرمه، وكان يصلي بأحمد، فوقع له عنه مسائل كثيرة جياد. [ينظر: تاريخ بغداد ١٤/ ٣٣٠، طبقات الحنابلة ١/ ٢٥١].
(٤) كتاب: (مسائل أبي العباس الفضل بن زياد القطان، عن أحمد بن حنبل)، قال الخلال: مسائل كثيرة جياد. [ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٢٥١].
(٥) ينظر: الإشراف ٣/ ١١٠.
[ ٥٤٨ ]
وذكر عبد العزيز في «زاد المسافر»: أنه مذهب علي ﵃ أجمعين (^١).
فروي عن ابن عمر: أنه كان ينفذ غلامه، فإن كان في السماء غيمٌ أصبح صائمًا. أخرجه البخاري، ومسلم (^٢).
وروى أبو بكر،/ وهبة الله الطبري في «سننه» عن عائشة، وأسماء: أنهما كانتا تصومان اليوم الذي يشك فيه (^٣).
وفي لفظٍ عن عائشة: أنها سُئلت عن اليوم الذي يشك فيه، فقالت: لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان (^٤).
وروى أحمد بإسناده عن معاوية أنه كان يقول: لأن أصوم يومًا من شعبان أحبُّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان (^٥).
وبإسناده عن عمرو بن العاص: أنه كان يصوم في اليوم الذي يشك فيه من رمضان (^٦).
وعن علي: أن رجلًا شهد على رؤية هلال رمضان، فصام وأمر الناس بالصيام، وقال: أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ أن أفطر يومًا من رمضان (^٧).
_________________
(١) لم أقف عليه فيما هو مطبوع.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه البيهقي، كتاب الصيام، باب من رخص من الصحابة في صوم يوم الشك ٤/ ٣٥٦، ح ٧٩٧٢ من طريق فاطمة بنت المنذر، عن أسماء.
(٤) أخرجه أحمد ٤١/ ٤١٩، ح ٢٤٩٤٥، والبيهقي، كتاب الصيام، باب من رخص من الصحابة في صوم يوم الشك ٤/ ٣٥٥، ح ٧٩٧١ من طريق يزيد بن خمير، عن عبد الله بن أبي موسى مولى لبني نصر، عن عائشة.
(٥) أخرجه أحمد - كما في زاد المعاد ٢/ ٤٢ - من طريق مكحول، ويونس بن ميسرة بن حلبس، عن معاوية، ولم أقف عليه في المسند.
(٦) أخرجه أحمد - كما في زاد المعاد ٢/ ٤٢ - من طريق عبد الله بن هبيرة، عن عمرو بن العاص، ولم أقف عليه في المسند.
(٧) أخرجه الدارقطني، كتاب الصيام، باب الشهادة على رؤية الهلال ٣/ ١٢٥، ح ٢٢٠٥، والبيهقي، كتاب الصيام، باب الشهادة على رؤية هلال رمضان ٤/ ٣٥٨، ح ٧٩٨١ من طريق فاطمة بنت الحسين، عن علي.
[ ٥٤٩ ]
وعن أبي هريرة أنه قال مثل ذلك (^١).
وعن أنس: أن الهلال رُئي نهارًا، فأفطر قومٌ، فقال أنس: هذا اليوم الذي يكمل لي أحد وثلاثون، وأنا متمّه إلى الليل (^٢).
وعن عمر: ليتق أحدكم أن يصوم يومًا من شعبان، ويفطر يومًا من رمضان (^٣).
وروى أبو حفص العُكْبَريّ عن مكحولٍ: أن عمر كان يصوم يوم الشك إذا كانت السماء في تلك الليلة مغيمة، ويقول: ليس هذا بالتقدم ولكنه بالتحري (^٤).
فإن قيل: قد خالفهم على ذلك علي (^٥)، وحذيفة (^٦)، وابن مسعود (^٧)،
_________________
(١) أخرجه البيهقي، كتاب الصيام، باب من رخص من الصحابة في صوم يوم الشك ٤/ ٣٥٦، ح ٧٩٧٢ م من طريق معاوية بن صالح، عن أبي مريم، عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه أحمد - كما في زاد المعاد ٢/ ٤٢ - من طريق يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس، ولم أقف عليه في المسند.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصيام، باب ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه، يصام؟ ٢/ ٣٢٤، ح ٩٥٠٧ من طريق أبي عثمان النهدي، عن عمر.
(٤) ذكره ابن القيم في زاد المعاد ٢/ ٤١ فقال: قال الوليد بن مسلم: أخبرنا ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، أن عمر بن الخطاب .. فذكره.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصيام، باب ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه، يصام؟ ٢/ ٣٢٢، ح ٩٤٨٩، والبيهقي، كتاب الصيام، باب النهي عن استقبال شهر رمضان بصوم يوم أو يومين، والنهي عن صوم يوم الشك ٤/ ٣٥٢، ح ٧٩٥٧ من طريق مجالد، عن الشعبي، قال: كان علي، وعمر، ينهيان عن صوم يوم الذي يشك فيه من رمضان.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصيام، باب ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه، يصام؟ ٢/ ٣٢٢، ح ٩٤٩٣ من طريق أبي إسحاق الشيباني، عن مولاة لسلمة بنت حذيفة، قالت: كان حذيفة، ينهى عن صوم يوم الذي يشك فيه. وفي كتاب الصيام، باب ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه، يصام؟ ٢/ ٣٢٣، ح ٩٤٩٧ من طريق مسعر، عن امرأة منهم يقال لها: حفصة، عن بنت، وأخت لحذيفة، قالت: كان حذيفة ينهى عن صوم يوم الذي يشك فيه.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصيام، باب ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه، يصام؟ ٢/ ٣٢٢، ح ٩٤٩٠، والطبراني ٩/ ٣١٢، ح ٩٥٦٤، والبيهقي، كتاب الصيام، باب النهي عن استقبال شهر رمضان بصوم يوم أو يومين، والنهي عن صوم يوم الشك ٤/ ٣٥٢، ح ٧٩٥٩ من طريق عبد الرحمن بن عابس، عن أبيه، قال: قال عبد الله: لأن أفطر يومًا من رمضان ثم أقضيه أحب إلي من أن أزيد فيه ما ليس فيه.
[ ٥٥٠ ]
وعمار (^١)، وأنس، وأبو السوار العدوي (^٢) (^٣)، وابن عباس (^٤)، فروي عنهم أنهم نهوا عن صوم يوم الشك، ومنهم من قال: فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين.
قلنا: نحن نجمع بين أقوالهم، فنقول: من نهى عن صوم الشك أو أفطر،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الصيام، باب ما جاء في صيام يوم الشك ١/ ٥٢٧، ح ١٦٤٥، وأبو داود، كتاب الصوم، باب كراهية صوم يوم الشك ٢/ ٣٠٠، ح ٢٣٣٤، والترمذي، أبواب الصوم، باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك ٣/ ٦١، ح ٦٨٦، والنسائي، كتاب الصيام، باب صيام يوم الشك ٤/ ١٥٣، ح ٢١٨٨ من طريق أبي خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق، عن صلة قال: كنا عند عمار فأتي بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم، قال: إني صائم، فقال عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ. وفي رواية ابن ماجه، وأبي داود: كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه، فأتى بشاة فتنحى بعض القوم، فقال عمار: من صام هذا اليوم، فقد عصى أبا القاسم ﷺ.
(٢) أبو السوار، العدوي، البصري، قيل: اسمه حسان بن حريث، وقيل: بالعكس، وقيل: حريف، آخره فاء، وقيل: منقذ، وقيل: حجير بن الربيع، ثقة، من الثانية. [ينظر: التقريب ص ٦٤٦].
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصيام، باب ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه، يصام؟ ٢/ ٣٢٢، ح ٩٤٩٤ من طريق مهدي بن ميمون، عن ابن سيرين، قال: أصبحنا يوما بالبصرة ولسنا ندري على ما نحن فيه من صومنا في اليوم الذي يشك فيه، فأتينا أنس بن مالك، فإذا هو قد أخذ حديدة كان يأخذها قبل أن يغدو، ثم غدا، ثم أتيت أبا السوار العتكي فدعا بغدائه، ثم أتيت مسلم بن يسار فوجدته مفطرًا.
(٤) أخرجه الخطيب في التاريخ ٣/ ٦٩٤ من طريق أحمد بن عمر الوكيعي، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى الله ورسوله. قال الخطيب: تابعه أحمد بن عاصم الطبراني، عن وكيع، ورواه إسحاق بن راهويه، عن وكيع، فلم يجاوز به عكرمة، وكذلك رواه يحيى بن سعيد القطان عن الثوري، لم يذكر فيه ابن عباس. وأخرجه عبد الرزاق ٤/ ١٦٠، ح ٧٣١٩، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٣، ح ٩٥٠٣ عن وكيع، كلاهما (عبد الرزاق، ووكيع) عن الثوري، عن سماك، عن عكرمة، ليس فيه ابن عباس.
[ ٥٥١ ]
فأراد به الشك في الصحو، وكذلك من قال: إنه يعد ثلاثين أراد به: يعد رمضان ثلاثين، ومن صام كان في الغيم، فيدل على قولنا.
فإن قيل: فليس فيما ذكرتم عن الصحابة دلالةٌ على أنهم كانوا يصومون ذلك من رمضان، ويجوز أنهم كانوا يصومون ذلك/ على أنه [تطوعٌ] (^١)، وهذا هو الظاهر، فإنهم قالوا: لأن نصوم يومًا من شعبان، فأثبتوه من شعبان، وما كان من شعبان فإنه يصام تطوعًا.
قلنا: لا يصح هذا؛ لأن ابن عمر كان يفرق بين الصحو والغيم، فيصوم في الغيم، ويفطر في الصحو، ومن يجيز صومه تطوعًا من أصحاب أبي حنيفة لا يفرق بين الصحو والغيم (^٢)، فعلم أن صومه كان عن رمضان، ولأن ظاهر كلامه أنهم قصدوا الاحتياط بصيامه خوفًا أن يكون من رمضان، وهذا المعنى لا يحصل لهم بنية النفل؛ لأن المتنفل في رمضان كالمفطر فيه، وإنما يحصل الاحتياط بنية من رمضان.
فإن قيل: فنتأوَّل ما رويتم عن الصحابة على وجهٍ، وهو أن من صام منهم وأمر بذلك إذا شهد بالرؤية شاهدٌ واحد، وقد روي ذلك مسندًا عن فاطمة بنت الحسين (^٣): أن رجلًا شهد عند علي بن أبي طالب برؤية هلال شهر رمضان، فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان (^٤).
قلنا: لا يصح هذا التأويل؛ لأنه إذا شُهِد برؤية واحدٌ خرج عن أن يكون يومًا من شعبان، وحصل يومًا من رمضان يصومه الناس أجمع، وفيما ذكرنا عن جماعة الصحابة أنهم قالوا: لأنْ نصوم يومًا من شعبان،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (تطوعًا)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ٧٨، العناية ٢/ ٣١٤.
(٣) فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمية، المدنية، زوج الحسن بن الحسن بن علي، ثقة، توفيت بعد المئة. [ينظر: التقريب ص ٧٥١].
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٥٥٢ ]
وهذا إنما يقال في اليوم المشكوك فيه على تقدير أنه إن بان من شعبان كان أحبَّ إلينا [من] (^١) أن نفطره، فيبين أنه من رمضان.
ولأن عن ابن عمر أنه كان ينظر الهلال، فإن كان في السماء غيمٌ أصبح صائمًا، وإن لم يكن أصبح مفطرًا (^٢)، وهذا يمنع أن يكون هناك شهادة، وإنما كان هناك اجتهادٌ منه في صومه.
وعن عمرو بن العاص: أنه كان يصوم اليوم الذي/ يشك فيه من رمضان (^٣)، فسماه يوم الشك، ومع الشهادة لا يسمى بذلك.
والفقه في المسألة: أنَّا نقول: شك في أحد طرفي رمضان، فغلب فيه حكم الصوم، دليله الطرف الآخر، وهذا لأن شهر رمضان أيام معدودة، كما قال الله - تعالى ـ: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (^٤)، وهو تارة تسع وعشرون، وتارة ثلاثون، ومتى حصل الشك في آخره وجب الصوم، ولا يقين لنا، فإذا حصل الشك في أوله لم يحصل لنا يقين إتمامه إلا بصيام اليوم المشكوك فيه من أوله، والأول والأخير يستويان لتحقيق أداء الفرائض، واستيعابه، بدليل أنَّا نحتاج إلى أن نمسك في جزء من الليل من أول كل يومٍ وآخره ليتحقق استيعاب اليوم، وإذا وجب استيعاب كل يومٍ بإمساك زمان لا يتحقق أنه من جملة اليوم، وجب صوم يوم لا يتحقق أنه من جملته ليجعل تحقيقًا لاستيعاب صوم الشهر الواجب صومه بأصل الشرع.
فإن قيل: لا نُسلِّم في الأصل أنا غلَّبنا الصوم، وإنما غلَّبنا الأصل، وهو بقاء رمضان، ولا نُسلِّم أنَّ ليلة الشك طرف لشهر رمضان، وإنما هي الطرف الأخير من شعبان.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) البَقَرَة: ١٨٤.
[ ٥٥٣ ]
قلنا: نحن نخالفكم في هذا، ونقول: إن أصل الشهور تسعة وعشرون، وكذا لما آلى من زوجاته، قال: «الشهر تسعة وعشرون» (^١)، وكذا قال: «الشهر هكذا، وهكذا وهكذا»، وقبض [إصبعًا] (^٢) (^٣)، فاليقين في الشهر تسعة وعشرون، ويوم الثلاثين مشكوك فيه، هل هو من الشهر الأول، أو من المستهل، فإذا صادف عبادة احتطنا لها، وغلبنا حكمها، وجاز أن نصفها بأنها طرف لرمضان تغليبًا لحرمته.
ثم لو سلمنا ما ذكرتم فقد تُرك الأصل لضرب من الاحتياط، ولهذا نقول فيمن أصاب موضعًا من بدنه، أو ثوبه/ نجاسة، وخفي عليه: يجب عليه غسل جميع بدنه، وثوبه، وإن كان الأصل طهارة بقية البدن، والثوب، وكذلك من فاته صلاة من يومٍ صلى خمسًا، والأصل براءة ذمته من أربع، وكذلك لو شك الماسح على الخفين هل مسح جميع المدة، أو بقي منها؟ لم يجز له المسح، وإن كان الأصل بقاء المدة، وكذلك لو شكّ المسافر هل نوى الإقامة، أم لا؟ لم يجز له الترخص عندهم، وكذلك لو شكّ مَنْ به سلس البول، أو المستحاضة هل انقطع سلسه، ودمها، أم لا؟ لم تصح صلاتهم بتلك الطهارة، وإن كان الأصل أنه لم ينقطع، كذلك في مسألتنا.
طريقة أخرى: أن الصوم عبادة على البدن مقصودة، يجب فعلها في حال الاشتباه بالتحري، فلزم فعلها من الشك على وجه الاحتياط، دليله الصلاة، ونريد بفعلها حال الاشتباه بالتحري في الفرع في حق الأسير إذا خفيت عليه الشهور، وفي الأصل إذا اشتبهت القبلة، وفعلها مع الشك على وجه الاحتياط في مسألتنا، وفي الأصل إذا نسي صلاة من يوم وليلة لا يعلم عنها، فإنه يجب عليه خمس صلوات، وهذا صحيحٌ؛
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» ٣/ ٢٧، ح ١٩١٠، ومسلم، كتاب الصيام ٢/ ٧٦٤، ح ١٠٨٥ من حديث أم سلمة.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (إصبع)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٣) تقدم تخريجه.
[ ٥٥٤ ]
فإنه يلزم فعلها بالتحري لأجل تأكدها حتى لا تترك، أو تتأخر عن وقتها، كتلك تفعل مع الشك احتياطًا لأجل تأكدها، وفعلها بالتحري فعل مع الشك، واحتياطٌ لها لا خلاف في ذلك، ولا تلزم الطهارة [و] (^١) لا تجب مع الشك؛ لأنها غير مقصودة في نفسها، ولا الحج؛ فإنه يجب فعل الوقوف بالتحري إذا اشتبه يوم عرفة، ولا يلزم إذا شك هل وجد في حقه شرائط الحج؟ فإنه يجب إذا اشتبه يوم عرفة أن يقف يومين.
يدل عليه أن رمضان له حرمة متأكدة ليست لغيره من الشهور والأزمان؛ لأنه شهرٌ أوجب الله صيامه، وسنَّ رسول/ الله - صلَّى الله عليه - قيامه، وقد روى عبد العزيز بإسناده عن أبي هريرة: أن النبي - صلَّى الله عليه - قال: «من أفطر يومًا من رمضان من غير عذرٍ لم يجزِه صيام الدهر، ولو صامه كله» (^٢)، لا يكون ذلك اليوم الذي أفطر فيه من رمضان.
وذكر ابن المنذر (^٣) عن علي، وابن مسعود أنهما قالا: من أفطر يومًا من رمضان لم يقضه، وإن صام الدهر كله (^٤).
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب الصيام، باب ما جاء في كفارة من أفطر يومًا من رمضان ١/ ٥٣٥، ح ١٦٧٢، وأبو داود، كتاب الصوم، باب التغليظ في من أفطر عمدًا ٢/ ٣١٤ - ٣١٥، ح ٢٣٩٦، ٢٣٩٧، والترمذي، أبواب الصوم، باب ما جاء في الإفطار متعمدًا ٣/ ٩٢، ح ٧٢٣ من طريق ابن المطوس، أو أبي المطوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، وقال أحمد: ليس يصح هذا الحديث. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمعت محمدًا يقول: أبو المطوس: اسمه يزيد بن المطوس ولا أعرف له غير هذا الحديث. وقال ابن خزيمة: إنْ صحّ الخبر فإني لا أعرف ابن المطوس، ولا أباه. وقال ابن بطال، وابن عبد البر: حديث ضعيف لا يحتج بمثله. وقال القرطبي: حديث ضعيف. [ينظر: صحيح ابن خزيمة ٣/ ٢٣٨، شرح البخاري لابن بطال ٤/ ٧٠، تفسير القرطبي ١١/ ١٧٨].
(٣) ينظر: الإشراف ٣/ ١٢٨.
(٤) حديث علي أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصيام، باب من قال لا يقضيه وإن صام الدهر ٢/ ٣٤٨، ح ٩٧٨٥ من طريق عمرو بن يعلى الثقفي، عن عرفجة، عن علي، قال: من أفطر يومًا من رمضان متعمدًا، لم يقضه أبدا طول الدهر. وأما حديث ابن مسعود فأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصيام، باب من قال لا يقضيه وإن صام الدهر ٢/ ٣٤٧، ح ٩٧٨٤ عن وكيع، عن الثوري، عن واصل، عن مغيرة اليشكري، عن بلال بن الحارث، عن ابن مسعود، قال: من أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة لم يجزه صيام الدهر كله.
[ ٥٥٥ ]
وروي عن إبراهيم النخعي قال: عليه صوم ثلاثة [آلاف] (^١) يوم (^٢).
وعن سعيد بن المسيب قال: عليه صوم شهر (^٣).
وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: عليه صوم اثني عشر يومًا (^٤).
وإذا كانت له هذه المنزلة العظيمة، وأنه من رمضان، فيؤدي إلى الفطر في رمضان، ويرتكب إثمًا عظيمًا، والاحتياط يفعل لما لا يبلغ هذه الحرمة، فأولى أن يفعل لأجل هذه الحرمة.
فإن قيل: الصلاة لا يمكنه التوصل إلى إسقاط ما ثبت في ذمته إلا بذلك الفعل؛ لأن تعيين النية شرطٌ فيها، بخلاف الصوم؛ فإنه لم يثبت في ذمته ما يحتاج إلى تأديته بذلك.
قلنا: فكان يجب في القبلة أن يصلي الصلاة أربع مرات إلى أربع جهات إذا اشتبهت عليه القبلة ليؤدي ما في ذمته بيقينٍ، وكان يجب إذا كان معه ثوبان أحدهما نجس أن يصلي الصلاة في كل واحدٍ منهما ليؤدي فرضه بيقينٍ، فلما قلتم: إنه يتحرى، قولوا هاهنا: إنه يتحرى في عين المنسية،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (ألف)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصيام، باب ما قالوا في الرجل يفطر من رمضان يوما ما عليه ٢/ ٣٤٧، ح ٩٧٨٢ من طريق الثوري، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الأيمان والنذور والكفارات، باب من يفطر يومًا من رمضان ٣/ ١١١، ح ١٢٥٧٣ من طريق هشام، عن قتادة، عن ابن المسيب، في الرجل يفطر يومًا من رمضان متعمدًا، قال: عليه صيام شهر. وأخرجه عبد الرزاق، كتاب الصيام، باب من يبطل الصيام، ومن يأكل في رمضان متعمدًا ٤/ ١٩٧، ح ٧٤٦٩ عن معمر، عن قتادة قال: سألتُ ابن المسيب في رجل أكل في رمضان عامدًا قال: عليه صيام شهر. قال: قلت: يومين قال: صيام شهر. قال: فعددت أياما، فقال: صيام شهر.
(٤) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الصيام، باب من يبطل الصيام، ومن يأكل في رمضان متعمدًا ٤/ ١٩٨، ح ٧٤٧٣ عن الثوري، عن ربيعة.
[ ٥٥٦ ]
فيصليها وتجزئه، فلما أوجبتم ما قد علمنا براءة ذمته منه، وهو فعل أربع صلوات أخر دل على أن فعَل ذلك احتياطًا.
فإن قيل: هذا الدليل يمكن أن يقلب الاحتجاج به عليكم في الحكم المختلف فيه، وهو أن الصلاة لا يدخل فيها إلا بعد اليقين، أو غلبة الظن بدخول وقتها، فليكن الصوم كذلك، ولا يجب الإحرام بها مع/ الشك، وأما إذا ترك الصلاة فلا يمكنه أداؤها بيقينٍ إلا بأن يصلي خمسًا، لكن بعد [تيقن] (^١) إيجابها، وهاهنا لم يتحصل يقين بوجوب الصوم، ولا غالب ظنٍ، وإنما هو مجرد شكّ، ولذلك إن قاسوا على من شك هل كملت ركعاته أم لا، وجب عليه الزيادة ليحصل اليقين، لكن بعد حصول الوجوب للصلاة يقينًا، ولا يقين هاهنا، وليس لنا عبادة يدخل فيها بالشك، وهذا ذكره بعض أصحابنا (^٢).
قلنا: الصلاة لا يستوعب فعلها وقتَها، والصوم له وقتٌ يعمه، متى فات شيء منه فات بعضه، فلذلك وجب الاستظهار بصوم اليوم المشكوك فيه ليحصل، تحقيقًا لاستيعاب صوم الشهر الواجب صومه بأصل الشرع، وحرر من ذلك قياسًا، فقال: زمان يجب الإمساك فيه عن الأكل، والشرب، والجماع، لأجل حرمة رمضان، فوجب الاحتياط في طرفيه على وجهٍ يتحقق استيعابه بالصوم، كزمان النوم.
فإن قيل: يلزم على هذا نذر صوم رجب، أو شعبان، فإنه إذا غام أوله لم يلزم، كذلك شهر رمضان، والوجوب يجمعهما.
قلنا: كذلك قال أصحابنا (^٣)، وهل تبنى النذور إلا على أصولها من الفروض.
وقد ذكر أشياء منها: أنه يوم يصح أن ينوي له صوم الفرض من الليل،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (يقين)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ينظر: المبدع ٣/ ٢٠.
(٣) ينظر: الإنصاف ٣/ ٢٧٢.
[ ٥٥٧ ]
فكان صومه واجبًا، دليله: اليوم الثاني، وقد نص الشافعي في «كتاب المزني» (^١): إذا نوى صيام يوم الشك، ثم بان من رمضان أجزأه (^٢). فلولا أنه منه لم تصح النية؛ لأنه يحصل داخلًا في الصيام بالشك.
فإن قالوا: قد تأوَّل أصحابنا هذا على من ظهرت له أمارةٌ، وهو إن كان عالمًا بمطالع الهلال، ودلت على أنه قد طلع أو شهد عنده فاسق برؤيته.
قلنا: هذه الأمارة لا توجب طلوعه، وإنما يحتمل/ الطلوع معها، ومثله في ليلة الثلاثين إذا كان هناك غيمٌ.
وقد قيل - أيضًا - بأن الرؤية سببٌ يوجب الصوم، فاختلف بأول الشهر وآخره، كالشهادة؛ يثبت أوله بشهادةٍ واحدةٍ، وآخره بشهادةٍ اثنين، كذلك في الرؤية يعتبر وجودها في آخر الشهر، ولا يعتبر في أوله، فلا معنى لقولهم: إن الشهادة موجودة في أوله وآخره، والرؤية معدومة في أوله، وذلك أن شهادة الواحد شطر للشهادة، وليست بشهادةٍ، ألا تراها في آخر الشهر لا تقبل.
وقيل - أيضًا ـ: طريقة أخرى مع أبي حنيفة، وهو: أن الغيم سبب في إيجاب الصيام مع غيره، فجاز أن يكون سببًا بانفراده، دليله الشاهد الواحد، لمَّا كان سببًا في إيجاب الصيام مع شاهدٍ آخر كان سببًا في إيجابه بانفراده، كذلك الغيم لمَّا كان سببًا في إيجاب الصيام على قولنا في مسألة الخلاف، وعند أبي حنيفة: إذا شهد برؤيته في يوم الغيم شاهدٌ يقبل، وفي الصحو لا يقبل إلا أن يشهد به عدد كثير (^٣)، جاز أن يكون سببًا في الإيجاب بانفراده.
_________________
(١) كتاب: (مختصر المزني)، ورد أنه كان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصره صلى ركعتين، وقال الذهبي: امتلأت البلاد به، وشرحه عدة من الكبار، بحيث يقال: كانت البكر يكون في جهازها نسخة من مختصر المزني. [ينظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٩٣].
(٢) ينظر: مختصر المزني ١/ ٥٦.
(٣) ينظر: مختصر الطحاوي ص ٥٥، بدائع الصنائع ٢/ ٨٠.
[ ٥٥٨ ]
فإن قيل: إنما لم يقبل الواحد في الصحو لمشاركة غيره في الرؤية، فالظاهر خلاف ما أخبر، وليس كذلك إذا كان بالسماء علة؛ لأنه يجوز أن ينقشع (^١) الغيم، فلا يراه الباقون.
قلت: إذا جاز أن يكون الغيم يمنع من رؤية البعض مع صحة النظر؛ جاز أن يكون مانعًا من رؤية الجميع.
فإن قيل: هناك بينة شهدت برؤيته، وليس كذلك هاهنا.
قلنا: هذه البينة عندك كلا بينة، ألا ترى أنها لا تسمع مع عدم العلة؟! فلما سمعه هاهنا علم أن المؤثر في سماعها وجود العلة لا غيره.
وقد قيل/ - أيضًا - بأن زمان اليوم من رمضان يتردد بين ليلتين لا يجب الإمساك فيهما، كما أن الشهر إذا غام طرفاه يتردد بين شهرين، لا يجب صومهما، ثم أجمعنا والمخالفون على إيجاب إمساك جزئين من الليلتين في طرفي كل يوم منه لئلا يباشر بالأكل زمان الصوم، كذلك وجب أن يحتاط عند إغمام طرفي الشهر يصوم اليومين اللذين بينهما رمضان، لئلا يباشر بالإفطار زمان الصيام، ولا يمكن الاحتياط هاهنا إلا بيوم كامل، كما لا يمكن الاحتياط هناك إلا بإمساك جزء.
وليس لهم أن يقولوا: الأصل بقاء شعبان ما لم يكمل العدد، أو يطلع الهلال إلا ويقال: الأصل بقاء الليل، ثم مع الأصل الذي هو الليل (^٢) أوجبنا إمساك جزء منه بمثله يحصل الاحتياط للصوم، فلا فرق بينهما.
_________________
(١) انقشع السحاب، والغيم، وأقشع، وتقشع، وقشعته الريح قشعًا: انكشف، وانقشع القوم من المكان: تفرقوا عنه، وانقشع عنه الشيء وتقشع: غشيه، ثم انجلى عنه، كالظلام عن الصبح، والهم عن القلب، والسحاب عن الجو. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٨٧٠، المحكم والمحيط الأعظم ١/ ١٤٥].
(٢) في هذا المكان من الأصل تكرار لقول المصنّف: (ثم الأصل الذي هو الليل).
[ ٥٥٩ ]
وقيل - أيضًا ـ: بأن أكثر ما في هذا إيجاب عبادة من غير أن نتيقن لدخول رمضان، وهذا لا يدل على المنع، بدليل أن شهادة الواحد توجب الصوم، وليس خبره يقينًا، وكذلك خبر الواحد يوجب العمل، وإن لم يوجب العلم، وكذلك شهادة الشاهدين يجوز للحاكم القتل، والقطع، وأخذ المال، وهي غلبة ظن، كذلك الغيم يغلب في الظن أنه ستر الهلال، وكذلك دعوى المدعي بشغل الذمة، ويستحلف لأجلها، ويُعدى عليه، وكذلك اللَّوْث (^١) في القَسامة (^٢) يثبت القصاص عندنا إذا حلفوا (^٣)، وبلا نفاق (^٤) الدية، كذلك هاهنا جاز أن يكون مثله.
والوجه الصحيح الذي عليه الاعتماد في المسألة هو أنا نقول: يوم من رمضان، فوجب صومه، كما لو رأى الهلال، وهذه جملة لا نزاع فيها، وأن اليوم من رمضان يجب صومه، إنما الشأن في إثبات كونه من رمضان،/ فنقول: الدليل على أنه من رمضان النص، والحقيقة، والحكم.
أما النص: فقوله - صلَّى الله عليه ـ: «فاقدروا له» (^٥)، وإذا قدرنا له
_________________
(١) اللَّوْث: الطي، واللوث: اللي، واللوث: الشر، واللوث: الجراحات، واللوث: المطالبات بالأحقاد، واللوث: تمريغ اللقمة في الإهالة، قال ابن الأثير: هو أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت أن فلانًا قتلني، أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما، أو تهديد منه له، أو نحو ذلك، وهو من التلوث: التلطخ. يقال: لاثه في التراب، ولوثه. [ينظر: تهذيب اللغة ١٥/ ٩٢، النهاية ٤/ ٢٧٥].
(٢) القسامة: الجماعة من الناس يشهدون أو يحلفون على الشيء، وسموا قسامة لأنهم يقسمون على الشيء أنه كان كذا وكذا أو لم يكن، والقسامة: الأيمان تقسم على الأولياء في الدم، وحقيقتها أن يقسم من أولياء الدم خمسون نفرًا على استحقاقهم دم صاحبهم، إذا وجدوه قتيلًا بين قوم ولم يعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين أقسم الموجودون خمسين يمينًا، ولا يكون فيهم صبي، ولا امرأة، ولا مجنون، ولا عبد، أو يقسم بها المتهمون على نفي القتل عنهم، فإن حلف المدعون استحقوا الدية، وإن حلف المتهمون لم تلزمهم الدية. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٨٥٢، الصحاح ٥/ ٢٠١٠، النهاية ٤/ ٦٢].
(٣) ينظر: الإرشاد ص ٤٤٥، الإنصاف ١٠/ ١٣٩.
(٤) نفاق: جمع نفقة. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٣/ ٦٦].
(٥) تقدم تخريجه.
[ ٥٦٠ ]
كان من رمضان على ما مر، وقال - صلَّى الله عليه ـ: «الشهر تسع وعشرون» (^١)، وقال ﵇: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا»، وخنس (^٢) الإبهام في الثالثة (^٣)، وروي عنه ﵇ أنه حلف أن لا يكلم بعض نسائه شهرًا، فكلمها في التاسع والعشرين، فقالت: يا رسول الله، حلفت شهرًا، فقال: «الشهر تسع وعشرون» (^٤).
وأما الحقيقة: فإن شعبان زال، وانقضى، وإنما قلنا ذلك؛ لأن بالغيم زال يقين الشعبانية، فلم يبق؛ لأن شعبان عبارة عن شهر لم يطلع فيه هلال الشهر الآخر، وبالغيم احتمل أن يكون قد طلع الهلال، ويجوز أن يكون ما طلع، فقد زال يقين الشعبانية، وتجدد جواز دخول رمضان موقفًا موقفًا، ويترجح رمضان بأنه طارئ قد أشفى على البيوت، وشعبان زائل قد أشفى على الزوال، فرجح رمضان على شعبان، والجمع بينهما غير ممكن، فعينت الرمضانية.
يدل عليه: أن زوال شعبان لا بد منه قطعًا ويقينًا إن كان في اليوم، وإلا في الغد، ومجيء رمضان لا بدّ منه قطعًا ويقينًا، فإذا وقع التردد والشك ترجح رمضان على شعبان، فكان هذا اليوم من رمضان دون شعبان، يدل عليه أن الشك إذا طرأ على اليقين زال حكمه، وصاركما لو طلق إحدى نسائه، ثم نسي عينها فإنه يحرم عليه وطء الجميع، وإن كان بيقين أن [ثلاثًا منهنّ] (^٥) حلال، ولكن لما وقع الشك فيهن حرمن عليه، وكذلك إذا اختلطت أخته بأجنبيات، ومُبانة بملكيّات؛ فإنه يزول اليقين وحكمه،/ ويثبت الحكم الطارئ حتى يحرم عليه التزويج بالأجنبيات، وإن كانت أخته واحدة منهن، فذهب حكم الإباحة المقطوع بها
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) خنس إصبعه، أي: قبضها. [ينظر: تهذيب اللغة ٧/ ٨١، الصحاح ٣/ ٩٢٥].
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) الذي ورد أنه حلف أن لا يدخل عليهن، وقد تقدم تخريجه.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (ثلاثة منهم)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
[ ٥٦١ ]
في [الأجنبيات] (^١) لما طرأ عليها من الشك بالأخت الواحدة، كذلك في مسألتنا يزول حكم الشعبانية لما طرأ عليه من الشك، ويثبت حكم الرمضانية؛ لأن بها زال يقين شعبان.
وأما من جهة الحكم: فإن عندكم يحرم صوم هذا اليوم، ولو كان من رمضان لما حرُم صومُه، وهذا في نهاية القوة، وخرج على هذه الطريقة ما إذا كانت السماء مصحية؛ لأنه من شعبان حقيقة وحكمًا، ولم توجد شبهة وشك فاختلفا، وخرج على هذا - أيضًا - آخر رمضان؛ لأن القياس كان يقتضي أن يسقط صومه عند الغيم، غير أن العبادة مما يحتاط لها، فوجبت عليه، وليس يلزم عدم حلول الديون المؤجلة، والأيمان المعلقة على دخول الشهر؛ لأنا نمنع جميع ذلك، وعلى التسليم نقول: الأيمان تبنى على العرف، وكذلك الآجال في الديون، وهذا شيء قد ذكرناه في عدة مسائل، فلا يحتاج إلى إعادته.
احتجوا:
بما روى أبو داود، وابن خزيمة، وأبو عبد الرحمن بإسنادهم، عن حذيفة قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «لا تقدموا على هذا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة ثلاثين، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة» (^٢)، وقد رواه الدارقطني عن حذيفة، قال:
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (الأجنبيا)، وإثبات حرف (التاء) هو الصحيح.
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصوم، باب إذا أغمي الشهر ٢/ ٢٩٨، ح ٢٣٢٦، والنسائي، كتاب الصيام، باب إكمال شعبان ثلاثين إذا كان غيم، ذكر الاختلاف على منصور في حديث ربعي فيه ٤/ ١٣٥، ح ٢١٢٦ من طريق جرير بن عبد الحميد، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة». قال ابن معين: أخطأ جرير بقوله عن حذيفة، وإنما الصحيح ما رواه زهير وسفيان عن منصور عن ربعي عن بعض أصحاب النبي ﷺ. وقال البيهقي: وصله جرير عن منصور بذكر حذيفة فيه، وهو ثقة حجة، ورواه الثوري وجماعة عن منصور، عن ربعي، عن بعض أصحاب النبي ﷺ، عن النبي ﷺ. وقال الجورقاني: حديث صحيح ثابت. وقال ابن الملقن: إسناده جيد. [الإرشاد للخليلي ٢/ ٥٣٧، السنن الكبير ٤/ ٣٥٠، الأباطيل والمناكير ٢/ ١٢٥، التوضيح لابن الملقن ١٣/ ٦٢]. وأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصيام، باب من كره أن يتقدم شهر رمضان بصوم ٢/ ٢٨٤، ح ٩٠٢٠ عن أبي الأحوص، وأحمد ٣١/ ١٢٢، ح ١٨٨٢٥، والنسائي، كتاب الصيام، باب إكمال شعبان ثلاثين إذا كان غيم، ذكر الاختلاف على منصور في حديث ربعي فيه ٤/ ١٣٥، ح ٢١٢٧ من طريق الثوري، وابن أبي خيثمة ٣/ ١٦٩، ح ٤٣١١ من طريق زهير بن معاوية، والدارقطني، كتاب الصيام ٣/ ١٠٨، ح ٢١٦٩ من طريق عبيدة بن حميد التيمي، أربعتهم، عن منصور، عن ربعي، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ. قال الثوري: بعض أصحاب النبي، وقال زهير: رجل أو رجال من أصحاب النبي. وقال الدارقطني: كلهم ثقات. وأخرجه النسائي، كتاب الصيام، باب إكمال شعبان ثلاثين إذا كان غيم، ذكر الاختلاف على منصور في حديث ربعي فيه ٤/ ١٣٦، ح ٢١٢٨ من طريق الحجاج بن أرطاة، عن منصور، عن ربعي، مرسلًا، وقال الضياء: مرسل، والحجاج بن أرطاة تكلم فيه غير واحد من الأئمة. [ينظر: السنن والأحكام ٣/ ٤٠٦].
[ ٥٦٢ ]
قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين، ثم صوموا، فإن غمّ عليكم فعدوا رمضان ثلاثين، ثم أفطروا» (^١)، وهذا نص قاطع لكل إشكال.
وروى علي، وأبو هريرة، عن النبي - صلَّى الله عليه ـ: أنه نهى عن صيام ستة/ أيام؛ يوم الشك، ويومي العيدين، وأيام التشريق (^٢). وهذا شك.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني، كتاب الصيام ٣/ ١٠٦، ح ٢١٦٥ من طريق الحجاج بن أرطاة، عن منصور، عن ربعي، مرسلًا، ليس فيه حذيفة، وتقدم الكلام عليه.
(٢) أخرجه البزار ١٥/ ١٣٥، ح ٨٤٤٥ من طريق صفوان بن عيسى، وابن عدي ٦/ ٤٥٢، ح ١٠١١١ من طريق مروان بن معاوية الفزاري، عن أبي عباد عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن جده، عن أبي هريرة، وقال مروان: «وآخر يوم من شعبان يوصل برمضان». وأخرجه عبد الرزاق، كتاب الصيام، باب فصل ما بين رمضان وشعبان ٤/ ١٦٠، ح ٧٣٢٠، والبيهقي في المعرفة، كتاب الصيام، باب الصوم لرؤية الهلال ٦/ ٢٣٩، ح ٨٥٩١ من طريق الثوري، عن أبي عباد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ عن صيام ستة أيام؛ قبل رمضان بيوم، والأضحى، والفطر، وثلاثة أيام التشريق». وذكر ابن عدي: قيل لأحمد بن حنبل عن حديث ستة أيام من السنة، قال: لا، ولم يعبأ به. وقال ابن عدي: أبو عباد عامة ما يرويه الضعف عليه بيّن. وقال البيهقي: هذا مما ينفرد به أبو عباد، وهو غير محتج به، ورواه الواقدي بإسناد له، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعا، والواقدي ضعيف. وقال ابن عبد الهادي: أبو عباد أجمعوا على ضعفه، وعدم الاحتجاج بحديثه. وأخرجه الدارقطني، كتاب الصيام ٣/ ١٠٠، ح ٢١٥١ من طريق الواقدي، عن داود بن خالد بن دينار، ومحمد بن مسلم، عن المقبري، عن أبي هريرة، وقال الدارقطني: الواقدي غيره أثبت منه. وقال ابن عبد الهادي: في إسناده الواقدي وهو ضعيف. [ينظر: التنقيح لابن عبد الهادي ٣/ ٢٠٨].
[ ٥٦٣ ]
والفقه فيه: أنها عبادة، فلا تجب مع الشك، دليله سائر العبادات من الحج، والصلاة، والزكاة، والطهارة.
وربما قالوا: عبادة موقوفة، فلا يجوز الشروع فيها قبل تحقق وجوبها، كالأصل، وهذا لأنه لم يوجد سوى الغيم، والغيم ليس بسبب لإيجاب صوم، وإنما غاية أثره أنه مانع [وساتر] (^١) وحجاب، وإنما الدلالة على الشهر، إما هلال، أو كمال عدد، ولم يوجد مع الغيم واحد منهما.
وحرروا من هذا عبارة، وقالوا: لم يروا الهلال، ولا أكملوا العدة، فلا يجب الصيام كاليوم التاسع والعشرين، يدل عليه أن الأصل براءة الذمة من الصوم، فلا يجب إلا بقيام دليل الإيجاب، ولا سبيل إلى ذلك قبل تحقق أحد السببين، إما إكمال العدة، أو رؤية الهلال.
ومنهم من قال: شكٌ، فلا يجب الصوم معه، كما لو كان مع الصحو، وحصول الشك في الصحو أن يتقاعد أهل القرية عن الترائي، أو بحدوث شاغل في المصر من فتنة، أو حريق، أو ما شاكل ذلك فلم يتراءوا له، فإنه لا يجب الصوم من الغد، وإن كان جميع ما يوردونه من الاحتياط في الواجب، وبترك المحظور موجودًا يدل عليه، وهو أن المانع من طلوع الهلال تارة يكون الغيم، وتارة يكون البعد الذي تختلف لأجله المطالع، ثم البعد الذي تختلف لأجله المطالع لا يتأتى معه وصول الخبر إلا بعد فوات اليوم، لم توجبوا الصوم لأجله مع تجويزكم طلوع الهلال في الإقليم الآخر، ومجيء الخبر بذلك مع مدة يصل فيها الخبر،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (فساتر)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٥٦٤ ]
فأين الاحتياط الذي عولتم عليه، لا سيما وإنما تقولون: يلزم من لم يره حكم من رآه وإن بعد الإقليم، واختلفت المطالع، فيجب/ عليكم إيجاب صوم كل يوم يلي ليلة الثلاثين من شعبان لأجل التجويز من غير تخصيص لذلك بالغيم؛ بل ترك الترائي لعائق، وعدم الرؤية لبعد، وتعذر الخبر لئلا يفطروا يومًا من رمضان، وكما جوزتم، أو قدرتم كونه تحت الغيم، جوزوا كونه بالبعد في جو من الأجواء، وهذا قاطع.
يدل عليه أن الشك العارض بالغيم ليس [بأدل] (^١) من الشك العارض بشهادة من رد الحاكم شهادته، ثم هناك لا يوجب، كذلك الغيم؛ لأن كل واحد منهما يخيل أن الهلال طلع.
يدل عليه: أن المطمور (^٢) يستظهر بالتأخير خوفًا أن يقدم، وإن كان التأخير قد يخرجه عن رمضان، فلا وجه لإيجاب التقديم هاهنا، وهما سواء في الحائل، هذا آخر كلامهم.
الجواب عن احتجاجهم:
أما الأحاديث:
قوله: «لا تقدموا الشهر» (^٣)، والذي بعده لا حجة فيها؛ لأنها لم تخرج في الصحاح، فلا يترك به ما أخرج فيها، على أنه محمول عليه إذا غمّ الهلال في آخر شعبان، وآخر رمضان؛ فإنا نعد حينئذٍ شعبان ثلاثين، ورمضان ثلاثين.
فإن قيل: لا يصح هذا لوجهين:
أحدهما: أنه قال «فعدوا شعبان ثلاثين، ثم صوموا» (^٤)، فيقتضي بأن يكون الصوم يتعقبه عدد شعبان ثلاثين.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل كأنها: (بادر)، أو: (نادر)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) طمر: تغيب واستخفى، وطمر فلان نفسه، أو شيئًا: خبأه حيث لا يدرى، طمر البئر طمرًا: دفنها. [ينظر: تهذيب اللغة ١٣/ ٢٣٢، المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ١٦٣].
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٥٦٥ ]
والثاني: أن ما ذكرتم يفضي إلى أن يصوم رمضان إحدى وثلاثين.
قلنا: هذا لا يصح؛ لأنا نحمل قوله: «فعدوا شعبان ثلاثين، ثم صوموا» (^١)، أراد به اليوم الأخير إذا غمّ رمضان، وهو يوم الحادي وثلاثين.
وقولهم: يفضي إلى صيام أحد وثلاثين.
قلنا: يجوز مثل ذلك الاحتياط، كما إذا شك في صلاة من يوم، احتاط فصلى خمسًا، وكما يحتاط فيغسل ما فوق المرفق، وفوق الكعب احتياطًا.
وأما نهيه عن صيام يوم الشك.
قلنا: قد أجاب إمامنا ﵁ عن ذلك فقال:/ الشك على ضربين، يوم الشك في الصحو، وهو أن يتتارك الناس الترائي للهلال، أو يخبر برؤيته واحد فاسق، فهذا كله يورث شكًّا، ولا يجوز الصوم، فحمل النهي عليه، ويكون الشك في الغيم، فيجب الصوم تحريًا (^٢)، وفي ذلك جمع بين الأخبار، وهو أولى من الأخذ ببعضها، واطراح البعض، أو نحمله على الصوم عن غير رمضان، إما نفل، أو قضاء، أو نذر، أو كفارة بدلائلنا التي تقدمت.
أما قولهم: عبادة، فلا تجب مع الشك؛ باطل بالمسائل التي قدمناها؛ فإنها تلزم مع الشك.
الثاني: أن الصلاة هو الحجة؛ لأنه إذا تحقق أنه قد مضى من الوقت مالم يبق من مستقبله إلا ما يفعل فيه الصلاة أو يخرج الوقت، وجب فعلها، ولا يبلغ التأخير إلى حد يجوز معه فواتها، على أنا نقول: هذا باطل بالوقوف بعرفة، تقفون ما يجوز أن يكون ثامنًا، وما يجوز أن يكون تاسعًا احتياطًا؛ ولأنه لما لم يجز تقديم الصلاة مع التردد في دخول الوقت؛
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح ص ٣٣٨.
[ ٥٦٦ ]
لأن فعلها قبل الوقت ليس باحتياط؛ لأنها تفوت بالتقديم كما تفوت بالتأخير، ومعنى الفوات: أنها لا تصح، ولا تسقط ما في الذمة، ويكون تقديمها دون تأخيرها؛ لأنها لا تصح فرضًا، وفي التأخير يسقط الفرض بحكم أنها تقع قضاء، فأما الصوم؛ فإنه إن صام يومًا من شعبان لم يقدح في العبادة، وإن أفطر يومًا من رمضان قدح في العبادة، ولأن تأخير الصلاة ترك يجبره الفعل فيما بعد الوقت بالقضاء، وتأخير الصوم يفضي إلى مواقعة الفطر بالأكل والجماع في يوم من رمضان، وفعل المحظور إذا أمكن الاحتراز منه لم يجز الإقدام عليه؛ لأنه لا يمكن تلافيه بعد وقوعه.
قولهم: الغيم ليس بسبب.
قلنا: مسلّم، لكن الزمان سبب صالح،/ والغيم محيل بيننا وبين دليل، فيوقع الفعل لإزالة الشك، وتحصيل يقين أداء ما وجب من تكميل الشهر.
ولهم أن يقولوا: إنما يكون الاحتياط بعد الوجوب، فأما بفعل يخاف أن يكون قد وجب مع جهلنا بوجوبه، فليس لنا في الشريعة مثله، فإن جعلتم التسع وعشرين شهرًا كاملًا، فلا وجه لتوقع الهلال ولا عبرة به، كما لو كملت العدة ثلاثين يومًا، والذي يوضح هذا أنا لا نقدم على إيجاب دون بلاغ الرسالة، وثبوت المعجزة، فإذا كان أصل الخطاب لا يثبت مع الجهل، فكيف يثبت وجوب أعيان العبادات مع الجهل.
وأما التحرير، وقولهم: لم يروا الهلال، ولا أكملوا العدة.
قلنا: باطل بصوم الأسير المحبوس بالتحري، وأما الأصل فذاك تيقن كونه من شعبان، وهاهنا بخلافه.
وأما تمسكهم باستصحاب الحال؛ فإنه يصح التعلق به مع سلامة الحال، أما مع هذا الحال فلا يصح التمسك به، وقد بينا تغير الحال، والدليل الصالح لشغل الذمة على ما مر.
وأما قولهم: شكٌ، فلا يلزم الصوم.
[ ٥٦٧ ]
قلنا: يلزم عليه آخر شهر رمضان إذا غمّ الهلال، فإنه شك، ويلزم معه الصوم؛ لأن الظاهر عدمه؛ إذ لو كان لشاهده الناس؛ فإن الحرص على رؤيته متوفر؛ إذ لا يتفق الكل على ترك الترائي؛ إذ لا يتفق الكل في العذر، فلو رأى لأخبر به، وقل أن يتفق مثل هذا العارض، فلا يؤدي إلى الإسقاط، والغيم عام الوجود في الشتاء، والفصلين، فيفضي إلى ترك الصوم، والإخلال به إذا تجنب صومه مع الغيم، ولهذا غلَّب أبو حنيفة الصوم في إيجابه بشهادة الواحد في الغيم، ولم يغلِّب الصوم بشهادة الواحد في الصحو (^١) لهذه العلة، وأن الغالب/ في الصحو اشتراك العدد الكثير في الرؤية، وفي الغيم قد يلوح الواحد في بقعة من الجو مخصوصة يطلع فيها الهلال بين غيمين، ثم يطبق دونه الغيم.
وأما البعد؛ فإنه يوجد في كل مكان بالإضافة إلى غيره من البلاد، فلو أوجبنا الصوم لأدى إلى تقديم الصوم على الشهر أبدًا، وذلك منهي عنه شرعًا، حيث قال: «لا تقدموا الشهر باليوم، واليومين» (^٢)، فلا يبقى لنا محل للنهي إذا قدمنا في كل شهر [لتجويز] (^٣) طلوع الهلال في إقليم آخر، لم يبق إلا أنا نحمل النهي على الصحو، ونحمل تلك ما ذكرناه على الغيم، وما وصل إلينا خبره من الرؤية بتشاغله، وما لم يصل بقينا فيه على حكم الأصل.
وأما الشهادة المردودة فتلك كلا شهادة، والغيم مغطٍ، ومخيل، وليس يمنع الغيم من كون الهلال وراءه، وكلام الفاسق يرجح عندنا كذبه.
فإن قيل: قد تكرر قولكم: الأحوط للصوم؛ ومعلوم أنه قد استوى في الشرع اعتقاد ما ليس بواجب واجبًا، واعتقاد إسقاط ما هو واجب في التكفير إذا كان طريقه قطعيًّا، والتفسيق إذا كان طريقه موجبًا للتفسيق، فالتخطئة فيما دون ذلك، فما معنى الأحوط والحال هذه؟
_________________
(١) تقدّم توثيقه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (لتحقير)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٥٦٨ ]
قلنا: إذا تقرر في الشرع أن المتردد بين الحظر والإباحة يغلب الحظر فيه، وإيجاب الترك، وإيجاب الفعل فيما يتردد بين الإيجاب وغيره، فقد بان أن جانب الإيجاب أرجح، وذلك واضح في العقليات؛ فإن الإنسان لا يجوز له اعتقاد الجهالات، بل يجب عليه نفيها عنه جهده، لكن متى تردد الأمر بين المضرة والسلامة في سلوك طريق، أو تناول/ طعام، أو شراب كان الترك في العقل هو الموجب للاحتراز، والاحتياط، ولا يقبح التحرز من حيث كان اعتقاد جهالة؛ لأنه ما اعتقد إثبات الضرر، لكن احترز من وقوع الضرر لتجويزه، وكما أن دفع الجهل واجب، تحرز العاقل من المضر أوجب، فرجح بهذا جانب الأحوط، وبطل ما ذكرتم من التسوية مع التردد، وبأن التسوية حاصلة مع عدم التردد، وإنما نمنع أن نعتقد وجوب ما لم يتردد، أو اعتقاد نفي وجوب ما تحقق وجوبه، ولم يتردد، كالذي يكفر باعتقاده، وأما المتردد فلا يكفر، ولا يفسق باعتقاده وجوبه الاحتياط، فبطل ما قالوه، وصح ما قلنا، والله أعلم.
[ ٥٦٩ ]