إذا وطئ وكفَّر، ثم عاد فوطئ في يومه لزمته كفارة ثانية (^١)، نص عليه أحمد (^٢)، واختاره مشايخنا؛ الخرقي (^٣)، وأبو بكر عبد العزيز (^٤)، والقاضي (^٥).
وعند أكثر الفقهاء: لا يلزمه كفارة ثانية (^٦).
لنا:
حديث الأعرابي: «وقعت على امرأتي في رمضان» (^٧)، وفي لفظ آخر: «أصبت أهلي»، قال: «أعتق رقبة» (^٨).
النبي ﵇ أوجب عليه الكفارة بمجرد قول الأعرابي: هلكت، وأهلكت، فلما قال له: «ماذا صنعتَ»؟ قال: واقعتُ أهلي في نهار رمضان، ولم يقل له: هل كنت صائمًا، أم لا؟ فدل على تعلّق الحكم بمجرد/ الإهلاك بالوطء في نهار رمضان، فاعتبار وصف آخر لحكم لا مستدل له أصلًا.
_________________
(١) ينظر: الإرشاد ص ١٠٥، الفروع ٣/ ٨١، الإنصاف ٣/ ٣٢٠.
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٢٦٠، الإنصاف ٣/ ٣٢٠.
(٣) ينظر: متن الخرقي ص ٥٠.
(٤) ينظر: الروايتين والوجهين ٢/ ٣٣٥.
(٥) ينظر: الجامع الصغير ص ٩٠.
(٦) ينظر للحنفيّة: المبسوط ٣/ ٧٤، الجوهرة النيرة ١/ ١٤١. وللمالكيّة: مواهب الجليل ٢/ ٤٣٥، الكافي ١/ ٣٤٣. وللشافعيّة: حلية العلماء ٣/ ٢٠١، المجموع ٦/ ٣٣٧.
(٧) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر ٣/ ٣٢، ح ١٩٣٦، ومسلم، كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم ووجوب الكفارة الكبرى فيه وبيانها، وأنها تجب على الموسر والمعسر وتثبت في ذمة المعسر حتى يستطيع ٢/ ٧٨١، ح ١١١١ من حديث أبي هريرة.
(٨) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء، فتصدق عليه؛ فليكفر ٣/ ٣٢، ح ١٩٣٥، ومسلم كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم ووجوب الكفارة الكبرى فيه وبيانها، وأنها تجب على الموسر والمعسر، وتثبت في ذمة المعسر حتى يستطيع ٢/ ٧٨٣، ح ١١١٢ من حديث عائشة.
[ ٦٠٥ ]
فإن قيل: لا حجة لكم في هذا الحديث؛ لأن الأعرابي كان صائمًا؛ لأنه قال: هل أتيت إلا من الصوم؟
قلنا: ذلك علم بعد إيجاب الكفارة بقوله: «أعتق رقبة»، وهذا قاطع.
والفقه في المسألة أنا نقول: وطء محرّم لحرمة رمضان، فوجب به الكفارة، دليله: الوطء الأول، والوصف مناسب، فإن هناك حرمةَ رمضان بجماع، صالحة لإيجاب الزاجر، وهو الكفارة، وليس في الأصل زيادة مؤثرة على وجوب الإمساك، وتحريم حرمة الإمساك بالوطء؛ وهذا لأن الكفارة تجب لحرمة الزمان دون الصيام بدليل أنه لو طلع الفجر وهو مولج فاستدام وجبت الكفارة، ولا صوم هناك، وبدليل: أن الوطء إذا وجد في قضاء رمضان لا كفارة لأجل عدم زمان رمضان، وكذلك صيام النذر، والكفارة، والتطوع، وإذا ثبت أن الكفارة تجب لحرمة الزمان، فالحرمة موجودة، فينبغي أن تجب الكفارة، ودليل بقاء الحرمة: تحريم الجماع، ووجوب الإمساك على هذا الشخص، يدل عليه أنّا نأمر بالإمساك من لا يُعتدّ بإمساكه بحرمة رمضان، وهو الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما، وكذلك الصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق، والمسافر إذا قدم، فأما من هَمَّ بالإمساك بعد زوال أعذارهم، ولا يلزمنا على الطريقة من أفطر لعذر من مرض، أو سفر، أو جنون، أو كفر، ثم زال العذر في بعض النهار، فإنا إن قلنا: يلزمه إمساك بقية يومه فوطئ فعليه الكفارة، وقد قال أحمد - فيما رواه حنبل - في مسافر قدم في آخر النهار فواقع أهله قبل الليلة: عليه القضاء والكفارة، وإن قلنا: لا يلزمه الإمساك - على ما رواه ابن منصور - فالوطء/ هناك غير محرم (^١)، ولا يلزم إذا لم يكن قد كفّرَ؛
_________________
(١) في حكم الإمساك بقية اليوم لمن يباح لهم الفطر إذا زالت أعذارهم أثناء النهار؛ روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما: يلزمهم الإمساك، وقد نص على ذلك المروزي. [ينظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه رواية المروزي ٣/ ١٢٣٥]. والثانية: لا يلزمهم، وهو مفهوم ما ذكره المروزي. [ينظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه رواية المروزي ٣/ ١٢٢١، مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ ١/ ١٣٢، الإنصاف ٣/ ٢٨٣]. وحكم من جامع من هؤلاء مبني على القول بلزوم الإمساك وعدمه، قال المرداوي في الإنصاف ٣/ ٢٨٤: «إذا قلنا لا يجب الإمساك فقدم مسافر مفطرًا فوجد امرأته قد طهرت من حيضها جاز أن يطأها»، وقال ابن قدامة في المغني ٣/ ١٤٦ «فإذا جامع أحد هؤلاء بعد زوال عذره، انبنى على الروايتين في وجوب الإمساك؛ فإذا قلنا يلزمه الإمساك فحكمه حكم من قامت البينة بالرؤية في حقه إذا جامع، وإن قلنا لا يلزمه الإمساك فلا شيء عليه».
[ ٦٠٦ ]
لأنه يقع التكفير عنه - أيضًا ـ، ولا يخص التكفير الوطء الأول؛ لأن كل متداخل يتعلق الوجوب بآحاده، كالرِّينات (^١) المتتابعة.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الوطء صادف صوم رمضان المستحق عليه، فلهذا لزمته الكفارة، وفي مسألتنا لم يصادف صومًا، وإنما صادف فطرًا، والتكفير لا يحصل به خير مع الإفطار، ولا يميل الحرمة مع سلب الصحة، وفساد الصوم، فصار كما لو أفطر لمرض، أو سفر، ثم جامع؛ فإنه لا كفارة عليه، كذلك هاهنا.
قلنا: علّة الأصل باطلة على أبي حنيفة بمن ابتدأ الصوم في الحضر، ثم سافر ووطئ في صومه؛ فإن الوطء صادف صوم رمضان المستحق عليه، ومع هذا لا يجب عليه الكفارة عنده، وكذلك إذا وطئ المقيم وهو صائم ثم مرض في أثناء النهار (^٢).
وأما علة الفرع ولا نسلمها؛ فإن وطأه صادف صومًا منجمًا عليه لازمًا له، إنما لا يجزئه في مرضه لاختلال شرط من شروطه، وهذا كما يجب في صلاة من لا يجد ماء ولا ترابًا، فيصلي فيسهو؛ فإنه يجب عليه سجود السهو، وإن لم تكن الصلاة مجزئة في المرض إلا أنها في باب الجبران مساوية، وكذلك الجنابة في الحج الفاسد يجب بها الكفارة وإن لم تجز عن المرض، ويبطل على مالك والشافعي بما إذا أصبح مجامعًا فاستدام؛ فإنه لم يصادف وطؤه صومًا، ومع هذا فإنَّ الكفارة تجب عليه (^٣)، كذلك هاهنا ولا فرق.
_________________
(١) الرينات جمع، ومفرده رينة، وهي الخمرة، سميت بذلك لأنها ترين على العقل، أي تغلب عليه. [ينظر: تهذيب اللغة ١٥/ ١٦٣، تاج العروس ٣٥/ ١٣٣].
(٢) ينظر: الأصل ٢/ ١٦٧، بدائع الصنائع ٢/ ١٠١.
(٣) ينظر: التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤١٧، المجموع ٦/ ٣٠٩، روضة الطالبين ٢/ ٣٦٥.
[ ٦٠٧ ]
طريقة أخرى: أنها عبادة تجب بالوطء، فيها كفارة، فوجبت الكفارة مع فسادها، دليله الحج.
أو نقول/ عبادة تجب بالجماع فيها كفارة، فجاز أن تكرر الكفارة بتكرر الجماع فيها، كالحج، والأولى في ذلك أن زمان رمضان في نفسه من غير تلبس بالصيام يحرم المحظورات، حتى إن من لم ينوِ الصوم من الليل وأصبح، حرم النهار عليه تناول ما يحصل به الإفطار، ونفس زمان الحج من غير شروع في إحرام لا يحرم.
فإن قيل: لا يسلم التعلّق بالحج من أوجه:
أحدها: أن الحج لا يخرج منه بالإفساد بخلاف الصوم، وينعقد الإحرام مع الفساد، ويجب المضي فيه بعد الإفساد خصيصة له من بين سائر العبادات، كما اختص بالانعقاد مع الإبهام، والحوالة على إحرام فلان وفلان، ثم يعقد البيان بماذا أحرم، كما أحرم عليٌّ ﵁، فقال: إهلال كإهلال رسول الله - صلَّى الله عليه - (^١)، ويهلّ به من نافلة من عليه فرضه فينعقد فرضًا، فدل على غيره عن غيره.
الثاني: أن ذاك يسمى محرمًا بعد الإفساد، وهذا لا يسمى صائمًا.
الثالث: أنّ الحج أدخل في باب الكفارة، ولهذا تجب الكفارات بارتكاب محظوراته جميعها من الطيب، واللباس، وتقليم الأظفار، وغير ذلك، ولهذا تجب الكفارة سواء تجبر بالتكفير، أو لم تنجبر، كفّر أو لم يكفر عن الأول.
قلنا: لا فرق بينهما عندنا؛ فإنه لا يخرج من الصوم بالإفساد، بل يجب عليه المضي فيه مع فساده ويحرم فيه بعد الإمساك ما كان يحرم قبله من الأكل، والشرب، والاستمتاع.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار، كتاب المناسك، باب من أهل ينوي أن يكون تطوعًا أو عن غيره أو قال إحرامي كإحرام فلان ولم يكن حج حجة الإسلام ٧/ ٣٥، ح ٢٨٠٥.
[ ٦٠٨ ]
فإن قالوا: يجوز خروجه من الصوم بعذر، كالمرض، والسفر، والحج لا يجوز خروجه منه بحال.
قلنا: لا نسلم؛ فإنه يخرج من الحج بالإحصار، والمرض، وإذا شرط فلا شيء عليه إذا خرج.
قوله: هناك يسمى محرمًا، وهاهنا لا يسمى صائمًا.
قلنا: هذه تسمية فارغة عن مقتضى/ الإطلاق، [فيقال] (^١) محرم إحرامًا فاسدًا، أو يسمى هذا بالإمساك صائمًا صومًا فاسدًا، على أنه لا يجوز أن يكون التكفير لزم لأجل الاسم مع تَعَرِّيهِ من المعنى.
وقوله: إن الحج أدخل في باب الكفارة.
قلنا: الكفارة العظمى مع القضاء لا تجب إلا بالوطء خاصة، وكذلك في الصوم لا تجب الكفارة مع القضاء إلا بالوطء.
فأما نفيه [لمحظورات] (^٢) الصوم، فيجب بها شيء واحد، وهو القضاء، وكذلك في الحج يجب به شيء واحد، وهو التكفير، على أن حرمة الإحرام آكد حرمة من الحرم، وقد استويا في قتل الصيد، جاز أن يكون ها هنا كذلك، ولا فرق.
طريقةٌ أخرى، وذلك أنَّا نقول: لا يخلو وجوب الكفارة، إما أن يكون بالوطء في الصوم، أو بحرمة الزمان، لا جائز أن يجب [بالصوم] (^٣)؛ لأن قضاء رمضان، والنذر لا تجب به الكفارة، فثبت أنه بحرمة الزمان، وهي موجودة في هذا الوطء.
فإن قيل: هاهنا قسم آخر، وهو أنها تجب لهتك صوم رمضان، والصوم غير موجود ها هنا.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (فيقام)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (المحظورات)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (الصوم)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٦٠٩ ]
قلنا: فلو نوى المسافر والمريض الصوم، ثم وطئ، فقد هتك صوم رمضان، ولا كفارة، والعلة أن الوطء مباح له؛ لأن الإمساك لا يلزمه مع العذر، وهاهنا الإمساك لازم له، والوطء محرم عليه، فإذا ارتكبه فقد هتك حرمة إمساك رمضان الواجب عليه، فيجب أن يلزمه التكفير، ثم يبطل على مالك، والشافعي إذا طلع الفجر وهو يجامع فاستدام؛ فإن وطأه لم يصادف صومًا، ومع هذا فإنّ الكفارة واجبة عليه (^١)، وكذلك من أصبح ولم ينوِ عند أبي حنيفة، ووطئ فإنه ليس بصائم، وإنما هو ممسك حتى ينوي، فيصير صومًا شرعيًّا، ثم الكفارة واجبة عليه في أظهر الروايتين/ عنده (^٢).
وقالوا: رواية إسقاط الكفارة رويت في النوادر، وهي ضعيفة، ثم تنكسر بمن جامع في الحج، ثم كفر وعاد جامع؛ فإن وطأه لم يصادف إحرامًا صحيحًا، ومع هذا فإن الكفارة تجب عليه، فبطل ما ذكروه أن يكون علة صحيحة من هذه الوجوه، وبالله التوفيق.
طريقة أخرى نقول: التكفير تطهير يجب للزجر، والردع عن المحظورات، وعن الوطء المحرم، فإذا استؤنف الوطء المحرم بعده وجب ثانيًا، دليله الحد في باب الزنا لو وطئ، ثم عاد فوطيء، لزمه حد [ثان] (^٣)، وإذا كان ذلك في الحد الذي يسقط بالشبهة، فالكفارة التي تجب مع الشبهة أولى بالوجوب.
احتجوا:
بأن وطأه صادف فطرًا فلم تجب عليه الكفارة، دليله: إذا لم يكفر عن الأول، وإذا أصبح لا ينوي، وإذا قدم من سفر مفطرًا فوطئ، أو أفطر ثم صحَّ؛ فإن في هذه المواضع لا يجب عليه الكفارة كذلك هاهنا.
_________________
(١) تقدّم توثيقه قريبًا.
(٢) ينظر: المبسوط ٣/ ٨٦، العناية ٢/ ٣٧٠.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (ثاني)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
[ ٦١٠ ]
والتحقيق في ذلك: أن سبب وجوب الكفارة لم يتكرر، فلا تتكرر الكفارة، والدليل على أن السبب لم يتكرر أن السبب إنما هو الإفساد للصوم، وهتك حرمة الشهر، ولم يوجد لا إفساد الصوم، ولا هتك الحرمة، أما الصوم فلا إشكال فيه لأنه بالوطء الأول قد حصل الفطر، وإنما حرم الأكل عليه عقوبةً له، لا لوجوب ضده، ولو وجب ضده مقصودًا كان عليه، ولم يصح دون فعل العبد وقصده؛ فإنّ كل فعل وجب على العبد مقصودًا لا لحظ الدنيا كان بطريق العبادة، وهذا الآن ينجر إلى أن النّهي عن الشيء ليس أمرًا بضده، وأما الحرمة فكذلك؛ فإنها قد انتهكت - أيضًا ـ، وهذا لأنا وإن اختلفنا في أن الشهر هل هو عبادة واحدة إلا أن لا نختلف أن/ اليوم عبادة واحدة، وحرمته واحدة، وقد انتهكت بالوطء الأول، فلا يتصور هتكه ثانيًا؛ لأن هتك المهتوك لا يتصور، كما أن قتل المقتول لا يتصور.
وخرج على كلامنا الحج؛ فإن الذي وجب عليه في الحج بعد الجماع حج، ولذلك وجبت الأفعال حقيقة، إلا أنها ناقصة، فلا يتأدى بها حجة الإسلام، ونقصان صفة الحج لا يمنع الكفارة؛ فإن الكفارة تتعلق بنفل الحج، كما تتعلق بفرضه بخلاف ما عرفته؛ فإن صوم غير رمضان لا يتعلق به الكفارة.
ولأن في الحج وجبت الكفارة بالجناية على العبادة بلا إفساد، وهذا لا نظير له أصلًا.
واحتج بعضهم: بأنه أحد موجبي الوطء، فلم يتكرر تكرار الوطء في اليوم الواحد، دليله القضاء.
ومنهم من قال: بأنها حرمة لم تتكامل؛ لأنها حرمة زمان مجرد عن الصوم، فلا يجب بالوطء فيه كفارة، كما لو وطئ في قضاء رمضان، لما كان صومًا بغير زمان لم تجب كفارة مع كونه صائمًا، فزمان بغير صوم أولى أن لا يجب بالوطء فيه كفارة؛ وهذا لأن الجناية على الصوم في رمضان أوفى من الجناية على النسبية، ومجرد الإمساك، فكما أن الصوم
[ ٦١١ ]
الذي أقيم مقام صوم رمضان، وهو القضاء إذا لم يشرف برمضان لا يتعلق بالجناية عليه كفارة، فالزمان المجرد دون الصوم يجب أن يكون بمثابته؛ فإن الحرمة بها تكمل، وإذا كنا لا نوجب على الأكل، والشراب كفارة؛ فإنه لقصور الأكل، والشرب عن الوقاع، فتفاوت ما بين الإمساك والصوم أكثر من تفاوت ما بين الأكل والجماع.
الجواب:
أنا نقول: قولكم: إن وَطأه صادف فطرًا، هذا ممنوع؛ بل صادف صومًا،/ يدل عليه وجوب المضي فيه، وتحريم الوطء، لم يبق إلا أنه غير مجزئ، وهذا لا يدل على أن العبادة قد فاتت، والدليل على ذلك الحج الفاسد؛ فإنه غير مجزئ، ويجب قضاؤه، ولا يدل ذلك على أنه ليس بحج، كذلك ها هنا وجوب القضاء لا يدل على أنه ليس بصوم، على أن الدليل باطل بمن استدام الوطء بعد الفجر، وتلبس بالوطء في الإحرام الفاسد، فالأصل ممنوع؛ فإنه يجب به كفارة ثانية، ولكنها تتداخل كما في الحدود إذا كانت من جنس واحد، وعلى التسليم إذا لم يكفر فالوطء الثاني صادف هتكًا فلم يوجب، كما لو وطئ في الإحرام ثانيًا قبل أن يكفر، وإذا كفّر فقد زال الهتك وعادت الحرمة متحيرة (^١)، فصار كالوطء الأول، وكذلك لو وطئ في اليوم الأول، ثم وطئ في اليوم الثاني والثالث عند أبي حنيفة قبل أن يكفر عن الأول؛ فإنه لا يلزمه إلا كفارة واحدة، ولو كفر لزمه كفارة ثانية (^٢).
وأما المسافر فقد مرّ جوابه، وكذلك إذا أصبح ولم ينوِ فإنا لا نسلم، ونقول: يلزمه الإمساك، ويحرم عليه الوطء، فإذا وطئ فعليه الكفارة على ما مر.
أما قولهم: إن سبب وجوب الكفارة لم يتكرر.
_________________
(١) يعني راجعة، وهي تأكيد لـ (عادت)، يقال: حار، إذا رجع. [ينظر: مقاييس اللغة ٢/ ١١٧].
(٢) تقدّم توثيقه.
[ ٦١٢ ]
قلنا: هذا ممنوع.
قولهم: السبب إفساد الصوم، وهتك حرمة رمضان.
قلنا: لا نسلم؛ بل السبب هتك حرمة الشهر خاصة، والدليل عليه القضاء؛ فإنه قد وجد إفساد الصوم، لكنه لما حال عن الحرمة لا يجب الكفارة كذلك هاهنا.
ولو سلمنا أن السبب هو إفساد الصوم، فلا نسلم أن الصوم ليس بموجود؛ فإنه عندنا صائم، يدل عليه وجوب الإمساك، وحرمة الوطء على ما مرّ.
قوله:/ الإمساك وجب عقوبة؛ لأنه عبادة.
قلنا: فعل مثله في الحج الفاسد أن الواجب من الأفعال عقوبة، وليس بعبادة، فلمّا لم يقل هذا بطل هاهنا.
قوله: الأمر بالشيء ليس نهيًا [عن ضدّه] (^١).
قلنا: هذا ممنوع، وعندنا الأمر بالشيء نهي [عن ضدّه] (^٢)، على ما عرف في أصول الفقه (^٣).
قوله: إن الحرمة قد انتهكت، وهتكُ المهتوك لا يتصور، كما أن قتل المقتول لا يتصور.
قلنا: بلى قتل المقتول لا يتصور، ولكن قتل المقتول إذا كان لا يتصور، فهتك المهتوك لماذا لا يتصور؟! أليس أن ضرب المضروب يتصور، وشتم المشتوم يتصور، فهتك المهتوك لماذا لا يتصور؟
ثم نقول: ما تفسير قولك: إن هتك المهتوك لا يتصور، نقرّه (^٤) بالإعدام،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (عمده)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (عمده)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ينظر: العدّة ٢/ ٣٦٨، التمهيد ١/ ٣٢٩.
(٤) في الأصل تعليقة من الناسخ فوق كلمة (نقرّه)، فقد كتب فوقها: (بغيره)، والمعنى مستقيم بدونها.
[ ٦١٣ ]
فنقول: بلى إعدام المعدوم لا يتصور، كما أن إيجاد الموجود لا يتصور، لكن ليس تفسيره هذا؛ فإن الحرمة ما انعدمت، الدليل عليه أن الهتك إن كان لا يتصور منه يتصور من غيره، ولو كان تفسيره إعدام المعدوم لكان لا يتصور الهتك من غيره نائبًا، كما لا يتصور منه، ألا ترى أن قتل المقتول كما لا يتصور منه، يتصور - أيضًا - من غيره؟! وها هنا لما تصور الهتك من غيره عرفنا أن ليس تفسيره ما قلتم، ولكن تفسيره إنما هو ترك التعظيم، وترك التعظيم يتصور في كل زمان، كما أن إنشاء التعظيم يتصور في كل زمان، الدليل عليه: أنه [إذا] (^١) صلى صلاة الغداة فإنه يصير تعظيمًا لله - تعالى ـ، ثم إذا صلى صلاة الظهر يصير - أيضًا - معظمًا لله - تعالى ـ، ولم يقل بأن الله - تعالى - واحد، وأنه معظم، وتعظيم المعظم لا يتصور، ومع هذا يتصور تعظيمه مرة أخرى كذلك هاهنا، ولكن إنشاء التعظيم إنما يكون بإتيان المأمور به، وترك التعظيم/ إنما يكون بترك المأمور به، فلما تصور إنشاء التعظيم بإتيان المأمور به مرة بعد أخرى، فكذلك ترك التعظيم، وإن فسرتموه بإدامة الهتك، فلم قلت بأن إدامة الهتك سبب! ولأن إدامة الهتك ليس إلا إنشاء مثله؛ لأن إدامة الفعل لا يتصور؛ لأن الفعل عرض، والعرض لا يبقى زمانين، فدوامه إنما يكون بحدوث أمثاله، وحكم الشيء حكم مثله، فتعلق وجوب الكفارة بالإدامة، كما يتعلق بالإنسان.
جواب آخر: أنّا لا نسلم لهم أن هتك المهتوك لا يتصور، إلا أنّا لا نسلم لأن الهتك قائم؛ لأن الخلاف فيما إذا كان قد كفر عن الأول؛ فإن بالتكفير قد انجبر الهتك، والنقصان إذا انجبر صار كأن لم يكن، فإذا وطئ بعد ذلك فقد تكرر السبب، فتكرر الحكم، وصار هذا كما قال أبو حنيفة: إذا وطئ في يومين (^٢) من رمضان، ولم يكفر عن الأول بكفارة واحدة، وإذا كفر عن الأول وجبت كفارة ثانية (^٣)؛ لأن الهتك قد انجبر بالكفارة الأولى كذلك ها هنا ولا فرق.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) في هذا المكان بالأصل تكرار لقوله: (في يومين).
(٣) تقدّم توثيقه.
[ ٦١٤ ]
وأما قياسهم على القضاء فهو فاسد؛ لأنه لا يجوز اعتبار الكفارة بالقضاء، كما لا يجوز في الحج؛ لأن القضاء لا يتصور أن يجبر به؛ لم يقع الهتك بعده، والكفارة بخلاف ذلك.
ولأن القضاء يجب بالفطر، ولم يوجد الفطر إلا دفعة واحدة ولم ينجبر، والكفارة تجب لهتك الحرمة، وقد هتك حرمة محدودة لرمضان فلزمته كفارة ثانية.
ولأنه لا يجوز أن لا يتكرر القضاء الذي هو البدل، وتتكرر الكفارة، وكذلك إذا قتل جماعة صيدًا مملوكًا وجب على كل واحد منهم جزاء كامل عند أبي حنيفة، ولم يجب على كل واحد منهم قيمته كاملة (^١).
/ وأما قولهم: إن الحرمة لم تتكامل.
قلنا: لا نسلم؛ بل هي كاملة على ما مرَّ، وعلى التسليم، نقول: كمال الحرمة غير معتبر لإيجاب الكفارة، بدليل من طلع عليه الفجر وهو مولج ما كملت الحرمة عند الشافعي، ومع ذلك تجب الكفارة باستدامة الوطء، والصوم غير منعقد، والوطء مستدام لا مبتدأ (^٢)، فالنقص حاصل من وجه، وتجب الكفارة، ويلزم الجميع الوطء في الحج الفاسد، وكذلك ضرب الجنين إذا سقط ميتًا لم يتحقق كماله ويجب، وكذلك تجب الكفارة بقتل الخطأ، ولا يعتبر لها السبب التام، كذلك هاهنا، والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ٢٠٢، مجمع الأنهر ١/ ٣٠٢.
(٢) تقدّم توثيقه.
[ ٦١٥ ]