إذا باعه عينًا وشرط بعض منافعها مدة معلومة صح البيع والشرط، وكذلك إن اشترى شيئًا وشرط منفعته للبائع مثل أن يشتري فلعة (^١) ويشترط على البائع حذوها نعلًا، أو جرزة (^٢) حطب ويشترط على البائع حملها في إحدى الروايتين (^٣)، اختارها الخرقي (^٤)، وعبد العزيز (^٥)، وهي مذهب الأوزاعي، وإسحاق، وابن المنذر، وأبي ثور، وابن نصر المالكي (^٦) (^٧).
والثانية: يبطل الشرط (^٨)، وهل يبطل العقد؟ يجري على الروايتين في الشروط الفاسدة (^٩).
وقال الشافعي: لا يصح جميع ذلك (^١٠).
_________________
(١) الفلعة: القطعة من السنام، وجمعها فلع، وفلع السنام بالسكين إذا شقه، والفلعة: القطعة. [ينظر: تهذيب اللغة ٢/ ٢٤٥، لسان العرب ٨/ ٢٥٦].
(٢) الْجُرْزَةُ: القبضة من القَتِّ، ونحوه أو الحزمةُ منه؛ لأنها قِطعَةٌ، ومنها قوله: باع القَتَّ جُرزًا وما سواه تَصحِيفٌ. [ينظر: المغرب في ترتيب المعرب ص ٨٠].
(٣) ينظر: الهداية ١/ ١٣٥، الإرشاد ص ١٩٠، الإنصاف ٤/ ٣٤٤.
(٤) ينظر: متن الخرقي ص ٦٦، ٦٨.
(٥) ينظر: زاد المسافر ٤/ ١٦١، الإنصاف ٤/ ٣٤٦.
(٦) القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك بن طوق التغلبي البغدادي الفقيه المالكي، كان شيخ المالكية في عصره وعالمهم، ولي قضاء المالكية بمصر آخر عمره، وبها مات، من مصنفاته: التلقين، والمعونة، وشرح الرسالة، وغير ذلك. قال عنه الخطيب البغددي كان ثقة، ولم نلق من المالكيين أحدًا أفقه منه. مات سنة ٤٢٢ هـ[ينظر: تاريخ بغداد ١٢/ ٢٩٢، وفيات الأعيان ٣/ ٢١٩].
(٧) ينظر: المغني ٤/ ٧٣ وقد نسب هذا القول للفقهاء الذين أشار إليهم المصنّف، عدا ابن نصر المالكي فلم أقف على قوله.
(٨) ينظر: الإنصاف ٤/ ٣٤٤، الهداية ١/ ١٣٥.
(٩) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٣٤٩، الإرشاد ص ١٩٠، الهداية ١/ ١٣٥.
(١٠) ينظر: الحاوي الكبير ٥/ ٢١٢، حلية العلماء ٤/ ١٢٩، ٣٩٠، المجموع ٩/ ٣٤٩، ٣٥٦.
[ ٦٥١ ]
وقال أبو حنيفة في المسألة الأوّلة كقول الشافعي، وفي الفلعة والجرزة كقولنا (^١).
الأوّلة:
حديث جابر: أنه كان يسير على جمل قد أعيا، وأراد أن يسيبه قال: فلحقني رسول الله - صلَّى الله عليه ـ، فضربه ودعا لي؛ فسار سيرًا/ لم يَسِرْ مثلَه، ثم قال: «بِعْنِيه بوُقيّة» قلت: لا، ثم قال: «بِعْنِيه بِوُقيّة»، فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل في إثري فقال: «أتُراني إنما ماكسْتُكَ جملَك ودراهِمك، خُذْهما فهما لك». وفي لفظ آخر قال: غزوت مع رسول الله - صلَّى الله عليه - على ناضح لي، فأزحف الجمل، فتأخرت، فزجره النبي ﵇ من خلفه؛ فانبسط حتى كان أمام الجيش، فقال النبي - صلَّى الله عليه ـ: «يا جابرُ، ما أرى جملَك إلا قد انْبَسَطَ» قلت: ببركتك يا رسول الله، قال: «بِعْنِيه ولكَ ظَهْرُه حتى تقْدم»، فبعته، وذكره، وهو حديث صحيح مشهور متفق على صحته، أخرج هذين اللفظين البخاري ومسلم في «صحيحيهما» (^٢)، وقد نص في البيع واستثنى منفعته إلى المدينة.
فإن قيل: هذا الخبر غير مضبوط؛ لأنه قد روي فيه أنه قال: «بِعْنِيه» ثم قال: «قد أخذْتُه بأربعة دنانير ولك ظهرُه إلى المدينة» (^٣)، وفي لفظ آخر قال: «أتبِيعُ نَاضِحَك بدينار، والله يغْفِرُ لك» قلت: يا رسول الله، هو ناضحكم إذا أتيت المدينة، فقال: «أتبِيعُني بدينارين، والله يغفر لك» قال:
_________________
(١) ينظر: المبسوط ١٣/ ١٤ - ١٨، بدائع الصنائع ٥/ ١٦٩، ١٧٢.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الشروط، باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز ٣/ ١٨٩، ح ٢٧١٨، ومسلم، كتاب الطلاق، باب بيع البعير واستثناء ركوبه ٣/ ١٢٢١، ح ٧١٥ واللفظ له.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الوكالة، باب إذا وكل رجل رجلًا أن يعطي شيئًا، ولم يبين كم يعطي فأعطى على ما يتعارفه الناس ٣/ ١٠٠، ح ٢٣٠٩.
[ ٦٥٢ ]
فما زال يزيدني حتى بلغ عشرين دينارًا (^١). وفي لفظ آخر: اشترى فيه رسول الله بعيرًا، وأرجح لي، فلم تزل تلك الدراهم معي حتى أُصِبْتُ يومَ الحرَّةِ (^٢).
قلنا: قولكم: إنه غير مضبوط لا يجوز ألبتة؛ لأنه رواه المحققون، و(^٣) خرّج في الصحاح فإن لم يصح فلا يصح خبرًا أصلًا، على أن جميع الألفاظ لم تختلف في أنه شرط له ظهره، فقد [صح] (^٤) الشرط للمنفعة في جميع الألفاظ فلا يضرّ، ولأن أوقية دراهم وأربعة دنانير سواء؛ فأوقيتهم كانت أربعين درهمًا، ثم يحتمل أنه اشترى منه/ بعيرين في سفرين.
فإن قيل: فلعل الشرط كان سابقًا.
قلنا: في الخبر «بعني ولك ظهرُه» وفي لفظ آخر: بعته واستثنيت ظهره، وهذا في نفس البيع.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات، باب السوم ٢/ ٧٤٣، ح ٢٢٠٥ من طريق محمد بن يحيى قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله، قال: كنت مع النبي ﷺ في غزوة، فقال لي: «أتبيع ناضحك هذا بدينار، والله يغفر لك؟» قلت: يا رسول الله هو ناضحكم إذا أتيت المدينة، قال: «فتبيعه بدينارين والله يغفر لك؟»، قال: فما زال يزيدني دينارًا دينارًا، ويقول مكان كل دينار: «والله يغفر لك» حتى بلغ عشرين دينارًا، فلما أتيت المدينة أخذت برأس الناضح، فأتيت به النبي ﷺ فقال: «يا بلالُ، أعطه من الغنيمة عشرين دينارًا»، وقال: «انطلق بناضحك فاذهب به إلى أهلك».
(٢) أخرجه البيهقي في الكبير، كتاب البيوع، باب المعطي يرجح في الوزن والوزان يزن بالأجر ٦/ ٥٣، ح ١١١٦٨ من طريق شعبة، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله قال: «اشترى مني رسول الله ﷺ بعيرًا فأرجح لي، فلم تزل تلك الدراهم معي حتى أصيبت يوم الحرة، وأخرجه مسلم، كتاب الطلاق، باب بيع البعير واستثناء ركوبه ٣/ ١٢٢٣، ح ٧١٥ من طريق شعبة، عن محارب، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: «اشترى مني رسول الله ﷺ بعيرًا بوقيتين، ودرهم أو درهمين»، قال: «فلما قدم صرارًا أمر ببقرة، فذبحت فأكلوا منها، فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد، فأصلي ركعتين، ووزن لي ثمن البعير، فأرجح لي».
(٣) بهذا المكان في الأصل: (ان)، وبحذفه يستقيم السياق.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (صحح)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٦٥٣ ]
فإن قيل: فلعله لم يكن بيعًا حقيقة، وإنما أوقع عليه اسم شرائه تبركًا، ولهذا قال: «خذْ جملَك ودراهمَك».
قلنا: هذا عدول عن ظاهر الخبر إلى المجاز بلا دليل، فلا يقبل، وقوله: «خذْ جملَك» معناه: الذي كان جملك، كما قال - تعالى ـ: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ (^١)، ومعناه: التي كانت أرضهم وديارهم.
و- أيضًا - روي أنّ عثمان ابتاع من صهيب (^٢) ﵄ أرضًا وشرط وقفها عليه وعلى عقبة (^٣).
وروي عن ابن مسعود أنه ابتاع أمَةً من زوجته، واستثنت خدمتها، فقال له عمر: لا تطأها فإنها مثبوتة (^٤).
وروي أن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي (^٥) جرزة حطب، وشرط عليه حملها إلى البيت (^٦).
_________________
(١) الأحزَاب: ٢٧.
(٢) صهيب بن سنان بن مالك بن عبد بن عمرو بن عقيل بن جندلة بن خزيمة، سبته الروم من الموصل صغيرًا، كناه رسول الله ﷺ أبا يحيى، شهد بدرًا، وهو من السابقين المهاجرين، افتدى نفسه من المشركين بماله، فنزلت فيه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾، كان رجلًا أحمر، شديد الحمرة، كثيرَ شعرِ الرأس يخضب بالحناء، مات بالمدينة سنة ٣٨ هـ ودفن بالبقيع، وهو ابن سبعين. [ينظر: معرفة الصحابة لأبي نعيم ٣/ ١٤٩٦، الاستيعاب ٢/ ٧٣٠].
(٣) لم أقف عليه، ووجدت في المحلى لابن حزم ٧/ ٣٣١ أصلًا لهذا الأثر، من طريق وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن مرة بن شراحيل، قال: باع صهيب داره من عثمان واشترط سكناها.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) النبطي: منسوب إلى النبط والنبيط، وهم نصارى الشام الذين عمروها، وأهل سواد العراق، وقيل جيل وجنس من الناس، ويحتمل أن تسميتهم بذلك لاستنباطهم المياه واستخراجها، واسم الماء النبط، وقيل: بل سمي بذلك من أجلهم واسمهم لفعلهم ذلك وعمارتهم الأرض. [ينظر: مشارق الأنوار ٢/ ٣].
(٦) لم أقف عليه.
[ ٦٥٤ ]
فقد ثبت جواز الشرط منهم في فنون من المنافع شتى، ولم يختلفوا فيه؛ فوجب المصير إليه.
والفقه في المسألة: أنه شرط لا ينافي البيع؛ فصحَّ، دليله إذا شرط أجلًا معلومًا أو خيارًا معلومًا، أو باع بشرط العتق على الشافعي (^١)، أو اشترى [منه] (^٢) فلعة على أن يحذوها له، أو حطبًا على أن يحمله، سلمه أبو حنيفة (^٣).
وإنما قلنا: لا ينافي؛ لأن مثل هذه المدة قد تجب بمطلق البيع، ولهذا لو باع دارًا له فيها متاع لا يمكنه نقله إلا في أيام قلنا: يجب على المشتري أن يتركه لينقل المتاع على ما تيسر له وجرت العادة بمثله، وكذلك لو باعه ثمرًا بعد بدو صلاحها بشرط التبقية فله تركها على رؤوس النخل/ إلى حين الجداد، وكذلك له أن يحبس المبيع على قبض الثمن، وجميع ذلك تأخير عن التسليم في البيع عن العقد والانتفاع بالبيع مدة، فإذا شرطها المشتري فقد شرط الملائم؛ فلم يفسد بل أولى؛ لأنه إذا جاز أن يستثنى حكمًا جاز استثناؤه شرطًا؛ كالخيار لما ثبت حكمًا في المجلس ثبت شرطًا في مدة الثلاث عندنا وعند الشافعي (^٤)، وكذلك العتق لما ثبت حكمًا في عتق الرحم ثبت شرطًا.
فإن قيل: لا نُسلِّم أنه لا ينافي العقد بل هو مناف، أما ما استشهدتم به من المسائل، فالمعنى فيها أن الشرع ورد بذلك مرفقًا في العقد، يستدرك به الظلامة، بخلاف مسألتنا.
قلنا: قد دللنا على أنه غير مناف بثبوت مثله من المسائل، فأما اعتذارهم عنها بأن تم لاستدراك الظلامة فنقول: وأي استدراك في شرط الأجل، أو شرط حذو النعل وما أشبهه، ثم في مسألتنا أثبتها الشرع مرفقًا وتيسيرًا ولا فرق بينهما.
_________________
(١) ينظر: المجموع ٩/ ٣٤٦، روضة الطالبين ٣/ ٤٠٢.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (من)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) تقدّم توثيقه في صدر المسألة.
(٤) تقدّم توثيقه.
[ ٦٥٥ ]
جواب آخر: أن أكثر ما في مسألتنا اشتراط تأخير التسليم مدة، وذلك لا يمنع الصحة كاشتراط تأخير الثمن، واشتراط تأخير المبيع في السلم.
فإن قيل: أما تعلقكم بالأولى وهو ثبوته حكمًا في المواضع التي استشهدتم بها، فغير صحيح؛ لأنه قد يستحق حكمًا ويستثنى شرعًا ما لا يستثنى شرطًا، بدليل منافع البضع في بيع الأمة المزوجة، والحمل في بيع الأمة التي سبقت الوصية بحملها، وإذا قوي باب الاستثناء حكمًا - حتى استثنى البضع والحمل - لم يعتبر به الشرط في باب الاستثناء.
قلنا: الاستثناء هناك لا بحكم العقد، لكن النكاح والوصية عقدان يملك/ بهما البضع والحمل، فوقع العقد على ما بقي من الأمة مسلوبة المنافع والحمل، وما أشرنا إليه واعتبرنا به هو استثناء حكَمَ به العرف في عقد البيع، ولم يخرجه عقد سابق؛ لأنه لمّا باع الثمرة والدار والغرفة ثبت للمشتري بقاؤها على (^١) البائع، وثبت للمشتري الطعام، [و] (^٢) منفعة الغرفة، وللدار لا يعد سابقًا، فبان أن مسألتَي الإلزامِ ليستا من جنس الأصلين اللذين قِسْنا عنهما واعتبرنا الفرع بهما.
طريقة أخرى في المسألة: إذا باع دارًا وشرط سكناها شهرًا وما أشبه ذلك، فحقيقته أنه باع العين مستحقة المنفعة في المدة المشروطة، وهذا لا يمنع صحة البيع، كما لو باعه دارًا مستأجرة وأمَةً مزوَّجة وهو يعلم بذلك، فإن البيع صحيح، فكذلك في مسألتنا، وأما في الصورة الأخرى: فقد ثبت أنه لو استأجره ليخيط له قميصًا صح، ولو باعه خرمة للقميص صح، فنقول: ثنتان يصح إفراد كل واحد منهما بعقد، فإذا جمعهما في عقد واحد جاز أن يصح، دليله الوراقة والصبغ والظئر (^٣) فإن الحبر والنثل (^٤)،
_________________
(١) بهذا المكان في الأصل كلمة: (لحل)، وحذفها هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) الظّئْر: العاطِفةُ على ولد غيرها المُرضِعة له من الناسِ والإبل الذَّكر والأنثى في ذلك سواء. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ١٠/ ٣٤].
(٤) النَّثْلَةُ: الدِّرْعُ عامة، وقيل: هي الواسِعة منها، ونَثَلَ عليه دِرعَهُ يَنْثُلُها صَبَّها. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ١٠/ ١٥١].
[ ٦٥٦ ]
لو باعهما صح، ولو استأجره على عمل الصبغ في الثوب صح، وكذلك النسخ، فإذا جمعا يجوز ذلك في العقد، وكذلك لو استأجرها لمجرد الرضاع صح، ولو باعت اللبن صح، بل هما يدخلان في العقد، وكذلك إذا باعه ثوبًا وعبدًا أو شقصًا (^١) وسيفًا.
فإن قيل: المعنى في الأصل أن مقصوده العمل، وهو النسخ والصبغ، وتدخل العين تبعا كما في البئر في الدار المؤجرة بخلاف مسألتنا؛ فإن العين مقصودة، وعمله فيها مقصود، وهما عقدان في الحقيقة بيع وإجارة بعوض واحد، فيفضي إلى جهالة العوض.
قلنا: لا فرق بينهما/ فإن النثل مقصود، والصبغ مقصود، وكذلك النسخ والحبر، وعلى أنه إذا باع ثوبًا وعبدًا كل واحد منهما مقصود وثمن كل واحد مجهول في الحال، ويصح العقد، ولأن هاهنا الثوب هو المقصود والخياطة تبع، وكذلك حذو النعل، فإنه اشترى منه قميصًا ونعلًا فيجب أن يصح.
احتجوا:
بأن النبي ﵇ نهى عن بيع وشرط (^٢)، وبنهيه ﵇ عن بيعين في بيع (^٣)، وهذا موجود في مسألتنا.
_________________
(١) الشِّقْصُ: طائفة من الشيء، تقول: أعطيته شَقْصًا من ماله، والمِشقَصُ: سهم له نصل عريض لرمي الوحش. [ينظر: كتاب العين للفراهيدي ٥/ ٣٣].
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط، ٤/ ٣٣٥، ح ٤٣٦١ من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط، البيع باطل، والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى، فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا. قال ابن تيمية: هذا حديث باطل ليس في شيء من كتب المسلمين، وإنما يروى في حكاية منقطعة، وقال - أيضًا ـ: قد ذكره جماعة من المصنفين في الفقه ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث، وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء، وذكروا أنه لا يعرف وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه. قال ابن حجر: حديث النهي عن بيع وشرط في إسناده مقال، وهو قابل للتأويل. [ينظر: مجموع الفتاوى ١٨/ ٦٣، ٢٩/ ١٣٢، فتح الباري ٥/ ٣١٥].
(٣) أخرجه الترمذي، أبواب البيوع، باب ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة ٣/ ٥٢٥، ح ١٢٣١، والنسائي، كتاب البيوع، باب بيعتين في بيعة، وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة درهم نقدًا، وبمائتي درهم نسيئة ٧/ ٢٩٥، ح ٤٦٣٢ من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ٦٥٧ ]
والفقه فيه: أنه شرط لا يلائم العقد فأفسده، دليله إذا اشترط أن لا ينتفع بالمبيع أو لا يبيعه، وإنما قلنا: إنه لا يلائمه؛ لأن مطلق العقد يوجب ملك المنافع والتصرف فيها، فإذا شرط قطع ذلك فقد شرط ما ينافيه، فلم يصح.
قالوا: ولأنه شرط منفعة المبيع، فأشبه إذا باعه أمَةً بشرط أن يطأها، أو عبدًا بشرط أن يقطع معه الطريق شهرًا.
قالوا: ولأنه يتضمن هذا العقد بتعلق إجارة فلم يصح، كما لو باعه عبدًا على أن يُعْطيَه المشتري كلَّ شهر درهمًا أجرة منفعته، ولأنه لو شرط تأخير التسليم من غير انتفاع بالمبيع لم يجز، فإذا شرط شرطًا يتضمن الأمرين جميعًا تأخيرَ التسليم والانتفاعَ بالمبيع، كان أولى بالمنع.
الجواب:
أما نهيه ﵇ عن بيع وشرط، فالمراد به الشرط الفاسد، ونحن لا نُسلّم أن في مسألتنا شرطًا فاسدًا، بل [صحيحًا] (^١).
وأما نهيه عن بيعين في بيع فليس في مسألتنا ذلك، إنما في مسألتنا اقتطاع منفعة لا تدخل في البيع، أو شَرْطُ انتفاعٍ ليسَ هو بيع، وإنما الخبر محمول عليه إذا قال: بعتك بعشرة صحاح أو باثني عشر قراضة، أو بعشرة حالة أو بعشرين مؤجلة؛ بدليلنا.
وأما دعواهم أن هذا شرط لا يلائم العقد، فممنوع، بل هو ملائم له على ما تقدم.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (صحيح)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
[ ٦٥٨ ]
الثاني:/ أنه يبطل بشرط الخيار، فإنه يمنع التصرف، فهو غير ملائم ويصح، وكذلك إذا شرط غير [نقد] (^١) البلد، وإذا شرط مكان الإيفاء غير مكان العقد، فإنه لا يلائم العقد، فإن مطلق العقد يقتضي نقد البلد والتوفية موضع العقد، ثم يصح.
ولأنّا قد بيّنا أنّ هذه المنفعة لم تدخل في البيع كمنفعة المؤجرة والمروحة، والمعنى في الأصل أنه شرط ما يحتمل مقصود البيع على الدوام ولا تجر العادة بمثله بخلاف مسألتنا، ولأنه يبطل على الشافعي إذا اشترى عبدًا بشرط العتق (^٢)، وعلى أبي حنيفة إذا شرط حذو النعل وحمل الحطب (^٣).
وأما قياسهم عليه إذا باعه أمة وشرط أن يطأها، أو عبدًا بشرط أن يقطع معه الطريق، أنا لا نسلم أن العلة في الأصل ما ذكرتم، وإنما العلة أن الوطء لا يتاح إلا في ملك، والبائع لم يبق له ملك، وقطع الطريق محرم لا يجوز للمالك الأول استخدامه فيه بخلاف مسألتنا، فإنه شرط منفعة مباحة.
وأما قولهم: إنه يتضمن بيعًا وإجارة.
فلا نُسلِّم أنّه يتضمّن ذلك، وإنما إذا اشترط منفعة شهر فكأنه باعه العين دون منفعة شهر، وإن شرط خياطته فكأنه اشترى منه قميصًا أو نعلًا، ثم هذا يبطل إذا باع ثمرة بعد بدو الصلاح بشرط التبقية، فإنه بيع وإجارة، ويصح عند الشافعي (^٤)، وكذلك إذا اشترى نعلًا وشرط تشريكه، أو حنطة وشرط حملها (^٥)، والمعنى في الأصل أنه شرط أخذ أجرة ما لا يملكه، فلم يجز، بخلاف مسألتنا، فإنه شرط للبائع وهو يملكها، فصح.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (تقلد)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) تقدّم توثيقه.
(٣) تقدّم توثيقه.
(٤) ينظر: روضة الطالبين ٣/ ٥٥٣، أسنى المطالب ٢/ ١٠٣.
(٥) تقدّم توثيقه في صدر المسألة.
[ ٦٥٩ ]
وأما شرط تأخير التسليم ساذجًا من انتفاع، فذاك لا غرض فيه، وله غرض في اشتراط الانتفاع، ألا ترى أنه لو اشترط البائع على المشتري/ أن لا يتصرف ثلاثة أيام، أو لا ينتقل الملك إليه لم يصح؟!
وبمثله لو شرط الارتياد (^١) لجاز ثلاثة أيام تأخر التصرّف تبعًا للاختيار، وصحّ.
وكذلك لو باعه ثمرة وشرط أن ينتفع مدة، أو يؤخر قبضه لما جاز، وإن كانت الثمرة قد بدا صلاحها ثبت له الانتفاع على البائع شرعًا، من غير شرط إلى أوان الجداد، والله أعلم.
_________________
(١) ارتياد الشيء: طلبه. يقال: ارتاد لأهله، يعني: رجع لطلب شيء منهم. [ينظر: المعجم الوسيط ١/ ٣٨١].
[ ٦٦٠ ]