إذا اشترى المضارب أرباب ربّ المال، أو ابنه، أو من يعتق عليه، صح الشراء وانعتق على رب المال، نص عليه (^١).
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا يصح الشراء، ولا يعتقون (^٢).
وكذلك الحكم عندنا في المأذون (^٣)، وكذلك الحكم إذا اشترى زوجة رب المال انفسخ النكاح (^٤)، وهو قول أبي حنيفة (^٥).
_________________
(١) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٣٩١، الهداية ١/ ١٧٥، الإنصاف ٥/ ٤٣٣، كشاف القناع ٣/ ٥١٣. ويترتب على ذلك أمور: صحة الشراء، وينعتق المشتري على رب المال، ويضمن العامل الشخص المشترى بالثمن.
(٢) لهم تفصيل؛ فقال الحنفيّة: المضارب يكون مشتريًا لنفسه، وبالتالي لا يعتق على رب المال. [ينظر: بدائع الصنائع ٦/ ٩٨، مختصر الطحاوي ص ١٢٦، الجوهرة النيرة ١/ ٢٩٣]. وقال المالكيّة: أ - إن كان المضارب وقت الشراء موسرًا عالمًا بعتق المبيع على رب المال فيعتق، ويغرم المضارب لرب المال ثمنه. ب - إن كان عالمًا معسرًا بيع منه بقدر رأس المال وربحه وعتق باقيه. ج - إن كان وقت الشراء جاهلًا عتق المبيع على رب المال ولم يغرم المضارب الثمن. [ينظر: التفريع ٢/ ١٩٩، الشرح الكبير ٣/ ٥٣١]. وقال الشافعيّة: الشراء لا يقع عن المالك بحال، لكن إن اشتراه المضارب بعين مال القراض بطل الشراء، وإن كان في الذمة وقع عن العامل ولزمه الثمن من ماله، فإن أداه من مال القراض ضمن. [ينظر: المهذب ١/ ٥٠٨، روضة الطالبين ٥/ ١٢٩، مغني المحتاج ٢/ ٣١٦].
(٣) ينظر: كشاف القناع ٣/ ٥١٤، الإنصاف ٥/ ٣٣٥، ٣٥٠.
(٤) ينظر: كشاف القناع ٣/ ٥١٤، الإنصاف ٥/ ٤٣٥.
(٥) ينظر: الجوهرة النيرة ١/ ٢٩٤.
[ ٦٩١ ]
وقال الشافعي: لا ينفسخ (^١).
لنا:
أن كل عين جاز لرب المال شراؤها جاز للمضارب شراؤها، دليله: سائر الأموال، وهذا لأن أرباب [ربّ] (^٢) المال مال متقوم قابل للعقود، فصح عقد المضاربة عليه كالأصل سواء.
فإن قيل: ليس كل ما جاز لرب المال ابتياعه جاز للمضارب؛ بدليل الابتياع بأكبر من ثمن المثل والمحاباة يجوز لرب المال، ولا يجوز للمضارب؛ وهذا لأن رب المال ليس تصرفه مقصورًا على ما هو الأحظ، والمضارب تصرفه مقصور على ما فيه طلب الحظ.
قلنا: إنما لم يجز للمضارب ذلك؛ لأنه تصرف يتلف فيه المال من غير عوض، إذا بذل ما زاد على الثمن لا يقابله شيء، والمضارب إنما جَعَلَ له حظًّا من الربح لتنمية المال وتثميره، لا لخسرانه وتنقيصه وتبذيره، وفي مسألتنا قابله حظ يصح المعاوضة عليه، ويقصد مثله في الأعواض، وهو صلة الرحم، ومجازاة الأب التي وضعها الشرع.
فإن قيل: المعنى في الأصل أنه يحصل بابتياعها المقصود، وهو حفظ المالية وحصول الربح، وليس كذلك في القريب؛ لأنه تفويت، وفيه ضرر؛ لأنه إتلاف للثمن بحصول العتق بالرحم، وما دخل رب المال في هذا العقد لتحصيل المكارم، والمجازاة عن الحقوق، إنما دخل فيه طلبًا للأرباح، وثمن المال له.
/ قلنا: لا نمنع أن يكون وقوعه على وجه فيه ضرر، كما قلتم في شراء الزوج لزوجته فيه ضرر عليها، وهو فسخ نكاحها، ولربما كان أوفى من عتق غيرها، وكذلك شراء المكاتب أبا سيده، أو ابنه؛ فإن فيه ضررًا،
_________________
(١) ينظر: تحفة المحتاج ٦/ ٩٥، الغرر البهيّة ٣/ ٢٨٧.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٦٩٢ ]
وهو جواز أن يعجز فيعتق على السيد فتفوته الأكساب، وكذلك إذا ابتاع المضارب عبدًا قد حلف رب المال أن لا يملكه؛ فإنه يصح، فإن كان فيه التزام ضرر هو الكفارة، وكذلك لو ابتاع عبدًا لا يفي ماله بقيمته، وكان على رب المال رقبة عن ظهار، فإنه يلزمه عتقه، وإن لم يلزمه ابتياعه لعجزه عن ملك ثمنه، فبطل التعليل بالضرر بهذه المسائل، ولذلك إن سلموا إذا كان رب المال قد علّق [عبدًا] (^١) لأجنبي على تملك له، فمضى المضارب وابتاعه؛ فإن فيه ضررًا، ويصح ابتياعه، على أنه إذا حقق فلا ضرر؛ لأن المضارب إن كان جاهلًا بذلك لم يغرم كالمغرور، وكمن رمى إلى صف المشركين فأصاب مسلمًا، فلا ضمان لعدم العلم، وقد حصل لرب المال عتق رحمه.
وإن كان عالمًا بأنه قريب رب المال وابتاعه، قال القاضي ﵀: فلم أجد نصًّا عن أحمد في ذلك لا بإيجاب ضمان، ولا بإسقاطه (^٢)، وقياس المذهب أنه يجري مجرى ما لو اشترى المضارب غير ما أُمر به يقف على إجازة ربّ المال، فإن أجاز نفذ، وإن لم يجز لزم المضارب، فعلى هذا لا ضرر عليه؛ لأنه إن أجاز فقد رضي، وما رضى به ربّ المال فلا ضرر عليه فيه، وإن لم يجز فلا يلزمه، وإنما ينفذ في حق المضارب، وقد ذكر أبو بكر جواز ذلك، وذلك في الضمين ثلاثة أوجه:
أحدها: لا ضمان.
والثاني: يضمن قيمة ثمنه، وما حصل فيه من الربح.
والثالث: يكون شريكًا في الربح.
ذكره في كتاب «التنبيه» (^٣).
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (عبد)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) ينظر: الإنصاف ٥/ ٤٣٤.
(٣) لم أقف على الكتاب مطبوعًا، وقد ذكر قول أبي بكر مُسنِدًا إلى كتابه: (التنبيه)؛ المرداوي في الإنصاف ٥/ ٤٣٤.
[ ٦٩٣ ]
وكذا قلنا في الوكيل إذا أزاد في ثمن ما اشتراه أو نقص ثمن ما/ باعه بحكم الوكالة يصح العقد بحكم الإذن، ويرجع عليه بحكم التفريط، قال القاضي ﵁: والمذهب عندي ما ذكرت (^١).
وهذا صحيح؛ لأن عدم العلم أخرجه عن حيز التفريط، وقد أثر عدم العلم في مسائل من ذلك إذا مضى في طريق لم يعلم أنه مخوف، وباع إنسانًا لم يعلم أنه مفلس؛ فإنه لا يضمن ولو علم لكان مفرطًا ضامنًا، وكذلك هذا التفصيل في باب الوصي، وأمين الحكم يفرق بين الحكم وعدمه في هذه المسائل؛ لأجل حصول التفريط مع العلم وعدم التفريط مع الجهل.
فإن قيل: لزوم الضمان يدل على أن العقد وقع على غير الوجه المعدوم فيه، وذلك يوجب بطلان العقد.
قلنا: ليس كذلك؛ بل العقد وقع على الوجه المأذون، وهو أنه قابله عوض المثل، لكن عليه، فإنه يضمن الجناية، ولا يطعن ذلك في صحة العقد قبلها.
فإن قيل: المقصود شراء زوج رب المال يحصل؛ لأنه يتوصل به إلى حصول الربح.
قلنا: إلا أن حصول الربح لا يدفع ما قررنا من الضرر بانفساخ نكاحها، وسقوط حقوق النكاح ومنافعها به.
طريقة أخرى: أنه منصرف بالإذن، فإذا اشترى أبا ربّ المال صح، كالعبد المأذون له في التجارة.
فإن قيل: ذاك يشتري لنفسه، ولهذا لا يعمل فيه بنهي السيد عن شراء سلعة بعينها، وما يلحقه من ضمان لا يرجع به على المولى،
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ٥/ ٣٩٧، ٣٨٠.
[ ٦٩٤ ]
وليس كذلك هاهنا؛ لأن المضارب يشتري لرب المال، ولذلك إذا نهاه عن شراء سلعة بعينها أو بمتاع بعينه لزمه الترك، ويرجع بما يلحقه من ضمان على رب المال.
قلنا: لا نسلم، بل العبد المأذون يشتري لسيده، ويتكيّف عن صحة هذا أنه يعتق عليه رحمه، فلا فرق بينه وبين المضارب، ولا نسلم أن النهي لا يعمل، وهذه مسألة خلافية، ولا نسلم أنه لا يرجع على السيد الضمان؛ بل جميع/ الضمانات تتعلق بذمة السيد.
احتجوا:
بأن الإذن في المضاربة إنما يتناول التصرف على وجه يشمل المال وينميه بتحصيل الأرباح فيه دون ما ينفعه، فإذا اشترى من يعتق عليه خرج عن سمت الوضع، فيجب أن لا يصح.
والجواب عنه: ما قدمنا من أنه لا ضرر على ما بينا من التفصيل وإن حصل من غير عمد ولا قصد، فلا عبرة به، ولا يطعن، كما ذكرنا في تلك المسائل التي يحصل فيها الضرر على وجه الجهالة، والله أعلم.
[ ٦٩٥ ]