إذا قال: «كان له علي وقضيته»، لم يكن ذلك إقرارًا (^١)، نص عليه (^٢)، واختاره عامة شيوخنا؛ الخرقي (^٣)، وأبو بكر (^٤)، والقاضي (^٥).
وهو مذهب عبد الملك بن يعلى (^٦) قاضي البصرة، وسوار بن عبد الله (^٧)، وإياس بن معاوية (^٨)، وربيعة الرأي، ومالك، وإسحاق (^٩).
وفيه رواية أخرى: أنه يكون إقرارًا يؤخذ به، ويسقط الصدر (^١٠)،
_________________
(١) ينظر: الهداية ٢/ ١٥٧، الإنصاف ١٢/ ١٦٨.
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ٣/ ١٠٠.
(٣) ينظر: متن الخرقي ص ٧٦.
(٤) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٣٠٠.
(٥) ينظر: الجامع الصغير ص ١٧٦.
(٦) عبد الملك بن يعلى الليثي، كان قاضيًا على البصرة قبل الحسن، وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، قال عمرو بن علي: مات سنة ١٠٠ هـ. [ينظر: الطبقات الكبرى ٧/ ١٦٢، التاريخ الكبير للبخاري ٥/ ٤٣٧].
(٧) سوار بن عبد الله بن قدامة بن عنزة بن نقب بن عمرو بن الحارث، وكان قليل الحديث، وولي قضاء البصرة لأبي جعفر، كان فقيهًا فصيحًا، أديبًا شاعرًا، مفوَّهًا، مات سنة ٢٤٥ هـ. [ينظر: الطبقات الكبرى ٧/ ١٩٣، تاريخ بغداد ١٠/ ٢٩٠، الثقات لابن حبان ٨/ ٣٠٢، سير أعلام النبلاء ١١/ ٥٤٤].
(٨) إياس بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رئاب، يكنى أبا واثلة، كان قاضيًا على البصرة، يضرب به المثل في الذكاء والرأي والسؤدد والعقل، وكان ثقةً فقيهًا عفيفًا. مات سنة ١٢١ هـ. [ينظر: الطبقات الكبرى ٧/ ١٧٥، وفيات الأعيان ١/ ٢٤٨، الوافي بالوفيات ٩/ ٢٦١].
(٩) ينظر: الذخيرة ٩/ ٣٠٣، الشرح الكبير ٣/ ٤٠٢، المحلى ٧/ ١٠٣. أما إسحاق فالذي وقفت عليه في مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه للمروزي ٦/ ٣٠٠٣ أنه قال: إذا قال الرجل للرجل: له علي مئة دينار، ولي عنه دينار، أما المئة دينار فقد أقرّ بها، وبيّنته على الدينار.
(١٠) ينظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه للمروزي ٦/ ٣٠٠٥، شرح الزركشي ٤/ ١٥٥، المغني ٥/ ١١٨.
[ ٧٠١ ]
ذكرها الشريف واختارها (^١)، وهي قول أكثر الفقهاء (^٢).
الأولة:
أنه لما صح أن يرفع بقوله بعض الجملة التي أثبتها - وهو بالاستثناء - جاز أن ترفع جملتها، دليله: صاحب الشريعة لما جاز أن يرفع بعض ما أثبت بالتخصيص، فيخصص بعض المشركين بالقتل جاز أن يرفع جملتهم، ولا يلزم عليه إذا قال: «له ألف إلا ألف» أنه لا يصح؛ لأن مثله في الأصل لا يصح أن يقول: اقتلوا المشركين لا تقتلوهم، وعلى أن التعليل لجواز دفع الجملة، وهذا إلزام في صفة الرفع، أو يقول: فسر الإقرار بما يحتمله، فيجب أن يقبل ذلك منه، دليله: إذا قال: «له علي ألف إلا خمسين»، ولا يلزم عليه إذا قال: «له ألف إلا ألف»؛ لأن اللفظ لا يحتمل ذلك.
فإن قيل: صاحب الشرع يجوز أن يرفع الجملة متراخيًا، ولا يصح مثل ذلك من المقر.
قلنا: هذا لا يوجب الفرق بينهما في رفع الجملة، كما لم يوجبه في رفع البعض.
طريقة أخرى: ذكرها الإمام أحمد، قال: قوله: كان له عليّ وقضيته، إنما هو إخبار وحكاية عن شيء كان، فلم يكن إقرارًا (^٣).
وهذا صحيح؛ فإن لفظه «كان» لا تقتضي الثبوت في الحال، ولهذا لو قال: كان فلان في الدار لم يعقل/ منه الكون في الحال، ولهذا لو قال لحضرة القاضي مدعيًا على خصمه: «كان لي عليه ألف»، لم يسمع القاضي هذه الدعوى.
_________________
(١) ينظر: الإرشاد ص ٣٣٤.
(٢) ينظر للحنفيّة: بدائع الصنائع ٧/ ٢٠٩، البحر الرائق ٧/ ٢٥٢. وللشافعيّة: المهذب ٢/ ٤٤٢، مغني المحتاج ٢/ ٢٥٥.
(٣) ينظر: الروايتين والوجهين ٣/ ١٠٠، الإنصاف ١٢/ ١٦٨.
[ ٧٠٢ ]
فإن قيل: فلو كان لفظة: «كان» لا تقتضي الثبوت في الحال لما ثبت عليه بهذه اللفظة حق بحال، وإن لم يدع القضاء، ولما لزمه ذلك دل على أن لفظة «كان» تستدعي ثبوت الحق في الذمة.
قلنا: الأصل في «كان» أنها مخبرة عن حال مضت، وما ذكروه قام الدليل على أن الحق يثبت به، وما عداه على حكم الظاهر.
طريقة أخرى ذكرها الشريف أبو جعفر (^١): قول يثبت به الحقوق، فإذا تضمن الإثبات وتعقبه ذكر القضاء لم يمنع الأول صحة الثاني، أو فقضى ذكر القضاء على الإثبات، كالشهادة؛ فإن الشاهدين لو شهدا بأن لزيد على عمرو ألفَ درهم، وقد قضاها قبل قولهما بالقضاء، كذلك الإقرار، ولا فرق بينهما (^٢).
فإن قيل: البينة حجة لإثبات الحقوق، ولإبقائها، فإذا شهدت فالقضاء لمن شهدت عليه بالفرض، وبالأخذ على وجه الضمان قبل ذلك منهما، وصحَّ؛ لأن الحكم بالشهادة المتأخرة يقضي على المقدمة، وليس كذلك المقر على نفسه؛ فإنه لا يصلح أن ينفي بنفسه ما أثبته، والأصل في الشهادة عدم التهمة، والأصل في قول الإنسان لنفسه التهمة.
قلنا: تبطل بالاستثناء؛ فإنه يُتهم فيه، ويصدق، وذلك إذا [ادعى] (^٣) أجلًا، وإذا ادعى غير نقد البلد.
_________________
(١) عبد الخالق بن عيسى بن أحمد، أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي العباسي، إمام الحنابلة في عصره بلا مدافعة، مليح التدريس، حسن الكلام في المناظرة، متقن، عالم بأحكام القرآن والفرائض، قال عنه ابن الجوزي: كان عالمًا فقيهًا، ورعًا عابدًا، زاهدًا، قوَّالًا بالحق، لا يحابي، ولا تأخذه في الله لومة لائم. وكان عند الخليفة معظمًا، حتى إنه وصَّى عند موته بأن يغسله تبركًا به، له تصانيفُ عِدة، منها رؤوس المسائل، وشرح المذهب. مات سنة ٤٧٠ هـ. [ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ٢٣٨، ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٢٩].
(٢) ينظر: رؤوس المسائل، لأبي جعفر الهاشمي ٢/ ٥٧٩.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (دعا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٧٠٣ ]
الثاني أن الشاهدين قد يتهما في ذلك بأن يشهدا زورًا، فكان يجب أن لا يقبل قولهما.
طريقة أخرى: أنه عزا إقراره إلى سبب وجوبه، فوجب أن يقبل منه ما عزاه إليه، دليله: إذا قال: علي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه، وكما لو قال: ألف إلى سنة، أو ذكر نقدا رديئًا/ فإنه يقبل، وكذلك إذا قال له على ألف من ثمن خمر أو ثمن مبيع هلك أو ضمان لشرط.
فإن قيل: المعنى في الأصل أنه لم ينف ما أقرّ به، وهاهنا قد نفاه.
قلنا: يبطل بالاستثناء، فإنه يصح وإن كان نفيًا لما أقر به، وكذلك إذا قال: له ألف هي ثمن هذا العبد والعبد أضعاف قيمة ذلك.
طريقة أخرى: أنه رفع ما ثبت بقوله على وجه لا يفضي إلى التناقض فقبل منه، دليله إذا أقر أنه وطئ جاريته، ثم ادعى الاستبراء قُبِلَ منه، يبين صحة هذا أن وطْأَها يقتضي المنع من عقد النكاح عليها وشغل رحِمِها، وقوله: «إني قد استبرأتها»، دعوى من جهته يقتضي الإباحة وعدم شغل الرحم، ومع هذا يقبل منه.
فإن قيل: ذلك الإقرار على نفسه، وهذا الإقرار على غيره.
قلنا: بل دعوى الاستبراء إقرار على غيره، وأنها إذا أتت بولد لا يلحق به، وإقرار على غيره لمعنى يستدعي جواز العقد عليها.
احتجوا:
بأنّه وصل بإقراره ما يرفعه فلم يصح كما لو قال: له ألف إلا ألف، ولأنه لو رفع الأكثر باستثناء لم يصح عندكم، فأولى أن لا يصح إذا رفع الجملة، ولأن قوله: «له علي ألف» لفظ إيجاب، وهو لفظ يصلح للشوب واللزوم، وإذا كان قد ثبت عليه بقوله ذلك فقوله بعد ذلك: قضيتها، يريد به إسقاط حق عليه، فلم يقبل منه.
الجواب:
أما قوله: «له عليَّ ألف إلا ألف»، أنه يناقض إقراره لفظًا، وهاهنا لا يتناقض إقراره لفظا؛ لأنه يحتمل ما قاله، فينبغي أن يقبل قوله فيه،
[ ٧٠٤ ]
أو لأنه رفع بالصلة جميع ما اعترف به من الوجه الذي أثبته، فلهذا لم يقبل، وهاهنا رفعه لا من الوجه الذي أثبته، فلهذا قبل.
فإن قيل: إن لم يتناقض لفظه إلا أنه رادٌّ على/ نفسه ومكذب لها.
قلنا: لا نسلم هذا، ولو كان رادًّا على نفسه لوجب إذا ادّعى بعد الإقرار أنها مؤجلة أو أنها من ثمن مبيع، وأما استثناء الأكثر فإنما لم يصحّ لما نبينه في المسألة الآتية، وأنه ليس من اللغة وليس كذلك قوله: قضيتها؛ لأنه ليس باستثناء، ولا منعت اللغة من ذلك، بل هو من كلام مبني على ما قبله بناء صحيحًا، كما بني ادعاء الاستبراء لأمته على إقراره بوطئها.
يبين صحة هذا أن من أبطل هذا حَكم باستثناء الأكثر، ومن صحّح هذا أبطل استثناء الأكثر، فدل هذا على أنه لا يجوز اعتبار أحدهما بالآخر.
وأما دليلهم الثالث، فيبطل بالبينة، ولو شهد شاهدان أن لفلان على فلان [ألفًا] (^١) قضاها قبل منه، وكذلك إذا قال: «له عليّ ألف إن شاء الله»، قال أبو حنيفة والشافعي: لا شيء عليه (^٢).
وكذلك قال الشافعي: إذا قال له: ألف، ثم قال: وديعة وهلكت، يقبل منه ذلك، وكذلك إذا قال: «له ألف في علمي، أو فيما أعلم»، قال: لا شيء عليه (^٣).
ويبطل - أيضًا - بالاستثناء، فإنه إذا قال: «له ألف»، لفظ إيجاب، فإذا قال: «إلا مائة» لفظ سقط به عنه المائة، ومع هذا يصح كذلك هاهنا، والله أعلم.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (ألف)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) ينظر للحنفيّة: بدائع الصنائع ٧/ ٢٠٩، الاختيار ٢/ ١٤٢. وللشافعيّة: الحاوي الكبير ٧/ ٧٢، أسنى المطالب ٢/ ٣١٢.
(٣) ينظر: الحاوي الكبير ٧/ ٦٢، أسنى المطالب ٢/ ٢٩٦.
[ ٧٠٥ ]