وطء الحائض يلزم به كفارة في إحدى الروايتين (^١)، وهي مذهب ابن عباس، وبه قال النخعي (^٢)، وقتادة (^٣)، وسعيد بن جبير (^٤)، والحسن (^٥)، والأوزاعي (^٦)، وإسحاق (^٧).
والثانية: يستغفر الله، ولا شيء عليه (^٨)، وهي قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي (^٩).
وفي قدر الكفارة روايتان (^١٠)؛ أحدهما: دينار، أو نصف دينار (^١١).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود ص ٣٩، الروايتين والوجهين ١/ ١٠١، الهداية ١/ ٢٤، الكافي ١/ ٧٤، الإنصاف ١/ ٣٥١.
(٢) ذكر مذهب ابن عبّاس والنخعي ابن قدامة في المغني ١/ ٢٤٤.
(٣) ينظر: الأوسط ٢/ ٢١٠، المجموع ٢/ ٣٦١.
(٤) ينظر: الأوسط ٢/ ٢١٠، المجموع ٢/ ٣٦١.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الأيمان والنذور والكفارات، باب يقع على المرأة وهي حائض ما عليه ٣/ ٨٩، ح ١٢٣٨٠ من طريق منصور، عن الحسن أنه كان يقول: من وطئ امرأته وهي حائض، يرى عليه ما على المظاهر.
(٦) أخرجه الدارمي، كتاب الطهارة، باب من قال: عليه الكفارة ١/ ٧٢٣، ح ١١٥٦ من طريق شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، في رجل يغشى امرأته وهي حائض - أو رأت الطهر، ولم تغتسل - قال: يستغفر الله، ويتصدق بخمس دينار. وينظر - أيضًا - الاستذكار ٣/ ١٨٨.
(٧) ينظر: المغني ١/ ٢٤٤.
(٨) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٠١، الهداية ١/ ٢٤، الإنصاف ١/ ٣٥١.
(٩) ينظر للحنفيّة: تبيين الحقائق ١/ ٥٧، البحر الرائق ١/ ١٩٧. وللمالكيّة: التمهيد ٣/ ١٧٥، الإشراف ١/ ٤٨. وللشافعيّة: حلية العلماء ١/ ٢٥٧، ٢٧٦، روضة الطالبين ١/ ١٣٥.
(١٠) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٦٩، الإنصاف ١/ ٣٥١، المبدع ١/ ٢٦٥.
(١١) على سبيل التخيير أيهما أخرج أجزأه، ذكر ذلك ابن قدامة في المغني ١/ ٢٤٤، ونسب ذلك ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٢٠٩ للإمام أحمد ﵀.
[ ٢٣١ ]
والثانية: إن كان في إقبال الحيض فدينار، وإن كان في إدباره نصف دينار، وهي قول الأوزاعي (^١)، وإسحاق (^٢).
لنا:
ما روى أحمد، وأبو داود، والساجي، وابن أبي حاتم بإسنادهم عن ابن عباس، عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض: «يتصدق بدينار أو بنصف دينار» (^٣)، وهذا أمر، وإطلاقه يقتضي الوجوب.
فإن قيل: هذا الحديث ضعيف؛ لأن شعبة (^٤) رواه موقوفًا على ابن عباس، وإذا كان موقوفًا عليه لم تكن فيه حجة، ولأنه قد روى مِقْسَم (^٥)،
_________________
(١) في الاستذكار ٣/ ١٨٨ ما نصه: «قال الأوزاعي: من وطئ امرأته وهي حائض يتصدق بخمسي دينار»، ولم أقف على قولٍ للأوزاعي غير هذا.
(٢) ينظر: المغني ١/ ٢٤٤.
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب في إتيان الحائض ١/ ٦٩، ح ٢٦٤، وأحمد في مسنده ٣/ ٤٧٣، ح ٢٠٣٢ من طريق يحيى، عن شعبة، ومحمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال الإمام أحمد - كما في مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود ص ٣٩ ـ: «ما أحسنه». وقال ابن أبي حاتم - كما في العلل ١/ ٥٠ - عن أبيه: «اختلفت الرواية، فمنهم من يروي عن مقسم عن ابن عباس موقوفًا، ومنهم من يروي عن مقسم عن النبي ﷺ مرسلًا، وأما من حديث شعبة، فإن يحيى بن سعيد أسنده، وحكى أن شعبة قال: أسنده لي الحكم مرة، ووقفه مرة». وقال الخطابي في معالم السنن ١/ ٨٣: «قال أكثر العلماء: إن هذا الحديث مرسل أو موقوف على ابن عباس ولا يصح متصلًا مرفوعًا».
(٤) شعبة بن الحجاج بن الورد أبو بسطام الأزدي العتكي مولاهم الواسطي، الحافظ الكبير عالم أهل البصرة في زمانه، كان الثوري يعظمه، ويقول: هو أمير المؤمنين في الحديث. وقال الشافعي: لولا شعبة لما عرف الحديث بالعراق. مات بالبصرة سنة ١٦٠ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٤٦٩٠، تاريخ الإسلام ٤/ ٧١].
(٥) مِقْسم بن بُجْرة - ويقال: نجدة - أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له مولى ابن عباس للزومه له، صدوق وكان يرسل. توفي سنة ١٠١ هـ. [ينظر: تقريب التهذيب ص ٥٤٥].
[ ٢٣٢ ]
عن ابن عباس في الذي يقع على امرأته/ وهي حائض: إن كان الدم عبيطًا فليتصدق بدينار، وإن كان أصفر فبنصف دينار (^١).
وفي لفظ آخر رواه عن النبي - صلَّى الله عليه ـ: «من وطئ امرأته وهي حائض فعليه دينار، وإن أتاها بعد ما رأت الدم ولم تغتسل فنصف دينار» (^٢).
وروى عمرو بن شعيب (^٣)، عن أبيه (^٤)، عن جده (^٥) أن رسول الله - صلَّى الله عليه - قال: «من جامع امرأته وهي حائض في أول الدم فليتصدق بدينار، وإن جامع في آخره وقد انقطع قبل أن تغتسل فليتصدق بنصف دينار» (^٦).
_________________
(١) أخرجه البزار ١١/ ٥٥، ح ٤٧٥٠ من طريق أبي جعفر الرازي عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس.
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٤٢٩، ح ٣٤٧٣ حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم، وغيره، عن مقسم، مولى عبد الله بن الحارث، أن ابن عباس أخبره: أن النبي ﷺ جعل في الحائض نصاب دينار، فإن أصابها، وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل، فنصف دينار. وعبد الكريم هو ابن أبي المخارق البصري أبو أمية، وفي حديثه ضعف. [ينظر: تقريب التهذيب ص ٣٦١]. وسيأتي قريبًا كلام المصنّف عنه.
(٣) الإمام، المحدث، عمرو بن شعيب بن محمد ابن صاحب رسول الله ﷺ عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل، القرشي، السهمي، الحجازي، فقيه أهل الطائف، ومحدثهم، وكان يتردد كثيرًا إلى مكة، وينشر العلم، وله مال بالطائف، حدث عن أبيه فأكثر، وحدث عنه: الزهري، وقتادة، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، ومكحول، وغيرهم. مات سنة ١١٨ هـ. [ينظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ١٦٥].
(٤) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل، أبو عمرو القرشي السهمي، سكن الطائف، وحدث عن: جده، وابن عباس، وابن عمر، ومعاوية بن أبي سفيان، واختلف في سماعه من أبيه محمد، ولم يختلف أهل المعرفة في سماعه من جده. روى عنه: ابناه عمرو، وعمر، وثابت البناني، وعطاء الخراساني، وعثمان بن حكيم، وغيرهم. [ينظر: تاريخ الإسلام ٢/ ٩٤٢].
(٥) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي أبو محمد، السهمي، يقال: كان اسمه العاص فغيّره النبي ﷺ، أسلم قبل أبيه، وكان فاضلًا حافظًا عالمًا، قرأ القرآن والكتب المتقدمة، واستأذن النبي ﷺ في أن يكتب حديثه، فأذن له، عمي في آخر عمره. مات بالشام سنة ٦٥ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ٩٥٦، أسد الغابة ٣/ ٢٤٥، الإصابة ٤/ ١٦٥].
(٦) لم أقف عليه.
[ ٢٣٣ ]
على أنه لو قدر صحته فهو محمول على الاستحباب دون الحتم والإيجاب.
قلنا: قد صححه أحمد في رواية أبي داود، فقال أبو داود: سمعت أحمد يقول - وقد سئل عن الرجل يأتي امرأته وهي حائض ـ: ما أحسن حديث عبد الحميد (^١). قيل له: فتذهب إليه. فقال: نعم (^٢).
[وكان] (^٣) عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب - ولي الكوفة لعمر بن عبد العزيز (^٤) - يروي في الرجل يأتي امراته وهي حائض: يتصدق بدينار ولا بأس به (^٥).
وقد روى الناس عنه، وكان يسنده، فأما شعبة فروى عنه يحيى القطان (^٦)،
_________________
(١) عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، الإمام، الثقة، الأمير العادل، أبو عمر العدوي المدني الأعرج، ولي إمرة الكوفة لعمر بن عبد العزيز، وكان قليل الرواية، كبير القدر، توفي بحران سنة نيّف عشرة ومائة. [ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٢٧٠، سير أعلام النبلاء ٥/ ١٤٩].
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود ص ٣٩، تتمّة كلامه: «إنما هو كفّارة، قلتُ: فدينار أو نصف دينار، قال: كيف شئتَ».
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل كلمة غير مقروءة رسمت هكذا: (وياليف)، ولعلّ الصواب ما استظهرته.
(٤) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، أمير المؤمنين أبو حفص القرشي الأموي، ولد بالمدينة سنة ٦٠ هـ، وأمه هي أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكانت خلافته تسعة وعشرين شهرًا، أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذي أحيى ما أميت قبله من السنن، وسلك مسلك من تقدمه من الخلفاء الأربع، قال أنس بن مالك: ما صليت وراء إمام بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز، وكان عمر أميرًا على المدينة، ومناقبه كثيرة يطول ذكرها. مات سنة ١٠١ هـ. [ينظر: الثقات لابن حبان ٥/ ١٥١، تاريخ الإسلام ٣/ ١١٥].
(٥) ينظر: تقدّم تخريج الحديث قريبًا.
(٦) يحيى بن سعيد بن فروخ، مولى بني تميم، الحافظ العلم أبو سعيد البصري القطان الأحول، أحد الأئمة الكبار، ولد أول سنة ١٢٠ هـ، وسمع الكثير، ولزم شعبة بن الحجاج عشرين سنة، قال ابن المديني: ما رأيت أحدًا أعلم بالرجال منه. وقال بندار: إمام أهل زمانه. مات سنة ١٩٨ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٤/ ١٢٤٤].
[ ٢٣٤ ]
وغُنْدَر (^١)، ومعاذ بن معاذ (^٢) مسندًا، وروى عنه وكيع (^٣)، وابن مهدي (^٤) موقوفًا على ابن عباس، ونحن نقول بهما، والرواي إذا صح عنده الحديث تارة يرفعه، وتارة يفتي به.
وأما الأخبار التي ذكروها فجميعها ضعاف؛ فالحديث الأول يرويه عبد الكريم بن [أبي] (^٥) المخارق (^٦) وهو متروك الحديث، وظاهره مُطّرح؛
_________________
(١) محمد بن جعفر أبو عبد الله البصري التاجر الكرابيسي الطيالسي، مولى هذيل، المعروف بغُنْدَر، الحجة الثبت، أحد الحفاظ الأعلام، كان أصح الناس كتابًا، لزم شعبة بن الحجاج عشرين سنة، وكان ربيبه، قال ابن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حكم بينهم. مات سنة ١٩٣ هـ. [ينظر: تهذيب الكمال ٢٥/ ٥، تاريخ الإسلام ٤/ ١١٨٨].
(٢) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان، أبو المثنى العنبري التميمي البصري الحافظ، قاضي البصرة، ولد سنة ١١٦ هـ، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، ما رأيت أحدًا أعقل منه. مات سنة ١٩٦ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٤/ ١٢٠٩].
(٣) وكيع بن الجراح بن مليح، أبو سفيان الرؤاسي الأعور الكوفي، أصله من خراسان ولد سنة ١١٩ هـ، كان رأسًا في العلم والعمل، وكان أبوه الجراح بن مليح ناظرًا على بيت المال بالكوفة، وقد أراد الرشيد أن يولي وكيعًا القضاء فامتنع، قال أحمد: ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع. مات سنة ١٩٧ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٤/ ١٢٣٠].
(٤) عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن، العنبري مولاهم، وقيل: مولى الأزد، أبو سعيد البصري اللؤلؤي الحافظ، أحد الأئمة الأعلام، ولد سنة ١٣٥ هـ، وكان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين ممن حفظ، وجمع، وتفقه، وصنف، وحدث، وأبى الرواية إلا عن الثقات، قال أحمد بن حنبل: هو أفقه من يحيى بن سعيد. وقال: إذا اختلف هو ووكيع فابن مهدي أثبت؛ لأنه أقرب عهدًا بالكتاب. مات سنة ١٩٨ هـ. [ينظر: الثقات لابن حبان ٨/ ٣٧٣، تاريخ الإسلام ٤/ ١١٥٢].
(٥) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليتطابق مع اسمه الصحيح.
(٦) عبد الكريم بن أبي المخارق، أبو أمية المعلم البصري، نزيل مكة، كان أحد الفقهاء العلماء إلا أنه يقول بالإرجاء، وفي حديثه ضعف. مات سنة ١٢٦ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٤٥٥، تقريب التهذيب ص ٣٦١].
[ ٢٣٥ ]
لأنه اعتبر صفات الدم فلا أحد اعتبر ذلك، وكذلك الأحاديث الأُخَر شرط فيها انقطاع الدم، وأنتم لا تشترطون ذلك.
ولأن هذا يؤكد إثبات الكفارة، ويبين تكرر كلام النبي - صلَّى الله عليه - في إيجابها،/ ولأنا [لا] (^١) نقول به في الكيفية، ولا يضرنا في إيجاب أصل الكفارة.
وحملهم إياه على الاستحباب غلط؛ لأن إطلاق الأمر يقتضي الإيجاب، فمن حمله على الاستحباب احتاج إلى دليل.
وروى أبو إسحاق إسماعيل بن سعيد الكسائي (^٢) في كتاب «البيان» (^٣) قال: أخبرنا عيسى بن يونس (^٤)، عن زيد بن عبد الحميد (^٥)، عن أبيه، قال لنا عمر بن الخطاب ﵁ [إنه أتى] (^٦) جارية له فقالت: إني حائض.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم المعنى.
(٢) إسماعيل بن سعيد الفقيه، أبو إسحاق الطبري الكسائي الشالنجي، كان صدوقًا، صنف كتبًا كثيرة منها: البيان في الفقه، وكان أحمد بن حنبل يكاتبه، وكان ينتحل مذهب الرأي ثم هداه الله وكتب الحديث ورأى الحق في اتباع سنة رسول الله ﷺ ثم رد عليهم في كتاب البيان، وكان من أصحاب محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة. مات سنة ٢٣٠ هـ. [ينظر: تاريخ جرجان ص ١٤١، تاريخ الإسلام ٥/ ٥٣٣].
(٣) كتاب: (البيان في الفقه) لأبي إسحاق إسماعيل بن سعيد الشالنجي الكسائي الجرجاني، صنفه في الرد على أهل الرأي، كان يحكي المسألة عن محمد بن الحسن ثم يرد عليه. [ينظر: تاريخ جرجان ص ١٤١].
(٤) عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي أبو عمرو الكوفي الحافظ، أحد الأئمة الأعلام، وشيخ الإسلام، قال أحمد: الذي كنا نخبر أن عيسى بن يونس كان سنة في الغزو، وسنة في الحج، وقد قدم بغداد في شيء من أمر الحصون، فأمر له بمال، فأبى أن يقبله. مات سنة ١٨٧ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: تاريخ الإسلام ٤/ ٩٣٩].
(٥) زيد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي المدني، وقيل هو زيد بن عبد الكبير بن عبد الحميد نسب لجده، مقبول. [ينظر: تقريب التهذيب ص ٢٢٤].
(٦) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته نقلًا من مصادر التخريج المذكورة في الحاشية التالية.
[ ٢٣٦ ]
فكذّبها، فوقع عليها، فوجدها حائضًا، فأتى النبي - صلَّى الله عليه ـ، فذكر ذلك له، فقال: «يغفر الله لك أبا حفص تصدق بدينار» (^١). وهذا أمر، وهو - أيضًا - على الوجوب، هذا هو المعتمد من جانب السنة.
وقد تعرض الأصحاب لضرب من الفقه، فقالوا: وطء حُرّم لعارض، فجاز أن تجب فيه كفارة، دليله وطء المحرِمة، والصائمة، ولا يلزم عليه وطء المظاهر عنها قبل التكفير أنه محرم لعارض ولا تجب به كفارة، لأن ذلك العارض قد يتعلق به وجوب الكفارة، وهو إذا عزم على الوطء فإنه تجب عليه كفارة، ويسند وجوبها إلى ذلك التحريم الذي هو عارض، وهو الظهار.
قالوا: أو نقول: أحد نوعي التحريم الطارئ على البضع (^٢)، فكان منه ما تجب به كفارة كالتحريم الطارئ لأجل عبادة؛ منه ما يوجب كفارة وهو الإحرام والصيام، ومنه ما لا يوجب وهو الصلاة والاعتكاف، كذلك النوع الثاني لغير عبادة يجب أن ينقسم منه ما لا تجب كالردة وغيرها، ومنه ما تجب به وليس إلا الحيض.
وذكروا - أيضًا - أنه وطء في حال الحيض، فجاز أن تتعلق به كفارة، دليله المحرِم إذا وطئ فأفسد/ إحرامه، ثم عاد فوطئ حائضًا قبل أن يكفِّر، فإنه تجب به الكفارة عند الشافعي في أصح القولين (^٣)، وعند أبي حنيفة في غير المجلس (^٤).
_________________
(١) أخرجه حرب في المسائل، كتاب الطهارة ص ٦٠٦، ح ١٢١٧، والحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث ١/ ٢٣٤، ح ١٠٣ من طريق عيسى بن يونس قال: ثنا زيد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن عمر أتى جارية له فقالت: إني حائض، فكذبها، فوقع عليها، فوجدها حائضًا، فأتى النبي ﷺ، فذكر ذلك له، فقال: «يغفر الله لك أبا حفص تصدق بنصف دينار»، وهذا مرسل.
(٢) البُضْعُ بالضم: النكاح، والجمع: بُضوع، وبَضَع الْمَرْأَة بَضْعًا، وباضَعَها مباضَعَة وبِضاعًا: جَامعهَا. [ينظر: لصحاح (٣/ ١١٨٧، المحكم والمحيط الأعظم ١/ ٤١٨].
(٣) ينظر: المجموع ٧/ ٤٠٥.
(٤) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ٢١٨، فتح القدير ٣/ ٥٤.
[ ٢٣٧ ]
ولا يقال هناك: لو كانت طاهرًا وجبت الكفارة، ولأن هناك لا تجب كفارة الحيض، لأنّا لا نُسلّم هذا، ونقول: إذا كانت طاهرًا لا تجب الكفارة، وإذا كانت حائضًا فالواجب عندنا هناك كفارة الحيض.
وذكروا - أيضًا - أن الكفارة حق لله - تعالى - يتعلق بالمال، فجاز أن تتعلق بالذهب، دليله الزكاة.
والمعتمد ما ذكرناه من السنة.
احتجوا:
بأنه وطء حُرِّم لأجل الأذى، فلا يوجب كفارة كالوطء في الموضع المكروه، وكوطء النُفَساء، وهذا لأن الأذى يأباه الطبع، وفي صرف المكلف عنه طبعًا ما يغني عن صارف من الشرع، ولذلك لم يجب الحدّ بشرب مائع نجس، ولا أكل طعام نجس، لمعافاة النفس له واستقذاره، ولا قطع سارق الأشياء التافهة الناقصة عن النصاب لاستقلال النفس له، وحُدّ في شرب الخمر، وسرقة النصاب لتوقان النفس إليه.
قالوا: ولأنه وطء في حيض، فلم تجب به كفارة، دليله إذا وطئها لا يعلم حيضها. يدل عليه أنه لو وطئها بعد انقطاع الدم، وقبل الغسل لا كفارة عليه، وإن كان حدث الحيض باقيًا، كذلك قبل انقطاعه.
يدل عليه أن هذا الفعل لو أوجب كفارة لكانت في نمط الكفارات؛ إما عتق، وإما إطعام، وإما صيام، ولكان ذلك إما تخييرًا، أو ترتيبًا، ولوجب صرفها إلى عدد مخصوص، ولم يجز الاقتصار في دفعها على واحد من المساكين، ولكان/ لها بدل عند التعذر.
ولأنكم قلتم: الكفارة هاهنا يخير فيها بين دينار، أو نصف دينار. وما ثم يرتفع بدينار كيف يرتفع بنصفه.
الجواب:
أنه لا ثبات لقياس مع ورود السنة بإيجاب الكفارة.
[ ٢٣٨ ]
الثاني: أنا نقول: لِمَ قلتم بأنه إذا كان وطء حُرِّم لأجل الأذى لا يوجب الكفارة، ولا نسلم العلة في الأصل؛ وهو أنه حُرِّم لأجل الأذى، على أن ما ذكرتموه ليس بأصل مستمر شرعًا ولا مارًّا على نمط واحد، بدليل أن الزنا بهذه الحائض يوجب من الحد ما يوجِبُه وطء الطاهر، والخمر التي ماتت فيها فأرة، وتغيرت بالنتن والفساد كالخمر السليمة من ذلك، ووطء الشوهاء المسنة كوطء الشابة المستحسنة، والشافعي أوجب الحد على اللائط كإيجابه بالزاني بالنساء في القتل، ووطء البهائم (^١).
والتعازير واجبة بأكل جميع المستقذرات، والوعيد لاحق بأكل كلّ نجس وشربه وإن كان مستقذرًا.
فمتى [كان] (^٢) مَنْعُ الشرع يصادف الطباع حتى تتعلق به، وتعتمد عليه.
وسرقة الأشياء التافهة الجنس تأباها النفوس كالتافهة في المقدار، وذلك كقشور الرمان، والنوى.
والكُدْسُ (^٣) يوجب القطع كما توجب سرقة الديباج، والجواهر، واللآلئ، وخاصة إيجاب الكفارات، فإنها تجب بكل وطء وفعل مما يلائم الطباع كوطء الطاهرات المستحسنات في الحج، والصوم، والاعتكاف، والعمرة، ووطء الحيض، والوطء في الموضع المكروه كل ذلك يوجب الإفساد، والتكفير، ولا يؤثر رادع الطبع في منع رادع الشرع، ولا تقليله.
/ وأما دم النفاس فيوجب الكفارة كدم الحيض سواء.
وأما فصل الناسي فممنوع في أحد الوجهين؛ لأنه أطلق في الخبر وجوب الكفارة، ولأن الخطأ لا يؤثر في الكفارة كغير الخطأ،
_________________
(١) ينظر: روضة الطالبين ١٠/ ٩٠، ٩٢.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) الكُدْس: الطعام المجتمع، وكذلك ما يجمع من دراهم ونحوه، والجمع: أكداس. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٦٤٦، تهذيب اللغة ١٠/ ٢٨].
[ ٢٣٩ ]
وكذلك إذا حلق، أو لبس، أو قتل الصيد ناسيًا وجبت الكفارة، وكذلك الصبي والمجنون إذا قتلا وجبت الكفارة، ولا قصد لهما، كذلك هاهنا.
والوجه الثاني: لا تجب الكفارة لعدم الإثم، على أنه لا يجوز اعتبار العلم بعدمه بدليل أنه [لو] (^١) وطئ الأجنبية يظنها زوجته فإنه لا يجب عليه الحدّ، وإذا كان عالمًا وجب الحدّ، كذلك هاهنا.
وأما إذا وطأها بعد انقطاع الدم وقبل الغسل، قلنا: هناك الحيض قد زال، وإنما بقي حكمه في بعض الأشياء، ولا يجوز اعتبار الحيض ببقاء حكمه في باب الكفارة، كما لم يجز اعتبار الإحرام ببقاء حكمه في وجوب البَدَنَة (^٢)، ولا يجوز اعتبار الحيض بانقطاعه، ألا ترى أن بقاءه يمنع صحة الصلاة، وبقاء الغسل لا يمنع.
وأما قولهم: إنها ليست على نمط الكفارات.
قلنا: الكفارات الناس فيها قائلان؛ قائل يقول: تثبت توقيفًا، وقياسًا. وقائل يقول: تجب توقيفًا فقط، ولا تجب قياسًا. فأما أن نقول: إذا لم تكن على طريق القياس لم تجب. فلا قائل يقول بذلك، وخروجها عن الكفارات إنما كان توقيفًا، والكفارات على الاختلاف؛ ولأن العتق يصرف إلى وجه واحد، والزكاة نوع طُهرة ثم يجوز صرفها إلى واحد عندنا، وعند أبي حنيفة (^٣)، وإذا جاز أن يصرف بعضها إلى عشرة، وبعضها إلى ستين، وبدل الرقبة في بعضها ثلاثة أيام، وبعضها بدل/ الرقبة من الصوم، وبعضها ستين يومًا، ولا معنى للتعلق في إسقاط أصل التكفير لأجل الاختلاف.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) البَدَنَة من الإبل والبقر، كالأضحية من الغنم، تهدى إلى مكة، الذكر والأنثى في ذلك سواء، سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يُسمِّنُونها، والجمع: بُدُون، وبُدُن، وبُدْن. [ينظر: الصحاح ٥/ ٢٠٧٧، المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ٣٥٦].
(٣) ينظر للحنفيّة: المبسوط ٣/ ٨، فتح القدير ٢/ ٦٥. وللحنابلة: متن الخرقي ص ٤٤، شرح الزركشي ٢/ ٤٤٨، الإنصاف ٧/ ٢٣٥.
[ ٢٤٠ ]
وأما قولهم: إنه خير بين الدينار ونصفه، وما ثم يرتفع بدينار كيف يرتفع بنصفه.
قلنا: قد يقوم الأقل مقام الأكثر، بدليل أن عتق الرقبة في كفارة اليمين خُيّر بينه وبين الإطعام، وعتق الرقبة أكثر، وهُما سواء، وكذلك عند أبي حنيفة يجزئ نصف صاع من البر في صدقة الفطر، ويقوم مقام صاع كامل (^١)، ولذلك من ثبت له القصاص خُيِّر بينه وبين الدية، وإن كانت الدية أنقص، وكذلك التخيير بين الماء، وبين الأحجار في الاستنجاء، والماء آكد لرفعه العين والأثر، وقد استويا، وكذلك الإمام خير في الأسارى بين الرق، والفداء، والقتل، وإن كان القتل أعلى الأشياء، وكذلك خير بين الفطر، والصوم، وكذلك المسافر خير بين القصر وهو أنقص، وبين الإتمام وهو آكد، وكذلك المسح على الخفين أنقص من غسل الرجلين، وقد قام مقامه، وغير ذلك من المسائل، جاز أن يكون في مسألتنا كذلك.
فإن قيل: ما بيّنتُم لنا هو نقصان في جنس واحد وهو القصر، وهو من جنس الأرفع وهو الصلاة، وقد أجزأ، والمسح على الخفين من جنس الغسل، وقد قام مقامه في استباحة الصلاة، كذلك هاهنا، والله أعلم (^٢).
_________________
(١) ينظر: تحفة الفقهاء ١/ ٣٣٧، بدائع الصنائع ٢/ ٧٢.
(٢) ذكر المصنِّف هذا الاعتراض ولم يورد جوابه.
[ ٢٤١ ]