(بابُ الأذانِ والإقامةِ)
الأذانُ لغةً: الإعلامُ. قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الجَجّ: ٢٧] أي: أعلمْهُم به. يقالُ: أذَّنَ بالشيءِ يؤَذِّنُ أذانًا، وتأذينًا، كعليم. إذا أعلمَ (^١) به. فهو اسمٌ وُضِعَ موضعَ المصدرِ، وأصلُه من الأُذُنِ، وهو الاستماعُ، كأنَّه يُلقي في آذانِ الناسِ ما يُعلمهم به.
وشرعًا: إعلامٌ بدخولِ وقتِ الصَّلاةِ، أو إعلاثم بقربهِ لفجرٍ.
والإقامةُ: مصدرُ أقامَ. وحقيقتُه: إقامةُ القاعدِ، فكأنَّ المؤذِّنَ إذا أتى بألفاظِ الإقامةِ، أقام (^٢) القاعِدين، وأزالَهم عن قعودِهم.
وشرعًا: إعلامٌ بالقيامِ إليها، بذكرٍ مخصوصٍ فيهما (^٣). ويُطلقانِ على نفسِ الذكرِ المخصوصِ.
وهو، أي: الأذانُ. أفضلُ منها، أي: الإقامةِ.
والأذانُ أفضلُ من الإمامةِ، لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "الإمامُ ضامنٌ، والمؤذِّنُ مؤتمنٌ، اللهمَّ أرْشدِ الأئمةَ، واغفرْ للمؤذِّنين ". رواه أحمدُ، وأبو داودُ، والترمذيُّ (^٤). والأمانةُ أعلى من الضَّمانِ، والمغفرةُ أعلى من الرشدِ. ويشهدُ لفضلِ
_________________
(١) في الأصل: "علم ".
(٢) في الأصل: "إقامةَ ".
(٣) أي: الأذان والإقامة.
(٤) أخرجه أحمدُ (١٢/ ٨٩) (٧١٦٩)، وأبو داودُ (٥١٧)، والترمذيُّ (٢٠٧)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٢١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأذانِ قولُه ﵇: "المؤذِّنونَ أطولُ الناسِ أعناقا يومَ القيامةِ". رواه مسلمٌ (^١).
وقولُه: "من أذَّنَ سبعَ سنين محتسبًا، كتبتْ له براءةٌ من النَّارِ". رواه ابنُ ماجه (^٢).
وهما مشروعانِ بالكتابِ والسنةِ، أما الكتابُ فقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا﴾ [المَائدة: ٥٨]، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَة: ٩]. وأما السنةُ فهي شهيرةُ بذلك، ومنها: حديثُ عبدِ اللهِ ابنِ زيدِ بنِ عبدِ ربِّه، قالَ: لما أمرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بالنَّاقوسِ يُحملُ ليضربَ به للناسِ لجمعِ الصَّلاةِ، طافَ بي وأنا نائمٌ رجلٌ يحملُ ناقوسًا في يدِه، فقلتُ: يا عبدَ اللهِ، تبيعُ الناقوسَ؟ فقال: وما تصْنعُ به؟ قلتُ: أدعو به إلى الصَّلاةِ. قال: أفلا أدُلُّكَ على ما هو خيرٌ من ذلك؟ فقلتُ: بلى. قال: تقولُ: اللهُ أكبرُ. اللهُ أكبرُ. اللهُ أكبرُ. اللَّه أكبر، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ. أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ. أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. حيَّ على الصَّلاةِ. حيَّ على الصَّلاةِ. حيَّ على الفلاحِ. حيَّ على الفلاحِ. اللهُ أكبرُ. اللهُ أكبرُ. لا إلهَ إلا اللهُ. ثمَّ استأخرَ عني غيرَ بعيدٍ، ثمَّ قالَ: تقولُ إذا قمتَ إلى الصَّلاةِ: اللهُ أكبرُ. اللهُ أكبرُ. أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ. أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. حيَّ على الصَّلاةِ. حيَّ على الفلاحِ. قدْ قامتِ الصَّلاةُ. قدْ قامتِ الصَّلاةُ. اللهُ أكبرُ. اللهُ أكبرُ. لا إلهَ إلا اللهُ. فلمَّا أصبحتُ أتيتُ رسولَ اللهِ - ﷺ -، فأخبرتُه بما رأيتُ. فقال: "إنَّها لرؤيا حقٌ إنْ شاءَ اللهُ، فقمْ مع بلالِ فألْقِه عليه، فليؤذِّنْ، فإنَّه أندى صوتًا منْكَ. فقمتُ مع بلالٍ، فجعلتُ أُلقيه عليه ويؤذِّنُ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٨٧) من حديث معاوية بن أبي سفيان.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٧٢٧) من حديث ابن عباس. وضعفه الألباني.
[ ١ / ٢٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
به. قال: فسمعَ ذلك (^١) عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللَّه تعالى عنه، وهو في بيتِه، فخرجَ يجرُّ رداءَهُ يقولُ: والذي بعثَكَ بالحقِّ يا رسولَ اللهِ، لقدْ رأيتُ مثلَ الذي رأى. فقالَ رسولُ اللَّه - ﷺ -: "فللَّه الحمدُ". رواه أحمدُ وأبو داود، واللفظُ له، وابنُ ماجه (^٢).
وأخرجَ الترمذيُّ بعضَه، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي "الصحيحين" (^٣) عن أنسٍ قال: لما كثرَ الناسُ، ذكروا أنْ يُعلِموا وقت الصَّلاةِ بشيءٍ يعرفونَهُ، فذكروا أنْ يوقِدوا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فأُمِرَ بلالٌ أنْ يشفعَ الأذانَ، ويوترَ الإقامةَ.
"فائدةٌ": يُسنُّ أذانٌ في يمنى أذني مولودٍ، ذكرٍ أو أنثى، حينَ يولَدُ، وإقامةٌ في أذنِهِ اليسرى، لخبرِ ابنِ السُّنِّي (^٤) مرفوعًا: " مَنْ وُلِدَ له مولودٌ، فأذَّنَ في أذنِه اليمنى، وأقامَ في أذنِه اليسرى، لم تضرَّه أم الصبيانِ ". أي: التابعةُ من الجنِّ. وروى الترمذيُّ (^٥): أنَّه - ﷺ - أذَّنَ في أُذنِ الحسنِ حينَ ولدتْه فاطمةُ. وقال: حسنٌ صحيحٌ. وليكون إعلامُه بالتوحيدِ أوَّلَ ما يقرعُ سمَعه عند قدومِه إلى الدنيا، كما يلقَّنُ عند خروجِه منها، ولأنَّه يطردُ الشيطانَ عنه؛ لأنَّه يُدْبِرُ عند سماعِ الأذانِ. وفي "مسند"
_________________
(١) سقطت: " ذلك " من الأصل.
(٢) أخرجه أحمدُ (٢٦/ ٤٠٢) (١٦٤٧٨)، وأبو داود (٤٩٩)، وابنُ ماجه (٧٠٦)، والترمذي (١٨٩)، وحسنه الألباني.
(٣) أخرجه البخاري (٦٠٦)، ومسلم (٣٧٨).
(٤) أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٢٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٨٦١٩) من حديث عليٍّ. قال الألباني في "الإرواء" (١١٧٤): موضوع.
(٥) أخرجه الترمذي (١٥١٤) من حديث أبي رافع. وحسنه الألباني.
[ ١ / ٢٢١ ]
وهما فرضُ كفايةٍ
ابنِ رزين: أنَّه ﵇ قرأَ في أذنِ مولودٍ سورةَ الإخلاصِ. قال في "شرح المنتهى" للمصنِّفِ (^١): والمرادُ: أُذُنُه اليُمنى.
"فرعٌ": قال في "الإنصاف" (^٢): يكفي مؤذِّنٌ واحدٌ في المصرِ، نصَّ عليه.
وقال جماعةٌ من الأصحابِ: يكفي مؤذِّنٌ واحدٌ، بحيثُ يُسمِعُهم. قال المجدُ وابنُ تميمٍ وغيرُهما: بحيث يحصلُ لأهلِه العلمُ.
وقال في "المستوعب ": متى أذَّنَ واحدٌ، سقطَ عمَّن صلَّى معَه، لا عمَّنْ لم يُصَلِّ معه، وإنْ سمِعَه. سواءٌ كان واحدًا أو جماعةً، في المسجدِ الذي صُلِّي فيه بأذانٍ أو غيرِه. وقيلَ: يستحبُّ أنْ يؤذِّنَ اثنان. وجزمَ به في "الحاويين ". قال في "الفروع": ويتوجَّه في الفجرِ فقطْ، كبلالٍ وابنِ أمِّ مكتومٍ، ولا تستحبُّ الزيادةُ عليهما على الصحيحِ. جزمَ به في "المغني" والشارح وغيرهما، وقدَّمَه في "الفروع" وابنُ تميمٍ.
وقال القاضي: لا تُستحبُّ الزيادةُ على أربعةٍ، لفعلِ عثمانَ إلا من حاجةٍ. وتابعَهُ في " المستوعب " و" الرعايتين ".
والأَوْلى أنْ يؤذِّنَ واحدٌ بعد واحدٍ، ويقيمَ مَنْ أذَّنَ أوَّلًا. وإنْ لمْ يحصلْ الإعلامُ بواحدٍ، يزيدُ بقدرِ الحاجةِ، كلّ واحدٍ من جانبٍ، أو دفعةً واحدةً بمكانٍ واحدٍ، ويقيمُ أحدُهم.
ولا يجوزُ أخذُ الأجرةِ عليهما. وقيلَ: يجوزُ إن كان فقيرًا، وكذا كلّ قُربةٍ.
_________________
(١) "معونة أولي النهى" (١/ ٤٦٢).
(٢) " الإنصاف " (٣/ ٥٤).
[ ١ / ٢٢٢ ]
في الحَضَر على الرِّجال الأحرارِ، وئسنَّان للمُنفَرِدِ، وفي السَّفَرِ
(وهما) أي: الأذانُ والإقامةُ (فرضُ كفايةٍ) لحديثِ: "إذا حضرتِ الصَّلاةُ، فليؤذنْ لكمْ أحدُكم، وليؤمَّكمْ أكبُرُكم ". متفقٌ عليه (^١). والأمرُ يقتضي الوجوبَ. ولأنَّهما من شعائرِ الإسلامِ الظاهرةِ، كالجهادِ. ولا يُشرعانِ لكلِّ مَنْ في المسجدِ، بلْ يكفيهم المتابعةُ، وتحصلُ لهم الفضيلةُ، كقراءةِ الإمامِ قراءةٌ للمأمومِ. وهو من مفرداتِ المذهبِ.
(في الحضرِ) أي: في القرى والأمصارِ (على الرِّجالِ) اثنين فأكثرَ، لا الواحد، ولا النساء والخنَاثَى (الأحرارِ) لا الأرقَّاء والمبعَّضِين، إذ فرضُ الكفاية (^٢) لا يلزمُ رقيقًا في الجملةِ، وإلَّا فالظاهرُ: وجوبُ نحوِ ردِّ سلامٍ، وتغسيلِ ميتٍ، وصلاةٍ عليه، على رقيقٍ لم يوجدْ غيرُه. وقدْ صرَّحوا بتعيينِ أخذِ اللقيطِ عليه، إذا لمْ يوجدْ غيرُه.
(ويُسنَّانِ للمنفردِ) أي: الأذانُ والإقامةُ، لحديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ مرفوعًا: "يعجبُ ربّكَ من راعي غنمٍ في رأسِ الشظيِّةِ للجبلِ، يُؤذِّنُ بالصَّلاةِ، ويصلِّي، فيقولُ اللهُ ﷿: انظروا إلى عبدي هذا، يؤذنُ ويقيمُ الصَّلاةَ، يخافُ منِّي، قدْ غفرتُ لعبدي، وأدخلتُه الجنةَ". رواه النسائيُّ (^٣).
(و) يُسنَّانِ أيضًا (في السفرِ) لقولِهِ ﵇ لمالكِ بنِ الحويرثِ، ولابنِ عمٍّ له: "إذا سافرتُما، فأذِّنا وأقيما، وليؤمَّكما أكبرُكما ". متفقٌ عليه (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٨)، ومسلم (٦٧٤) من حديث مالك بن الحويرث.
(٢) في الأصل: "الكفاء".
(٣) أخرجه النَّسَائِيّ (٦٦٦)، وصححه الألباني.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٢٣ ]
ويُكرَهانِ للنِّساءِ، ولو بلا رفعِ صَوتٍ.
ولا يَصِحَّانِ إلا مُرتَّبينِ، متواليَينِ عُرفا، وأن يكونَا من واحدٍ
قال في "الإقناع" (^١): فإنْ اقتصرَ المسافرُ أو المنفردُ على الإقامةِ، أو صلَّى بدونِها في مسجدٍ صُلِّي فيه، لم يُكرَه. وقال أيضًا: وتصحّ الصَّلاةُ بدونِهما مع الكراهةِ. وذكرَ جماعةٌ: إلا بمسجدٍ (^٢) قدْ صُلِّيَ فيه.
(ويُكرهانِ للنساءِ) أي: يُكرَهُ الأذانُ والإقامةُ للنساءِ والخناثَى. ولا يصحَّانِ منهما، كما سيأتي من اشتراطِ الذُّكوريةِ. (ولو بلا رفعِ صوتٍ) لأنهما وظيفةُ الرِّجالِ، ففيه نوعُ تشبُّهٍ بهم.
(ولا يصحَّانِ) أي: الأذانُ والإقامةُ. (إلا مرتَّبين) لأنَّه ذكرٌ معتدٌّ به، فلا يجوزُ الإخلالُ به، كأركانِ الصَّلاةِ (متواليَيْن عُرْفًا) لأنَّه لا (^٣) يحصلُ المقصودُ منه، وهو الإعلامُ بدخولِ الوقتِ، بغيرِ موالاةٍ، وشُرعَ في الأصلِ كذلك؛ بدليلِ أنَّه ﵇ علَّمَ أبا محذورةَ الأذانَ مرتَّبًا متواليًا (^٤).
(وأن يكونا) أي: الأذانُ والإقامةُ (من) رجلٍ (واحدٍ) أي: يُسنّ أن يتولَّى الإقامةَ مَنْ يتولَّى الأذانَ، لما في حديثِ ابنِ الحارثِ الصُدائيِّ حين أذَّنَ قال: فأرادَ بلالٌ أنْ يقيمَ. فقال النبيُّ - ﷺ -: "يقيمُ أخو الصُّداءِ، فإنَّه مَنْ أذَّنَ فإنَّه يقيمُ". رواه أحمدُ، وأبو داودَ (^٥)
_________________
(١) "الإقناع " (١/ ١١٧).
(٢) في الأصل "لمسجد".
(٣) سقطت: "لا" من الأصل.
(٤) انظر "صحيح مسلم" (٣٧٩).
(٥) أخرجه أحمدُ (٢٩/ ٨٠) (١٧٥٣٨)، وأبو داودَ (٥١٤)، وضعفه الألباني.
[ ١ / ٢٢٤ ]
بنيةٍ منه.
وشُرِطَ: كونُه مُسلِمًا، ذَكَرًا، عاقِلًا، مُميِّزًا، ناطِقًا، عَدْلًا، ولو ظاهرًا.
ولا يصِحَّانِ قبلَ الوقتِ، إلَّا أذانَ الفجرِ، فيصِحُّ بعدَ نِصفِ اللِّيلِ.
ورَفعُ الصَّوتِ رُكنٌ، ما لم يؤذِّن لحاضرٍ.
(بنيةٍ منه) لحديثِ: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ" (^١).
(وشُرِطُ: كونُه مسلمًا) فلا يُعتدُّ بأذانِ كافرٍ، لعدمِ النيةِ منه.
(ذكرًا) فلا يعتدُّ بأذانِ امرأةٍ وخنثى. قال جماعةٌ: ولا يصحُّ؛ لأنَّه منهيٌّ عنه.
(عاقلًا) فلا يصحُّ من مجنونٍ، كسائرِ العباداتِ
(مميِّزًا) فلا يصحّ أذانُ مَنْ دون ذلك.
(ناطقًا.) فلا يصحُّ من أخرس
(عدلًا) ولو مستورًا، فلا يُعتدُّ بأذانِ ظاهرِ الفسقِ؛ لأنَّه ﵇ وصفَ المؤذِّنين بالأمانةِ. والفاسقُ غيرُ أمينٍ. (ولو ظاهرًا) أي: مستورَ الحالِ.
(ولا يصحَّان) أي: الأذانُ والإقامةُ (قبلَ الوقتِ إلا أذانَ الفجرِ، فيصحُّ بعدَ نصفِ الليلِ) لقولِ النبيِّ - ﷺ -: "إنَّ بلالًا يؤذِّنُ بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّنَ ابنُ أمِ مكتومٍ ". متفقٌ عليه (^٢). ولأنَّ وقتَ الفجرِ يدخلُ على الناسِ وفيهم الجنبُ والنائمُ، فاستحبَّ تقديمُ أذانِه حتى يتهيئوا لها، فيدركوا فضيلةَ أوَّلِ الوقتِ.
(ورفعُ الصوتِ) بأذانٍ (ركنٌ) ليحصلَ السماعُ المقصودُ للإعلامِ. (ما لمْ يؤذِّنْ لحاضرٍ)، فبقدرِ ما يسمِعُه، وإنْ شاءَ رفعَ صوتَهُ، وهو أفضلُ، وإنْ خافَتَ بالبعضِ،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١، ٥٤)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب.
(٢) أخرجه البخاري (٦١٧، ٦٢٠، ٦٢٢، ٦٢٣)، ومسلم (١٠٩٢) من حديث ابن عمر.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وسُنَّ: كَونُه صيِّتًا، أَمينًا، عالمًا بالوَقتِ، متطهِّرًا، قائمًا فيهِمَا.
لكن لا يُكرهُ أذانُ المُحدِثِ بَلْ إقامتُهُ.
جازَ. ويُستحبُّ رفعُ صوتِهِ قدرَ طاقتِهِ، ما لمْ يؤذِّنْ لنفسِهِ. وتُكره الزيادةُ فوقَ طاقتِهِ.
(وسُنَّ كونُه) أي: المؤذِّنِ (صيِّتًا) أي: رفيعَ الصوتِ. ويُسنُّ كونُه حسنَ الصوتِ، بالغًا
(أمينًا) لحديثِ: "أمناءُ الناسِ على صلاتِهم وسحورِهم: المؤذِّنون ". رواه البيهقيُّ (^١). ظاهرُه: صحة أذانِ غير الأمينِ. وتقدَّمَ اشتراطُ العدالةِ، وأنَّه لا يصحُّ أذانُ الفاسقِ؛ إذ هو غيرُ مؤْتمَنٍ شرعًا، فتأملْ.
(عالمًا بالوقتِ) ليؤمنَ خطؤه (^٢). ويصحُّ أذانُ الجاهلِ به إذا قلَّدَ عالمًا
(متطهرًا) من الحديثين الأصغرِ والأكبرِ، لقولِ رسولِ اللَّه - ﷺ -: "لا يؤذِّنُ إلا متوضئٌ". رواه الترمذيُّ والبيهقيُّ (^٣) مرفوعًا من حديثِ أبي هريرةَ، وموقوفًا عليه (^٤). وفي "الرعاية": ويُسنَّ أنْ يؤذِّنَ متطهرًا من نجاسةِ بدنِه وثوبه
(قائمًا فيهما) أي: الأذانِ والإقامةِ، لقولِهِ ﵇ لبلالٍ: "قمْ فأذِّنْ " (^٥). وكان مؤذِّنوا رسولِ اللهِ - ﷺ - يؤذِّنون قيامًا. والإقامةُ أحدُ الأذانينِ.
(لكنْ لا يُكره أذانُ المُحْدِث، بل إقامتُه) للفصلِ بين الإقامةِ والصَّلاةِ بالوضوءِ. ويُكره أذانُ الجنبِ.
_________________
(١) أخرجه البيهقي (١/ ٤٢٦) من حديث أبي محذورة. وحسنه الألباني في "الإرواء" (٢٢١).
(٢) في الأصل: "خطؤهم".
(٣) أخرجه الترمذيُّ (٢٠٠)، والبيهقىُّ (١/ ٣٩٧). وضعفه الألباني.
(٤) أخرجه الترمذيُّ (٢٠١).
(٥) أخرجه البخاري (٥٩٥) من حديث أبي قتادة.
[ ١ / ٢٢٦ ]
ويُسنُّ: الأذانُ أوَّلَ الوقتِ، والتَّرَسُّلُ فيه، وأن يكونَ على عُلُو، رافعًا وجهَهَ، جاعلًا سبابتيه في أذُنيه، مُستَقْبِلَ القِبلةِ، يلتفتُ يمينًا لي: حَيَّ على الصلاةِ، وشمالًا ل: حَيَّ على الفلاح، ولا يُزيلُ قدمَيه
(ويُسنُّ الأذانُ أوَّلَ الوقتِ) ليصلِّيَ المتعجِّلُ. وظاهرُه: أنَّه يجوزُ مطلقًا، ما دامَ الوقتُ. ويتوجَّهُ: سقوطُ مشروعيتِهِ بفعلِ الصَّلاةِ. ذكَرَهُ في "المبدع" (^١).
(والترسُّلُ فيه) أي: تمهلٌ في الأذانِ، وتأنٍّ فيه. من قولِهم: جاءَ على رِسْلِه.
(وأن يكونَ على عُلوٍ) أي: موضعٍ عالٍ، كمنارةٍ؛ لأنَّه أبلغُ في الإعلامِ
(رافعًا وجهَهُ) إلى السماءِ في أذانِه كلِّه.
وسُنَّ أيضًا كونُه (جاعلًا سبَّابتيه في أذنيه) لقولِ أبي جحيفةَ: إنَّ بلالًا وضعَ أصبعيْهِ في أذنيهِ. رواه أحمدُ والترمذيُّ (^٢)، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
(مستقبلَ القبلةِ) لفعلِ مؤذِّني رسولِ اللَّه - ﷺ -، فإن أخلَّ به، كُرِه.
(يلتفتُ يمينًا ل: حيِّ على الصَّلاةِ) أي: يلتفت برأسِه وعنقِه وصدرِه. قالَهُ في "المبدع". وفي " التلخيص": ولا يحوِّلُ صدرَهُ عن القبلةِ. وكذا في "المحرر". ولا يلتفتُ في غيرِهما. ومعنى "حيَّ على الصَّلاةِ ": أقبلوا إليها. وقيلَ: أسرعوا. (وشمالًا لـ: حيَّ على الفلاحِ) والفلاحُ: الفوزُ والبقاءُ؛ لأنَّ المصلِّي يدخلُ الجنةَ إنْ شاءَ اللهُ تعالى، ويخلدُ فيها. ومعناه: هلمُّوا إلى سببِ ذلك، وذلك في الأذانِ وفي الإقامةِ
(ولا يُزيلُ قدميه) عند قولِهِ: حيَّ على الصَّلاةِ. حيَّ على الفلاحِ. في الأذانِ، بلْ يكونُ أذانه بمحلٍّ واحدٍ، يلتفتُ يمينا وشمالًا؛ لحديثِ أبي جحيفة قال: أتيتُ
_________________
(١) "المبدع" (١/ ٣٢٥).
(٢) أخرجه أحمدُ (٣١/ ٥٢) (١٨٧٥٩)، والترمذيُّ (١٩٧)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٢٢٧ ]
ما لمْ يكنْ بمَنَارَةٍ، وأن يقولَ بعدَ حَيعَلَة أذانِ الفجرِ: الصلاةُ خيرٌ من النَّومِ، مرَّتين، ويُسمَّى: التَّثويبَ.
النبيَّ - ﷺ -، وهو في قُبةٍ حمراءَ من أدمٍ، فخرج وتوضَّأ، وأذَّنَ بلالٌ، فجعلتُ أتتبعُ فاه هاهنا وهاهنا. يقولُ يمينًا وشمالًا: حيَّ على الصَّلاةِ. حيَّ على الفلاحِ. متفقٌ عليه (^١). ورواه أبو داودَ (^٢)، وفيه: فلمَّا بلغَ: حيَّ على الصَّلاةِ. حيَّ على الفلاحِ. لوى عنقَهُ يمينًا وشمالًا، ولمْ يستدرْ.
وقال القاضي والمجدُ وجمعٌ: إلا في منارةٍ ونحوِها. قال في "الإنصاف": وهو الصوابُ؛ لأنَّه أبلغُ في الإعلامِ، وهو المعمولُ به. وإليه أشارَ بقولِهِ: (ما لمْ يكنْ بمنارةٍ) ونحوِها.
(وأنْ يقولَ بعد حيعلة أذانِ الفجرِ: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّومِ مرتين) وظاهرُهُ: ولو قبلَ طلوعِه، لقولِه ﵇ لأبي محذورةَ: فإذا كان أذانُ الفجرِ، فقلْ: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّومِ. مرتين. رواه أحمدُ وأبو داودَ (^٣). والحيعلةُ: قولُهُ (^٤): حيَّ على الفلاحِ. سواءٌ كان مُغلِسًا، أو مُسفِرًا
(ويسمى: التثويبَ) من ثابَ، إذا رجعَ؛ لأنَّ المؤذِّنَ دعا إلى الصَّلاةِ بالحيعلتين. ثمَّ دعا (^٥) إليها بالتثويب (^٦)، واخْتُصَّ الفجرُ بذلك؛ لأنَّه وقتٌ ينامُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٤)، ومسلم (٥٠٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٢٠)، وصححه الألباني.
(٣) أخرجه أحمدُ (٢٤/ ٩٥) (١٥٣٧٩)، وأبو داودَ (٥٠٠) من حديث أبي محذورة. وصححه الألباني.
(٤) في الأصل: "قوله - ﷺ -". وانظر "مطالب أولى النهى" (١/ ٢٩٩).
(٥) في الأصل: "عاد ".
(٦) سقطت: " بالتثويب " من الأصل.
[ ١ / ٢٢٨ ]
ويُسنُّ أنْ يتولَّى الأذانَ والإقامةَ واحدٌ، ما لم يَشُقَّ.
الناسُ فيه غالبًا. ويُكره التثويبُ في غيرِها، وبين الأذانِ والإقامةِ.
(ويُسنُّ أنْ يتولَّى الأذانَ والإقامةَ واحدٌ) أي: أنْ يتولَّى الإقامةَ مَنْ يتولَّى الأذانَ، وفاقًا للشافعيِّ، لما في حديثِ ابنِ الحارثِ الصُدائيِّ حينَ أذَّنَ قال: فأرادَ بلالٌ أنْ يُقيمَ. فقال النبيُّ - ﷺ -: "يقيمُ أخو صُداء، فإنَّ مَنْ أذَّنَ فهو يقيمُ ". رواه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (^١). ولأنَّهما ذكران يتقدَّمان الصَّلاةَ. فسُنَّ أنْ يتولاهما واحدٌ كالخطبتين.
وسُنَّ أيضًا كونُ الأذانِ والإقامةِ، بمحلِّ واحدٍ، بأنْ يقيمَ الصَّلاةَ بالموضعِ الذي يؤذِّنُ فيه. ومحلُّ هذا (ما لم يَشقَّ) ذلك على المؤذِّنِ، كمَنْ أذَّنَ في منارةٍ، أو مكانٍ بعيدٍ عن المسجدِ، فيقيمُ فيه، لئلا تفوتَه الصَّلاةُ، إنْ أقامَ عند إرادةِ الدخولِ فيها. ويجوزُ الكلامُ بعد الإقامةِ قبلَ الدخولِ فيها.
"فائدةٌ": وقتُ الأذانِ إلى المؤذِّنِ، ووقتُ الإقامةِ إلى الإمامِ، فلا يقيمُ إلا بإذْنِه، ولا يؤذِّنُ غيز الراتبِ قبله، ما لمْ يخَفْ فوتَ وقتِهِ. فإنْ أذَّنَ وحضَرَ، أعادَ. نصَّ عليه. قال في " الإنصاف ": استحبابًا.
ويحرُمُ أنْ يؤذِّنَ غيرُ المؤذِّنِ الراتبِ إلا بإذنِهِ، إلا أنْ يخافَ فوتَ وقتِ التأذين، ومتى جاءَ الراتبُ، وقدْ أذَّنَ غيرُه قبلَه، أعادَ الراتبُ الأذانَ، نصَّ عليه. قال في "الإنصاف": استحبابًا.
"فروعٌ": فإنْ نكَّسَ الأذانَ، أو فرَّقَ بينه بسكوتٍ طويلٍ، أو كلامٍ كثيرٍ، أو مُحرَّمٍ، لمْ يُعتدَّ به. أو ارتدَّ في أثنائِهِ، لمْ يُعتدَّ به، لخروجِه عن أهليةِ الأذانِ.
ويُكره في الأذانِ سكوتٌ يسيرٌ بلا حاجةٍ. وكُرِه كلامٌ مباحٌ يسيرٌ فيه بلا
_________________
(١) تقدم قريبًا.
[ ١ / ٢٢٩ ]
ومَن جَمَعَ، أو قَضَى فوائتَ، أذَّنَ لِلأولَى، وأقامَ للكُلِّ.
حاجةٍ، كإقامتِه، فيُكره فيها سكوتٌ يسيرٌ، وكلامٌ، ولو لحاجةٍ. قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: الرجلُ يتكلَّمُ في أذانِه؟ قال: نعئم. قلتُ: يتكلَّمُ في الإقامةِ؟ قال: لا. ولأنَّه يُستحبُّ حَدْرُها.
وله ردُّ سلامٍ فيهما. أي: في الأذانِ والإقامةِ، ولا يجبُ الردُّ؛ لأنَّ ابتداءَ السَّلامِ إذن غيرُ مسنونٍ.
(ومَنْ جمعَ) بين صلاتين، أذنَ للأولى، وأقامَ لكلِّ منهما، سواءٌ كان الجمعُ تقديمًا أو تأخيرًا، لحديثِ جابرٍ مرفوعًا: جمعَ بين الظهرِ والعصرِ بعرفةَ، وبين المغربِ والعشاءِ بمزدلفةَ، بأذانٍ وإقامتين. رواه مسلمٌ (^١).
(أو قضى فوائتَ، أذَّنَ للأُولى) من المجموعتين، أو الفوائتَ. (وأقامَ للكلِّ) أي: لكلِّ صلاةٍ بعد الأُولى. ولا فرْقَ في ذلك بين كونِ الجمعِ في وقتِ الأُولى، أو في وقتِ الثانيةِ، وذلك ممَّا روى جابرٌ أنَّ النبيَّ - ﷺ - جمعَ بين الظهرِ والعصرِ بعرفةَ، وبين المغربِ والعشاءِ بمزدلفةَ، بأذانٍ وإقامتين. رواه مسلمٌ. ولما روى أبو عبيدةَ، عن أبيه عبدِ الله (^٢) بنِ مسعودٍ: أنَّ المشركين يومَ الخندقِ شَغَلوا رسولَ اللَّه - ﷺ عن أربعِ صلواتٍ، حتى ذهبَ من الليلِ ما شاءَ اللهُ، فأمرَ بلالًا، فأذَّنَ، ثمَّ أقامَ فصلَّى الظهرَ، ثمَّ أقامَ فصلَّى العصرَ، ثمَّ أقامَ فصلَّى المغربَ، ثمَّ أقامَ فصلَّى العشاءَ. رواه النسائيُّ والترمذيُّ (^٣). ولفظُهُ لُهُ. وقال: ليس بإسنادِه بأسٌ، إلا أنَّ أبا عبيدةَ لمْ
_________________
(١) تقدمت: "وإقامتين. رواه مسلمٌ" على الحديث. والحديث أخرجه مسلم (١٢١٨).
(٢) في الأصل: "عن عبد اللَّه ".
(٣) أخرجه النسائيُّ (٦٦٢)، والترمذيُّ (١٧٩)، وضعفه الألباني في " الإرواء " (٢٣٩).
[ ١ / ٢٣٠ ]
وسُنَّ لِمن سَمِعَ المؤذِّنَ، أو المقيمَ أن يقولَ مثلَه، إلَّا في الحَيعَلَةِ فيقولُ:
يسمعْ من أبيه. ولأنَّ ما بعدَ الأُولى من المجموعتين أو الفوائتِ صلاةٌ أُذِّنَ لما تليها، فلمْ يُشرعْ لها أذانٌ، كما لو صلَّى فائتةً عقِبَ مؤدَّاةٍ. وعنه: يقيمُ لكلِّ صلاةٍ من غيرِ أذانٍ. وعنه: يكفي إقامةٌ واحدةٌ للكلِّ.
(وسُنَّ لمَنْ سمِعَ المؤذِّنَ أو المقيمَ أن يقولَ مثلَهُ) أي: متابعةَ قولِهِ سرًّا، لحديثِ عمرَ مرفوعًا: "إذا قالَ المؤذِّنُ: اللهُ أكبرُ. فقالَ أحدُكم: اللهُ أكبرُ. ثمَّ قالَ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ. فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ. ثمَّ قالَ: أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. فقال: أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. ثمَّ قالَ: حيَّ على الصَّلاةِ. فقال: لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ. ثمَّ قال: حيَّ على الفلاحِ. فقال: لا حول ولا قوةَ إلا باللَّهِ (١). ثمَّ قالَ: اللهُ أكبرُ. اللهُ أكبرُ. فقال: اللهُ أكبرُ. اللهُ أكبرُ. ثمَّ قال: لا إلهَ إلا اللَّه. قال: لا إله إلا اللهُ. مخلصًا من قلبِه، دخلَ الجنَّةَ". رواه مسلمٌ.
وسُنَّ أيضًا لمؤذنٍ متابعةُ قولِهِ سرًّا بمثلِه للجمعِ بين أجرِ الأذانِ والمتابعةِ. وسُنَّ أيضًا لمقيمٍ متابعةُ قولِهِ سرًّا، ليجمعَ بين أجرهما. وسُنَّ أيضًا لسامِعِه. أي: المقيمِ
ولا تُسنَّ الإجابةُ لمصلِّ، لاشتغالِه بها، فإنْ أجابَ بطلتْ بلفظِ الحيعلةِ، وصدقتَ وبرِزتَ في التثويب؛ لأنَّه خطابُ أدميِّ. ولا لمتخلِّ؛ لاشتغالِه بقضاءِ حاجتِهِ. ويقضيان، أي: المصلِّي والمتخلِّي ما فاتَهما إذا فرغا، وخرجَ المتخلِّي من الخلاءِ، لزوالِ المانعِ.
ويقولُ في الأذانِ مثلَه (إلَّا في الحيعلةِ، فيقولُ) أي: السامعُ:
_________________
(١) سقطت: "ثمَّ قال: حيَّ على الفلاحِ. فقال: لا حول ولا قوةَ إلا باللَّهِ" من الأصل. والحديث عند مسلم (٣٨٥).
[ ١ / ٢٣١ ]
لا حولَ ولا قَّوةَ إلا باللَّه. وفي التَّثوِيبِ: صدقتَ وبررتَ. وفي لفظ الإقامةِ: أقامَها اللَّهُ وأدامها. ثمَّ يصلِّي على النبي - ﷺ - إذا فرَغَ، ويقولُ:
(لا حولَ ولا قوة إلا باللهِ). فيها خمسةُ أوجهٍ:
أحدُها: لا حولَ ولا قوةَ. بفتحهما بلا تنوينٍ.
الثاني: رفعُهما منوَّنَين.
الثالثةُ: فتحُ الأوَّل، ونصبُ الثاني منوَّنًا.
الرابعُ: فتحُ الأوَّلِ، ورفعُ الثاني منوَّنًا.
الخامسُ: عكسُه.
ووجهُ المناسبةِ لقولِ ذلك هنا: أنَّ قولَهُ: حيَّ على الصَّلاةِ، وحيَّ على الفلاحِ. طلبُ الطاعةِ، والبعدُ عن المعصيةِ، فإذا قالَ ذلك، فقد أظهرَ العجزَ عن الإتيانِ بالطاعةِ والبعدِ عن المعصيةِ، إلا بحولِ اللهِ وقوتِهِ.
(وفي التثويبِ) وهو قولُ: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّومِ. في أذانِ الفجرِ، فيقولُ: (صدقتَ وبُرِرت) بضم الباء، وكسر الراء الأولى. ويجوزُ فتحُها، حكَاهُ ابنُ سيدَه في "المحكم".
(وفي لفظِ الإقامةِ) وهو قولُ المقيمِ: قد قامت الصَّلاةُ. فيقولُ هو وسامعُه: (أقامَها اللهُ وأدامها) لما روى أبو داودَ (^١) عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - أنَّ بلالًا، أخذَ في الإقامةِ، فلمَّا أنْ قالَ: قدْ قامت الصَّلاةُ: قال النبيُّ - ﷺ -: "أقامها اللَّه وأدامَها".
(ثمَّ يصلِّي على النبيِّ - ﷺ - إذا فرغَ) من الأذانِ وإجابتِه (ويقولُ) كلٌّ مِن المؤذِّنِ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٢٨)، وضعفه الألباني.
[ ١ / ٢٣٢ ]
اللَّهم رَبَّ هذِهِ الدَّعوةِ التامَّةِ، والصَّلاةِ القائمَةِ، آتِ محمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثهُ مقامًا محمودًا
والسامعِ: (اللهمَّ) أصلُّه يا اللهُ، والميمُ بدلٌ من "يا". قالَهُ الخليلُ وسيبويه. وقال الفرَّاء: أصلُه: يا اللهُ، آمِنَّا بخير، فحذِفَ حرفُ النداءِ. ولا يجوزُ الجمعُ بينهما إلا في الضرورةِ.
(ربَّ هذه الدَّعوةِ) بفتح الدَّال. أي: دعوةِ الأذانِ (التامَّةِ) لكمالِها، وعِظَمِ موقعِها وسلامتِها من نقصٍ يتطرَّقُ إليها؛ ولأنَّها ذكْرُ اللهِ يُدْعى بها إلى طاعتِهِ.
(والصَّلاةِ القائمةِ) أي: التي ستقومُ وتُفعلُ (آتِ محمَّدًا الوسيلةَ) منزلةٌ عند الملكِ، وهي منزلةٌ في الجنَّةِ (والفضيلةَ، وابعثْه مقامًا محمودًا) هو الشفاعةُ العظمى في موقفِ القيامةِ؛ لأنَّه (^١) يحمدُه فيه الأوَّلونَ والآخرونَ. والحكمةُ في سؤالِ ذلك، مع كونِه واجبَ الوقوعِ بوعدِ اللهِ تعالى: إظهارُ كرامتِهِ، وعِظَمِ منزلتِه - ﷺ -.
قال ابنُ القيمِ (^٢): الذي وقعَ في "صحيح البخاري" وأكثرِ الكتبِ بالتنكيرِ، وهو الصحيحُ؛ لأمورٍ:
أحدُها: اتفاقُ الرواةِ عليه.
الثاني: موافقةُ القرآنِ.
الثالثُ: أنَّ لفظَ التنكيرِ قدْ يقصدُ بالتعظيمِ.
الرابعُ: أنَّ وجودَ اللَّامِ تُعيِّنُه وتخصُّه بمقامٍ معيَّنٍ، وحذفُها يقتضي إطلاقًا
_________________
(١) سقطت: " لأنَّه " من الأصل.
(٢) " بدائع الفوائد " (٥/ ١٠٥).
[ ١ / ٢٣٣ ]
الذي وعدتهَ. ثمَّ يدعو هُنا، وعندَ الإقامَةِ.
وتعدادًا، ومقاماتُه المحمودةُ في الموقفِ متعدِّدةٌ، فكانَ في التنكيرِ ما ليسَ في التعريفِ.
الخامسُ: أنَّه ﵇ كان يحافظُ على ألفاظِ القرآنِ تعريفًا وتنكيرًا، وتقديمًا وتأخيرًا، كما يحافظُ على معانيه.
وقولُه: (الذي وعدته) هو عطفُ بيانٍ على "مقامًا" ويجوزُ كونُه بدلًا، أو منصوبًا بفعلٍ محذوفٍ، تقديرُه: هو الذي وعدته. والأصلُ في ذلك حديثُ ابنِ عمروٍ مرفوعًا: "إذا سمعتُمْ المؤذِّنَ فقولوا مثلَ ما يقولُ المؤذِّنُ، ثمَّ صلُّوا عليَّ، فإنَّه مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً صلى اللهُ عليه بها عشرًا، ثمَّ سلُوا اللهَ ليَ الوسيلةَ، فإنَّها منزلةٌ في الجنَّةِ، لا ينبغي أنْ تكونَ إلا لعبدٍ من عبادِ اللهِ، وأرجو أنْ أكونَ أنا هو، فمَنْ سألَ اللهَ ليَ الوسيلةَ، حلَّتْ عليه الشفاعة". رواه مسلمٌ (^١). ولحديثِ البخاريِّ (^٢) وغيرِه عن جابرٍ مرفوعًا: "مَنْ قال حين يسمعُ النداءَ: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوةِ التامَّةِ، والصَّلاةِ القائمةِ، آتِ محمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدته. حلَّتْ له شفاعتي يومَ القيامةِ".
(ثمَّ يدعو هنا) أي: بعدَ الأذانِ، لحديثِ أنسٍ مرفوعًا: "الدعاءُ لا يردُّ بين الأذانِ والإقامةِ ". رواه أحمدُ وغيرُه (^٣)، وحسَّنَه الترمذيُّ. (وعندَ الإقامةِ) فعلَهُ أحمدُ، ورفعَ يديه. ويقولُ عندَ أذانِ المغربِ: اللهمَّ هذا إقبالُ ليلِكَ، وإدبارُ نهارِك، وأصواتُ دعاتك، فاغفرْ لي.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٧٥).
(٢) أخرجه البخاري (٦١٤).
(٣) أخرجه أحمد (١٩/ ٢٣٤) (١٢٢٠٠)، والترمذي (٢١٢).
[ ١ / ٢٣٤ ]
ويحرُمُ بعدَ الأذان الخُروجُ من المسجِدِ بلا عُذرٍ، أو نيَّةِ رُجُوعٍ.
(ويحرُمُ بعدَ الأذانِ الخروجُ من المسجدِ) أي: يحرُمُ خروجُ مَنْ وجبتْ عليه صلاةٌ أُذِّنَ لها، مع صحتِها منه إذا، لقولِه ﵇: "مَنْ أدركَ الأذانَ في المسجدِ، ثمَّ خرجَ، لم يخرج لحاجةٍ، وهو لا يريدُ الرجعة، فهو منافقٌ ". رواه أبو داودَ (^١).
ولكنَّ التحريمَ إنما هو إذا كان الأذانُ في الوقتِ. أما لو أُذِّنَ للفجرِ قبلَ وقتِه، فإنَّه يجوزُ.
"فائدةٌ": يُستحبُّ أنْ لا يقومَ إذا أخذَ المؤذِّنُ في الأذانِ، بلْ يصبرُ قليلًا؛ لأنَّ في التحرّكِ عند سماعِ النداءِ تشبهًا بالشيطانِ.
(بلا عذرٍ، أو نيةِ رجوعٍ) إلى المسجدِ؛ للخبرِ. فإنْ كان لفجرٍ قبلَ وقتِه، أو لعذرٍ، أو نيةِ رجوعٍ قبلَ فوتِ الجماعةِ، لمْ يحُرُمْ.
قال العلَّامةُ الشيخُ مرعي في "الغاية": ويتجه: لو خرجَ بعدَه، لكي يصلِّي جماعةً بمسجدٍ آخرَ، لا سيما مع أفضلَ إمامةً.
ولا بأسَ بأذانٍ على سطحِ بيتٍ قريبٍ. فإنْ بعُدَ، كُرِهَ؛ لأنَّه يُقصدُ، فيغترُ به مَنْ لا يعرفُ المسجدَ، فيضيعُ.
"فرعٌ ": ما يفعلُه المؤذِّنون قبلَ فجرٍ من تسبيحٍ، وتهليلٍ، ونشيدٍ، ورفعِ صوتٍ بدعاءٍ وقراءةٍ، فمن البدعِ المكروهةِ، ولم يقلْ به أحدٌ من العلماءِ، فلا يُعلَّقُ استحقاقُ رزقٍ به، ولا يُفعلُ، ولو بشرطِ واقفٍ. بلْ قال ابنُ الجوزيِّ: كلُّ ذلك من المنكراتِ؛ يمنعُ الناسَ نومَهم، ويخلطُ على المتهجدين قراءتَهم.
_________________
(١) لم أجده عند أبي داود. وهو عند ابن ماجه (٧٣٤) من حديث عثمان بن عفان. وصححه الألباني.
[ ١ / ٢٣٥ ]