- قال - ﵀ -:
- باب الصلح.
الصلح في لغة العرب: اسم بمعنى المصالحة.
ويقصد بالمصالحة ضد المنازعة والمخاصمة.
وقيل أنه رفع المنازعة.
والاختلاف لفظي.
وأما في الاصطلاح: فإن الصلح: عقد يرفع المنازعة برضا الطرفين.
والصلح: مشروع بالكتاب والسنة.
- فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير.﴾ [النساء/١٢٨] والشاهد قوله تعالى: (والصلح خير).
- وأما من السنة: فقول النبي - ﷺ -: (الصلح جائز بين المسلمين).
- وأيضًا: أن النبي - ﷺ - طلب من غرماء جابر - ﵁ - أن يضعوا عنه من الدين صلحًا.
والصلح عند فقهاء المسلمين له أنواع:
- صلح بين الأزواج.
- وصلح بين الكفار والمسلمين.
- وصلح بين أهل العدل وأهل البغي.
وهذه الأنواع كلها لا تقصد بهذا الباب فلكل منها باب مستقل وسيأتي.
إنما الذي يقصد هنا: الصلح في الأموال: فهو باب معقود خاصة للصلح في الأموال.
والصلح: أي على أموال: إلى قسمين:
- صلح على إنكار.
- وصلح على إقرار.
وبدء المؤلف - ﵀ - بالقسم الأول: وهو الصلح على إقرار وأخر الكلام عن الصلح على إنكار.
- فقال - ﵀ -:
- إذا أقر له بدين أو عين فأسقط، أو وهب البعض وترك الباقي: صح إن لم يكن شرطاه، وممن لا يصح تبرعه.
قوله - ﵀ -: (إذا أقر له بدين) كما قلت لك بدء بالصلح على إقرار.
والصلح على إقرار: أيضًا هو ينقسم على قسمين:
- القسم الأول: الصلح على غير الجنس. يعني: على غير جنس الحق.
- والقسم الثاني: صلح على جنس الحق.
[ ٤ / ١٤٤ ]
نبدأ بالقسم الأول: لأنه أقل القسمين أحكامًا وهو واضح.
ـ القسم الأول هو: الصلح على غير جنس الحق.
وصورته/ أن يدعي زيد على عمرو سيارة فيقر له عمرو بها ويصالحه عنها ببيت.
فجنس الحق المدعى به الآن هو: السيارة.
وصالحه على غير جنسها وهو: البيت.
وهذا القسم صحيح بالاتفاق وهو بيع يلزم له ليصح جميع شروط البيع.
والدليل على هذا:
- أن صورة المسألة الحقيقية مبادلة عين بعين. أو معاوضة عين بعين وهذه حقيقة البيع.
ـ القسم الثاني: المصالحة على جنس العين المدعى به وهو الذي ذكره المؤلف:
- فيقول - ﵀ -:
- إذا أقر له بدين أو عين فأسقط، أو وهب البعض وترك الباقي: صح إن لم يكن شرطاه، وممن لا يصح تبرعه.
(إذا أقر له بدين) يعني: إذا أقر له بدين معلوم. فأسقط حقه: صح. وسيأتينا دليل الصحة.
وحقيقة الإسقاط في الدين: إبراء. هو عقد إبراء.
فالصلح هنا: حقيقته الإبراء.
الثاني: (أو عين) يعني: إذا أقر له بعين وصالحه على بعضها.
كأن يقول: أقر لك بخمسين صاعًا من القمح ويصطلحا على أن للمقر ربعها.
فهذا أيضًا كما سياتينا صحيح.
وحقيقة هذا العقد: أنه عقد هبة.
ومعنى أنه عقد هبة: أنه تشترط فيه شرط الهبة التي ستأتينا في باب الهبة والعطايا.
إذًا حقيقة العقد الأول أنه: إبراء.
وحقيقة العقد الثاني أنه: هبة.
- ثم قال - ﵀ -:
- فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي: صح.
يعني: صح هذا العقد.
والدليل على صحة هذا العقد من النص ومن المعقول:
- أما من النص: فحديث جابر - ﵁ - فإنه ثبت في الصحيح: ان جابر - ﵁ - اشتكى إلى النبي - ﷺ - الدين الذي عليه وكان تمرًا فطلب النبي - ﷺ - من غرمائه أن يضعوا عنه فأبوا. فقال النبي - ﷺ - لجابر: اجعل كل تمر عندك على حدة: أي كل نوع منه على حدة فجعل جابر - ﵁ - العجوة على حدة وعذق زيد على حدة فجلس النبي - ﷺ - في أعلى التمر ثم قال يا جابر: كل للقوم فصار جابر - ﵀ - يكيل للناس ويقضي الناس كلهم فلما قضى الناس جميعًا نظر فإذا التمر لم ينقص شيئًا. - اللهم صل وسلم على نبينا محمد.
[ ٤ / ١٤٥ ]
فهذا الحديث عظيم وفيه فوائد كثيرة:
- منها: أنه لا حرج على الرجل الشريف كبير القدر أن يدخل في صلح مالي. فهذا لا حرج فيه ولا غضاضة ولا يقال: لا ينبغي لمثله الدخول في العقود المالية فهذا جابر - ﵁ - دخل.
- ومنها: أنه لا حرج على الرجل الشريف أن يتولى بعض أمور أصحابه. فهذا النبي - ﷺ - أمره أن يقسم التمر وكيف يكيل للناس وجلس أثناء قضاء الناس حوائجهم.
- ومنها: - وهو أيضًا مفيد ومهم - أنه لا حرج على المطلوب إذا رفض ولو كان الطالب كبير القدر لأن الحقوق المالية أساسها يرجع إلى الرضا. فلا حرج على الإنسان أن يرفض إذا لم ير أن هذا مناسبًا له. ولهذا ليس في الحديث مطلقًا أي إشارة إلى لوم هؤلاء الذين كانوا يطلبون جابر لما أبوا أن يجيبوا النبي - ﷺ - وهذا لا ينفي أن يكون أنه من المروءة وحسن الخلق إجابة الرجل الذي له قدر في الإسلام لكن لو لم يجب فلا حرج ولا لوم على من رد طلبه فهذا هو الدليل من النص.
- وأما الدليل من المعقول:
- فهو أن حقيقة هذا الصلح: إما أن يكون إبراء أو هبة وللإنسان أن يهب أو أن يبرئ ما شاء من ماله ما دام جائز التصرف.
- ثم قال - ﵀ -:
- صح إن لم يكن شرطاه، ولا يصح ممن لا يصح تبرعه.
لما ذكر المؤلف - ﵀ - هذا الحكم ذكر شروط هذا الحكم وذكر شرطين:
- الشرط الأول: أن لا يكون هذا الصلح على سبيل الاشتراط. وتلاحظ أن عبارة المؤلف - ﵀ -: (شرطاه) وأطلق. فهو يتناول المُقِرْ والمُقَرّ له.
- فالمُقَرّ له: شرطه أن يقول: وهبتك نصف ما لي على أن تقر لي به.
فإذا وقع العقد بهذا الشرط: فالصلح باطل. - لأن المقر له صالح عن ماله ببعضه ففيه هضم لحقه.
- النوع الثاني: أن يكون المشترط: المُقِر. كأن يقول: لا أقر لك حتى تعطيني نصفه. فهذا الصلح بهذا الشرط أيضًا باطل.
وهو أقبح من الأول: لأنه من أكل أموال الناي بالباطل. إذ يجب عليه أن يقر بلا عوض.
- الشرط الثاني: الذي ذكره المؤلف. هو: أن يكون الإقرار ممن يصح تبرعه.
[ ٤ / ١٤٦ ]
- لأن حقيقة هذا النوع: تبرع. والتبرع لا يكون إلا ممن يجوز تبرعه. فلا يجوز لولي اليتيم أن يصالح هذا الصلح ولا لولي الوقف ولا للمضارب المؤتمن ولا لكل من لا يجوز له أن يتبرع.
واستثنى الفقهاء من هذا الحكم: استثناء لطيف مفيد وهو: أن يدور الأمر بين أن يصالح ويكسب البعض أو أن لا يصالح ويخسر الكل.
فإذا دار الأمر بين أن يخسر الكل بلا صلحأو يكسب البعض مع الصلح جاز له أن يصالح لأن حقيقة هذا الصلح من حظ المصالح عنه. وهو مثلًا: اليتيم أو الوقف حسب صور من لا يجوز له أن يتبرع.
أما ما عدا هذه الصورة المستثناة فإنه لا يجوز له أن يصالح على هذا الوجه.
إذًا يقول المؤلف - ﵀ -: (إذا لم يكن شرطًا إلى آخره: بقي الشرط الثالث لم يذكره المؤلف - ﵀ - وهو: (أن هذا الصلح: أن لا يكون بلفظ الصلح.
السبب: أن هذا فيه أيضًا هضم للمقر له لأنه صالح عن ماله ببعضه. فالتعليل هو نفس التعليل السابق.
إذًا: تعليل اشتراط هذا الشرط هو كتعليل اشتراط أن لا يشترط المقر له نصف ما عليه - السابق.
= والقول الثاني: أنه يصح بلفظ الصلح وبأي لفظ بشرط أن يكون المعنى المراد معلومًا. ومعنى المراد هنا: إما هبة أو إبراء.
فإذا عرف المقصود صح العقد بلفظ الصلح أو بأي لفظ كان.
لأنه تقدم معنا أن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني فاللفظ ليس هو الذي تنبني عليه الأحكام وإنما المعاني.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن وضع بعض الحال وأجل باقيه: صح الإسقاط فقط.
وإن وضع بعض الحال وأجل باقيه: صح الإسقاط دون الوضع / فإذا كان زيد يطلب عمرو مائة ألف فوضع بعضه وأجل باقيه فقال: أبرأتك من خمسين وأجلت لك خمسين. صح الإسقاط دون التأجيل.
أما الإسقاط فهو يصح: لأنه إبراء. وللمكلف الرشيد البالغ العاقل أن يبرأ من شاء لأن هذا من التصرفات المالية التي يؤذن بها لمن جاز تصرفه.
وأما التأجيل فلأن قاعدة المذهب كما تقدم معنا في كتاب القرض أن الحال لا يؤجل. أي شيء حال فإنه لا يمكن أن يتأجل بالشرط والعقد.
فهذه المسألة مبنية تمامًا على المسألة السابقة التي هي تأجيل القرض.
[ ٤ / ١٤٧ ]
وأخذنا الخلاف هناك في هذه المسألة وأن الأقرب إن شاء الله أن المؤجل إذا أشترط تأجيله صح ولزم.
إذًا: عرفنا الآن أن:
= القول الثاني: صحة الإسقاط والتأجيل.
- لما تقدم من الخلاف في تأجيل القرض.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالًا لم يصح.
هذه المسألة هي المسألة التي تسمى مسألة:""ضع وتعجل"".
وهي مسألة مهمة وحاجة الناس إليها كثيرة.
حكم المسألة/ اتفق الأئمة الأربعة وجماهير الفقهاء على أن:""ضع وتعجل"" لا تجوز.
واستدلوا على هذا بعدة أدلة:
- الدليل الأول: أن هذا مروي عن عمر وابنه - ﵄ -. وهذا في الحقيقة محل الإشكال - كما سيأتينا.
- الدليل الثاني: أن حقيقة العقد معاوضة عن الأجل - عن التأجيل أو التعجيل. والتأجيل والتعجيل لا يباع ويشترى.
- الدليل الثالث: أن هذا الوضع مقابل الأجل وهو حقيقة الربا.
هذه أدلة الجماهير.
= القول الثاني: أن:""ضع وتأجل"" صحيح وجائز وليس من الربا في شيء.
وهو مذهب لبعض الفقهاء نصره بقوة شيخ الإسلام وابن القيم.
واستدلوا بأدلة:
- الدليل الأول: أن الجواز صح عن ابن عباس صريحًا فقد ثبت أنه أفتى بصحة مسألة:""ضع وتأجل"". وفتواه - ﵀ - أصرح من فتوى غيره من الصحابة.
- الثاني: أن المسألة تشتمل على إسقاط وتعجيل. والإسقاط مفردًا يصح والتعجيل مفردًا يصح فإذا اجتمعا صحا.
إذًا يقولون أن العقد يشتمل على إسقاط وتعجيل والإسقاط مفردًا تقدم معنا أنه صحيح والتعجيل أيضًا أكثر من أنه صحيح إذ الحنابلة لا يرون التعأجيل أصلًا فقالوا إذا جمعنا بينهما صحا لأنه مكون من أمرين جائزين.
وهذا الدليل ضعيف: لأنه اجتمع من الإسقاط والتعجيل صورة ثالثة ولأنه هذه الطريقة - طريقة التلفيق بين الأحكام ليست بصحيحة.
- الدليل الثالث: أن حقيقة هذا العقد عكس الربا ففي الربا تأجيل وزيادة وفي هذا العقد إسقاط وتعجيل. فأين التأجيل مع الزيادة من الإسقاط مع التعجيل. فهما عكس بعض فهو ليس من الربا لا صورة ولا حقيقة.
والأقرب والله أعلم الجواز: باعتبار أن الصحابة اختلفوا وباعتبار أن هذا الدليل الذي ذكره ابن القيم وهو أن حقيقة الصورة عكس الربا تمامًا دليل وجيه عند التأمل.
[ ٤ / ١٤٨ ]
وكما قلت: مرارًا: هذه المسألة لاشك ولا ريب أنها محل تورع واحتياط وأنه إذا لم يتورع من أراد أن يتورع في المعاملات المالية في مثل:""ضع وتعجل"" فأين سيتورع؟ كيف وعامة فقهاء المسلمين على هذا القول وروي عن أكثر من صحابي. ففي الحقيقة هي محل تورع وشبهة.
لكن من حيث الأدلة نستطيع أن نقول أن القول الثاني: أرجح.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو بالعكس.
يقصد بقوله: (أو بالعكس) المسألة السابقة: إذا صالحه عن الحال ببعضه مؤجلًا تمامًا.
تقدم معنا هذه الصورة وأن الحنابلة يقولون: يصح الإسقاط دون التأجيل.
وأن الصواب صحة الإسقاط والتأجيل.
وهو في الحقيقة: محض تعاون من الدائن مع المدين: لأنه أرفقه في شيئين: - التأجيل. - والإسقاط.
فهو في الحقيقة: إرفاق منه لا يمنع.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو أقر له ببيت فصالحه على سكناه.
صورة المسألة / أن يقول: لا أقر لك بهذا البيت إلا إذا أبحتني الانتفاع به سنة.
فالصلح باطل.
فإن أسكنه البيت فهو تبرع محض له أن يخرجه متى شاء.
= والقول الثاني: أنه لا فرق بين هذه المسألة وبين الإبراء والهبة في المسألة الأولى. إذا أقر له بدين أو عين صححنا الإبراء والهبة كذلك هنا نصحح هذا الصلح ونشترط فيه ما اشترطنا في الصورة الأولى.: أن لا يكون بشرط من المقر ولا من المقر له وأن يكون من جائز التصرف.
فالأقرب صحة هذه المسألة ولا فرق بين أن يكون الصلح على عقار أو دار وبين أن يكون على عين تقسم أو على دين في الذمة لا فرق أبدًا بين الصورتين ففي كل منهما إبراء أو هبة.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو يبني له فوقه غرفة.
يعني: يقول: لا أقر لك بالبيت إلا إذا بنيت لي فوقه غرفة.
ففي المسألة الأولى اشترط منفعة وفي المسألة الثانية اشترط ملك عين وهي الغرفة.
والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة امامًا من حيث قول الحنابلة والقول الثاني وأيضًا من حيث الراجح.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو صالح مكلفًا ليقر له بالعبودية.
يعني: رجل صالح رجلًا آخر على أن يقر له بالعبودية: فقال: أعطيك مائة ألف صلحًا وتقر بأنك عبدًا لي.
فهذا الصلح باطل.
لأمرين:
[ ٤ / ١٤٩ ]
- الأمر الأول: أنه لا يجوز للإنسان أن يرق نفسه. وليس هذا باختياره. بل الحر حر شرعًا والعبد عبد شرعًا.
- الثاني: أن هذا محرم على المقر له. لأنه من أكل أموال الناس بالباطل.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو امرأة لتقر له بالزوجية بعوض: لم يصح.
(أو امرأة لتقر له بالزوجية بعوض: لم يصح.) أي: هذا الصلح. - لم يصح هذا الصلح: أيضًا لأمرين:
- الأمر الأول: أنه لا يجوز للمرأة أن تهب نفسها مقابل عوض مالي بل المرأة لا تحل للرجل إلا بعقد شرعي لا بعوض مالي.
- الثاني: لأن المقر له لا يجوز له أن يطلب فرجًا محرمًا.
فهذا الصلح لا يصح وهو باطل.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن بذلاهما له صلحًا عن دعواه: صح.
أي: بذل كل من العبد والمرأة العوضين له أي: للمقر له صلحًا: جاز.
جاز: من جهة المقر له. ومن جهة: المقر.
أما من جهة المقر: وهو العبد - إذا افترضنا أن المقر الآن هو ليصالح - أما من جهة المقر وهو العبد والزوجة فلأنهما يدفعان الخصومة عن أنفسهما. وهذا مطلب شرعي صحيح.
وأما من جهة المقر له: فلأنه لا يخرج عن أن يكون معاوضة عما يعتقد أنه ملك له.
فهذه العبارة من المؤلف - ﵀ -: نحمل على ما إذا اعتقد المقر له أن هذا الرجل فعلًا عبد من عبيده وأن هذه المرأة فعلًا زوجة. فيكون ما يأخذه عن العبد عوض وما يأخذه عن الزوجة خلع.
ويجوز للرجل أن يعاوض عن ماله أو أن يخالع زوجته.
إذًا: يصح أن يبذله له - يصح العقد وما يأخذه كل منهما فهو جائز.
فإن كان المقر له يعلم أنه كاذب وأن الرجل ليس بعبد له وأن المرأة ليست بزوجة له فما يأخذه محرم وهو من أكل المال بالباطل وما يدفعه العبد والمرأة صحيح لأنهما أرادا تخليص أنفسهما.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن قال: «أَقِرْ لِي بِدَيْنِي وَأُعْطِيْكَ مِنْهُ كَذَا» ففعل: صح الإقرار لا الصلح "
- أما الإقرار فيصح: لأنه أقر بحقه عليه: فإقراره واجب عليه.
- وأما الصلح فهو باطل: لأنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ عوضًا على أمر واجب عليه.
ونحن فررنا أن إقراره بهذا الحق واجب فكيف يأخذ على واجب مالًا.
إذًا: لا يجوز للإ؟ نسان أن يقول: أقر لي بديني وأعطيك منه كذا: لا يجوز هذا.
[ ٤ / ١٥٠ ]
وبهذا انتهى القسم الأول وهو: الصلح على إقرار.
وانتقل المؤلف - ﵀ - إلى القسم الثاني: الصلح على إنكار.
فصل
[القسم الثاني: الصلح على إنكار]
- فقال - ﵀ -:
- (فصل) ومن ادعي عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر وهو يجهله، ثم صالح بمال: صح.
يقول - ﵀ -: «فصل) ومن ادعي عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر) يعني: ثم صالح عليه صح الصلح.
وهذا كما قلن الصلح على إنكار.
ونزلزا الساكت منزلة المنكر: لأنه لم يقر والإنسان إما أن يقر أو أن ينكر. فهو لم يقر فهو منكر.
وهذا الصلح: أي: على إنكار: جائز عند جماهير أهل العلم. الإمام أحمد والإمام مالك والإمام أبو حنيفة كلهم يصححونه وجمهور السلف.
واستدلوا على تصحيح هذا الصلح:
- بعموم قول النبي ثم قال - ﵀ -:: (الصلج جائز بين المسلمين). فهو عام يتناول الصلح على إقرار ويتناول الصلح على إنكار.
- وكذلك: عموم الآية وهي: قوله: (والصلح خير). يعني بكل أنواعه.
= والقول الثاني: وهو مذهب الإمام الشافعي: أن الصلح على إنكار لا يصح.
واستدل على هذا:
- بأنه كيف يصالح على أمر لم يثبت له. فهو كما لو باع شيئًا لا يملكه. لأنا نفترض أن المقر عليه: أنكر. إذًا: لم يثبت الحق إلى الآن للمدعي فكيف يصالح على أمر لم يثبت له يقول الإمام الشافعي. هذا من أكل أموال الناس بالباطل.
والجواب على هذا الدليل القوي: أن المدعي يصالح عن أمر يعتقد أنه ملكًا له. هو لم يثبت قضاء لكنه هو يعتقد أنه من أملاكه. فصالح عليه بناء على هذا الأصل. وأن المدعى عليه فإنه يصالح لدفع الخصومة عن نفسه والشرع لا يمنع الإنسان عن أن يدفع الخصومة والوضاعة عن نفسه.
فإن من الناس من يحب أن يفتدي ذهابه إلى المجكمة أو اليمين بحضرة القاضي أو في حضرة المحكم بكب ما يملك لا يحب أن يدخل باليمين: إما لأنه لا يحب أن يخاطر بدينه كما فعل ابن عمر - ﵁ - فإنه امتنع عن اليمين مع علمه بصدق نفسه تورعًا. أو لأنه لا يريد أنه من أشراف الناس أن يبذل اليمين أو يدخل مجلس القاضي وهذه الأمور يقرها الشارع فلا حرج للإنسان أن يمتنع عن مثل هذا.
[ ٤ / ١٥١ ]
إذًا: تبين أن المدعي والمدعى عليه لهم علل صحيحة في إجراء الصلح ولو كان على إنكار.
إذًا فالراجح إن شاء الله مذهب الجماهير.
- ثم قال - ﵀ -:
- ومن ادعي عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر وهو يجهله.
يعني: وهو يجهل الدين الذي أنكره أو الدين الذي سكت عنه.
إذا كان يجهل ثبوته: صح الصلح على إنكاره. لأن الأصل براءة الذمة.
بين المؤلف - ﵀ - الآن لنا الحكم فيما إذا كان يجهل الدين الذي أنكره أو الدين الذي سكت عنه: فما الحكم فيما لو علم أنه بريء ولا دين عليه؟ وبين المؤلف - ﵀ - الحكم فيما لو كان يجهل. فما الحكم لو كان يعلم أنه بريء؟
/ زيد ادعى على عمرو. وعمرو أنكر. قلنا له: أنت الآن تنكر هذه الدعوى. قال: نعم أنا أنكرها. أنا أجهل أن زيد يطلبني شيء.
نقول: هذا الصلح صحيح. لأنه يجهل. والأصل براءة الذمة.
/ لو كان زيد يعلم أن عمرو لا يطلبه. ما يجهل - يعلم: من باب أولى. ولذلك لم يذكرها المؤلف - ﵀ - أنه إذا كان في الجهل ففي العلم من باب أولى.
- ثم قال - ﵀ -:
- ثم صالح بمال: صح.
على الخلاف السابق بين الجماهير والشافعية.
- ثم قال - ﵀ -:
- وهو للمدعي: بيع.
يعني: والصلح على إنكار بالنسبة للمدعي بيع.
ومعنى أنه بيع: يشترط له جميع شروط البيع.
/ فإذا لدعى عمرة على زيد سيارة وأنكر زيد ثم تصالح على أن يعطيه عن السيارة عشرة آلاف صلحا. فحقيقة هذا العقد أنه بيع يشترط
له شروط البيع.
فإن كان صرقًا: اشترطنا له شروط الصرف.
فهو بيع من كل وجه.
وسيفرع المؤلف - ﵀ - على هذا الحكم.
- قال - ﵀ -:
- يرد معيبه ويفسخ الصلح.
يعني: إذا صالحه على عين: وأخذها صلحًا عن العين التي ادعاها ثم تبين أن في الثمن عيبًا فله الرد وله الفسخ وله القبول مع الأرش كما تقدم معنا في مسألة الرد بالعيب.
فإذا ادعى عليه السيارة وصالحه بخمسين صاع من البر فهذا العقد حكمه حكم البيع. والثمن في المثال هو: الخمسين صاعًا. فإذا تبين أن في الخمسين صاعًا عيب فيه تسويس في خراب خفيف الوزن. أي عيب من عيوب القمح.
فللمدعي الآن أن يرد بالعيب ويفسخ وله أن يقبل ويأخذ الأرش.
لماذا؟ لأنه من عقود البيع.
[ ٤ / ١٥٢ ]
ويستثنى من هذا: صورة مهمة ولطيفة جدًا من الحنابلة - من الحنابلة وغيرهم من الفقهاء:
/ وهي أنه إذا وقع الصلح على بعض العين المدعاة فلا خيار عيب له ولا فسخ. لماذا؟
- الصورة/ إذا صالحة على بعض اعين المدعاة - في المثال السابق - أخذ عن السيارة قمح - فإن صالحه على بعض العين المدعاة فقال: أنا أدعي عليك: خمسين صاعًا من القمح فصالحه على نصفها وأخذها فلما وصل إلى البيت وجد أنه معيب.
فهنا ليس له الرد بالعيب. لماذا؟
لأنه في هذه الصورة إنما أخذ ماله وهل يرد الإنسان ماله بالعيب. لأنه هو يدعي أن هذا القمح ملكًا له.
فحينئذ نقول: إذا وجدته معيبًا فليس لك الخيار.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويؤخذ منه بشفعة.
وهذا أيضًا مبني على أن العقد من عقود البيع.
فإذا صالحه عن السيارة ببيت هذا البيت ملك للمدعى عليه ومعه شريك: فالآن هو صالحه على بعض البيت والبيت ملك للمدعى عليه ونصفه ملك لشخص ثالث.
فإذا وهبناه أو أعطيناه المدعي وشفَّع شريك المدعى عليه: صحت الشفعة. لأنا نعتبر أن العقد عقد بيع.
وماذا يترتب على هذا؟ أن ننزع البيت من المدعي ونعطيه: المشفِّع.
وبذلك يكون موضوع الصلح انتهى فلابد من صلح جديد على عوض يتراضاه الطرفان.
إذًا: له أن يشفع: شريك المدعى عليه: له أن يشفع لأن هذا يعتبر عقد بيع وعقد البيع فيه التشفيع.
- ثم قال - ﵀ -:
- وللآخر: إبراء فلا رد ولا شفعة.
(وللآخر: إبراء) يعني: ويعتبر الصلح بالنسبة للآخر: إبراء.
وجه ذلك: أن غاية ما حصل أن بقيت السلعة التي يعتقد أنها ملكه في يده. - أن السلعة التي بقيت معه تعتبر ملكه بقي في يده.
لماذا؟ لأن المدعى عليه ينكر أن تكون هذه السلعة للمدعي ويعتبرها له.
فإذًا العقد بالنسبة له عقد إبراء.
- يقول - ﵀ -:
- فلا رد.
/ صورة المسألة/ إذا ادعى زيد على عمرو أن هذه السيارة له/ المدعى عليه: عمرو. فصالحه عمرو عن السيارة بمائة ألف. لما ركب السيارة وجدها معيبة. نقول: ليس لك الرد بالعيب.
لماذا؟ لأن هذه السيارة ملكك ولم تعاوض عنها عقد معاوضة للمدعي. فهي ملكك بقيت في يدك. فليس لك الرد.
- يقول - ﵀ -:
- ولا شفعة.
[ ٤ / ١٥٣ ]
كذلك ليس في هذه العين شفعة لأنها ملكه بقيت في يده.
/ صورة المسألة/ أن يدعي زيد على عمرو نصف البيت الذي هو فيه. ونصفه يكون لمن؟ لشخص آخر. ثم يصالح عمرو زيد على البيت الذي هو فيه الآن ويعطيه ثمنًا له خمسين ألفًا. فهل لشريك زيد أن يُشَفِّع؟
«الآن: زيد يسكن في بيت له نصفه. ادعى عمرو عليه أن هذا البيت ملكًا له - يعني لعمرو - صالحه زيد فقال: هذا البيت لي وأنا صأصالحك عنه بخمسين ألف ريال. تم الصلح. لما علم جار زيد أنه وقع صلح قال أنا سأشَفِّع وآخذ هذا البيت منك.) () لأنه بقي في ملكه. والشفعة إنما تكون في أي عقد؟ في عقد البيع. يعني: عند انتقال السلعة أو شقص العقار إلى شخص آخر. هنا لا يوجد انتقال أنه يعتقد أن ملكه ما زال باقيًا في يده.
وهذا قد يتوهم بعض الناس أن له الشفعة في مثل هذه الصورة.
والصواب: أن العقد عقد إبراء.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن كذب أحدهما: لم يصح في حقه باطنًا وما أخذه حرام.
(وإن كذب أحدهما) سواء كان المدعي أو المدعى عليه فما أخذه محرم عليه.
«الأذان»
- يقول - ﵀ -:
- وإن كذب أحدهما: لم يصح في حقه باطنًا وما أخذه حرام.
وهذا يشمل إذا كان الكاذب المدعي أو كان الكاذب المدعى عليه.
وإذا كان كاذبًا فالعقد والصلح والتسليم والاستلام في الظاهر وفي معاملات الناس: صحيح ونافذ. وأما في الباطن: فهو محرم على الكاذب.
وذلك لأن الكاذب أخذ مال غيره بغير حق. وأكل مال الناس بالباطل محرم.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا يصح: بعوض عن حد سرقة وقذف.
يعني: معنى المسألة/ أنه لا يجوز أن يصالح إنسان سارقًا أو قاذفًا أوشاربًا للخمر أو زانيًا على أن لا يرفعه للسلطان بعوض معلوم متفق عليه.
هذا الصلح: باطل.
فإذا وجده سكرانًا أو يزني أو سمعه يقذف وأراد أن يرفعه إلى السلطان. فقال: اترك رفعي إلى السلطان وأعطيك كذا وكذا. لا ترفعني إلى السلطان وأعطيك كذا وكذا.
فهذا الصلح باطل. بل ومحرم.
لأمور:
- الأمر الأول: أن الرفع إلى السلطان ليس من الحقوق التي يأخذ الإنسان عنها عوضًا.
- ثانيًا: أن هذا من المصالحة على حقوق الله. وموضوع الصلح هو ما يقع بين العباد في حقوقهم.
[ ٤ / ١٥٤ ]
- وثالثًا: لأن هذا الصلح لو صححناه لأصبح وسيلة لتعطيل الحدود.
وذكر بعض الفقهاء ضابطًا مريحًا لطالب العلم: وهو: «أن الصلح إنما يجوز عن الحقوق التي يجوز الاعتياض عنها فقط». مثال ذلك/ القصاص حق يجوز الاعتياض عنه: بأخذ الدية.
فيجوز أن تصالح عن القصاص بأخذ عوض كالدية أو أقل أو أكثر.
وممن ذهب إلى جواز أخذ أكثر من الدية بالذات في القصاص عدد من الصحابة منهم الحسن والحسين وسعد بن أبي وقاص - ﵃ -.
القصاص من الحقوق التي يجوز الاعتياض عنها.
مثال ثان/ بدل العين المتلفة. أليست من الحقوق التي يجوز الاعتياض عنها؟ بدل العين أو المبيع المعيب: فيجوز الاعتياض عنه.
كل هذه الأمور يجوز الصلح عنها أما حدود الله فهي ليست مما يجوز الاعتياض عنه فلا يجوز الصلح فيه.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا حق شفعة.
حق الشفعة: وحق الخيار: لا يجوز الاعتياض عنه.
- أما حق الشفعة فهو موضوع. يعني: فالمنع منه: لأنه موضوع لدفع الضرر بالشراكة. فإذا رضي بالصلح تبين أنه لا ضرر عليه فسقط حقه. «أما الشفعة فلأنها موضوعة لدفع الضرر الحاصل بالاشتراك فإذا رضي الشريك بالصلح تبين أن لا ضرر عليه فسقط حقه».
وإذا سقط حقه وبطل العوض لا يرجع للشفعة.
= والقول الثاني: أن المصالحة عن حق الشفعة صحيح لأن حق الشفعة من الحقوق المالية. يعني: من الحقوق التي تؤول للمال فيصح أخذ العوض عنها.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد
[ ٤ / ١٥٥ ]
الدرس: (٢٧) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- يقول المؤلف - ﵀ -:
- ولا حق شفعة.
تقدم معنا الكلام عن الشفعة والخيار وذكر الخلاف في الشفعة والخيار.
إذًا: قوله: (ولا حق شفعة ولا خيار) ذكرنا الخلاف والراجح جواز الحق في الشفعة: يعني: جواز الصلح بعوض عن حق الشفعة وحق الخيار.
- ثم قال - ﵀ -:
- وترك شهادة.
[ ٤ / ١٥٦ ]
معنى قوله: (وترك شهادة). يعني: ولا يصح أن يصالح على ترك شهادة سواء كانت الشهادة لإثبات حق من حقوق الله أو إثبات حق من حقوق العباد.
صورة المسألة/ أن يقول رجل لمن يشهد عليه: (لا تشهد علي بوجوب الزكاة ولك كذا وكذا). هذا بالنسبة لحق الله.
وبالنسبة لحق العبادة أن يقول: (لا تشهد علي بثبات الدين ولك كذا وكذا).
فهذا الصلح على ترك الشهادة: محرم. لأنه صلح يؤدي إلى محرم. لأن كتم الشهادة التي توصل الحق إلى أصحابه: محرم.
فالصلح على محرم: محرم.
ولذلك يقول النبي - ﷺ -: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا).
- يقول - ﵀ -:
- وتسقط الشفعة والحد.
أي: أن مذهب الحنابلة أنه مع إبطال الصلح على حق الشفعة إلا أنه مع ذلك يسقط حقه في الشفعة لأنه كما تقدم معنا لما صالح تبينا أنه لم يتضرر من المشاركة فسقط حقه في الشفعة.
وهذا مبني على ما تقدم من أن الحنابلة يرون أنه لا يصح الصلح على الشفعة.
= وعلى القول الثاني: الذي تقدم وهو صحة الصلح على الشفعة لا نحتاج إلى مسألة يسقط أو لا يسقط حقه من الشفعة لأنا نصحح الصلح أصلًا.
يقول: (ويسقط الحد). يقصد بالحد هنا: حد القذف.
وفي الحقيقة لو صرح بهذا لكان هو الأحسن والأسلم إذ مقصود الحنابلة بسقوط الحد سقوط حد القذف فقط.
وسقوط حد القذف في هذه المسألة مبني على مسألة أخرى وهي: هل القذف من حقوق الله أو من حقوق الآدمي: أي: من حقوق المقذوف؟
فإن كان من حقوق الله لم يسقط ولو صالح عليه.
وإن كان من حقوق الآدمي: سقط إذا صالح عليه.
لأنا تبينا أنه رضي بالتنازل عن حقه في إقامة حد القذف على قاذفه. والحق إليه، فلما أسقطه سقط.
إذًا: الحنابلة يسقطون الشفعة والحد مع إبطال الصلح. إلا أن الصلح الذي تم صار علامة وقرينة على أن صاحب الشفعة وصاحب الحد تنازلوا عن حقوقهم.
و[] بهذا انتهى الكلام عن الصلح وانتقل المؤلف - ﵀ - ليتكلم عن أحكام الجوار بين الجارين بداية من قوله: (وإن حصل إلى آخره).
- قال - ﵀ -:
- وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره أو قراره: أزاله.
[ ٤ / ١٥٧ ]
عبر المؤلف - ﵀ - بقوله: (إن حصل). ليشمل ما إذا وجد الغصن بلا فعل من الجار بأن يمتد وينمو إلى أن يصل إلى هواء جاره أو بفعله بأن يوجه الأغصان إلى بيت الجار: فيشمل الجميع.
والغالب أن حصول الأغصان في بيت الجار يكون بغير فعل مالك الشجرة.
فالمؤلف - ﵀ - يقول: إذا حصل ووجدت الأغصان في بيت الجار فإنه يجب على الجار أن يزيل هذا الضرر بإبعاد الغصن.
والدليل على هذا:
- أن الهواء بالنسبة للجار ملك له ولا يجوز للإنسان أن ينتفع بملك غيره إلا بإذنه.
وظاهر عبارة المؤلف - ﵀ -: أن الجار صاحب الشجرة لا يجب عليه إزالة الغصن إلا إذا طلب منه جاره ذلك فإن سكت فإنه لا يجب على الجار أن يزيل الغصن ولو تأذى جاره ولو رأى أنه متأذي.
إنما يجب في صورة واحدة ونهي: ما إذا طلب الجار منه ذلك.
والصحيح أن الإنسان إذا رأى أغصان شجرته آذت جاره فإنه يجب عليه وجوبًا أن يزيل هذا الضرر ولو بلا طلب من الجار.
- لأن النبي - ﷺ - أوصى بالجار فكيف بالإضرار به.
- وثانيًا: لأنه - ﷺ - يقول: (لا ضرر ولا ضرار). والضرر منفي ويجب أن يرفع ولو بلا طلب من المتضرر.
فالأقرب والله اعلم أنه يجب عليه أن يبادر بإزالة الضرر إذا علم أن الأغصان تضر. وإذا رأى أو ظن أن الأغصان وإن وجدت في بيت جاره فإنها لا تضره فإنه والحالة هذه لا يجب عليه أن يزيل الأغصان إلا بطلب الجار.
والمؤلف - ﵀ - يقول: (في هواء غيره أو قراره) يعني: إذا امتدت الأغصان في الهواء فوصلت إلى هواء الجار أو دبت على الأرض ووصلت إلى أرض الجار ففي الصورتين يجب عليه وجوبًا أن يزيل الضرر إذا طلبه جاره.
وعلى القول الثاني: يجب أن يبادر بإزالة الضرر متى علم بوجوده ولو بلا طلب من الجار.
إذًا: يستوي الأمر بين أن تكون الأغصان في الهواء أو يدب دبيبًا على الأرض فالأمر واحد.
المهم أو قاعدة المسألة: أنه لا يجوز الانتفاع بملك الغير إلا بإذنه. سواء كان الهواء أو الأرض.
- ثم قال - ﵀ -:
- فإن أبى: لواه إن أمكن، وإلاّ فله قطعه.
إن أبى: يعني: صاحب الأغصان.
لواه: يعني: صاحب الهواء.
وأرجعه إلى بيت صاحب الشجرة.
[ ٤ / ١٥٨ ]
فإن لم يندفع قطعه.
وهذا معنى قول المؤلف - ﵀ -: (إن أمكن وإلا فله قطعه).
حكم المسألة/ أنه إذا أبى الجار مالك الشجرة أن يزيل ضرر الأغصان فللجار مالك الهواء أن يزيل هذا الضرر لكن يجب عليه وجوبًا أن يتدرج في إزالة الضرر.
فإن أمكن إزالة الضرر بمجرد اللي والإبعاد: فيجب أن يقتصر على ذلك.
فإن قطعه مع إمكان إزالته باللي: ضمنه.
وإن لم يمكن إزالته مطلقًا إلا بالقطع: فله أن يقطعه ولا ضمان عليه.
لأن حكم هذه المسألة كحكم دفع الصائل. وهذه الشجرة كالصائل على ملك جاره.
وسيأتينا أن دفع اصائل يجب أن يتم بالتدريج: يبدأ بالأهون فالأهون. عكس ما يفعله بعض الناس: التدريج عنده أن يبدأ بالأصعب وهذا لا يجوز وهو يضمن ولو تأذى إذا بدأ بالأعلى: ضمن.
ولاحظ عدالة الشرع إذ أن صاحب الشجرة أبى أن يزيلها ومع ذلك نلزم المتضرر أن يدفع الضرر بالتدريج مع ان المالك للأغصان أبى أن يزيل الضرر.
لكن مع ذلك يجب أن يزيله بالتدريج فإن تعدى مرحله قبل أخرى ضمن.
وظاهر كلام المؤلف - ﵀ - أنه لا يجب على المالك بنفسه أن يزيل الضرر لأن المؤلف - ﵀ - أسند إزالة الضرر إلى مالك الهواء.
وعلل الحنابلة ذلك: أي: عدم وجوب إزالة الأغصان على المالك:
- بأن هذا الامتداد والنمو حصل بغير فعله. فلم يجب عليه إزالته.
بناء عليه: فللجار أن يقول لجاره: إن تأذيت بالأغصان فأنت تصرف بها إزالة أو قطعًا أو ليًا أو ربطًا .. إلى آخره. ولا يجب على المالك أن يزيل هو.
إذا تضررت فأزله أنت لأن نمو هذه الأشجار بغير إرادتي.
هذا هو مذهب الحنابلة فعلًا ولا يجب عليه هو أن يزيل ولا أن يحظر من يقلم الأشجار ولو تضرر الجار.
= والقول الثاني: انه يجب على المالك أن يزيل.
- لأنه وإن كان بغير فعله إلا أنه نماء ملكه. فوجب عليه هو أن يزيله.
ويترتب على هذا الخلاف نفقة الإزالة إذ قد تكون نفقة الإزالة مرتفعة فيما إذا كانت الأشجار كثيرة.
والراجح إن شاء الله: القول الثاني.
* * مسألة/ تتعلق بهذا الحكم وهي: أنه يجوز أن يتصالح الجاران على ثمن لإبقاء الأغصان. كأن يقول: ادفع لي كذا وكذا وأسمح بامتداد الأغصان.
وهو صلح جائز ولا حرج فيه.
[ ٤ / ١٥٩ ]
وأشبه ما يكون بالإجارة. كأنه اجره الهواء. والهوار تبع للقرار كما تقدم معنا.
* * مسألة/ ولهم أن يتصالحوا على الثمرة بجزء معلوم. كأن يقول: دع الأغصان كما هي. وما فيها من ثمرة: لك نصفه ولي نصفه.
فإن قيل: كيف يصح هذا الصلح والثمرة مجهولة: إذ قد تكون ثمرة هذا الجزء من الشجرة كثيرة وقد تكون قليلة وقد لا تنبت الشجرة.؟
فالجواب: أن هذا الصلح هو في الحقيقة من باب تبادل المنافع لا من باب البيع الذي يشترط فيه العوض والعلم ونفي الجهالة.
كأنه قال: لي هوائك ولك الثمرة.
فهو من باب تبادل المنافع لا أكثر. فجازت فيه الجهالة.
ثم انتقل المؤلف - ﵀ - إلى موضوع آخر:
- فقال - ﵀ -:
- ويجوز في الدرب النافذ: فتح الأبواب للإستطراق.
الدرب النافذ هو: الدرب المفتوح الذي لا ينغلق على مجموعة معينة من الجيران.
هذا هو الدرب النافذ.
المؤلف - ﵀ - يقول: (ويجوز في الدرب النافذ: فتح الأبواب للإستطراق) يجوز للإنسان إذا كان بيته على درب نافذ لا على درب مغلق أن يفتح ما شاء من الأبواب وأن يستطرق هذا الطريق. يعني: يجعله طريقًا له في دخوله وخروجه.
والدليل على جواز هذا:
- أن هذا الطريق ملك لجميع المسلمين وهو من جملة المسلمين فجاز له أن ينتفع ويرتفق به. لأن الطريق المفتوح لا يعتبر ملك للبيوت التي عليه. وإنما هو ملك لجميع المسلمين لأنه مفتوح. فيمر من عند هذا الطريق من بيته على الطريق ومن بيته في مكان آخر.
بخلاف الطريق المغلق كما سيأتينا فإنه لا يمر به غالبًا إلا أصحاب البيوت. أليس كذلك؟!
إذ يقل أو يندر أو لا يوجد أن يمر إنسان من طريق مسدود ليس له فيه بيت.
فإن قيل: ربما جاء للزيارة: فهذا نادر لا حكم له.
إذًا الخلاصة أن الطريق المفتوح للجميع يجوز للإنسان إذا كان بيته عليه أن يفتح بابًا وأن يستطرق فيدخل ويخرج وينتفع بالطريق لأنه من جملة المسلمين الذين يملكون هذا الطريق.
ثم ذكر المؤلف - ﵀ - مسألة أخرى تتعلق أيضًا بالطريق المفتوح.
- فقال - ﵀ -:
- لا إخراج روشن وساباط.
يعني: لا يجوز أن في الدرب المفتوح إخراج الروشن والساباط.
[ ٤ / ١٦٠ ]
الروشن: هو الشرفة التي تبنى لها القواعد في أصل جدار البيت وتمتد إلى الخارج.
ويظهر لي أنها أشبه ما تكون في وقتنا الحاضر بالبلكونة.
وأما الساباط: فهو ما يشغل جميع الهواء ويتكيء على البيتين.
وهذا في القديم كثير جدًا.
وفي الحديث: لا يوجد. فما نرى الساباط الآن في البيوت المسلحة لكن لو دخلت أحد الأحيار القديمة فستجد الساباط وهو البناء الذي يمتد بين البيتين فإنه كثير جدًا.
= الحنابلة يرون: أنه لا يجوز للإنسان أن يضع هذين الشيئين في الطريق المفتوح الممتد.
واستدلوا على هذا:
- بقولهم: أن هذه الطريق ملك لجميع المسلمين ولا يجوز للإنسان أن ينتفع بملك غيره إلا بإذنه.
فالإرتفاق بالطريق ببناء هذين البنائين: محرم واعتداء على حقوق المسلمين.
= والقول الثاني: أن بناء الساباط والروشن أو الشرفة أو الجناح: جائز. بشرط أن لا يؤذي المارة.
واستدلوا على هذا:
- بأن الانتفاع بهذا الملك يشبه استطراق الطريق. فإذا جاز له أن يستطرق الطريق جاز له أن يبني الشرفة والساباط.
- واستدلوا على هذا: بأن الناس في حاجة شديدة إلى مثل هذين: أي الشرفة والساباط.
- واستدلوا على هذا: بأن الانتفاع مع اشتراط عدم الضرر لا محظور فيه.
وهذا القول الثاني: يظهر والله أعلم أنه أرجح كما أن العمل في القديم عليه فتجد الرواشن والساباطات تملأ الشوارع. فالعمل عليه والأظهر إن شاء الله أنه جائز.
* * مسألة/ فإن أذن الحاكم جاز بلا شكال لأن الحاكم يمثل المسلمين فإذنه كإذنهم.
بناء على هذا: إذا أخذ الإنسان إذنًا من البلدية يخرج من منزله شرفة تمتد إلى وسط الطريق فإن هذا العمل لا بأس به. بشرط: أن لا يؤذي. ولذلك ما نراه الآن أحيانًا من وجود الجسر بين بنائين يمر من فوق في الطريق المفتوح لا حرج فيه ما دام لا يؤذي. ويمكن أن تمر من تحته حتى السيارات المحملة بالأشياء الكثيرة. فما دام أنه لا يؤذي فإنه جائز لا سيما وأنه لا يبنى اليوم إلا بإذن من البلديات وهي تمثل ولي الأمر.
- ثم قال - ﵀ -:
- ودكة.
الدكة: بناء مسطح يتخذ للجلوس بجوار جدار البيت. والدكة: لا تجوز عند الحنابلة. بل حكي الإجماع على تحريمها.
واستدلوا على هذا:
[ ٤ / ١٦١ ]
- بأنها تؤذي وتضر المارة ضررًا ظاهرًا وتضيق الطريق.
فإن قيل: ما الفرق بين الدكة وبين اتخاذ الناس المجالس وقد أذنت السنة به بشروطه؟ ما الفرق بين أن يجلس الإنسان على حافة الطريق وبين أن يتخذ دكة؟ الجواب: الفرق بينهما: أن الدكة دائمة ومستقرة والجلوس عارض ويزول. وفرق بين ما يدوم وما يزول.
وهذا القول الذي حكي الإجماع عليه: صحيح والدكة مؤذية بلا إشكال وتضيق الطريق وهي دائمة وضررها من حيث تضييق الطريق أمر ظاهر جدًا ولعله لهذا أجمع عليه بخلاف الروشن والساباط فإنه لا يؤذي ولا يضيق الطريق فإن الإنسان يمر من تحته. بل إن له بعض الأحيان منافع إذ قد يستظل الإنسان به من حر الشمس أو من نزول المطر.
- ثم قال - ﵀ -:
- وميزاب.
أي: ولا يجوز للإنسان أن يجعل الميزاب ممتدًا إلى الطريق المفتوح النافذ.
والمنع من اتخاذ الميزاب من مفردات الحنابلة. وكذلك الروشن والساباط من مفردات الحنابلة.
استدل الحنابلة على المنع من اتخاذ الميزاب بأدلة:
- الدليل الأول: أنه يؤذي المارة بخروج الماء عليهم. ويؤذي المارة بجعل الطريق طينًا.
- واستدلوا على هذا أيضًا: بأنه انتفاع بملك غيره بلا إذنه.
فعلى هذا يجب على صاحب البيت أن يجعل مخرج المياه إلى الداخل لا إلى الخارج.
= والقول الثاني: أن اتخاذ الميزاب جائز ولا حرج فيه بل قال شيخ الإسلام: هو السنة. أي: اتخاذه. لوجوده في العهد النبوي.
واستدلوا على الجواز أيضًا:
- أن عمر بن الخطاب - ﵁ - مر على دار العباس وفيها ميزاب فقال العباس لعمر - ﵁ - أتقلعه وقد وضعه رسول الله - ﷺ - فقال عمر - ﵁ - والله لا تضعه إلا على ظهري. - ﵁ وأرضاه - فصعد على ظهره ووضع الميزاب في مكانه.
فهذا دليل من وجهين: - الوجه الأول: أن الذي وضعه رسول الله - ﷺ -.
- الوجه الثاني: أنه معتاد في العصر النبوي.
وهذا الأثر لا يصح. ولا أظن أن عمر بن اخطاب يجهل مثل هذه السنة وهي مشهورة.
الراجح: القول الثاني: وهو جواز وضع الميزاب.
ومما يدل على رجحان هذا القول أن وضع الماء إلى الداخل مؤذي جدًا ويسبب الضرر على أهل البيت.
[ ٤ / ١٦٢ ]
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا يفعل ذلك في ملك جار.
الإشارة بقوله - ﵀ -: (ذلك) إلى وضع هذه الأشياء التي ذكرها المؤلف - ﵀ -: الساباط والروشن والميزاب والدكة. فليس له أن يجعل هذه الأشياء في ملك جاره.
وهذا صحيح: لأن ملك اجار ملكًا خاصًا ولا يجوز للإنسان أن ينتفع بالملك الخاص إلا بإذن صاحبه.
فلا يجوز أن يبني البلكونة خارجة عن حدود أرضه ولا أن يجعل الميزاب إلى جاره لأن هذه الأراضي أموال خاصة لا يجوز للنسان أن ينتفع منها بشيء إلا بإذن صاحبها.
وهذا الحكم ثابت ولو كان الجار لم يبني إلى الآن ولا يتضرر بسقوط الماء عليه لأن الإنسان حر في ملكه تضرر أو لم يتضرر.
فلا يجوز أن يفعل ذلك إلا بإذن جاره.
- ثم قال - ﵀ -:
- ودرب مشترك: بلا إذن المستحق.
انتقل المؤلف - ﵀ - إلى النوع الثاني من الطرق وهو الدرب المشترك.
ويمكن أن تقول: الدرب غير النافذ لأنه يلزم من كونه غير نافذ أن يكون مشتركًا بين البيوت التي عليه.
فهذا الدرب لا يجوز أيضًا أن يضع الإنسان فيه الروشن أو الساباط ولا الميزاب ولا أن يضع دكة بجوار بابه.
هذه أربعة أبنية لا تجوز عند الحنابلة لا في الدرب النافذ ولا في الدرب غير النافذ.
نحن الآن في الدرب غير النافذ.
لا يجوز وضع هذه الأشياء لأن الدرب النافذ ملك لأصحاب البيوت التي تطل عليه فقط غلا يجوز أن نفعل ذلك إلا بإذنهم فإذا أذنوا وهم أصحاب الحق: جاز وإلا فلا. لأنه من الانتفاع في ملك الغير بغير إذنه.
= القول الثاني: الجواز.
واستدلوا أيضًا:
- بأن لصاحب البيت أن ينتفع بالطريق استطراقًا وجلوسًا فكذلك أن يبني هذه الأبنية.
ويشترط على هذا القول: أن لا تضر بأصحاب الطريق. سواء كان هذا الضرر معهودًا أو غير معهود. فلا يجوز إذا كانت هذه الأبنية تضر أن تبنى.
والخلاف في هذه المسألة قريب من الخلاف في المسألة السابقة إلا أن الجواز في مسألة الطريق النافذ أقوى من الجواز في مسألة الطريق غير النافذ. لماذا؟ لأن أصحاب الطريق غير النافذ أخص من أصحاب الطريق النافذ. - لأن أصحاب الطريق غير النافذ هم فقط أصحاب البيوت التي على الطريق.
[ ٤ / ١٦٣ ]
وأما أصحاب الطريق النافذ فهو جميع المسلمين ومنهم صاحب هذا الروشن أو الساباط.
- ثم قال - ﵀ -:
- وليس له وضع خشبه على حائط جاره: إلاّ عند الضرورة إذا لم يمكنه التسقيف إلاّ به.
أفاد المؤلف - ﵀ - أنه يجوز للجار أن يضع خشبه على جدار جاره بشروط.
- الشرط الأول: أن لا يكون في الوضع ضرر على الجدار. وهذا الشرط محل إجماع.
- الشرط الثاني: أن يكون بحال الضرورة لوضع خشبه على جدار جاره. فإن لم يكن بحال ضرورة وإنما حاجة فقط فإنه لا يجوز.
ومثل المؤلف - ﵀ - على الضرورة بأن لا يستطيع تسقيف الغرفة إلا بوضع الخشب على جدار الجار.
ومن المعلوم أن تسقيف الغرفة ضرورة لأنه لا يمكن للإنسان أن يعيش في غرفة مفتوحة الغما.
واستدل الحنابلة على هذا الحكم:
- بقول النبي - ﷺ -: (لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على جداره). والحديث نص في المسألة.
= القول الثاني: أنه لا يجوز مطلقًا أن يضع الإنسان خشبه على جدار جاره ملطقًا.
- لأن جدار الجار ملك خاص لا يجوز الانتفاع به إلا بإذنه.
= القول الثالث: أنه يجوز وضع الخشب على جدار الجار ولو للحاجة بلا ضرورة.
فيكون الشرط عند أصحاب القول الثالث عدم الضرر فقط.
ما هو دليلهم؟
- الحديث السابق: وجه الاستدلال: الإطلاق. فهو وجه الاستدلال فإن الحديث عام: (لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على جداره) فلم يخصص بحال الضرورة أو حال الحاجة أو سوى ذلك.
فاشتراط الضرورة لا دليل عليه. وإلى هذا القول: ذهب ابن عقيل من الحنابلة.
وهو في الحقيقة من وجهة نظري هو الراجح: لأن الحديث عام وتخصيصه بلا مخصص لا معنى له.
وما دمنا نشترط أن لا يكون هناك ضرر على الجار فبأي حق يمنع.
* * مسألة/ على القول بأنه للجار أن يضع خشبه على جدار جاره - على هذا القول - له أن يضع ولو لم يأذن الجار ولو امتنع وعلى الحاكم أن يجبره.
* * مسألة/ لو حكم حاكم - يعني: قاضي - بعدم جواز وضع الخشب على جدار الجار فللقاضي الآخر إذا عرضت عليه أن ينقض الحكم وقد نص الإمام أحمد - ﵀ - على ذلك.
والسبب أنه خالف بذلك حديثًا صريحًا صحيحًا.
وإذا خالف حكمه حديثًا صريحًا صحيحًا وجب نقضه.
[ ٤ / ١٦٤ ]
ونحن لا نقول ينقض مباشرة لكن نقول إذا عرضت القضية على قاض آخر فله أن ينقض الحكم السابق لمخالفته لصريح السنة.
* * مسألة/ على القول بجواز وضع الخشب على جدار الجار لا يلزم الجار بإنشاء جدار آخر في منزله لوضع الخشب عليه ولو أمكن.
إذًا تبين الآن أن الراجح هو: جواز وضع الخشب على الجدار إما في حال الضرورة الحاجة على حسب الخلاف.
كيف نجيب على دليل أصحاب القول الثاني: والنبي - ﷺ - يقول: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه).
تقدمت معنا قاعدة مفيدة في الترجيح: «أن الدليل الخاص بالمسألة مقدم على الدليل العام ولو كان الدليل العام صحيحًا ومتوجهًا». لكن ما دام في المسألة دليل خاص فلا ننظر إلى الأدلة العامة.
- ثم قال - ﵀ -:
- وكذلك المسجد وغيره.
يعني: والحكم في وضع الخشب على جدار المسجد كالحكم في وضعه على جدار الجار تمامًا. بالتفصيل السابق.
فيجوز أن يضع بالشروط التي ذكرها الحنابلة.
= وعن الإمام أحمد - ﵀ - رواية ثانية أنه لا يجوز وضع الخشب على جدار المسجد وإن جاز وضعه على جدار الجار.
واستدل الإمام أحمد - ﵀ - بأن الحديث نص على جدار الجار ولم يذكر جدار المسجد.
واختار هذه الرواية: من الحنابلة أبو بكر: وهو من كبار الحنابلة وله ترجمة ممتعة لو رجعتم إليها لكان مفيدًا.
والراجح: القول الأول: وهو أن المسجد كغيره.
والمرجح لهذا القول: أن حقوق الله يدخل فيها المسامحة أكثر من حقوق العباد لكرمه وفضله.
فإذا جاز في جدار الآدمي ففي جدار الوقف من باب أولى.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإذا انهدم جدارهما أو خيف ضرره، فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه: أُجبر عليه.
ذكر المؤلف - ﵀ - مسألتين:
- المسألة الأولى: إذا انهدم الجدار الذي بني بين الجارين وهو ملك لهما. يعني: ملك مشترك.
فإذا انهدم وطلب أحدهما من الآخر أن يشتركا في البناء والترميم وجب وجوبًا على الآخر أن يجيب.
وهذه المسألة أيضًا من مفردات الحنابلة.
واستدلوا على هذا الحكم:
- بأن ترك بناء الجدار يؤدي إلى الإضرار وهو ملك لهما فوجب عليهما أن يشتركا في بنائه.
= القول الثاني: أنا لا نجبر الجار على بناء الجدار.
[ ٤ / ١٦٥ ]
واستدلوا بدليلين:
- الأول: أن الإنسان لا يلزم بتعمير ملكه. فلا يلزم يتعمير ما ملكه مع غيره.
- الثاني: أن الإنسان لا يلزم بالنفقة على غير المحترم. ويقصدون بالمحترم: الذي له نفس. يهلك إذا لم ينفق عليه.
وإذا لم يجب عليه فلا يجوز أن نلزمه بغير واجب.
وإلى هذا ذهب ابن قدامة. فمال إلى أنه لا يلزم. إذا لم يرد بناء جدار لايلزم.
أي القولين أرجح؟ في الحقيقة تتجاذب المسألة أدلة قوية لكن الراجح فيما يبدو لي: أنه لا يلزم إذا أبدى عذرًا صحيحًا ويلزم بدون ذلك.
فإذا أبدى عذرًا واضحًا لم نلزمه وإذا امتنع إضرارًا ألزمناه.
وهذا القول وسط لا ضرر عليه إذا امتنع بسبب وجيه ولا نلزمه بعد ذلك وإذا اعتذر بعذر غير وجيه نلزمه.
وفي الغالب الذي يتولى تقدير عذر الممتنع هو: القاضي بلا شك. ليخرج من الخلاف بين الأشخاص ويفصل القاضي بين الخصوم.
- المسألة الثانية: إذا خيف ضرره.
إذا خيف ضرر الجدار بأن ينهدم وجب على كل منهما إقامة الجدار والنفقة عليه. وهذا لا إشكال فيه. لأن بقاء الجدار مع خوف الانهدام فيه ضرر ظاهر.
والهلاك بسقوط الجدار على الإنسان غالب.
فيجب وجوبًا النفقة عليه إذا خيف ضرره.
فإذا انهدم رجعنا إلى المسألة السابقة.
- ثم قال - ﵀ -:
- وكذا النهر والدولاب والقناة.
يعني: والحكم نفسه إذا تهدم الدولاب أو القناة أو النهر وطلب أحد الشريكين من الآخر أن يصلحها وجب على الجميع الاشتراك في الإصلاح.
والنهر: هو الماء الجاري الذي يشتط منه للمزارع أي من النهر الكبير. فهذا النهر الصغير يسمى أيضًا نهرًا.
والدولاب: هي آلة تستعمل في إخراج الماء إما عن طريق الإدارة بالحيوانات أو بالماء.
والقناة: حسب ما يقول الحنابلة: هي الآبار التي تحفر متقاربة يخرج الماء منها على سطح الأرض.
هكذا فسر الحنابلة القناة مع أن الذي يتبادر إلى الذهن من كلمة القناة أنها قناة ممتدة لتوصيل الماء.
لكن هم يرون أنها الآبار.
فهذه الأشياء إذا انهدمت وتعطلت وجب على الشريكين الاشتراك في إصلاحها.
والقول بوجوب إصلاح مثل هذه الأشياء - الثلاثة الأخيرة - أوجه وأوجب من القول بوجوب إصلاح الجدار.
[ ٤ / ١٦٦ ]
لأن هذه الأشياء إذا تعطلت مات الزرع. والنبي - ﷺ - يقول: (لا ضرر ولا ضرار). وأي ضرر أعظم من أن يترك الإنسان زرعه الذي تعب عليه طوال السنة بلا سقي فيموت ويخسر ما استدان في إقامته.
فيجب في الحقيقة. والقول بالوجوب متوجه جدًا في مثل هذه الأشياء.
نفس الشيء: اليوم لو اشترك الجاران بالمزرعة بحفر بئر ووضع الماكينة التي تخرج الماء فخربت فيجب وجوبًا عند الحنابلة وهو القول الأقرب أن يشترك في إصلاحها وسقي الماء بها لأن تركها فيه ضرر ظاهر.
وبهذا انتهى باب الصلح وندخل إن شاء الله في باب الحجر .. «الأذان».