- قال - ﵀ -:
- باب الغصب.
الغصب في لغة العرب هو: أخذ مال الغير قهرًا. والغصب محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
ـ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ [النساء/٢٩].
ـ وأما السنة: فإن النبي - ﷺ - خطب الناس في الحج وقال: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا). وهذا تغليظ في الدماء والأموال والاعراض.
ـوأما الإحماع فلم يختلفوا أبدًا في أن الغصب محرم. وإن اختلفوا ببعض المسائل داخل باب الغصب لكن الغصب من حيث هو محرم. وأما التعريف الشرعي فذكره المؤلف - ﵀ -:
- فقال - ﵀ -:
- وهو: الإستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق.
المؤلف - ﵀ - عدل عن تعريف الأصل - يعني عن تعريف الشيخ ابن قدامة في المقنع واختار تعريف رجل من كبار الحنابلة يسمى الحارثي. وهو من علماء الحنابلة الكبار.
وذكر التعريف المذكور هنا واختاره المؤلف - ﵀ - وفي الحقيقة هو من أجود التعاريف.
- يقول - ﵀ -:
- وهو الاستيلاء.
لا تتحقق حقيقة الغصب إلا مع الاستيلاء وهو الأخذ. وإذا لم يوجد الاستيلاء فلا غصب.
فإذا دخل رجل بيت آخر بلا إذن وتلف البيت فهنا: لا يتعبر استيلاء ولا ضمان عليه.
لماذا؟ لأنه وإن دخل بغير إذنه إلا أنه لم يستول عليه.
لكن لو دخل بغير إذنه وأخرج صاحب الدار قصرًا من الدار وجلس في الدار حينئذ يعتبر استولى فإن انهدمت الدار فيضمنها. إذًا لابد من عنصر الاستيلاء.
ولا يشترط في الاستيلاء كما يتوقع كثير من الناس نقل العين «الأذان»
[ ٤ / ٣٢٢ ]
الدرس: (٤٠) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أخذنا أول باب الغصب وتعريف الغصب في اللغة وأدلة التحريم والتعريف الاصطلاحي وذكرت أن المؤلف - ﵀ - عدل عن تعريف الأصل وهو تعرلايف ابن قدامة واختار تعريف الحارثي والسبب في ذلك هو أن التعريف الذي اختاره الحارثي أجمع وأشمل وأمنع.
وذلك قدمه المؤلف - ﵀ - على تعريف ابن قدامة. لأن في تعريف ابن قدامة كلمة المال وفي تعريف الحارثي كلمة الحق والحق أوسع من المال ولذلك اختارها وهو إن شاء الله مصيب باختياره تعريف الحارثي.
- يقول - ﵀ -:
- وهو: الإستيلاء على حق غيره.
الاستيلاء: تحدثنا عنها وبينا أنها من الشروط الأساسية في الغصب.
- يقول - ﵀ -:
- على حق غيره.
المقصود بالحق هنا: سواء كان حقًا ماليًا أو حق اختصاص.
ومعنى (حق الاختصاص) هو أن يختص الإنسان بمنفعة العين وإن لم تكن مالًا متقومًا في الشرع.
مثال حق الاختصاص/ الكلب. فالكلب يختص نفعه بصاحبه وليس من الأموال التي يجوز أن تباع وأن تشترى.
فرأينا أن كلمة حق شملت النوعين فهي أولى بالتقديم في التعريف من كلمة مال.
- قال - ﵀ -:
- قهرًا.
يعني: أنه يجب لكي نحكم على العمل أنه غصب أن تؤخذ تاعين بالقوة فإن أخذت عن طريق السرقة أو النهب أو الاختلاس فإنه لا يعتبر من باب الغصب.
فالسارق - مثلًا - لا يأخذ العين قهرًا وإنما خفية.
فيشترط في الغصب أن يأخذ العين بقوة وقهرًا حتى نسميها غضبًا.
- ثم قال - ﵀ -:
- بغير حق.
خرج بهذا: ما لو أخذت العين بالقوة والقهر لكن بحق.
مثال ذلك/ أخذ الحاكم المال من المفلس. فهو يأخذه بقوة وقهر ولكنه بحق.
ومثاله أيضًا/ أخذ ولي اليتيم المال من اليتيم لئلا يضيع اليتيم المال فهذا أخذ بحق.
المهم: القاعدة أنه إذا أخذ المال قهرًا لكن بحق فليس من الغصب.
- يقول - ﵀ -:
- من عقار.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
انتهى المؤلف - ﵀ - من التعريف في الحقيقة ودخل في مسألة العين المغصوبة وأحكام هذه العين.
وهو مبحث أساسي في باب الغصب.
فسيتكلم عن أنواع العين المنصوبة وأنواع الاغتصاب وأنواع العين بعد الاغتصاب كما سيأتينا كل هذا في الباب.
بدأ أولًا بالعين التي يمكن أن يقع عليها فعل الغصب.
- فيقول - ﵀ -:
- من عقار أو منقول.
العقار. تعريفه: هو كل ما يملك ثابتًا أصله لا يتحرك.
فالأموال الثابتة الأصول دائمًا تعتبر عقار عند الفقهاء. ولا تختص كلمة عقار بالمباني كما هو في العرف بل عند الفقهاء: العقار: كل ما كان ثابت الأصل.
فالدار: عقار أو منقول؟ عقار.
والنخلة؟
والشجرة؟
والأرض؟
هذه أمور واضحة.
والبيوت المتنقلة التي تنقل من مكان إلى مكان - لست أقصد البيوت التي تكون على هيئة سيارة أقصد البيوت التي تنقل وتوضع في مكان ثم بعد فترة تنقل وتوضع في مكان آخرى تكون جاهزة وتوضع للسكن أو للعمل إلخ؟ هذه عقار أو منقول؟
(السؤال الذي يبنبغي أن تسأل نفسك إياه؟ كيف أحكم على الشيء أنه عقار أو منقول؟ الجواب: أن الثابت عقار والمنقول والسؤال الثاني الذي تسأل نفسك إياه: إذا اجتمعت في العين صفتان كيف أحكم عليها؟ على الغالب.
إذًا: إذا تدرج الإنسان في التفقه استطاع أن يعرف الحكم.
إذا قيل: أيهما الصفة الغالبة على البيوت المتنقلة: الثبات أو التنقل؟ الثبات.
إذًا التدرج في معرفة الحكم يساعد على معرفة حقيقة العين.
بالنسبة للبيوت التي تأتي على شكل سيارة أصلًا: منقولة وإن كانت فيها جميع مرافق البيت. لماذا؟ لأن الأصل فيها والغرض منها التنقل الكثير. فالأصل فيها التنقل لا الثبات.
إذًا: الآن نستطيع إن شاء الله نستطيع أن نعرف ما هو العقار وما هو المنقول؟
نأتي إلى حكم المسألة:
= ذهب الحنابلة إلى أنه يتصور الغصب في العقار.
واستدلوا على هذا القول بأدلة:
- الدليل الأول: قوله - ﷺ - في الحديث المتفق على صحته: (من ظلم شبر أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين). فهذا الحديث دليل على أن أخذ الشبر من الأرض يعتبر غصبًا.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
- الدليل الثاني: أنه بالإمكان الاستيلاء على العقار ومنع صاحبه من الانتفاع به وهذا حقيقة الغصب.
= القول الثاني: أنهى لا يتصور مطلقًا الغصب في العقار. وهو مذهب الأحناف.
واستدلوا على هذا:
- بأن من أوصاف الغصب اللازمة له النقل فلا يتصور غصب بلا نقل والعقار لا يمكن نقله. لأن وصفه الأساسي هو الثبات.
والراجح قول الحنابلة - وهو قول الجماهير - ووجه الترجيح أن وصف الأحناف للمغصوب بأنه لابد أن ينقل غير صحيح: لأن هذا الشرط ليس في الكتاب ولا في السنة بل يصح الغصب بلا نقل.
ولذلك لو جاء رجل وغصب متاع إنسان ولم ينقله أبقاه في مكانه لاعتبرناه غاصبًا وإن لم ينقله.
فالراجح أنه يتصور الغصب في العقار.
* * مسألة/ حتى تفهم ما يترتب على أن نحكم على العقد أنه غصب أو ليس بغصب يترتب بصورة عامة - سيأتينا تفصيل هذا - يترتب بصورة عامة على عقد الغصب: الضمان المطلق.
وإذا حكمنا على العمل أنه ليس بغصب فإنه لا يضمن إلا بالإتلاف.
فإذا جاء شخص وأخذ البيت قهرًا وقصرًا ولما أخذ البيت انهدم البيت: - فعند الأحناف: إلا أن تعدى أو فرط. - وعند الجمهور: يضمن مطلقًا حتى لو خرج من البيت وسافر وسقط البيت بسبب الريح فإنه يضمن. لأنا حكمنا على أخذه العين أنه عقد غصب.
إذًا: هذا الذي يسمى ثمرة الخلاف.
وهو مبحث مهم: أحيانًا: يأخذ الإنسان الخلاف في شيء ولا يعرف ماذا يترتب على هذا الخلاف.
- يقول - ﵀ -:
- ومنقول.
المنقول: هي الأموال التي يمكن نقلها وهي غالب الأموال كالأمتعة والأطعمة والمركوبات وأشياء كثيرة.
ولا إشكال بالإجماع أن المنقول يغصب إنما الخلاف فقط في العقار.
- قال - ﵀ -:
- وإن غصب كلبًا يقتنى.
إذا غصب كلبًا يقتنى ككلب الماشية أو الرعي أو الصيد فإنه يجب عليه أن يرد الكلب وجوبًا.
فيجب على الغاصب إرجاع الكلب إلى صاحبه.
والتعليل: - أن منافع الكلب ملك لصاحب الكلب المختص به ولا يجوز للإنسان أن يضيع على أخيه منافع أمر يختص به. وهذا لا إشكال فيه.
* * مسألة/ فإن تلف الكلب فليس على الغاصب دفع القيمة:
= عند الحنابلة.
واستدلوا على هذا:
[ ٤ / ٣٢٥ ]
- بأن القاعدة الفقهية تقول: كل ما لا يجوز بيعه لا يجب ضمانه. والكلب لا يجوز بيعه فلا يجب ضمانه.
= والقول الثاني: أن على الغاصب للكلب إذا تلف أن يدفع قيمة الكلب.
- لأنه ضيع على المغصوب منافع الكلب.
وفي الحقيقة الخلاف قوي. لكن لو قيل: أن عليه أن يدفع وهذا الدفع في الحقيقة ليس قيمة للكلب وإنما هو عوض المنافع. ومنافع الكلب محترمة شرعًا.
ولذلك أخذنا الخلاف في تأجير الكلب. وأن الأقرب جواز تأجيره في الحال التي يجوز فيها نفعه.
كذلك هنا نقول: المال أو القيمة هي مقابل المنافع. ويكون هذا القول وهو خلاف المذهب هو الأقرب من حيث التعليل.
- يقول - ﵀ -:
- أو خمر ذمي.
إذا غصب المسلم خمر الذمي فيجب عليه أن يرده.
فهم من كلام المؤلف - ﵀ - أنه إذا غصب خمر المسلم فإنه لا يجب أن يرده وهذا صحيح. بل يجب عليه أن يتلفه وجوبًا.
إذًا: هناك فرق بين خمر الذمي وخمر المسلم.
نرجع إلى خمر الذمي: إذا غصب الإنسان خمر الذمي فإنه يجب عليه أن يرده للذمي.
والسبب في ذلك:
- أنه يجوز للذمي أن يتاجر في الخمر وأن يتعاطاها سرًا.
- والدليل الثاني: أن الصحابة - ﵃ - سألوا عمر بن الخطاب - ﵁ - عن تجار أهل الذمة الذين يتاجرون في الخمر هل يعشر عليهم أو لا يعشر. فقال - ﵁ -: (ولوهم بيعها وخذوا عليهم العشر من الثمن) فدل الأثر على أن الخمر مال محترم بالنسبة للذمي.
وهذا كله يدل على أنه يجب ردها إليه.
* * مسألة/ فإن تلفت فإنه لا يجب على المسلم ضمان القيمة: لأنى الخمر مال مهدر في الشرع.
= والقول الثاني: أنه يجب على المسلم الغاصب أن يضمن الخمر للذمي.
واستدلوا على هذا:
- بأن عقد الذمة أوجب - حفظ مال ونفس الذمي. والخمر بالنسبة للذمي مال متقوم. فوجب لذلك الضمان.
وهذا القول هو الصحيح. لأن مال الذمي محفوظ بعقد الذمة وهو مال بفتاوى الصحابة فعليه أن يضمن هذا المال. فإذا أتلفه دفع إلى الذمي قيمة الخمر.
- قال - ﵀ -:
- ولا يرد جلد ميتة.
إذا غصب الإنسان من أخيه جلد ميتة فإنه لا يجب: = عند الحنابلة أن يرد هذا الجلد.
وعللوا هذا:
[ ٤ / ٣٢٦ ]
- بأن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ فلا يمكن الانتفاع به فلا فائدة في رده.
= والقول الثاني: أن جلد الميتة يطهر بالدباغة. وإذا كان يطهر بالدباغة فيجب على المسلم أن يرده على من اغتصبه منه.
- لأنه يمكن الانتفاع به.
= والقول الثالث: أنه يجب رد جلد الميتة المغصوب سواء قلنا يطهر بالدباغة أو لا يطهر بالدباغة.
والسبب في هذا:
- أنه يجوز الانتفاع بجلد الميتة في اليابسات وإذا كان يجوز الانتفاع به في اليابسات وجب رده سواء قلنا يطهر أو لا يطهر بالدباغة.
وهذا القول هو الصحيح.
فإذا غصب جلدة ميتة فيجب عليه أن يرد هذا الجلد.
- قال - ﵀ -:
- وإتلاف الثلاثة: هدر.
الثلاثة هي: المتقدمة. الكلب والخمر والجلد الميتة.
وتقدم معنا الخلاف عند ذكر كل واحد منهم فيما إذا تلفه الغاصب.
والراجح في الجميع أنه يجب: القيمة. وتقدم هذا ولذلك نحن رأينا أن نذكر الخلاف في الاتلاف عند ذكر كل واحدة على حدة حتى يكون الحكم مجتمعًا فيما يختص بالكلب وفيما يختص بالخمر وفيما يختص بجلد الميتة.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن استولى على حر: لم يضمنه.
هذه المسألة ترجع إلى قاعدة:: «وهي أن الغصب لا يقع على غير الأموال» وهي قاعدة مفيدة. وبدن الإنسان ليس من الأموال يعني: بدن الإنسان الحر ولذلك لا يعتبر مغصوبًا.
بناء على هذا: لا يضمن. لا ضمان فإذا غصب زيد عمرًا فإنه لا يضمنه إلا إذا أتلفه بتعد وتفريط.
مثال يوضح المسألة/ إذا غصب زيد عمرًا وفي مدة الغصب (غصبه يعني: أخذه وحبسه عنده) وفي مدة الحبس أصيبت يده بجرح ولزم من ذلك قطع اليد:
ـ على القول بأنه لا يغصب الإنسان تكون يده: هدر. لأنا لا نحكم عليه بأنه غصب وإنما يضمن لو قام بقطع يده: ضمن.: كما لو قطع يد أي شخص في الشارع. ويكون الضمان بسبب الجناية والتعدي لا بسبب الحبس والغصب.
- قال - ﵀ -:
- وإن استعمله كرهًا .. فعليه أجرته.
إذا استعمل الإنسان آخر مغصوبًاَ كرهًا: فعليه الأجرة.
والسبب في هذا: - أنه استغرق منافعه واستوفاها فوجب عليه أجرة هذه المنافع.
إذًا: إذا غصبه واستعمله بأن جعله يعمل في أعمال خاصة بالغاب فعليه الأجرة.
لماذا؟ لأنه استغرق منافعه.
[ ٤ / ٣٢٧ ]
وقبل ان نتعدى الاستعمال هناك فيه قول آخر في المسألة لكنه - ضعيف - ونحن نستبق هذا القول ونقول هو قول ضعيف وتركناه. لكن نشير إليه لأن تعليله جيد:
= القول الثاني: انه إذا استعمله لا يدفع الأجرة.
التعليل: - قال: التعليل: لأنه إذا لم يضمن الأصل فكيف يضمن الفرع. لأن عمل الإنسان فرع عن بدنه.
وهذا اختاره لحارثي. وإن كان اختيار الحارثي في التعريف جيد لكن اختياره في هذه المسألة مرجوح.
والراجح أن عليه ضمان الأجرة وإنما ذكرت هذا القول لأن تعليله لطيف.
وهذا واضح.
- قال - ﵀ -:
- أو حبسه: فعليه أجرته.
إذا حبسه فعليه أجرته ولو لم يعمل.
التعليل:
- أنه أتلف منافع هذا الرجل مدة الحبس.
ولاحظ هذا التعليل يختلف عن تعليل المسألة السابقة. المسألة السابقة نقول إنه استغرق المنافع وانتفع بها هنا لم ينتفع هو بالمنافع لكنه أتلف المنافع بالحبس.
= والقول الثاني: انه في مسألة الحبس لا يضمن الأجرة.
- لأنه لم ينتفع منه بشيء والبدن لا عوض عليه.
ومن المعلوم أن الحارثي الذي يرى عدم أخذ الأجرة مع الاستعمال واستخدام المحبوس هنا من باب أولى أنه يرى أنه لا أجرة.
والراجح: أن عليه الأجرة. لأنه في الواقع أتلف المنافع هذه المدة.
بناء على هذا: نقول قيمة الأجرة تتفاوت بحسب منافع هذا المحبوس أو المغصوب.
ـ فإن كانت كبيرة فسيكون المبلغ كبير جدًا.
ـ وإن كانت بسيطة فسيكون بسيط جدًا.
* * مسألة/ نحن أخذنا استعمله والمسألة الثانية: إذا حبسه بلا استعمال. المسألة الثالث: وهي مرتبة عقليًا: إذا منعه مكن العمل بلا حبس. يعني: لم يحبس ولم يستعمل.
ففيه خلاف:
= الراجح: أنه إذا منعه من العمل ولم يحبسه فعليه أيضًاَ الأجرة. وممن اختار هذا القول من المحققين الشيخ ابن مفلح - ﵀ - والشيخ المرداوي.
صورة المسألة/ أن يقول زيد لعمرو إن عملت في دكانك برحتك ضربًا. هو الآن لم يحبسه. لكنه منعه من العمل بالتهديد. هذا المُهَدَّد إذا كان المُهَدِّد يقول ويفعل ويضرب فلهن يعمل ويعتبر محبوس.
فنقول أنت لم تعمل لأنك محبوس وعليه أجرة هذه المدة.
إذًا تبين معنا في الحقيقة أنه في كل الصور عليه الضمان لأنه ظالم ومعتدي.
- قال - ﵀ -:
[ ٤ / ٣٢٨ ]
- ويلزم ردُّ المغصوب: بزيادته.
رد المغصوب: واجب بالإجماع. لم يختلفوا ﵏ في وجوب رد المغصوب.
- لقول النبي - ﷺ -: (ليس لعرق ظالم حق).
- ولقول النبي - ﷺ -: (لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جادًا ولا لاعبًا وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها).
الحديث أفاد تحريم أخذ مال الغير وفي نفس الوقت وجوب الرد: (فليردها).
كما أن الحديث يفيد بيان حكم مسألة تقع كثيرًا الآن لكن أنا لم أتمكن من مراجعة إسناد الحديثز لكنه يدل إن صح على مسألة أن المزح الذي يقع بين بعض الناس في أخذ المتاع أنه لا يجوز وهذا يقع كثيرًا. يعني: يمزح مع أخيه ويأخذ شيئًا من متاعه ويجعله مستترًا من باب المزاح. الحديث يقول: (جادًا ولا لاعبًا). فالواجب إذا صح الحديث الامتناع عن هذا النوع من المزاح ويكون من المزاح الممنوع شرعًا.
كما أنه ممنوع من جهة أخرى وهي: الترويع. لا سيما إذا كانمت مصالح الإنسان تتعلق بهذه العين بكثرة أو كان يحتاج هذا المال في هذا الوقت بشدة مثل ما يصنع بعض الناس يأخذ: مفتاح السيارة أو السيارة كاملة إذا كانت تشتغل أو الجوال يأخذه ويضعه في مكان مستتر وقد تكون حاجة الإنسان للسيارة أو الجوال أو أي شيء الآن ملحة وما في شك أنه سيصدم حين لا يجد هذا المال الخاص به.
ففي الحقيقة ما ذكر في الحديث تؤيده الأصول. فإن صح الحديث فهو حديث مفيد جدًا.
- قال - ﵀ -:
- بزيادته.
يجب على الغاصب أن يرد المغصوب بزيادته.
سواء كانت هذه الزيادة منفصلة أو متصلة.
فإذا غصب عبدًا وعلمه الكتابة لمدة سنة وصرف عليه في التعليم مبالغ طائلة فإنه يأخذ المغصوب غلامه مع هذه الزيادة: المتصلة ولا شيء للغاصب.
كذلك لو أنه غصب من بهيمة الأنعام وأتت بولد أو أكثر فإنه يأخذ الشاة وما جائت به وليس للظالم شيء.
- قال - ﵀ -:
- وإن غرم أضعافه.
يعني: ويجب على الغاصب رد المغصوب وإن أدى الرد إلى غرامة أضعاف قيمة العين المغصوبة.
وأبرز صور ارتفاع قيمة رد المغصوب يقع في صورتين:
[ ٤ / ٣٢٩ ]
- أن يكون المغصوب بعيدًا. فإذا [[سرق]] العين ووضعها في مكان بعيد وصار إحضار هذه العين من هذا المكان البعيد تترتب عليه نفقات هي أضعاف قيمة العين فيجب عليه أن يحضر هذه العين.
- الصورة الثانية: أن يبني على هذه العين. مأن يغصب خشبة - خشبة واحدة - ويضعها في عمارة من عشرين طابق فتكلفة إرجاع هذه الخشبة هدم كل هذه العشرين دور. لأن استخراج الخشبة لا يمكن إلا بهدم هذه الأدوار إلا إذا كان بالإمكان كسر الجدار أو استخراج الخشبة فممكن.
لكن فانفرض أنه لا يمكن استخراج الخشبة إلا بهدم البيت: فيجب وجوبًا على الغاضب أن يهدم البيت وأن يستخرج الخشبة.
استثنى الحنابلة من هذا الحكم العام صورتين:
ـ الصورة الأولى: إذا تلفت العين. أخذ خشبة واستعملها في البناء وتلفت وانقرضت ولم يعد لها عين.
فلا حاجة لا سترجاع العين لأنها تلفت. أصلًا هذه العين تلفت.
ـ الصورة الثانية: إذا كان المغصوب خيطًا خيط به جرح إنسان محترم. فإنه لا يجب نقض الجرح وإرجاع الخيط إلى صاحبه.
فيما عدا هذا يجب مطلقًا إرجاع العين المغتصبة ولو أدى إرجاعها إلى أضعاف قيمتها.
= والقول الثاني: أن الغاصب إذا غصب خشبةً أو غصب حجرًا واستخدمه في البناء فإنه لا يلزم بنقض البناء بل يلزم بقيمة الخشبة.
واستدلوا على هذا:
- بأن إلزام الغاصب بالنقض فيه ضرر ظاهر عليه. والنبي - ﷺ - يقول: (لا ضرر ولا ضرار).
وهذا القول هو الراجح إن شاء الله. إلا في صورة واحدة:
ـ إذا تعلقت حاجة المغصوب بهذه العين بحيث لا تنقضي إلا بها. فحينئذ يجب إرجاع هذه العين المغصوبة مهما كلف الأمر. لأنه في هذه الصورة لم يعد الأمر ضرر وإضرار وإنما صارت المسألة حاجة المغصوب لهذه العين.
هذا القول إن شاء الله هو الصحيح.
-
قال - ﵀ -:
- وإن بنى في الأرض أو غرس: لزمه القلع.
إذا غرس في الأرض أو زرع فيها فله صورتان:
ـ الصورة الأولى: أن يزرع وينتهي موسم الزرع ويحصد الزرع ويأخذ الزرع كاملًا ثم يأتي المغصوب لأخذ حقه.
[ ٤ / ٣٣٠ ]
فالحكم حينئذ: أن الزرع جميعه للغاصب. وليس للمغصوب إلا أجرة الأرض. وقد حكى الشيخ ابن قدامة - ﵀ - الإجماع على هذه الصورة. فيقول - ﵀ -: (لا أعلم فيه مخالفًا).
ـ الصورة الثانية: التي ذكرها المؤلف - ﵀ -: إذا بنى على الأرض بيتًا أو غرس فيها شجرًا فإنه يجب عليه القلع.
ومقصود المؤلف - ﵀ - بوجوب القلع: يعني: إذا طلب المالك منه القلع. فحينئذ يجب عليه أن يقلع.
والسبب: أنه معتد ظالم انتفع بمال غيره بلا إذن فوجب عليه الإزالة.
وهذا الحكم لاإشكال فيه. وجوب القلع: لا إشكال فيه.
* * مسألة/ إذا بنى في الأرش وطلب المالك القلع ولا مصلحة للمالك في القلع فحينئذ وقع بين الفقهاء خلاف:
= منهم من قال: إذا لم يكن لصاحب الأرض غرض صحيح في قلع المبنى: هدم المبنى: فإنه لا يمكن من هذا الحكم.
- لأن هذا مفسدة لا مصلحة فيها. والشرع جاء بتحصيل المصالح وتكميلها وإبطال المفاسد وتخفيفها.
= والقول الثاني: أنه يمكن ولو طلب هذا على سبيل الإضرار بالغاصب فقط. بأن قال: اهدم البيت لأبني مكانه مثله. «الأذان».
والراجح إن شاء الله أنه لا يلزم بالقلع لأنه كما قلت لا فائدة من إلزام الغاصب بهذا الحكم.
: الراجح إذًا: عدم الإلزام: أنه لا فائدة في هذا العمل.
لكن إذا كان هناك فائدة بأن بنى الغاصب في أرض ينوي المالك أن يجعلها مزرعة وهو في حاجة إلى اتخاذها مزرعة فحينئذ له أن يلزم الغاصب بالقلع وبكل ما يترتب على القلع كما سيأتينا في نص كلام المؤلف - ﵀ -.
- قال - ﵀ -:
- وأرش نقصها.
يلزمه أيضًا: أرش النقص.
إذا نقصت العين وهي في هذه المسائل الأرض بسبب أنه بني فيها بيت وهدم أو غرس فيها شجر وقلع. فإن على الغاصب أرش النقص.
والتعليل: - أن هذا النقص حصل بتعديه وظلمه. وإذا ترتب النقص على التعدي والظلم وجب ضمانه.
والأرش هو: أن نقول كم ثمن الأرض قبل هذا العمل وهو البناء ثم الهدم؟ وكم قيمتها بعد هذا العمل؟ والفرق بينهما يدفعه الغاصب.
- ثم يقول - ﵀ -:
- والتسوية.
يعني: ويجب عليه بعد القلع أن يسوي الأرض.
والضابط في ذلك: أن ترجع كما كانت.
[ ٤ / ٣٣١ ]
سواء كانت تسوية بعد هدم أو تسوية بعد قلع فيجب عليه أن يسويها كما كانت.
- لأنه أيضًا. أي: التفاوت الواقع في الأرض كان بسبب الظلم فيجب على الظالم تفادي هذا الضرر الواقع على الأرض.
- يقول - ﵀ -:
- والأجرة.
ويجب على الغاصب أجرة الأرض مدة الغصب.
التعليل:
- أن منافع الأرض تلفت تحت يد الغاصب ومن أتلف المنافع فعليه قيمتها.
فنقول: كم تستحق هذه الأرض أجرة في هذه المدة التي اغتصبها الغاصب ونلزم الغاصب أن يدفع الأجرة.
إذًا: سيترتب على عمل الغاصب أشياء كثيرة:
ـ عليه القلع.
ـ ثم بعد ذلك: التسوية.
ـ ثم بعد ذلك: دفع الأرش.
ـ ثم بعد ذلك: دفع الأجرة.
فسيترتب على فعله وتعديه مبالغ طائلة وذلك بالنظر لأنه متعدي ومفرط.
والترتيب المنطقي أن المؤلف - ﵀ - لو قدم التسوية على الأرش لتكون المبالغ المدفوعة جميعًا والأعمال التي تترتب عليه جميعًا.
وغير المؤلف - ﵀ - سلك هذا الترتيب لكن مؤلفنا - ﵀ - اختار هذا الترتيب.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولو غصب جارحًا أو عبدًا أو فرسًا فحصل بذلك صيد: فلمالكه.
قاعدة هذه المسائل جميعًا: (إذا غصب ما هو آلة للتكسب أو نقول: إذا غصب ما هو أداة للتكسب ثم كسب بهذه الآلة فالكسب لمالك الآلة»
وهذه مسألة طويلة
ونكتفي بهذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
[ ٤ / ٣٣٢ ]
الدرس: (٤١) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- يقول - ﵀ -:
- ولو غصب جارحًا أو عبدًا أو فرسًا فحصل بذلك صيد: فلمالكه.
مراد المؤلف - ﵀ - بهذه العبارة أنه إذا استخدم الغاصب وسيلة للصيد مغصوبة فإن الصيد الحاصل بهذه الوسيلة المغصوبة هو ملك لمن غصبت منه العين.
ومثل المؤلف - ﵀ - بثلاثة أمثلة:
[ ٤ / ٣٣٣ ]
يقول - ﵀ -: (ولو غصب جارحًا). يعني: سواء كان حيوانًا أو طائرًا (أو عبدًا) وسلطه على الصيد (أو فرسًا) وصاد عليه فالحكم كما يقول - ﵀ - هنا: (فلمالكه) أي: فالصيد لمالكه.
وهذه التي ذكرها المؤلف - ﵀ - إنما ذكرها على سبيل المثال وإلا كل ما يشبه هذه الأشياء له نفس الحكم. كما لو غصب شبكة أو غصب مصيدة وصاد بها فإن الصيد يكون لمالك يعني: للمغصوب منه.
هذا هو: = مذهب الحنابلة.
استدلوا على هذا:
- بأن الصيد حصل بهذه الآلة المغصوبة وهي السبب فيه فصار الصيد للمغصوب منه.
= والقول الثاني: أن الصيد يكون للغاصب وعليه أجرة هذه التي صاد بها.
- لأن الذي صاد حقيقة هو الغاصب وهذه الأشياء ليست أكثر من تكون آلة استعان بها الغاصب.
= والقول الثالث: أن الصيد يكون بينهما وطريقة التقسيم: أن ينظر إلى قدر نفع كل منهما ويقسم الصيد بهذا الاعتبار. فإن كان نفع الفرس أكثر من نفع الغاصب فالأكثر للمغصوب. وإن كان العكس فالأكثر للغاصب.
واستدل أصحاب هذا القول:
- بأن الصيد حصل بعمل مشترك بين الدابة المغصوبة والصائد الغاصب فقسم الصيد بينهما لأنه نتاج لفعلهما.
وهذا القول اختيار شيخ الإسلام - ﵀ - وفيه عدل وإنصاف وهو أقرب الأقوال إن شاء الله.
ثم انتقل المؤلف - ﵀ - إلى مسألة أخرى:
- فقال - ﵀ -:
- وإن ضرب المصوغ ونسج الغزل وقصر الثوب أو صبغه بغصب ونجر الخشبة ونحوه، أو صار الحب زرعًا والبيضة فرخًا والنوى غرسًا: رده وأرش نقصه ولا شيء للغاصب.
يقول - ﵀ -: (وإن ضرب الصوغ ونسج الغزل وقصر الثوب إلى آخره) هذه المسائل يجمعها معنىً واحد. وهو: (إذا عمل الغاصب في المغصوب عملًا أخرجه به عن مسماه.
هذا هو القاسم المشترك بين هذه المسائل جميعًا.
وذكر المؤلف - ﵀ - عدة أمثلة لهذه القاعدة:
ـ المثال الأول: يقول: (وإن ضرب المصوغ). يعني: أخذ ذهبًا أو فضة وضربه دراهم أو دنانير. فهنا خرج عن اسم المادة الأصلية وهي الذهب والفضة إلى ما نتج بعد الصناعة وهو: الدراهم والدنانير.
[ ٤ / ٣٣٤ ]
ـ يقول - ﵀ -: (ونسج الغزل). يعني: فصار بعد ذلك ثوبًا فإن هذه الخيوط بعد الغزل والنسج صارت ثوبًا فخرجت عن مسماها إلى مسمى جديد.
ـ (وقصر الثوب). تقصير الثوب يعني: غسله. وأحيانًا يعني: غسله وتبييضه.
ـ (أو صبغه). والصبغ معروف. يعني: أخذ الثوب وصبغه بلون من الألوان.
فهنا نلاحظ أن الغاصب أخرج المغصوب عن مسماه بعمل منه.
فالحكم: يقول - ﵀ -: (رده وأرش نقصه). - الحكم الأول: أنه يجب رد المغصوب مع زيادته ولو زاد الثمن بها كثيرًا.
تعليل وجوب رد المغصوب مع زيادته:
- أن هذا المغصوب ما زال مالًا مملوكًا للمغصوب منه ولك تخرجه الصنعة عن أن يكون ملكًا للمغصوب منه فوجب رده. لأن قاعدة الشرع وجوب رد الأموال إلى أصحابها.
فهذا هو الحكم الأول: وجوب الرد ولو زادت قيمة المغصوب بسبب العمل أضعافًا مضاعفة.
- الحكم الثاني: عليه أرش النقص. يعني: على الغاصب أرش ما نقص من المغصوب بسبب عمله. فنقول: هذا الثوب الذي صبغ وهذا الذهب الذي أصبح دراهم ودنانير يعني: ضرب. ننظر هل نقص بسبب هذه الصنعة فإن نقص فعليه - يعني على الغاصب - الفرق بين قيمته قبل وبعد النقص.
وهذا الحكم ثابت كما قلت في الصورة الثانية وهي: أرش النقص. ولو زاد ثمن المغصوب.
مثال هذا/ إذا أخذ كيلو حديد - إذا اعتبرنا أن الحديد يوزن بالكيلو - ثم عمله مسامير. هذا الكيلو من الحديد لما عمله مسامير أصبح قيمته أضعافًا مضاعفة لكن مع ذلك بسبب العمل والصناعة نقص أصبح كيلو إلا ربع بسبب العمل والحت والضرب وتعريضه للنار .. إلى آخره. فحينئذ يجب أن يرد الحديد ويجب أن يرد النقص الحاصل بالصنعة ولو أن قيمة هذا الحديد بعد الضرب زادت لكن لا ننظر إلى هذا الأمر.
يقول - ﵀ -: (ولا شيء للغاصب) لا شيء للغاصب مقابل عمله ولو كان عملًا رائعًا واكتسب المغصوب بهذه الصنعة رونقًا جديدًا وثمنًا مرتفعًا فلا شيء للغاصب.
التعليل: قالوا تعليل ذلك:
أنه عمل في ملك غيره بغير إذنه. ومن عمل في ملك غيره بغير إذنه فلا أجرة له.
فلو جاء إنسان وبنى في بيت آخر جدارًا يحتاج إليه صاحب البيت فإنه لا أجرة له لأنه عمل في ملك غيره بغير إذنه.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
= والقول الثاني: أن الغاصب والمغصوب يشتركان في الزيادة فقط.
- لأن هذه الزيادة حصلت بعمل الغاصب.
فله منها نصيبه.
= القول الثالث: أن هذه العين تكون ملكًا للغاصب بالقيمة.
وهذا القول الثالث: رواية عن الإمام أحمد وهو أضعف الأقوال وأبعدها عن الصواب. لذلك ذكر بعض الحنابلة رجع عن هذه الرواية وهذا أشبه ما يكون أنه صحيح لأنه قول ضعيف.
وهذه الرواية ذكرها الإمام أحمد - ﵀ - في أول بداية التفقه.
سبب الضعف: أن هذا القول يؤدي إلى تسلط الناس على أموال الآخرين.
وجه ذلك: أنه إذا أراد أن يأخذ من زيد متاعه ولم يستطع. ماذا يصنع؟ يأخذه ويجري عليه صناعة وبهذا يكون ملكًا له بالثمن.
إذًا: كل من أراد أن يأخذ ملك غيره ولم يرض هذا الغير بالبيع فما عليه إلا أن يأخذ هذا الشيء ويعمل فيه عملًا من الصناعات المباحة فسيكون ملكًا له بالقيمة.
هذا القول كما ترى ضعيف جدًا.
الراجح إن شاء الله: مذهب الحنابلة. لأن هذا الظالم لا حق له ولو عمل في المغصوب عملًا زادت به قيمته.
ثم نستكمل باقي الأمثلة:
- قال - ﵀ -:
- ونجر الخشبة ونحوها، أو صار الحب زرعًا والبيضة فرخًا والنوى غرسًا: رده وأرش نقصه ولا شيء للغاصب.
هذه أمثلة:
يقول: (ونجر الخشبة ونحوه) يعني: إذا اغتصب خشبة ونجرها فأصبحت بابًا أو أصبحت دولابًا فالحكم: كما تقدم: - عليه أن يرد المغصوب مع زيادته. - وأرش النقص. - ولا شيء للغاصب.
قال: (أو صار الحب زرعًا) يعني: أخذ حبًا - غصبه - وزرعه ونبت وصار زرعًا يانعًا مثمرًا فهو للمغصوب منه. وهذه المسألة تختلف عن المسألة السابقة التي ذكرنا فيها حكم من زرع في أرض غيره بغير إذنه لأنه في تلك الصورة الزرع ملك للغاصب وإنما غصب الأرض وهنا غصب الحب وزرعه فحينئذ يكون ملكًا للمغصوب منه وهذا هو الفرق بين المسألتين.
قال: (أو البيضة فرخًا) يعني: غصب بيضة ووضعها تحت الطائر أو وضعها في أجهزة كما في وقتنا هذا أجهزة معينة للتفريخ وفرخت بعد عمل مضن وشاق من الغاصب فإن الفرخ يكون: للمغصوب منه.
قال: (والنوى غرسًا) يعني: أخذ نوى وغرسه في الأرض ونبت شجرة مفيدة مثمرة فإنه للمغصوب منه.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
والخلاف في هذه المسائل تمامًا كالخلاف في المسألة السابقة.
= فالقول الثاني: أنهما يشتركان.
والقول الثالث: أنه يكون ملك للغاصب بالقيمة - كما تقدم في الخلاف السابق.
والأحكام التي ذكرت لك فيما تقدم ذكرها المؤلف - ﵀ - هنا:
- يقول - ﵀ -:
- رده وأرش نقصه ولا شيء للغاصب.
وتقدم معنا أن معنى قول المؤلف - ﵀ -: (رده) يعني: مع زيادته.
وأما أرش النقص وأنه لا شيء للغاصب فتقدم معنا الخلاف في عبارة المؤلف - ﵀ - وهي: (ولا شيء للغاصب). وأن في هذه المسألة ثلاثة أقوال.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويلزمه ضمان نقصه.
يعني: ويلزم الغاصب ضمان نقص المغصوب مطلقًا ولو بغير فعل من الغاصب.
مثال الذي يوضحه/ لو غصب جرة طيب ووضعها على الرف ولم يتعرض لها بأي نوع من الاتلاف أو النقص لكن هذه الجرة مع مرور الوقت نقصت قوة الرائحة فيها.
وهذا النقص أدى إلى نقص القيمة فإنه يضمن ولو أن هذا النقص بغير فعل منه.
يبقى علينا مسألة/ ما الفرق بين قول المؤلف - ﵀ -: (ويلزمه ضمان نقصه) وبين قوله: (وأرش نقصه).؟
ـ أن العبارة الأولى: يعني: إذا كانت بسبب من الغاصب.
ـ والعبارة الثانية: يعني: مطلقًاَ.
فأي نقص يحصل للعين المغصوبة بأي طريقة من الطرق فإنها مضمونة على الغاصب عليه أن يدفع هذا النقص للمغصوب منه.
وسواء كان النقص في العين أو في الصفة. فأحيانًا تنقص العين وأحيانًا تنقص الصفة ففي المثال الذي ذكرت لك النقص في العين أو في الصفة؟ في الصفة.
ففي مثال جرة الطيب الذي تقدم النقص صار في الصفة.
وأما نقص العين فنذكر نفس المثال حتى يتضح الفرق بينهما. لو انسكب نصف الطيب الذي في الجرة فهذا النقص ليس في الصفة وإنما في العين.
فسواء كان النقص في الصفة أو في العين فإنه عليه أن يضمن هذا النقص.
- قال - ﵀ -:
- وإن خصى الرقيق: رده مع قيمته.
إذا خصى الغاصب الرقيق بعد الغصب فإنه يرده مع قيمته.
ـ أما الرد فتقدم معنا: أن الغاصب إذا أخذ شيئًا وجب عليه مطلقًا الرد فهو مستفاد من كلام المؤلف السابق.
وإنما يريد أن يبين أنه مع الرد عليه أن يدفع كامل القيمة.
والسبب في ذلك:
[ ٤ / ٣٣٧ ]
- أن في الجناية على الخصيتين كامل قيمة العبد كما أن في الجناية على خصيتي الحر الدية كاملة. فكذلك في العبد فعليه أن يرد العبد ويرد مع العبد كامل القيمة.
والسبب: - هذا النقص الذي تسبب فيه في العبد.
والمؤلف - ﵀ - يريد أن يبين أن هذا النقص الخاص العوض فيه تام. ولة أن المؤلف - ﵀ - لم يذكر هذا المثال وإن كان ذكره مفيد جدًا لكن أقصد أن أقول أنه لو لم يذكر هذا المثال لعرفنا حكم المسألة من القاعدة السابقة وهي أن أي نقص في المغصوب فإنه يضمن من الغاصب. فهنا نقول: إذا [سرق] العبد وخصاه فيه أو ليس فيه نقص؟ ()
فنقول للغاصب: فيه نقص عليك ضمانه.
فالقاعدة الأولى في الحقيقة شاملة لكن أراد أن يبين حكم هذه المسألة الخاصة لأن فيها دفع كامل القيمة.
* * مسألة/ لو غصب العبد وخصاه وتضاعفت قيمة العبد بسبب هذا الخصاء. لأن العبد المخصي قد يكون أرغب من غيره عند بعض الناس فما الحكم؟
الجواب: أن عليه أن يرد العبد المخصي وكامل القيمة ولو تضاعفت قيمة العبد. لأنه يجب عليه أن يضمن هذا النقص بغض النظر عن حالة المغصوب بعد النقص. فعليه أن يضمنه كاملًا.
- قال - ﵀ -:
- وما نقص بسعر: لم يُضْمَن.
مقصود المؤلف - ﵀ - أنه إذا كان نقص السلعة بسبب نقصان الأسعار في الأسواق فإن الغاصب لا يضمن هذا النقص.
التعليل: - قالوا: أن الواجب على الغاصب أن يرد العين كاملة لم ينقص منها عين ولا صفة. وهذا الغاصب رد العين كاملة لم ينقص منها عين ولا صفة. فلم يجب عليه ضمان فرق الأسعار.
= هذا القول الأول: وهو مذهب الجماهير وهي مسألة مهمة للغاية.
= القول الثاني: أن على الغاصب ان يضمن نقص الأسعار. فإذا غصب العين وهي تسوى خمسين ثم أصبحت بعد ذلك قيمتها عشرين فعليه ان يرد العين المغصوبة ومعها ثلاثين.
واستدل هؤلاء:
- بأن نقص الأسعار بمثابة نقص الصفات.
والفرق بينهما: فقط:
ـ أن نقص الصفات نقص لصفات في ذات العين.
ـ ونقص السعر نقص في صفة خارجة عن العين.
وهذا الفرق - الذي ذكره الجمهور - لا يؤثر في الحكم.
وهذا القول الثاني إن شاء الله أقرب للصواب.
فإن قيل: جاء في السنة التضمين بالإتلاف بلا نظر لفروق الأسعار.
[ ٤ / ٣٣٨ ]
فالجواب: أن التضمينات التي وقعت في العهد النبوي كان التضمين قريبًا من الإتلاف بحيث لم يتغير السعر ولذلك لم ينظر إليه النبي - ﷺ -.
والخلاصة: أن الراجح أنه لابد من النظر إلى الأسعار لأن هذا مقتضى العدل. ولأن في إهمال ذلك لا سيما في وقتنا هذا الذي صارت الأسعار فيه تتذبذب بقوة ففي إهمال هذا الشيء ظلم واضح على المغصوب.
فإن حصل العكس: غصب العين وتضاعفت القيمة زيادة لا نقصًا فإنه يرد العين ولا شيء للغاصب. لأنه ظالم ولا حق للظالم.
- قال - ﵀ -:
- ولا بمرض عاد ببرئه.
مقصود المؤلف - ﵀ - بقوله: (ولا بمرض عاد ببرئه) يعني: ولا يضمن النقص الذي حصل بالمرض إذا عاد سليمًا بعد البرء.
وقوله: (المرض) هذا على سبيل التمثيل.
والقاعدة: (أن الغاصب لا يضمن النقص الذي حصل بسبب ثم عاد كاملًا بعد زوال السبب) هذه هي القاعدة.
التعليل: - قالوا: التعليل: أن العين رجعت كما هي وما زالت في يد الغاصب. فلا موجب للضمان.
مثال ذلك/ إذا غصب شاة ثم مرضت وهزلت ونقصت قيمتها جدًا ثم برئت وشفيت وعادت سليمة كما كانت تمامًا فإذا أراد أن يرد الغاصب هذه الشاة فإنه يردها بلا زيادة ولا نظر للنقصان العارض.
= القول الثاني في هذه المسألة: أنه يضمن.
- لأن هذا نقصًا وقع على العين المغصوبة فوجب ضمانه.
وهذا القول في الحقيقة الثاني فيه نوع من الظاهرية وهو مرجوح. لأن العبرة في الشرع بالمعاني والأسباب والعلل ونحن نضمن الغاصب بالنقص ولا نقص الآن. فالغاصب رد العين إلى المغصوب منه كما هي تمامًا فلا يوجد أي سبب للتضمين.
فمذهب الحنابلة هو الصحيح إن شاء الله.
- قال - ﵀ -:
- وإن عاد بتعليم صنعة: ضمن النقص.
معنى هذه العبارة: أن المغصوب إذا نقص بسبب من الأسباب كالمرض ونحوه ونقصت القيمة تبعًا لذلك. ثم زادت القيمة بسبب آخر من جنس آخر فإن الغاصب يضمن.
مثاله/ إذا اشترى عبدًا ومرض العبد ونقصت قيمة العبد ثم قام الغاصب بتعليم العبد صنعة مفيدة فارتفع سعر العبد من جديد وصار كسعره الأول فإن الغاصب إذا أراد أن يرد العبد فإنه يرده ويضمن النقص الحاصل بالمرض ولا ننظر للزيادة الحاصلة بسبب آخر.
علل الحنابلة ذلك:
[ ٤ / ٣٣٩ ]
- بأن الزيادة حصلت بغير سبب النقص. وما دام سبب النقص موجودًا فإن الضمان يصبح أيضًا موجودًا.
وهذا القول صحيح ووجيه جدًا. لأن القاعدة أن أي نقص يحصل بالعين بسبب الغاصب فهو مضمون ولا ننظر لأي سبب آخر.
- قال - ﵀ -:
- وإن تعلم أو سمن فزادت قيمته ثم نسي أو هزل فنقصت: ضمن الزيادة كما لو عادت من غير جنس الأول.
ـ إذا تعلم أو سمن: يعني عند الغاصب وزادت قيمته كل ذلك عند الغاصب ثم نقصت بسبب أنه هزل أو نسي الصنعة فإنه يُضْمَن للمغصوب منه. أي: فإن هذا النقص الثاني يضمن للمغصوب منه.
إذًا صورة المسألة/ إذا زادت قيمة المغصوب بسبب عمل من الغاصب ثم نقصت فإن هذا النقص يضمن من الغاصب.
التعليل: قالوا التعليل:
- أن المغصوب منه لو طلب المغصوب حال زيادته لوجب على الغاصب أن يدفعه إليه. فكذلك يضمن إذا نقص.
بناء على هذا: إذا غصب فرسًا غير معلمة قيمتها مائة ألف ثم علمها ودربها وصارت تستحق خمسمائة ألف ثم نسيت هذا التعليم وأصبحت لا تصلح للمسابقة ثم طلبها المغصوب منه حينئذٍ: طلبها وقيمتها عادت مائة كما كانت حين الغصب - فعليه أن يرد الفرس ومعها أربعمائة ألف وهو فرق كبير.
هذا هو كلام الحنابلة.
= والقول الثاني: أنه لا يضمن الزيادة الحاصلة بعمله. بل عليه أن يرد العين كما كانت.
أيهما أرجح؟
أنا متوقف في هذه المسألة فلم يظهر لي أي القولين: أقوى لأن الأدلة في الحقيقة متكافئة.
- يقول - ﵀ -:
- كما لو عادت من غير جنس الأولى. ومن جنسها: لا يضمن إلاّ أكثرهما.
لو عادت من غير جنس الأولى: تقدم معنا أنها مضمونة.
ففي قول المؤلف - ﵀ - فيما تقدم: (وإن عاد بتعليم صنعة: ضمن النقص) هي ذات مسألة: (كما لو عادت من غير جنس الأولى)
فإذا نقصت العين المغصوبة عند الغاصب ورجعت القيمة كما كانت بسبب غير سبب النقص فقاعدة المذهب أنها مضمونة.
وتقدم معنا الخلاف في هذه المسألة وكأن المؤلف - ﵀ - أعاد هذه المسألة ليرتب عليها: (ومن جنسها: لا يضمن إلاّ أكثرهما)
[ ٤ / ٣٤٠ ]
إذا نقصت العين هذا معنى قول المؤلف - ﵀ -: (ومن جنسها لا يضمن إلا أكثرهما). إذا نقصت العين بسبب من الأسباب ثم زادت بسبب من جنس السبب الذي نقصت منه وإن لم يكن عينه لكنه من جنسه فإنه أي الغاصب لا يضمن، إلا إذا وقع تفاوت بين الجنسين - بين الاثنين الذين من جنس واحد - فإنه يضمن النقص.
مثال المسألة/ غصب فرسًا معلمًا ثم ذهب عنه العلم وهو مغصوب: في هذه الحالة ستنقص قيمته أو تزيد؟ ستنقص.
ثم علمه الغاصب صنعة أخرى - علمه أمرًا آخر غير الذي علمه المالك. فرجعت القيمة كما كانت.
فالآن: زادت القيمة بسبب من جنس الأول أو من غير جنس الأول؟ من جنس الأول: لأن الجميع تعليم وصنعه.
لو أردنا أن نمثل بشيء من غير جنس الأول: مثاله/ أن ترتفع أسعار الخيول في السوق. فالآن ارتفعت بسبب من جنس الأول أو بسبب آخر؟ من غير جنس الأول.
إذًا: عرفنا ما معنى أن ترتفع بسبب من جنس الأول أو بغير جنس الأول.
فالمؤلف - ﵀ - يقول: إذا ارتفعت بسبب من جنس الأول لم يضمن الغاصب إلا إذا كان بين الصنعة الأولى والصنعة الثانية فرق فحينئذ يضمن الفرق لصالح المغصوب منه.
مثاله/ إذا غصب عبدًا يحسن تصنيع الذهب ثم نسي العبد صنعة الذهب ثم علمه صنعة النجارة فارتفعت قيمته مرة أخرى: فحينئذ لا يضمن الغاصب النقص وإنما يضمن الفرق بين الصنعتين.
وهذا معنى قول المؤلف - ﵀ -: (لا يضمن إلا أكثرهما)
يعني: يضمن الفرق بين قيمة الصنعتين.
هذا ما يتعلق بهذا الفصل.
وننتقل إن شاء الله إلى الفصل الثاني.
فصل
[في حكم ما إذا خلط المغصوب أو صبغه وغير ذلك]
- قال - ﵀ -:
- فصل وإن خلطه بما لا يتميز كزيت أو حنطة بمثلهما.
أفادنا المؤلف - ﵀ - أن الغاصب إذا غصب شيئًا وخلطه فإما أنى يخلطه مع شيءٍ يتميز أو مع شيءٍ لا يتميز.
ـ فإن خلطه مع شيءٍ يتميز عنه المغصوب وهي الصورة التي لم يذكر المؤلف - ﵀ - فالحكم أنه عليه أن يخلص المغصوب من الشيء الذي خلطه معه مهما بلغ قيمة التخليص.
[ ٤ / ٣٤١ ]
المؤلف - ﵀ - لم يذكر المخلوط الذي يتميز. لماذا؟ لأنه ذكره في السابق: ألم يذكر المؤلف - ﵀ - أنه إذا غصب خشبة أو حجرًا وبنى عليه فعليه تخليصه مهما بلغ.
الخشب من جنس الموضوع معه أو من غير جنسه؟ () مختاط أو متميز؟ () إذًا ذكره المؤلف - ﵀ - ولذلك لم يذكره الآن.
فإذًا نقول: إذا خلطه بما يتميز فقد تقدم وهو أنه يجب أن يخلصه مهما بلغت قيمة التخليص.
نأتي إلى كلام المؤلف - ﵀ -:
وإن خلطه بما لا يتميز كزيت أو حنطة بمثلهما.
إذا خلطه بما لا يتميز كأن يخلط زيت بزيت أو حنطة بحنطة فينقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: أن يكونا في الجودة متساويين. يعني: خلط زيت بزيت آخر يساويه في الجودة.
فالحكم: = عند المؤلف - ﵀ -: أنهما يشتركان في هذا المخلوط. فيصبح ملكًا للجميع.
هذا هو الذي مشى عليه المؤلف - ﵀ -.
=القول الثاني: وهو المذهب ان على الغاصب أن يرد من ها المخلوط (ولابد) بقدر ماغصب - مثل ما غصب للمغصوب منه.
تعليل الحنابلة:
- قالوا: إنه إذا رد عليه من المغصوب فقد رد عليه بعض ماله والبعض الآخر مثله ورد بعض المال والآخر مثله أولى من أن يرد المثل في جميع المال.
«إعادة»:: «الآن إذا خلط زيت وخلط زيت المغصوب مع زيت عند الغاصب وهما يتساويان في الجودة: - فالمؤلف - ﵀ - الحكم عنده واضح: أنهما شريكان: يباعر الزيت ويعطى كل واحد نصيبه.
ـ المذهب يرون أنه يجب على الغاصب أن يعطي المغصوب مثل ما غصبه من هذا الزيت المخلوط فإذا غصب كيلو وخلط معه كيلو أصبح المخلوط: (اثنين) يأخذ من هذا المخلوط كيلو ويعطيه للمغصوب منه ولابد أن يأخذ من هذا المخلوط وليس له أن يشتري من السوق» التعليل:
- قالوا: أنه إذا فعل ذلك فقد رد بعض عين المغصوب والبعض الآخر مثلها. وهذا أولى من أن يعطي المثل في كل المال.
هذه وجهة نظر الحنابلة وهي رواية عن الإمام أحمد - ﵀ -.
الراجح: هو مذهب الحنابلة: وهو أن عليه أن يرد من المخلوط.
بقي علينا قول - في الحقيقة مرجوح لكنه يوضح المسألة - بعض الأقوال وإن كانت مرجوحة لكن تستكمل بها صورة المسألة:
[ ٤ / ٣٤٢ ]
= القول الثالث: أن على الغاصب أن يأتي بمثله من حيث شاء من السوق من هذا المخلوط فمن حيث شاء لا نلزمه أن يكون من هذا المخلوط.
- قالوا: لأن الواجب على الغاصب رد المثل وقد رد المثل من المخلوط أو من غيره.
الراجح: المذهب كما قلت لكم. لأن تعليلهم قوي. وقولهم أخص وأفقه من القول الثالث.
أما أضعف الأقوال: فقول المؤلف - ﵀ - لأنه يلزم المغصوب منه بالشراكة مع الغاصب.
ـ االقسم الثاني: (نحن أخذنا القسم الأول: وهو ()
ـ القسم الثاني: أن يكون المغصوب أجود. أو يكون المغصوب والمخلوط معه من جنس آخر - من جنسين.
فحينئذ يشتركان في هذا المغصوب.
عللوا هذا: - بأنه في هذه الصورة لا يتمكن المغصوب منه من أخذ نصيبه إلا مع نقص ولا يمكن أن ندخل النقص على المغصوب منه.
فإذا اشتركا فهما بالخيار بين أن يبقيا هذا الشيء ملك لهما وبين أن يبيعاه. فإذا باعاه أخذ كل واحد منهما نصيبه.
مثال/ إذا غصب زيت زيتون وخلطه مع زيت سمسم. قيمة زيت الزيتون: مائة. وقيمة زيت السمسم: خمسين.
الآن: خلطه مع جنسه أو من غير جنسه؟ مع غير جنسه. وإذا خلطه مع غير جنسه فالحكم: يصبح شراكة بينهما. فنقول هذا الشراكة يباع وكل واحد يأخذ ما يوازي سعره.
ففي المثال لصاحب زيت الزيتون صعف ما لصاحب زيت السمسم فنعطيه من القيمة مهما بلغت.
وإن أراد إبقائه كأن يقول: فلنبق هذا الزيت المخلوط ملكًا لنا إلى أن ترتفع الأسعار فلا حرج لأن الحق لهما فإذا رضيا: جاز.
- قال - ﵀ -:
- أو صبغ الثوب، أو لتّ سويقًا بدهن.
أخذنا مسألة/ إذا خلط شيئًا لا يتميز الآن نأخذ مجموعة أخرى من الأمثلة وهي ما إذا صبغ الثوب أو لت سويقًا بدهن.
ـ إذا صبغ الثوي أو لت السويق بالدهن فالدهن والصبغ ممن؟ من الغاصب. فتصبح العين مشتركة بينهما. والحكم فيها كالحكم في السألة السابقة.
وهي تدخل ضمن أي قسم؟ إذا خلطه بغير جنسه.
لكن هنا ما نقول: خلطه: لأنه لا يحصل خلط بمعنى الكلمة وإنما يحصل صبغ أو لت.
وحكم هذه المسألة حكم القسم الثاني في المسألة السابقة.
- قال - ﵀ -:
- أو عكس.
( لم تشرح)
- قال - ﵀ -:
[ ٤ / ٣٤٣ ]
- ولم تنقص القيمة ولم تزد: فهما شريكان بقدر ماليهما فيه.
يعني: يشترط للحكم بأنهما شريكان أن لا تنقص القيمة ولا تزيد.
فيجب لكي نحكم على هذه المسألة أنهما شريكان أن لا تنقص قيمة المغصوب ولا تزيد.
فإن نقصت أو زادت فسيذكر المؤلف - ﵀ - حكم النقص وحكم الزيادة.
إذًا: حكم الاشتراك مقيد بما إذا لم تنقص القيمة ولم تزد.
- قال - ﵀ -:
- وإن نقصت القيمة: ضمنها.
مقصود المؤلف - ﵀ - إذا نقصت بسبب الخلط: فإن الغاصب يضمن.
أما إذا نقصت بسبب آخر فإنه لا يضمن لأن الحنابلة يرون أن النقص بسبب تدني الأسعار مضمون أو غير مضمون؟ غير مضمون. تقدم معنا الآن أن النقص في السعر غير مضمون.
إذًا: هو يقصد بقوله: (نقصت القيمة) يعني: بماذا؟ يعني: بسبب الخلط.
فإن نقصت بسبب تدنس أسعار السوق: فإنها لا تضمن عند الحنابلة وتقدم معنا الخلاف في هذه المسألة.
فإذا أخذ ثوبًا وصبغه وكان الثوب قيمته قبل الصبغ عشرة وبعد الصبغ أصبح يسوى: خمسة. بسبب أن الصبغ أساء للثوب وأصبح منظره سيئًا فإن الغاصب يضمن في هذه الصورة: كم؟ يضمن خمسة للمغصوب منه.
- قال - ﵀ -:
- أو زادت قيمة أحدهما: فلصاحبه.
إذا زادت قيمة أحدهما فلصاحبها. بقصد المؤلف - ﵀ - هنا: (إذا كانت الزيادة بسبب السوق) عكس المسألة السابقة.
أما إذا كانت الزيادة بسبب الخلط فهي: للمغصوب منه.
إذًا: إذا قيل لك: ما الحكم إذا زادت القيمة؟
فتقول: - إذا زادت القيمة بسبب ارتفاع الأسعار في السوق. فالزيادة لمن زادت عينه. سواء كان الغاصب أو المغصوب.
ـ وإذا كانت الزيادة بسبب تالخلط فهي من نصيب المغصوي.
المثال/ - إذا غصب ثوبًا وصبغه. الثوب قبل الغصب في السوق: قيمته خمسون. وبعد الصبغ أصبحت قيمة الثوب بلا صبغ: سبعون.
هذه الزيادة في الصبغ أو في الثوب؟ في الثوب.
بسبب السوق أو بسبب الخلط؟ السوق.
فهي لمن؟ للمغصوب منه.
وإذا كان الصبغ قيمته خمسون وبعد الخلط أصبحت قيمته سبعون بسبب ارتفاع أسعار الصبغ فهو لمن؟ للغاصب.
وإذا ارتفعت قيمة الثوب بسبب أن الصبغ صار جيدًا وأتقن صنعته فهو لمن؟ للمغصوب. لأن الزيادة بسبب الخلط. «الأذان»
[ ٤ / ٣٤٤ ]
ذكرت الآن أنه إذا زادت قيمة المغصوب مع المخلوط بسبب الخلط فإن الزيادة لمن؟ للمغصوب منه.
لماذا لم يستحق الغاصب شيئًا؟
- لأن من عمل في ملك غيره بغير إذنه لم يستحق شيئًا وهذا العمل في ملك غيره لا يستحق به شيئًا.
- قال - ﵀ -:
- ولا يجبر من أبى قلع الصبغ.
سواء كان الذي أبى الغاصب أو الذي أبى المغصوب.
إذا طلب أحدهما قلع الصبغ فإنه لا يجبر الآخر على طلبه سواء كان الطالب الغاصب أو المغصوب.
التعليل:
- قالوا: لأن في هذا القلع إضرار بملك الآخر والشارع قال: (لا ضرر ولا ضرار).
= والقول الثاني:
ـ أنه إذا طلب الغاصب قلع الصبغ فإنه يجاب إلى القلع. بشرط: أن ينتفع من الصبغ بعد القلع.
- لأنه يطالب بتخليص عين ماله وله ذلك.
ـ وإذا طلب المغصوب قلع الصبغ فله أيضًا ذلك. لماذا؟
- لأنه يطال بتخليص ملكه من ملك غيره وله ذلك.
والراجح: المذهب. لأنه لا يكاد ينتفع بالثوب بعد قلع الصبغ. كما أنه لا يكاد ينتفع بالصبغ بعد قلعه من الثوب.
فهم من هذا: أنه إذا طلب منه قلع ما ينتفع به بعد ذلك فإنه يجاب.
- قال - ﵀ -:
- ولو قلع غرس المشتري أو بناؤه لاستحقاق الأرض: رجع على بائعها بالغرامة.
أفادنا المؤلف - ﵀ - بهذه العبارة أنه يجوز قلع المغروس.
والمؤلف - ﵀ - طوى ذكر هذه المسألة كأنها مفروغ منها.
فإذا غرس زيد في أرض عمرو غرسًا فلعمرو قلع الشجر مهما بلغ حسن الشجر.
وعلل الحنابلة هذا الحكم: (ونحن الآن لا نتحدث عما يتكلم عنه المؤلف وإنما نتحدث عن أصل المسألة وهو: حكم القلع)
= الحنابلة يقولون: له القلع.
وعللوا ذلك: - بأن له أن يطلب تخليص ماله من مال غيره. أو تخليص ملكه من مال غيره.
= والقول الثاني: أنه لا يجبر على القلع إلا إذا ضمن صاحب الأرض لصاحب الغرس النقص. فإذا ضمن النقص فله ذلك.
= والقول الثالث: أنه لا يقلع مطلقًا بل يأخذه صاحب الأرض بالقيمة.
وهذا القول الأخير له دليل قوي.
الدليل: - أن هذا الغارس غرسه محترم شرعًا لأنه ظن أنه اشترى الأرض من مالكها وهذه هي الصورة التي يتحدث عنها المؤلف - ﵀.
وإذا كان كذلك فإن هذا الغارس ماله محترم. وإذا كان محترمًا شرعًا فإنه يجب أن لا يزال.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
وهذا القول الأخير نصره ابن رجب بقوة بل ذكر أنه لا يحفظ عن الإمام أحمد - ﵀ - إلا هذا القول. وكأنه يضعف الروايات الأخرى.
وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله. أنه لا يقلع بل يأخذه بالقيمة لأنه شجر محترم شرعًا.
والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ..
[ ٤ / ٣٤٦ ]
الدرس: (٤٢) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا بالأمس آخر مسألة تحدثت عنها وهي مسألة حكم: قلع النخيل أو البناء من الأرض ونتم اليوم الكلام عن صورة المسألة.
صورة المسألة/ أن يقصد الإنسان أرضًا ثم يذهب فيبيع هذه الأرض على شخص ثالث موهمًا إياه أن الأرض ملك له فيقوم المشتري بالبناء أو الغرس ثم بعد أن يبني أو يغرس يظهر أن الأرض مستحقة.
ومغنى: (أن الأرض مستحقة) يعني: أنها ملك لغير البائع الغاصب.
فهذه هي صورة المسألة.
وتقدم معنا بالأمس: حكم قلع المالك الحقيقي لهذا الشجر أو البناء بعد بناء المشتري وتغرير الغاصب له.
تقدم معنا الخلاف في هذه المسألة وأنها على ثلاثة أقوال وأن الراجح أنه يبقى على ملك صاحب الأرض وأن السبب في ذلك أنه غرس محترم شرعًا.
اليوم نتم الكلام عن هذه المسألة.
- يقول - ﵀ -:
- ولو قلع غرس المشتري أو بناؤه لاستحقاق الأرض: رجع على بائعها بالغرامة.
= المذهب أن لمالك الأرض أن يقلع البناء والغرس. فإذا قلع رجع المشتري على البائع الذي هو الغاصب بكل ما خسره ويضمن جميع ما صرفه المشتري.
وعلل الفقهاء ذلك:
- بأن الغاصب غرر بالمشتري حيث أوهمه أن الأرض ملك له وترتب على هذا الغرر أن بنى أو غرس.
ولذلك يكون الغاصب يكون ضامنًا لهذا البناء والغرس لأنه مترتب على تغريره.
وهذا لا إشكال فيه.
وعلى القول بالغرس أو البناء يرجع بلا إشكال.
وعلى القول بقلعه يرجع على الغاصب الذي هو سبب البناء أو الغرس.
- قال - ﵀ -:
- وإن أطعمه لعالم بغصبه: فالضمان عليه.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
يعني: وإن أطعم الغاصب رجلًا عالمًا بأنه مغصوب فالضمان على الآكل.
ـ الصورة الأولى: إذا أطعمه لعالم بأن هذا الطعام مغصوب فالضمان على الآكل.
ومراد المؤلف - ﵀ - بقوله: (فالضمان عليه) يعني: يستقر الضمان عليه.
ـ وإن أطعمه لجاهل فالضمان يستقر على الغاصب ولمالك الطعام مطالبة أي من الغاصب أو الآكل.
««وإن شاء الله أنت تفرق بين الطلب بالضمان واستقرار الضمان:
ـ فالطلب: يعني: المغرور يحق له أن يطالب أكثر من شخص.
ـ وأما استقرار الضمان فلا يكون إلا من شخص واحد.
ففي هذه المسألة يستقر الضمان على الغاصب الذي أطعم غيره وهو لا يعلم أي هذا المُطْعَم أنه مغصوب ولكن المطالبة يجوز لمالك الطعام أن يطالب الآكل أو الغاصب فله أن يطالب هذا أو هذا لأن الآكل باشر الإتلاف والغاصب سبب في الإتلاف لكن يستقر الضمان بعد ذلك على الغاصب»»
والقاعدة: (أن الضمان على من أتلف عالمًا). فكل إنسان يتلف وهو عالم بأنه ملك لغيره فالضمان يستقر عليه.
- قال - ﵀ -:
- وعكسه بعكسه.
- قال - ﵀ -:
- وإن أطعمه لمالكه.
فالحكم: أنه لايبرأ إن كان المالك عالم بأنه طعامه.
فإذا قدم الطعام المغصوب لمالك الطعام ولم يخبر المالك أن هذا طعامه وأكل المالك فإن الضمان يستقر على الغاصب. لأن مالك الطعام أكله وهو لا يعلم أنه طعامه.
التعليل:
التعليل في ذلك:
- أن الطعام وإن كان رجع إلى مالكه إلا أن رجوعه رجوع ناقص لأن سلطان المالك لم يكتمل على الطعام. وإن قدمه الغاصب له.
وجه عدم الاكتمال: أن المالك حين قدم الغاصب له الطعام ليس له أن يتصرف إلا بتصرف واحد وهو الأكل بينما يفترض بالمالك أن يتصرف بما شاء في أكله - بيعًا أو هبة أو أكل - هنا سلطانه ناقص.
= والقول الثاني: أنه إذا أطعمه لمالكه ولو لم يعلم المالك فلا ضمان.
- لان العين رجعت إلى مالكها.
وهذا قول ضعيف جدًا. بل الضمان يستقر على الغاصب.
* * مسألة/ ونفس الشيء لو وهبه أو أهداه أو أعطاه أو تصدق عليه.
معنى نفس الشيء يعني على المذهب الضمان يستقر على الغاصب ولو أعطاه لمالكه.
التعليل: التعليل في مسألة الهبة والهدية والصدقة:
[ ٤ / ٣٤٨ ]
- أن في إرجاع العين إلى مالكها بهذه الطريقة منة وتبعة والأصل أن الإنسان يملك ماله بلا منه ولا تبعة.
- الدليل الثاني: أن الموهوب وهو المالك الحقيقي ربما كافأ الواهب وهو الغاصب فبطل إرجاع العين.
= والقول الثاني: أنه إذا وهبه ونحوه فقد تم الإرجاع وبرئت ذمة الغاصب.
- لأنه مكن المالك من العين تمكينًا كاملًا حيث وضع المالك يده على العين وله أن يتصرف فيها بما يشاء.
= والقول الثالث: التفصيل: - إن كان الغاصب يخشى من المغصوب إن أخبره أنه غصب فيعتبر إرجاع كامل. - وإن كان الغاصب لا يخشى من إخبار المغصوب أنه غصبه وأن هذه العين ملك له في الأصل فإنه لا يبرأ.
وهذا القول الثالث اختيار ابن القيم: إلا أنه يقول: لو كافأه - أي المالك كافأ الغاصب - فإن الغاصب لا يبرأ.
والراجح والله أعلم المذهب. والقول الثاني والثالث فيهما ضعف ظاهر فيما يظهر لي لان العلة التي ذكرها ابن القيم وهي أن يخاف من المغصوب لو أخبره أنه غصبه أن يؤذيه هذه العلة بالإمكان تفاديها بأن يوصل العين بطريق غير مباشرة كأن يرسلها مع أحد أو يضعها له في مكان أو بالنسبة لوقتنا المعاصر أن يرسلها بالبريد ويكتب معها أن هذه العين ملك لك مغصوبة وبهذا يتفادى ضرر المغصوب فيما إذا كان للمغصوب ضرر.
فالراجح إن شاء الله أنه لا حق للغاصب في إرجاع العين إلا على وجهها بأن يخبر المغصوب أنها ملك له وأن هذا إرجاع لملكه أما أن يعطيها إياه كهبة أو كهدية أو كصدقة فكيف يقبل مثل هذا؟! وفيه ما فيه من المنة.
فأصبح الغاصب يمن على المغصوب والأصل أن العين ملك للمغصوب. هذا فيما يظهر لي بعيد جدًا.
- قال - ﵀ -:
- أو رهنه أو أودعه أو آجره إياه.
الضابط لهذه المسائل لو قال: (أو أعطاه إياه بعقد أمان) هذه عقود أمانة.
فإذا أرجع الغاصب العين المغصوبة إلى المغصوب منه بعقد من عقود الأمانة فإنه لا يبرأ إلا إذا علم المغصوب أنها عينه.
الدليل:
- أن المغصوب منه إذا أخذ العين بعقد أمانة كالعقود التي ذكرها المؤلف - ﵀ -: (الأجار أو الرهن) فإنه لن يتصرف فيها تصرف الملاك وسيكون ملكه لها ناقص.
وهذا لا إشكال فيه.
- قال - ﵀ -:
- ويبرأ بإعارته.
[ ٤ / ٣٤٩ ]
يعني: ويبرأ الغاصب من العين المغصوبة بإعارتها للمالك الذي هو المغصوب منه.
ويبرأ مطلقًا سواء علم المغصوب أنها عينه أو لم يعلم.
التعليل: تعليل الحكم: أن نقول:
- أنه في هذه الصورة لا فائدة من التضمين. يعني: لا فائدة من تضمين الغاصب لأنه وضع العين عند المالك بعقد العارية والعارية مضمونة على المذهب مطلقًا.
فلو ضمنا الغاصب فسيرجع على المالك المغصوب منه لأن العين عنده عارية. فلا فائدة من تضمين الغاصب في هذا العقد.
إذًا: إذا أعاره - يعني: أعار العين المغصوبة للمالك فإنه يبرأ مطلقًا. لماذا؟ لأنه لا فائدة من تضمين الغاصب لأنه إذا ضمنا الغاصب فسيرجع على المعار وهو المالك لأن عقد العارية عند الحنابلة مضمون مطلقًا.
بناء على هذا التعليل: نستطيع أن نقول: على القول الراجح: يضمن مطلقًا. أي: على القول بأن العارية ليست مضمونة نقول الصواب أنه يضمن مطلقًا لأن تعليل الحنابلة انتقض وهو قولهم: لا فائدة من التضمين بل هناك فائدة لأن المعار لا يضمن.
إذًا: على القول الأول: إذا أعار الغاصب المغصوب منه الشاة وهي العين المغصوبة وماتت يضمن الغاصب أو لا يضمن؟ لا يضمن. لأنا لو ضمناه فسيرجع على المغصوب منه وهو المالك.
وعلى القول الثاني: إذا تلفت عند المعار بغير تفريط ولا تعدي فإنه يضمن - الغاصب يضمن ولو كانت الشاة عند المغصوب منه وينتفع منها لمدة سنة ثم ماتت يضمن. لأن هذه العين دخلت في ملكه على سبيل الضمان.
وإذا تلفت العين المغصوبة عند المالك وهو المعار بتعدي أو تفريط فهل يضمن الغاصب أو المغصوب منه؟ المغصوب منه لأنه في هذه الصورة فعلًا يكون المغصوب منه هو الضامن ولا فائدة من تضمين الغاصب.
إذًا صار لهذه المسألة ثلاث صور.
- قال - ﵀ -:
- وما تلف أو تغيب من مغصوب مثلي: غرم مثله إذًا وإلاّ فقيمته يوم تعذر.
يقول - ﵀ -: أنه إذا تلف المغصوب أو تغيب وفي نسخة جيدة (أو تعيب) وهي الأصل كما يقول المحقق وفقه الله. وفي كل من النسختين فائدة.
[ ٤ / ٣٥٠ ]
ـ إذا تلف المغصوب أو تعيب أو تغيب: ضمنه بمثله. يعني إن كان مثليًا وهو أي المؤلف - ﵀ - يقرر الآن قاعدة الضمان وهي: (أنه إذا تلفت العين المغصوبة فإن كانت مثلية ضمنها الغاصب بمثلها وإن كانت قيمية ضمنها الغاصب بقيمتها وبدأ بالأول وهو أن تكون مثلية لأنه الأصل.
التعليل: لماذا نضمن المثلي بمثله لا بقيمته:
التعليل: علل الفقهاء هذا:
- بأن ضمان المثلي بمثله أقرب إلى حقيقة المضمون من ضمانه بقيمته. لأن القيمة تزيد وتنقص وتختلف وقد تختلف وجهات النظر في تقديرها أما المثلي فهو مثل المغصوب تمامًا بلا إشكال.
ولهذا قدم الفقهاء المثلي في الضمان على القيمي.
أما ما هو المثلي وما هو القيمي؟ فتقدم معنا الخلاف فيه: على ثلاثة أقوال: وذكرنا الأدلة وأن الراجح: أن المثلي هو كل ماله نظير أو شبيه مقارب.
- يقول - ﵀ -:
- وإلا فقيمته يوم تعذر.
أي: يجب على الغاصب ضمان المثلي بمثله إلا إذا تعذر فإذا تعذر فعليه القيمة.
لكن بقينا في مسألة وهي متى نقدر هذه القيمة؟
= فعند الحنابلة: تقدر القيمة يوم التعذر فنقول: انظر لليوم الذي تعذر فيه الحصول على المثلي حينئذ تدفع قيمة هذا الشيء في ذلك اليوم يعني في يوم التعذر.
تعليل الحنابلة: - قالوا: أن يوم التعذر هو يوم الاستحقاق فهو الأجدر باعتبار القيمة.
= والقول الثاني: أنه ينظر إلى قيمته يوم التلف لا يوم التعذر فإذا تلف في واحد محرم وتعذر في خمسة محرم فننظر إلى قيمته يوم واحد محرم.
وعللوا ذلك: - بأنه يوم التلف ثبت في ذمة الغاصب القيمة.
= والقول الثالث: أنه ينظر إلى قيمته يوم الطلب. فإذا طلب في واحد محرم وتعذر وجود مثله في الأسواق في خمسة محرم وطالب المغصوب الغاصب في عشرة محرم فعلى القول الثالث متى؟ يكون قيمته يوم عشرة محرم.
وهذا القول اختاره عدد من المحققين من الشيخ الفقيه الكبير القاضي أبو يعلى.
ومنهم الشيخ الفقيه ابن عقيل رحمهما الله.
وعللوا ذلك:
- بأن المثل هو الواجب إلى يوم الطلب. بدليل: أنه لو تعذر قبل الطلب ثم وجد بعد التعذر وقبل الطلب لكان الواجب: المثلي أو القيمة؟ المثلي لأنه لما طالبه وجد المثلي.
[ ٤ / ٣٥١ ]
وليلهم كما ترى وجيه في الحقيقة. وهو بإذن الله الأقرب.
وقد نبهتك مرارًا أن مسائل متى يقدر السعر مهمة جدًا؟ إذا قد يتفاوت السعر تفاوتًا فاحشًا جدًا ولو في فترة قصيرة. فتحديد الوقت الذي تعتبر فيه القيمة أمر مهم جدًا.
- قال - ﵀ -:
- ويضمن غير المثلي: بقيمته يوم تلفه.
غير المثلي يضمن بالقيمة. متى؟ يوم التلف.
- لأنه لا يوجد تعذر لأنه هو أصلًا غير مثلي. فلا يوجد يوم تعذر.
إذًا: نذهب إلى يوم التلف.
ما هو الدليل أنه في غير المثلي نرجع إلى القيمة؟
استدل الحنابلة وغيرهم من الفقهاء على ذلك:
- بقول النبي - ﷺ -: (من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه تقويم العدل).
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - ألزم المعتق بالقيمة لا بالمثل. وأنتم تعلمون أن العبد عند الحنابلة: قيمي. لان الحنابلة يرون أن المثلي هو كل موزون أو مكيل ينضبط بانضباط صفات السلم والعبد ليس كذلك. لأنه يتفاوت بل جميع الحيوانات ليست كذلك. لأنها تتفاوت.
إذًا: هذا هو الدليل في أنا ننتقل في القيمي من المثلي إلى القيمة.
- الدليل الثاني: أن هذا أمر بديهي لأن هذا التالف ليس له مثيل فوجب المصير إلى القيمة إذ لا يوجد خيار آخر. لأنه لا يوجد له مثيل.
- قال - ﵀ -:
- وإن تخمر عصير: فالمثل.
يقول - ﵀ -: وإن تخمر عصير فعليه المثل.
إذا غصب الإنسان عصيرًا وبقي عنده ثم تخمر فعليه المثل. لماذا؟ لأن هذه العين فقدت ماليتها الشرعية وإذا فقدت العين المالية الشرعية صارت كأنها تالفة.
وإذا تلفت العين وجبت القيمة.
سؤال: لماذا نص المؤلف - ﵀ - على هذه المسألة؟ هو قرر أن المثلي فيه المثل والقيمي فيه القيمة.
لأن العين التي ستضمن موجودة. فمع وجود العين المغصوبة مع ذلك عليه القيمة.
أراد المؤلف - ﵀ - أن ينبه إلى هذا المعنى وأنه ليس دائمًا لا تجب القيمة إلا بالتلف بل ربما تجب القيمة بلا تلف با يفقد الشيء ماليته الشرعية.
- قال - ﵀ -:
- فإن انقلب خلًا: دفعه ومعه نقص قيمته عصيرًا.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
يعني: إذا [[سرق]] عصيرًا ثم صار العصير خمرًا ثم صار الخمر خلًا فالحكم: أنه يرد الخل ويرد مع الخل الفرق بين قيمة الخل والعصير إذا افترضنا أن قيمة العصير أعلى من قيمة الخل وهذا هو الغالب.
إذًا: الواجب عليه أن يرد الخل ويرد مع الخل الفرق بين القيمتين.
وهذا أمر واضح. لأن العين المغصوبة رجعت إلى المالية الشرعية فوجب ردها إلى صاحبها مع الفرق.
* * مسألة/ فإن كان دفع الغاصب للمغصوب بدلًا عن العصير لما كان خمرًا فهل يسترد هذا الشيء أو لا يسترده إذا انقلبت إلى خل.
أولا: الحنابلة يفترضون أن العصير لابد أن يمر بثلاثة مراحل: عصير. وهي المرحلة الأولى ثم خمر ثم يكون خلًا فمسألة الخل يفترض فيها أنه مر بمرحلة الخمر ولا يوجد عندهم ما يوجد عندنا من تحويل العصير إلى خل بدون مرور بمرحلة الخمر هم لابد من المرور بمرحلة الخمر.
فالمؤلف - ﵀ - الآن لما قال: فإن انقلب خلًا. ما هو الذي انقلب خلًا؟ العصير أو الخمر؟ الخمر.
إذًا: المسألة التي أريد أن أتحدث عنها. إذا صار العصير خمرًا وأعطى الغاصب المغصوب بدلًا عن الخمر ثم انقلبت الخمر إلى الخل ودفع الخل مع فرق السعر إلى المغصوب منه فهل يجب على المغصوب أن يرد ما استلمه من الغاصب أو لا؟
= المذهب يجب أن يرد.
- لأنه أخذ عينه كاملة مع الفرق في السعر.
= القول الثاني: أن العين لا ترد.
السبب في ذلك:
- أن المغصوب استلم هذه العين بالمقتضى الشرعي. ومن استلم مالًا بالمقتضى الشرعي فلا يجب عليه أن يردها.
والراجح: أنه يجب أن يرد.
والجواب على تعليل أصحاب القول الثاني: أن المغصوب وإن استلمها بدليل أو بمقتض شرعي إلا أنه تبين أن الأمر خلاف الواقع. وإذا تبين أن الأمر خلاف الواقع وجب الرد كما نقول فيمن باع سلعة نظن أنه يملك هذه السلعة ثم تبين أنه لا يملك السلعة فيجب على المشتري رد السلعة إلى المالك الحقيقي.
مع أن شراء المشتري في هذه الصورة صحيح شرعًا لأن البائع يظن أنه مالك.
لكن العقد صحيح في الظاهر باطل في الباطن.
كذلك هذه الصورة التي معنا.
فصل
[في تصرفات الغاصب وغيره]
- قال - ﵀ -:
- (فصل) وتصرفات الغاصب الحكمية: باطلة.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
المؤلف - ﵀ - أراد بهذا الفصل بيان تصرفات الغاصب التي تتعرض لها العين المغصوبة.
والتصرفات تنقسم إلى قسمين:
ـ أن يتصرف فيها في العبادات. - والقسم الثاني: أن يتصرف فيها في العقود.
وتصرفات الغاصب تنقسم إلى قسمين:
ـ تصرفات حكمية. - وتصرفات غير حكمية.
نبدأ بالقسم الثاني التصرفات غير الحكمية. وهي التي لا توصف بصحة ولا فساد. فلا يقال هذا التصرف صحيح ولا فاسد.
مثالها/ أن يقوم الغاصب بلبس المغصوب أو يقوم الغاصب بإتلاف المغصوب أو يقوم الغاصب بأكل المغصوب.
فهذه التصرفات ونحوها لا يمكن أن نقول أنها صحيحة أو فاسدة وإنما نقول هي محرمة. لكن لا يحكم عليها بحكم وضعي وإنما يحكم عليها بحكم تكليفي.
ـ القسم الثاني: التصرفات الحكمية. وهي كل تصرف يحكم بأنه صحيح أو فاسد.
كأن يبيع أو يشتري. وكأن يتوضأ بالماء المغصوب. وكأن - وهذه المشكلة - يحج بالمال المغصوب.
وكأن يزكي عن ماله من المال المغصوب. .. إلى آخره. فمثلنا للعقود ومثلنا للعبادات.
= فالحنابلة: يتكلمون الآن عن التصرفات الحكمية وغير الحكمية لماذا لم يتحدث عنها المؤلف - ﵀ -؟ لأنها تقدمت.
نأتي إلى موضوع الفصل: فنقول التصرفات الحكمية للغاصب عند الحنابلة باطلة مطلقًا. سواء كان التصرف يتعلق بالعبادات أو بالمعاملات.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الدليل الأول: قوله - ﷺ -: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد). وبيع الغاصب وهبته ونحوها بالعين المغصوبة ليس عليها أمر الله ورسوله. بل أمر اله ورسوله أن يرد العين المغصوبة إلى صاحبها.
- الدليل الثاني: أنه تصرف في ما لا يملك ومن تصرف فيما لا يملك فعمله باطل.
= القول الثاني: أن تصرفات الغاصب الحكمية تخرج على عمل الفضولي. فإن أجاز المغصوب صحت وإن منع بطلت.
فنخرج تصرفات الغاصب على تصرفات الفضولي.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الدليل الأول: أن الواقع يدل على أن تصرفات الغاصب غالبًا ما تكثر ويترتب بعضها على بعض وتتخذ سلسلة متعاقبة مما يؤدي إلى الضرر البالغ في إبطال كل تلك العقود.
[ ٤ / ٣٥٤ ]
- الدليل الثاني: أن المنع في تصرف الغاصب إنما هو لحق المغصوب وكل عقد منع منه لحق المغصوب أو لحق الآدمي فيتوقف في صحته على إذن هذا الآدمي. يعني: صاحب الحق.
= القول الثالث: التفريق بين العبادات والمعاملات فإن تصرف تصرفات مبنية على العقود فهي باطلة. وإن تصرف بالمغصوب في العبادات صحت.
- لأن النهي في تصرفه في العبادات لأمر خارج عن العبادة لا لأمر يتعلق بالعبادة والنهي في العقود لأمر يتعلق بالعبادة لأن من شروط العين محل العقد أن تكون مملوكة كما تقدم معنا في شروط البيع.
والراجح القول الثاني مع وجاهة في الحقيقة القول الثالث. لكن الراجح إن شاء الله أنه إذا أذن المغصوب فلا حرج.
* * مسألة/ إذا أبطلنا تصرفات الغاصب فهل الأولى أن يعطى نصيب من العين المغصوبة أو يحرم؟
لأنه تعلمون أن العين المغصوبة قد ينميها الغاصب وتبلغ أموالًا طائلة فهل الأولى أن نقول للمغصوب عليك أن تعطي الغاصب بعض هذه الأموال يستحب شرعًا؟ أو لا؟
الجواب: أن في هذا تفصيل: - فإنه كان الغاصب تاب توبة حسنة ومع ذلك يخشى من ارتداده إذا لم يعط شيئًا فإن الأولى - ولا نقول الواجب - والأحسن أن يعطى. وإلا فلا. يعني: بأن كشف وأخذ منه المال قصرًا ولم يتب ولم يبد ندمًا ولا رجوعًا فحينئذ لا يعطى.
- قال - ﵀ -:
- والقول في قيمة التالف أو قدره أو صفته: قوله.
القول في هذه المسائل الثلاث قول الغاصب.
فإذا اختلفوا في قيمته أو اختلفوا في قدره أو اختلفوا في صفته فالقول قول الغاصب.
- لأن الغاصب ينكر الزيادة والأصل براءة الذمة.
فإذا اختلفوا في قيمة العين التالفة فقال المغصوب منه قيمتها مائة وقال الغاصب قيمتها خمسين فالقول قول الغاصب إلا إذا دلت القرائن وشهد أهل الخبرة بقول المغصوب فحينئذ فالقول قوله ولو زاد.
(وفي قدره) يعني: لو قال: هي مائة وخمسين المغصوبة وقال المغصوب بمنه بل مائتين فالقول قول الغاصب.
والثالثة: (صفته) بأن قال الغاصب: العبد المغصوب جاهل ولا يحسن الكتابة ولا الحساب.
وقال المغصوب منه: بل عالم. ويحسن الحساب والكتابة فالقول قول: الغاصب. ويصح جاهلًا ويسترد العين على هذا الأساس وليس له الفرق بين قيمته عالمًا وجاهلًا.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
لما ذكر المؤلف - ﵀ - المسائل التي القول فيها قول الغاصب انتقل إلى المسائل التي القول فيها قول المغصوب.
- قال - ﵀ -:
- وفي رده أو تعيبه: قول ربه.
إذا تنازع الغاصب والمالك في أن العين هل ردت أو لم ترد فالقول قول المالك.
وإذا تنازعوا هل كلن هذا العيب الموجود الآن في المغصوب من الأصل أو وجد عند الغاصب فالقول قول المالك.
- لأن الأصل في الرد عدمه والأصل في العين عدمه.
ولما كان الأصل في جانب المالك صار القول قوله.
- قال - ﵀ -:
- وإن جهل ربه: تصدق به عنه مضمونًا.
وإن جهل مالك المغصوب تصدق عنه مضمونًا.
دل كلام المؤلف - ﵀ - على حكمين: - أن الحكم أنه يتصدق إذا جهل المالك.
التعليل: أنه يتصدق: - أنه تعذر على الغاصب رد المغصوب وإذا تعذر الشيء رجعنا إلى بدله. والبدل هنا أن يتصدق به مضمونًا هذا هو البدل بكل ما يحمله من تفاصيل يتصدق وأيضًا مضمونًا.
ما معنى مضمونًا؟
يعني: إذا تصدق بالعين ثم جاء المالك أي المغصوب منه وطالب بالعين فإن المغصوب ملزم برد العين ولو كان تصدق بها على أن الثواب للمغصوب منه. فإن اختار المغصوب منه وهو المالك للعين ردها إليه والثواب يكون للغاصب وإلا بقي الثواب للغاصب.
= والقول الثاني: أنه ليس له أن يتصدق بها. ليس له أن يفعل هذا الفعل بل يجب عليه أن يدفعها إلى نائب الحاكم.
وعللوا هذا:
- بأنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملك غيره. والأمانات تحفظ عند نائب الحاكم.
والراجح: الأول. لأنه أحظ للمالك. وجه ذلك: أن السلعة إذا وضعت عند نائب الحاكم ربما تبقى هكذا لمدة سنين.
بينما إذا تصدق بها عنه فإن الأجر يجري عليه من حين الصدقة وهو مع ذلك لم يخسر العين لأنه لو جاء وطالب بها لحصلها.
فقوة هذا القول ظاهرة إن شاء الله.
تأتي معنا المسألة السابقة تمامًا إذا قلنا يتصدق به فهل له أن يأخذ لنفسه؟ أو ليس له أن يأخذ لنفسه؟
= الحنابلة يرون أنه لا يأخذ لنفسه ولو كان فقيرًا ولا يعطي أحدًا من أقربائه أو من تربطه بهم صلة.
إذًا يجب أن يعطي شخصًا أجنبيًا تمامًا.
= والقول الثاني: وهو اختيار شيخ الإسلام. أن له أن أخذ من هذا المال بشرطين:
[ ٤ / ٣٥٦ ]
ـ الشرط الأول: أن يكون محتاجًا فقيرًا. - الشرط الثاني/ أن يكون تائبًا نادمًا.
إذا تحقق الشرطان فله أن يأخذ.
واستدل على هذا: - بما تقدم: أنه يخشى عليه الرجوع عن التوبة إذا ألزم بإخراج جميع المال.
واستدل بأمر آخر: - وهو قوله: أنه إذا أجزنا له أن يتصدق على الفقراء فهو من جملة الفقراء بل هو يفوق الفقراء بسبب استحقاق وهو أنه حصل هذا المال.
- قال - ﵀ -:
- ومن أتلف محترمًا، أو فتح قفصًا أو بابًا، أو حل وكاء أو رباطًا أو قيدًا، فذهب ما فيه، أو أتلف شيئًا ونحوه: ضمنه.
المؤلف - ﵀ - بدأ الكلام عن ضمان الإتلافات بغير غصب. ولذلك كانت في الحقيقة هذه المسائل جديرة بأن يضع لها المؤلف - ﵀ - فصلًا خاصًا وهي أجدر من تصرفات الغاصب الحكمية لأنه انتقل إلى جنس آخر جديد ليس من باب الغصب وإنما ألحق به لمشابهته إياه.
وهي الإتلافات التي ليست على سبيل الغصب. فكان من المناسب جدًا فيما أرى أن يضع فصلًا لهذا دون تصرفات الغاصب الحكمية.
- يقول - ﵀ -:
- ومن أتلف محترمًا، أو فتح قفصًا إلى آخره.
القاعدة لهذه المسائل أن من أتلف مالًا محترمًا لغيره بغير إذنه ضمنه مطلقًا.
ومعنى مطلقًا أي سواء كان جاهلًا أو عالمًا أو سواء كان مكلفًا أو غير مكلف.
ففي جميع الصور يضمن.
تعليل ذلك: - أن هذا المتلف فوت المال على صاحبه فضمنه له. وهو تعليل صحيح. لأنه لما كان هو سببًا في الإتلاف فلابد أن يكون الضمان في ذمته.
وما سيذكر بعد هذا ليس إلا أمثلة. وهذه الأمثلة كما سيأتينا وستلاحظ ذلك إن شاء الله تشترك في معنىً واحد وهو أن يكون سببًا في الإتلاف فإذا كان سببًا في الإتلاف فيجب عليه أن يضمن.
وسيأتينا في بعض المسائل خلاف وستلاحظ أن الخلاف مبني على: هل يتحقق فيه أنه سبب أو لا يتحقق أنه سبب فسياتينا أنه دائمًا الخلاف مبني على هذا المعنى.
* * المسألة الأولى/ يقول - ﵀ -: (فتح قفصًا) يعني فتح القفص عن طائر فطار فالذي فتح القفص هو السبب في هروب الطير وفي تفويته على صاحبه فضمنه.
وهل هذا غصب؟ هل هو غصب الطائر؟ لا لم يغصب الطائر وإنما فوته على صاحبه.
وهو أمر ظاهر.
[ ٤ / ٣٥٧ ]
* * قال - ﵀ -: (أو بابًا) يعني: أو فتح بابًا فخرج ما كان مقفلًا عليه فيه.
يعني: يفتح باب الاصطبل فتهرب الخيول أو يفتح باب الدواجن فتهرب الدجاج أو أي مثال آخر.
المهم أن خروج من بداخل الباب كان بسبب فتح الباب.
فإن جاء وفتح الباب وكان الذي في الغرفة من الحيوان أو الطير مربوط فهل يضمن؟ () لأن فتح الباب لم ينتج عنه () فإن كان الباب مقفل وجاء رجل وكسر الباب ثم جاء آخر وحل رباط الخيل فالضمان على من؟ على الثاني لأنه مباشر لتفويت المالية. ودائمًا الضمان على المباشر لا على المتسبب.
* * يقول: (أو حل وكاء). يعني: حل وكاء إناء فيه شيء مائع ولابد أن نقول: وانسكب المائع.
قإن حل الرباط لإناء فيه مائع وبقي المائع في الإناء فلا ضمان لأن المالية لم تفت أصلًا.
فإذًا مقصود المؤلف - ﵀ - أنه حله وترتب على هذا الحل الإنسكاب.
* * قال - ﵀ -: (أو رباطًا) يعني: لو حل الرباط عن دابة أو حل الرباط عن سفينة وذهبت في البحر فإنه يضمن.
وهل من ذلك: أن تكون السيارة مسحوب ما يسمى: (بصمام الأمان) ثم لما فك هذا البريك مشت السيارة وصدمت يضمن أو لا يضمن؟
لأن تفويت المالية الخاص وهو النقص في هذه العين كانت بسبب من حل هذا الرباط.
* * قال - ﵀ -: (أو قيدًا) يعني: حل قيد العبد أو الأسير فذهب وفات وكأنه يقصد أن القيد يعبر به عمن يعقل والرباط يعبر به عمن لا يعقل وإلا المسألة واحدة.
* قال - ﵀ -: (أو أتلف شيئًا ونحوه) هل هذه العبارة: (أو أتلف شيئًا) هو يقول: (من أتلف محترمًا) لماذا يعود فيقول: (أو أتلف شيئًا) الضمير في: (أو أتلف شيئًا) لا يعود إلى الغاصب وإنما يعود إلى هذا الذي فك رباطه أو حل رباطه أو فتح بابه.
فإذا أتلف شيئًا فالغاصب يضمن وليس مالك الحيوان.
لماذا؟ لنفس العلة. وهي أن تفويت المال كان بسبب من حل الرباط. «الأذان».
- قال - ﵀ -:
- وإن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان: ضمن.
وكذلك يضمن لو جنت الدابة برجلها أو فمها أو يدها.
وتعليل الحكم في المسألتين: يعني إذا عثر بها الشخص أو جنت هي بيدها أو رجلها:
[ ٤ / ٣٥٨ ]
- أن هذه الجناية كانت بتعدي صاحب الدابة حيث أوقفها بطريق المسلمين. مع العلم أن الطريق ضيق.
فلما صار عمله فيه تعدي ترتب على ذلك الضمان.
وهذه المسألة ليس فيها مباشرة الإتلاف ولكن فيها التعدي الذي سبب الإتلاف فهذا هو تعليل وجوب الضمان وذكروا أيضًا حديثًا وهو أنه يروى أن النبي - ﷺ - قال: (من أوثق دابة في طريق المسلمين فأتلفت في يدها أو رجلها فهو ضمان) لكن هذا الحديث ضعيف ضعفه الأئمة كلهم ولا يثبت مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - وإن كانت معناه صحيحًا.
وفهم من كلام المؤلف - ﵀ - أن الطريق إذا كان واسعًا فإنه لا ضمان.
وهذا فيه عن الإمام أحمد - ﵀ - روايتان:
= الأولى: أنه لا ضمان.
- لأن إيقاف الدابة في الطريق الواسع لا يعتبر من أنواع التعدي.
= والرواية الثانية: أن عليه الضمان ولو كان الطريق واسعًا.
والرواية الأولى هي الراجحة إن شاء الله ورجحها عدد من محققي الحنابلة وهي كما ترى ظاهرة القوة لأنه لا يوجد أي نوع من أنواع التعدي إذا وقف الإنسان دابته بطريق واسع.
والأحكام التي قيلت في الدابة تنطبق تمامًا على السيارة فإذا أوقفها في طريق ضيق كما يحصل كثيرًا الآن فهو ضامن لما يترتب على هذا الإيقاف.
وإن أوقفها في طريق واسع فلا حرج عليه.
إلا أنه يستثنى من ذلك إذا أوقف الإنسان السيارة في طريق ضيق ولكن خصص فيه أماكن رسمية للوقوف إذا أوقفها في هذه الأماكن الرسمية فلا ضمان ولو في طريق ضيق لماذا؟ لأن الحكم يدور مع علته. وهو التعدي وهو هنا لم يتعد.
- قال - ﵀ -:
- كالكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه أو عقره خارج المنزل.
أي وكذلك: يضمن إذا أتلف الكلب العقور شيئًا من الآدمي في صورتين:
ـ أن يتلفه خارج البيت.
ـ الصورة الثانية: أن يتلفه داخل البيت ويكون الداخل دخل بإذنه.
ففي الصورتين يضمن صاحب الكلب ما ترتب على إتلافه.
التعليل؟ التعليل في ذلك:
- أن صاحب الكلب العقور متعد بإمساك الكلب العقور أصلًا فإذا الإمساك محرم فما يترتب على هذا الفعل المحرم مضمون لأن فعله لم يؤذن به شرعًا فما ترتب عليه فهو مضمون.
[ ٤ / ٣٥٩ ]
ودلت عبارة المؤلف - ﵀ - على أنه إذا أتلف الكلب العقور مار إنسان دخل البيت بغير إذن فلا ضمان لأنه دخل بغير إذن فليس محترمًا شرعًا.
وأيضًا: لو أتلف الكلب العقور مال رجل بسبب أن الرجل جاء إلى الكلب العقور وهو مربوط: فإنه لا ضمان.
والصورة الثالثة والأخيرة: لو أتلف الكلب العقور مال رجل لكن صاحب الكلب كان سبق منه التحذير فأيضًا في هذه الصورة لا ضمان.
ففي هذه الصور الثلاث لا ضمان وفي الصور الثلاث الأولى هناك ضمان.
بقينا في مسألة حفظ المواشي بالليل وحفظ الزروع في النهار وهي مسألة طويلة نجعلها في الدرس القادم.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
[ ٤ / ٣٦٠ ]
الدرس: (٤٣) من البيع (١)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كنا توقفنا بالأمس على مسألة إتلاف البهيمة،والتفريق بين الليل والنهار أليس كذلك؟ إنتهينا من (كالكلب العقور).
- قال - ﵀ - (وما أتلفت البهيمة من الزرع ليلا ضمن صاحبها وعكسه النهار).
أفاد المؤلف - ﵀ - أنّ ما تتلفه البهيمة بالليل فإنه يضمن وما تتلفه بالنهار فإنه لايضمن،وهذا التفريق هو مذهب الحنابلة.
استدلوا على هذا بأدلة. الدليل الأول"ماروي أنّ النبي - ﷺ - قضى على أهل الأموال بحفظها في النهار،وعلى أهل المواشي بحفظها في الليل. وهذا الحديث اتفقوا على أنه مرسل. لايصح مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - ومع ذلك فإنّ الإستدلال به صحيح. لأنه يتوافق مع ظاهر القرآن كما سيأتينا. بالإضافة إلى أنّ فقهاء أهل الحديث لاسيما فقهاء أهل الحجاز قبلوا هذا الحديث واستدلوا به وتداولوه وهذا عند أهل العلم يعطي الحديث المرسل قوة. قبول العلماء للحديث يعطي الحديث قوة،فإذا تأيّد هذا المرسل بأمرين: قبول العلماء له. وتأيّد ظاهر القرآن له. ونتج من ذلك صحة الإستدلال به.
_________________
(١) - هذا الدرس قام بكتابته أحد الإخوة - جزاه الله خيرًا.
[ ٤ / ٣٦١ ]
الدليل الثاني" أنه جرى العرف بأنّ أصحاب المواشي يرسلون مواشيهم في النهار لترعى،وأنّ أصحاب الأموال يحفظون أموالهم بالنهار فإذا تعدت البهيمة على المال نهارًا. فإنه لايعتبر صاحب البهيمة متعدّي فلا يضمن لأنه تقدم معنا أنّ سبب الضمان هو التعدّي.
هذا الدليل الثاني للحنابلة فتكون أدلتهم اثنان.
القول الثاني: أنّ أصحاب المواشي يضمنون ليلا ونهارًا يعني مطلقًا. واستدل أصحاب هذا القول بأنّ الجناية كانت بسبب ترك صاحب البهيمة لبهيمته،فلما كانت الجناية أو الإتلاف بسبه ضمن،
الدليل الثاني "القياس على جناية العبد فإنها مضمونة مطلقًا. وهذا القول ضعيف جدا.
القول الثالث " أنّ أصحاب المواشي لايضمنون مطلقًا لا ليلًا ولانهارًا. واستدلوا على هذا بقول النبي - ﷺ - في الحديث المتفق عليه (العجماء جرحها جبار) يعني هدر وهو في الحقيقة نصّ في المسألة. فدّل الحديث على أنّ ماتتلفه البهيمة فهو هدر مطلقًا. ولم يفرق الحديث بين الليل والنهار. والراجح إن شاء الله المذهب. ودليل ذلك أنّ حديث المذهب وإن كان مرسلًا إلاّ أنه أخص في المسألة من حديث أصحاب القول الثالث لأنه عام،وتقدم معنا مرارًا تكرارًا أنّ الخاص مقدم على العام،مادام صححنا الإستدلال
بهذا الحديث المرسل فهو خاص ويقدم على العام،
مسألة /إذا حكمنا على أنّ أصحاب المواشي يضمنون بالليل،فهذا مشروط على الصحيح من قولي أهل العلم، بأن يفرطوا،فإن لم يفرطوا فإنهم لايضمنون ولا بالليل،فإذا قام صاحب الماشية بحبسها والتأكد من عدم خروجها وتوثيقها ثم خرجت بعد ذلك بلا تفريط منه فلا يضمن،ولو كان الإتلاف بالليل،وأما إذا فرط لم يحبسها ولم يجعلها في مكان لاتخرج لتؤذي فإنه يضمن.
[ ٤ / ٣٦٢ ]
القول الثاني: أنّ أصحاب المواشي يضمنون ماأتلفت المواشي بالليل مطلقًا،فرطوا أو لم يفرطوا،والصحيح إن شاء الله كما قلت القول الأول،لأنه إذا لم يفرط فليس منه ما يوجب الضمان. والأصل كما سيأتينا إن شاء الله أنّ ماتتلفه البهيمة هدر، وبهذا عرفنا حكم مايتلف من قبل البهائم. باقي تنبيه واحد وهو أنّ إتلاف البهائم ينقسم إلى قسمين: إما أن تتلف ويد صاحبها عليها. أو تتلف ويد صاحبها ليست عليها. وهذه المسألة التي ذكرنا فيها الخلاف وتحدثنا عنها هي من القسم الذي تتلف فيه البهيمة ويد صاحبها ليست عليها، يعني أنه لايتحكم بها،إذًا هذا الخلاف في أي النوعين،في أن تكون يده عليها، أو ليست عليها؟ ليست عليها. فإن كانت يده عليها فهو قسم آخر سيتحدث عنه المؤلف بالتفصيل. فيجب أن تعلم أنّ هذا الكلام محمول على ما إذا كانت يده ليست على البهيمة
- ثم قال - ﵀ - (إلاّ أن ترسل بقرب ما تتلفه عادة).
لما قرر المؤلف أنّ أصحاب البهائم لايضمنون بالنهار مطلقًا، استثنى هذه الصورة وهي ما إذا أطلقها في النهار قرب ما تتلف. ففي هذه الحالة يضمن. والسبب أنه لما جعلها تقرب ما تتلفه عادة فرط وتعدّى،فضمن لذلك.
والقول الثاني: وهو المذهب أنّ أصحاب البهائم لايضمنون بالنهار مطلقًا، سواء أطلقوها قرب ماتتلف عادة أو لم يطلقوها. واستدل أصحاب هذا القول وهم الحنابلة وهو المذهب المؤلف خالف المذهب في هذه المسألة. استدلوا بعموم الحديث فإنّ النبي - ﷺ - قضى على أصحاب الأموال بحفظها في النهار. ولم يفرق بين أن يطلق أصحاب المواشي مواشيهم قرب ماتتلف أو يطلقوها بعيدًا عن ماتتلف. ولذلك نقول الراجح إن شاء الله القول الثاني. وهو المذهب ومما يدل على صحة قول الحنابلة أنه يعسر على الإنسان مراقبة البهيمة، لكي تقترب مما تتلفه في العادة،فإنها هذه بهيمة والتحكم فيها ومراقبتها في النهار وهي ترعى فيه مشقة وعسر، فهذا ايضًا مما يدل على قوة القول الثاني وهو عدم الضمان في النهار مطلقًا.
- قال - ﵀ - (وإن كانت بيد راكب أو قائد أو سائق ضمن جنايتها بمقدمها لا بمؤخرها).
[ ٤ / ٣٦٣ ]
لما ذكر المؤلف القسم الأول، وهي إذا كانت ليست عليها ذكر هذا القسم الثاني، وهي إذا كانت تحت يد المالك، وتكون تحت يد المالك في ثلاث صور: أن يكون راكب. وأن يكون قائد وهو الذي يمشي أمام البهيمة. وأن يكون سائق وهو الذي يمشي خلف البهيمة، هذه هي الصور التي تكون يد صاحب البهيمة عليها. ومعنى قول الشيخ هنا وإن كانت بيد راكبها مقصود المؤلف يعني وكان قادرًا على التحكم فيها،فثبوت حكم اليد يشترط فيه أن يكون قادرًا على التحكم فيها، فإن لم يكن قادرًا على التحكم فيها فتعتبر ليست تحت يده وإن كان قائدًا أو سائقًا أو راكبًا.
نأتي إلى الحكم يقول المؤلف - ﵀ - (وإن كانت بيد راكب لابمؤخرها).
أفاد المؤلف أنّ الحنابلة يرون أنه إذا كانت الدابة تقاد من قبل المالك أو وكيله، فإنه يضمن ماتتلفه بمقدمها يعني بيدها أوفمها،ولايضمن ماتتلفه بمؤخرها يعني برجلها. هذا هو المذهب. لكن الحنابلة قيّدوا عدم الضمان فيما يتلف بالرجل، أن لايكون الإتلاف بالوطء. بأن يكون بالرمح، فإن كان الإتلاف بالوطء فيضمن ولو بمؤخرها،ولذلك كان من الأحسن أن يقول الشيخ هنا لابمؤخرها إذا كان رمحًا، فإن كان بالوطء فهو يضمن، ماهو دليل الحنابلة التفريق بين الرمح والوطء؟ قالوا أنّ سائق الدابة منعها من الوطء بالتحكم بها، ولايستطيع منعها من الرمح، لأنه لايعلم متى يصدر أليس كذلك؟ لايمكن له أن يتحكم بالرمح، هذا هو دليل التفريق في إتلاف البهيمة بمؤخرها بين الوطء والرمح.
نأتي إلى دليل الحنابلة على القول برمته، وهو التفريق بين المقدم والمؤخر، استدل الحنابلة على هذا بدليلين: الدليل الأول أنّ النبي - ﷺ - قال (رِجل العجماء هدر) أوقال (رِجل العجماء جبار) فهذا الحديث يدل على أنّ رِجل العجماء لاتضمن ويدل بمفهومه أنّ يدها وفمها تضمن،به جناية البهيمة. واستدلوا بدليل آخر وهو أنّ من وضع يده على البهيمة يسهل عليه التحكم بمقدمها ومنع الجناية به ويصعب عليه التحكم بمؤخرها. إذا الآن إن شاء الله تصورنا مذهب الحنابلة ودليل الحنابلة.
[ ٤ / ٣٦٤ ]
القول الثاني: أنّ قائد البهيمة لايضمن مطلقًا إلاّ إذا أتلفت بسبب من القائد،فإن أتلفت بغير سبب من القائد ولاتفريط ولاتعدّي فلاضمان. وهذا مذهب المالكية واستدلوا على هذا بأنّ القائد إذا لم يفرط وليس منه سبب في جناية البهيمة فإنه لايضمن لأنه ليس سببًا في الجناية. ونحن نقول دائما سبب الضمان، أو علة الضمان. أن يكون المتلف سببًا في الإتلاف، وهنا ليس القائد سببًا في الإتلاف القول الثالث: أنه لاضمان مطلقًا، فيما أتلفته البهيمة ولو كانت يد صاحبها عليها. لعموم قوله - ﷺ - (العجماء جرحها جبار) والحديث لم يفرق بينما إذا كانت اليد على البهيمة أوليست على عليها، الراجح بإذن الله إن شاء الله في هذه المسألة المهمة القول الثاني وهو مذهب المالكية. وهو أنه يضمن إن كان بسببه، وإن لم يكن بسببه فإنه لايضمن.
وجه الترجيح. أنّ قائد الدابة إذا كانت يده عليها فله نوع تصريف ومنع. فإذا صرفها ومنعها عن أن تتلف ثم أتلفت فإنه لم يفرط.
[ ٤ / ٣٦٥ ]
وإذا كانت يده عليها وتركها تتلف فإنه ماذا؟ مفرط. وهو في الحقيقة كلام جميل جدًا من الإمام مالك ومتوافق إن شاءالله مع النصوص العامة. التي لاتكلف الإنسان ما لايدخل تحت قدرته. وكما قلنا في مسائل كثيرة أنّ مسائل البهيمة تنطبق على ماذا؟ على السيارات فالآن إذا حصل الحادث والسيارة ليس فيها أحد، فإنه لايحمل قائد المركبة شيء لأنه يده ليست على المركبة، إلاّ إذا تعدّى كما تقدم معنا في مكان الوقوف، فإذا جاء صاحب السيارة ووضع السيارة في مكان صحيح. لم يتعد فيه ثم صدمت السيارة ومات الصادم، فإنه ليس على صاحب السيارة المصدومة الواقفة، أيُّ تبعة لماذا؟ لأنه يده ليست على السيارة وليس منه لاتعّدي ولا تفريط، نبقى فيما إذا حصل الحادث وهو يقود السيارة، وهي التي نسميها ويده على السيارة،فمقتضى كلام الحنابلة أنه لو انصدم مع الأمام يضمن. وإن صدم مع الخلف فإنه لايضمن، هذا مقتضى كلام الحنابلة، ومقتضى كلام المالكية أنه إن كان الحادث بنوع من التفريط فإنه يضمن. وإن كان ليس منه تفريط فإنه لايضمن، التفريط هذا يرجع في تقديره إلى العلماء. وأهل الإختصاص في آن واحد. فمثلًا من التفريط السرعة الزائدة. من التفريط ترك الكفرات وهي على وشك الفساد،من التفريط المشي بالسيارة وهي كثيرة التوقف،لأنّ هذا من أعظم الأخطار، لأنه إذا كانت السيارة كثيرة التوقف فمن المتوقع أن تتوقف في مكان يؤدي إلى الحادث من قبل اللي يمشي خلف السيارة،صور التفريط كثيرة المهم إذا كان منه تفريط فإنه يضمن،وإذا لم يكن منه أيّ تفريط بأيّ صورة من الصور فإنّ تضمينه في الحقيقة لاوجه له. أو بعبارة أهون فإنّ تضمينه مرجوح. لأنّ مذهب المالكية في هذا أقوى وأوجه وألصق بالأصول من التضمين المطلق.
- قال - ﵀ - (وباقي جنايتها هدر).
[ ٤ / ٣٦٦ ]
أفادنا المؤلف أنّ الأصل في جناية الدواب أنها هدر، هذا هو الأصل، ولايستثنى من هذا إلاّ الثلاث صور التي ذكرها المؤلف. وهي ما إذا أوقفها في طريق ضيّق، وما إذا خرجت في الليل أو في النهار؟ في الليل. وما إذا كانت يده عليها. هذه ثلاث صور تضمن فيها إتلافات البهيمة. فيما عدا هذه الصور فإنّ الأصل في البهيمة عدم الضمان لعموم قوله - ﷺ - (جرح العجماء جبار) أو قال (العجماء جرحها جبار) هذا الحديث يؤصل هذه القاعدة، وهي أنّ الأصل في البهائم عدم الضمان.
- قال - ﵀ - (كقتل الصائل عليه).
يعني كما أنّ من قتل الصائل عليه لايضمن، فإذا صال زيد على عمرو وقام عمرو بقتله، فإنه لايضمن سواء كان الصائل يريد النفس أو العرض أو المال، ويشترط لهذا شرط مهم جدًا، وهو أن لايمكن دفعه إلاّ بالقتل، فإن أمكن دفعه بدون القتل وقتله فإنه يضمن.
وأما ماذا يضمن؟ وهل نعتبره قتل خطأ أو عمد؟ فهذا يرجع للقاضي وملابسات القضية،لكن نحن يعنينا الآن أنه يضمن. لماذا؟
لأنه إذا أمكن دفعه بدون القتل ودفعه بالقتل فهو متعدّي، ونحن نقول الضمان دائمًا ملازم لقضية ماذا؟ لقضية التعدّي.
بناء على هذا لايقبل في المشاجرات البسيطة، الزعم أنه دفعه دفع صائل، فليس من المقبول، إذا قال رجل لآخر انصرف عن هذا المكان وأغلظ له القول أن يقوم ويقتله، ويقول هذا من دفع الصائل، كأن يتكلم عليه بغلظة، نقول هذا يمكن دفعه أصلًا بغير الضرب أليس كذلك؟ بل الواجب أن يعرض عنه الإنسان، كذلك لوقام زيد بضرب عمرو ضربًا ليس مبرح ولاخطر، ثم يزعم أنه دفعه دفع صائل بقتله، فإنه لايقبل، أما لو إعتدى عليه في بيته أو في عرضه أو في ماله، أو شعر منه أنه يريد دمه،فإنه حينئذ إذا دفعه
بالقتل فلا حرج عليه، وهذا الحكم بالإجماع. أنّ دفع الصائل الذي لايمكن دفعه إلاّ بالقتل لايترتب عليه ضمان بالإجماع.
لأنّ فيه حفظ للنفس.
- قال - ﵀ - (وكسر مزمار وصليب وآنية ذهب وفضة وآنية خمر غير محترمة).
ذكر الشيخ عدة أعيان كسرها لايضمن، فإذا كسر آلة المزمار أو آنية الذهب والفضة أو آنية الخمر أوالصليب فإنه لاحرج عليه.
[ ٤ / ٣٦٧ ]
ولايضمن، الدليل أنه لايضمن أنّ هذه الأعيان ليس لها إعتبار في الشرع من حيث المالية، ولايجوز أن تباع ولاتشترى.
وكل ما لايجوز أن يباع ولايشترى فإنه لايضمن، وهذا الأمر أشبه ما يكون بالإتفاق، أنها لاتضمن، لكن بقينا في مسألة أخرى وهي أنك تلاحظ أنّ المؤلف عبّر بقوله كسر، ولم يعبر بقوله إتلاف، والواقع أنّ المذهب يقسم هذه الأعيان إلى قسمين:
القسم الأول" آلة المعازف والصليب. والقسم الثاني" آنية الذهب والفضة وآنية ماذا؟ الخمر.
إذًا القسم الأول آلة المعازف، والشيخ إنما ذكر المزمار على سبيل التمثيل، ولو أنه قال آلة الطرب والمعازف لكان أولى لأنّ هذا مقصود الحنابلة. هذا هو القسم الأول.
القسم الثاني" الأواني الذهب والفضة وآنية الخمر والخنزير.
ففي القسم الأول يجوز عند الحنابلة الكسر والإتلاف. فلو أنه أحرقها إحراقًا بحيث تلفت لم يعد لها وجود فلا حرج عليه ولاضمان وعمله مباح، ولو أنه حطمها إلى قطع صغيرة جدًا بحيث لايمكن أن ينتفع منها بشيء فلا حرج عليه ولاضمان.
والقسم الثاني" آنية الذهب والفضة وآنية الخمر، فهذه لايجوز حتى عند الحنابلة. لايجوز فيها إلاّ الكسر دون ماذا؟ دون الإتلاف
وعللوا ذلك بأنّ الآنية من الذهب والفضة. مادتها محترمة ويمكن أن تصاغ دراهم ودنانير وينتفع منها.
[ ٤ / ٣٦٨ ]
والقول الثاني: أنه لايجوز في إنكار آلة المنكر إلاّ الكسر فقط دون الإتلاف في جميع الأعيان، بشرط أن تكون هذه الأعيان مما يمكن الإنتفاع منها بعد الكسر. فإذا كانت مما يمكن الإنتفاع منها بعد الكسر، سواء كانت صليب، أو آلة معازف أو ذهب وفضة وآنية خمر فإنه لايجوز فيها إلاّ الكسر دون الإتلاف،واستدلوا على هذا بأدلة الدليل الأول" أنّ المقصود من كسرها إنكار المنكر، وإنكار المنكر يحصل بتغيِير الصورة التي تقع فيها المنكرات، فإذا كسرنا المزمار، بحيث لايمكن أن ينتفع منه كمزمار ويمكن أن ينتفع منه كقطع خشب زال المنكر وبقيت المالية لصاحبها، واستدلوا الدليل الثاني. بما صح عن النبي - ﷺ - (أنّ عيسى - ﷺ - ينزل في آخر الدهر حكمًا عدلًا قسطًا ويكسر ماذا؟ الصليب. فعبر بقوله يكسر مع العلم أنه يكسر الصليب وهو من النوع الأول أوالثاني؟ عندالحنابلة. من النوع الأول مع ذلك عبرّ بالكسر، فدلّ هذان الدليلان على أنّ الإنسان إذا أراد أن ينكر المنكر فإنه لايجوز له أن ينكره بالإتلاف ولكن ماذا؟ بالكسر. ويرى بعض الحنابلة أنّ جواز الإنكار بالإتلاف رواية رجع عنها الإمام أحمد - ﵀ - فإنه سئل عن هذه المسألة، فقال يتلف ولاحرج، فقال السائل فكيف بالمالية؟ كيف بماليتها التي ينتفع منها؟
فسكت الإمام أحمد، ثم سئل في مجلس آخر، وأفتى بالكسر دون الإتلاف. فقال الحنابلة سكوته في الأول ثم فتواه الثانية تدل على أنه ماذا؟ رجع ومن هنا نفهم أنّ الإمام أحمد ليس عنه نصّ صريح في الرجوع، ولكن الرجوع يفهم من ماذا؟ من مجموع الفتاوى على كل حال رجع أو لم يرجع. الراجح إن شاء الله القول الثاني وهو أنه يكتفى بالكسر إحترامًا للمالية. ولأنّ المنكر يزول بذلك.
والنبي - ﷺ - لما وجد الخمر أمر بماذا؟ بكسرها أمر بكسر الخمر. ولما وجد القرب أمر بماذا؟ بقطعها ومن المعلوم أنّ القربة إذا قطعت يمكن الإستفادة منها بأن تصنّع مرة أخرى، ولم يأمر - ﷺ - بإحراقها.
فهذا القول الثاني لعله إن شاء الله هو الأقرب وهوأحسن من تفصيل الحنابلة، وبهذا نكون إنتهينا من باب الغصب.
[ ٤ / ٣٦٩ ]