فقال القاضي في «المجرد» وأصحابه كابن عقيل وأبي الخطاب: يطعم عنه لكل يوم مسكينًا؛ لأنه قد وجب عليه القضاء والكفارة لو عاش؛ فإذا مات قبل القضاء؛ لزمه عنه كفارتان: كفارة لتأخير القضاء، وكفارة لتفويته.
ولا فرق على هذا بين أن يفوت بين وقت القضاء برمضان واحد أو رمضانات.
والمنصوص عن أحمد: أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة؛ لأنه لا يجب في اليوم الواحد بدلان من جنس واحد؛ كما لم يجب في شيء من الأيام صوم يومين، ولأنه إذا أدرك رمضان الثاني؛ فإنما وجبت عليه الكفارة لترك القضاء في وقته، وهذا بعينه هو المقتضي لوجوب الكفارة بالموت، وإذا كان السببان من جنس واحد؛ تداخل موجبهما.
المسألة الثالثة: أن الصوم المنذور إذا مات قبل فعله؛ فإنه يصام عنه، بخلاف صوم رمضان وصوم الكفارة، وسواء كان معينًا أو مطلقًا.
هذا منصوص أحمد في غير موضع، وهو قول عامة أصحابه.
[ ١ / ٣٦٧ ]
وقال ابن عقيل: عندي أن الصوم لا يفعل عنه؛ لأنه لا تدخله النيابة في الحياة للعجز؛ فكذلك بعد الموت؛ كالصلاة، وعكسه الحج.
٣٤٦ - لما روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟». قالت: نعم. قال: «فصومي عن أمك». رواه الجماعة إلا أبا داوود.
٣٤٧ - وفي رواية صحيحة لأحمد والنسائي: أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهرًا، فأنجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها إلى رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك، فقال: «صومي عنها».
٣٤٨ - وفي رواية ابن ماجه والترمذي؛ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ، فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين؟ قال: «أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضيه؟». قالت: نعم. قال: «فحق الله أحق». قال الترمذي: حديث حسن.
[ ١ / ٣٦٨ ]
٣٤٩ - وفي رواية متفق عليها: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين أكنت تقضيه عنها؟». قال: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يقضى».
فهذه الرواية المطلقة منهم من يقول: «رجل»، ومنهم من يقول: «امرأة»، وأكثرهم يقول: «أمي»؛ قد فسِّرت في الروايات المتقدمة أن الصوم كان نذرًا.
[ ١ / ٣٦٩ ]
٣٥٠ - ورواية من روى شهرين متتابعين كأنها وهم.
٣٥١ - وعن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: أن سعد بن عبادة سأل النبي ﷺ عن نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال: «اقضه عنها». رواه الجماعة.
وفي لفظ: استفتى سعد بن عبادة الأنصاري رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه؟ فقال رسول الله ﷺ: «اقضه عنها». فكانت سنة بعد.
[ ١ / ٣٧٠ ]
٣٥٢ - وعن عائشة؛ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام؛ صام عنه وليه». متفق عليه.
٣٥٣ - وعن بريدة بن الحصيب قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ؛ إذ أتته امرأة، فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت. فقال: «وجب أجرك، وردها عليك الميراث». فقالت: يا رسول الله! إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها». قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها». رواه أحمد ومسلم وأبو داوود والترمذي وصححه.
٣٥٤ - وفي رواية لمسلم: صوم شهرين.
[ ١ / ٣٧١ ]
فهذه الأحاديث نصوص في أن النذر يصام عن الميت، وظاهر بعضها أن جميع الصوم كذلك؛ لأن حديث عائشة عام، وفي حديث بريدة وبعض ألفاظ ابن عباس: أنها قالت: يا رسول الله! إنه كان عليها صوم شهر؛ أفأصوم عنها؟ فأمرها النبي ﷺ بالصوم عنها، ولم يستفصل هل من رمضان أو غيره، وذَكر معنى يعم رمضان وغيره، وهو كونه دينًا، فإن صوم رمضان دين في ذمة من وجب عليه، ودين الآدمي يقضى عن الميت؛ فدين الله أحق، وجمع بينه وبين الحج في نسق واحد.
لكن هذه الأحاديث إنما هي على وجهها في النذر:
أما حديث ابن عباس: فقد صرح فيه بذلك، والمطلق منه محمول على
[ ١ / ٣٧٢ ]
المفسر؛ فإنه حديث واحد إسنادًا ومتنًا.
وكذلك حديث بريدة: فإن قولها: «صوم شهر» بصيغة التنكير، تشعر بأنه غير رمضان، لا سيما رواية من روى: «شهرين».
والذي يدل على ذلك أنه قد تقدم عن عائشة وابن عباس وعن ابن عمر موقوفًا ومرفوعًا: أنهم قالوا في صوم رمضان: لا يقضى عنه، بل يطعم عنه لكل يوم مسكينًا.
وابن عباس وعائشة رويا هذين الحديثين وهما أعلم بمعنى ما رويا من غيرهما؛ فلو لم يكن معناه عندهما في غير رمضان؛ لما جاز لهما خلافه.
وليس الحديث نصًّا حتى يعارض بين الرأي والرواية.
وأما كونه دينًا؛ فصحيح، لكن وفاء الدين من تركة الميت وماله أولى من وفائه من بدن غيره، ولأن صوم رمضان لم يجب فيه الصوم عينًا، وإنما وجب الصوم مع القدرة والإِطعام مع العجز، فصار الدين عليه أحد شيئين.
وهذا الواجب يصلح عن قوله: «وعليه صيام»؛ فإن العاجز عن قضاء رمضان ليس عليه صيام، وإنما عليه فدية؛ فالواجب عليه أحد شيئين، وفيه نظر.
والفرق بين رمضان والنذر: أن النذر محله الذمة، وقد وجب بإيجابه، وهو
[ ١ / ٣٧٣ ]