في هذا الكلام مسائل:
المسألة الأولى: من استمر به العذر من سفر أو مرض حتى مات قبل إدراك رمضان الثاني أو بعده؛ فإنه لا شيء عليه من قضاء ولا كفارة.
قال في رواية المروذي فيمن صام من رمضان خمسة عشر يومًا ثم مرض فعاش شهرين ومات: أطعم عنه كل يوم مسكينًا، وإن مات في مرضه؛ فلا شيء عليه».
وقال حرب: سألت أحمد: قلت: رجل أفطر في رمضان في السفر، أو مرض، فلم يقضه، فمات؟ قال: إذا توانى في ذلك؛ يطعم عنه؛ إلا أن يكون من نذر. قلت: فإن كان من نذر؟ قال: يصام عنه. قال: أقرب الناس إليه أو غيره؟ قال: نعم.
وقال في رواية عبد الله في رجل مرض في رمضان: إن استمر به المرض حتى مات؛ فليس عليه شيء، وإن كان نذر؛ صام عنه وليه إذا هو مات.
وقد أطلق في رواية الأثرم: إذا مات وعليه نذر؛ يصام عنه، ولو مات وعليه
[ ١ / ٣٦١ ]
صوم رمضان؛ يطعم عنه.
لأنه لم يجب عليه الصوم قضاءً ولا أداءً، فلم تجب عليه الكفارة، كالمجنون والصبي. فإن قيل: فالمريض الذي لا يرجى برؤه قد أوجبتم عليه الكفارة، وهذا أسوأ أحواله أن يكون بمنزلته.
ثم الوجوب في الذمة لا يشترط فيه التمكن من الفعل كالصلاة والزكاة؛ فإذا استقر وجوب الصلاة والزكاة أيضًا في الذمة قبل التمكن؛ فكذلك الصوم أولى، وإذا استقر في ذمته؛ فلا بد من الكفارة بدلًا عن ذلك الواجب.
قلنا: المريض الميئوس منه قد عزم على الفطر في الحال والمآل، ولهذا لم يجب الصوم في ذمته، ولا يجب عليه القضاء البتًّة، ولا بد من البدل، وهو الفدية.
وأما المريض المرجو والمسافر؛ فهما عازمان على القضاء بشرط القدرة، فلا يجمع عليهما واجبان على سبيل البدل. . . .
وأما استقرار العبادات في الذمة قبل التمكن؛ فكذلك نقول في الصوم: إنه بإدراك الشهر استقر الوجوب في ذمته، لكن هذه الواجبات في الذمة قبل التمكن معناها إيجاب القضاء عند التمكن، فأما إذا لم يتمكن من القضاء؛ فإنه يموت غير آثم بلا تردد.
كما لو حاضت في أثناء الوقت وماتت قبل الطهر، أو تلف النصاب قبل التمكن من الإِخراج، وليس له ما يخرج غيره، ومات قبل اليسار، ونحو ذلك.
وذلك لأن تكليف ما [لا] يطيقه العبد الطاقة المعروفة غير واقع في
[ ١ / ٣٦٢ ]
الشرائع، فالتكليف في العبادة لا بد فيه من القدرة في الحال والمآل، وأما مع انتفائهما؛ فمحال.
المسألة الثانية: إذا فرط في القضاء حتى مات قبل أن يدركه الرمضان الثاني؛ فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكين.
وهل يأثم ويكون هذا الإِطعام بمنزلة ما لو مات ولم يحج؛ لقوله سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وهذا قد أطاق الصوم ولم يصمه أداءً ولا قضاءً، فتجب عليه الفدية بظاهر الآية؟
يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، بعد قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فيفيد ذلك أنه يَعمُّ منْ أطاق الصوم في رمضان وأفطر، ومَنْ أطاق الصوم في أيام أخر فلم يصم.
ثم نسخ الأول يوجب نسخ الثاني؛ لأنه إنما نسخ التخيير، أما وجوب الفدية مع الفطر الذي لا قضاء فيه، فلم يُنسخ البتَّة.
٣٣٩ - لما روى أشعث، عن محمد، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: «من مات وعليه صيام شهر رمضان؛ فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا». رواه ابن ماجه والترمذي وقال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، والصحيح عن ابن عمر موقوف. قال: وأشعث هو ابن سوَّار، ومحمد هو ابن أبي ليلى.
[ ١ / ٣٦٣ ]
ورواه الأثرم وأبو بكر، [كلاهما عن قتيبة، عن عمر بن القاسم، عن أشعث].
٣٤٠ - وعن عبد العزيز بن رفيع، عن عمرة امرأة منهم؛ قال: توفيت أمها وعليها أيام من رمضان، فسألت عائشة رحمها الله أن تقضيه عنها؟ قالت: «لا؛ بل أطعمي مكان كل يوم مسكينًا». رواه سعيد.
٣٤١ - وعن ميمون بن مهران: أن ابن عباس سُئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر وعليه صوم رمضان؟ قال: «أما رمضان؛ فيطعم عنه، وأما النذر؛ فيصام عنه». رواه أبو بكر.
[ ١ / ٣٦٤ ]
٣٤٢ - ٣٤٣ - وعن ابن عباس وابن عمر مثله.
ولا يُعرف لهم في الصحابة مخالف.
٣٤٤ - وعن ابن عباس؛ قال: «إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصم؛ أُطعِم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر؛ قضى عنه وليه». رواه أبو داوود.
ولأنه قد وجب القضاء في ذمته، واشترطت له الفدية في المال؛ فإذا قدر عليه لم يكن بدٌّ من إيجاب الفدية؛ لأن الصوم الواجب لا يخلو من فعله أو فعل الفدية.
فإن قيل: قضاء رمضان موسَّع، والعبادة الموسعة إذا مات في أثناء وقتها؛ لم يكن آثمًا؛ بدليل الصلاة، ومنْ لا إثم عليه؛ لا فدية عليه.
قلنا: نعم؛ إذا لم يغلب على ظنه الموت قبل القضاء؛ لم يأثم، وإن غلب على ظنه الموت قبله؛ أثم؛ كما قلنا في الصلاة، لكن الفدية تجب بدون الإِثم؛ كما تجب على الشيخ الكبير والمريض الميؤوس منه؛ لأنه بدل عن الصوم الواجب.
وإنما كان البدل هو الإِطعام؛ لما ذكرنا من الآية والحديث وإجماع
[ ١ / ٣٦٥ ]
الصحابة.
٣٤٥ - فإن هؤلاء الذين قالوا: يطعم عنه، هم الذين رووا عن النبي ﷺ: «إن الولي يصوم عنه مولِّيه»، وبينوا أنما هو النذر كما سيأتي.
ولأن الصوم المفروض قد جعل الله له بدلًا في الحياة، وهو الإِطعام، فوجب أن يكون له بدلًا بعد الموت مثل بدله في الحياة؛ كسائر الفرائض.
فإن معنى البدل لا يختلف بالحياة والموت، ولهذا لمَّا كان البدل في الحج عن المعضوب أن يحج عنه غيره؛ كان البدل في الميت أن يحج عنه غيره.
ولأن إيجاب الله إنما هو ابتلاء وامتحان للمكلف، وهو المخاطب بهذا الفرض، وكل ما كان أقرب إليه؛ كان أحق بأداء الفرض منه مما هو أبعد منه.
فإذا كان قادرًا ببدنه؛ لم يجز أداؤه بماله، وإذا كان قادرًا بماله؛ لم يجز أداؤه ببدن غيره؛ لأن ماله أحق بأداء الفرض منه منْ بدن غيره.
فلو جاز أن يصوم عنه الولي؛ لكان قد أدى الفرض ببدن غيره دون ماله. . . .
ولأن الله قد أوجب عليه الصوم، والولي لا يوجب عليه شيئًا يكله إلى غيره، وإذا أوجبنا من ماله؛ كان دينًا في التركة.
فعلى هذا: إن كان له تركة؛ أطعم عنه تركته، فإن أطعم رجل عنه من
[ ١ / ٣٦٦ ]
غير ماله بإذن الولي أو بغير إذنه، أو لم يكن له مال، فتبرع رجل بالإِطعام عنه. . . .
فإن لم يكن له تركة، فأحب أحد أن يصوم عنه، فقال القاضي: لا يجزئ الصوم عنه، ويحتمل كلام أحمد أنه يجزئ؛ لأنه سمَّاه دينًا.
* فصل: