في هذا الكلام فصلان:
أحدهما: أنه يجوز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان، وهو مؤقت بين الرمضانين، يقضي متى شاء، إلى أن يدخل شهر رمضان، وسواء كان قد أفطر لعذر أو لغير عذر فيما ذكره أصحابنا.
٢٩٨ - لما روي عن عائشة؛ قالت: «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول الله ﷺ». رواه الجماعة.
وذلك لأن رسول الله ﷺ كان يصوم شعبان فكانت تقضيه في شعبان.
قال أبو عبد الله: يقضي رمضان كيف شاء، إن شاء متواليًا، وإن شاء متفرقًا، كيف تيسر، ليس هو محدود، إنما هو دين.
ويستحب أن يقضي رمضان متتابعًا، إن كان فاته متتابعًا، وإن فاته متفرقًا. . . .
[ ١ / ٣٤١ ]
وإن قضاه مفرقًا؛ جاز ولم يكره.
وعنه: هما سواء؛ لقوله سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولم يقيدها بالتتابع، فيجب أن تحمل على الإِطلاق؛ كالمطلقة في قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥].
٢٩٩ - قال أحمد: قال ابن عباس في قضاء شهر رمضان: «صم كيف شئت، قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾».
ولأنه يريد اليسر بعباده، وقد يكون التفريق أيسر.
٣٠٠ - قال مجاهد في الرجل يكون عليه صيام من رمضان أيفرق صيامه أو يصله؟ فقال: «إن الله أراد بعباده اليسر؛ فلينظر أيسر ذلك عليه، إن شاء وصله، وإن شاء فرقه».
ولأنه اعتبر إكمال العدة فقط، وإكمال العدة يحصل بالتقطيع والصلة.
٣٠١ - فإن قيل: فقد روى مالك، عن حميد بن قيس؛ قال: «كنت أطوف مع مجاهد، فجاءه إنسان يسأله عن صيام من أفطر في رمضان: أيتابع؟ فقلت: لا. فضرب مجاهد في صدري، ثم قال: إنها في قراءة أبي بن كعب متتابعات».
[ ١ / ٣٤٢ ]
والقراءة الشاذة تجري مجرى الخبر الواحد.
٣٠٢ - كقراءة عبد الله (فصيام ثلاثة أيام متتابعات).
قيل: هذا الحرف منسوخ تلاوته وحكمه.
٣٠٣ - بدليل ما روي عن عائشة؛ قالت: «نزلت (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ متتابعاتٍ)، فسقطت متتابعات». رواه عبد الرزاق والدارقطني، وقال: إسناد صحيح.
وأن مجاهدًا قد صح عنه من غير وجه: أنه يجيز التفريق ويخبر بذلك عن جميع أهل مكة، وهو راوي هذا الحرف، فعلم أنه منسوخ.
[ ١ / ٣٤٣ ]
عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال في قضاء رمضان: «إن شاء فرق وإن شاء تابع». رواه الدارقطني، وقال: لم يسنده غير سفيان بن بشر.
٣٠٥ - وروي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ مثله.
[ ١ / ٣٤٤ ]
٣٠٦ - وعن محمد بن المنكدر؛ قال: بلغني أن رسول الله ﷺ سُئل عن تقطيع قضاء رمضان؟ فقال: «ذاك إليك، أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ فالله أحق أن يعفو ويغفر». رواه الدارقطني، وقال: إسناد حسن؛ إلا أنه مرسل.
٣٠٧ - وعن جابر قال: سئل رسول الله ﷺ عن تقطيع صيام شهر رمضان؟ فقال: «أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضي الدرهم والدرهمين حتى يقضي، هل كان ذلك قضاء دينه (أو: قاضيه)؟». قالوا: نعم. رواه الدارقطني.
ولأنه إجماع الصحابة.
٣٠٨ - فروى الدارقطني عن أبي عبيدة بن الجراح أنه سئل عن قضاء رمضان متفرقًا؟ فقال: «أحص وصم كيف شئت».
[ ١ / ٣٤٥ ]
٣٠٩ - وعن معاذ بن جبل؛ قال: «أحص العدة واصنع كيف شئت».
٣١٠ - وعن عمرو بن العاص؛ أنه قال: «فرق قضاء رمضان، إنما قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾».
٣١١ - وعن رافع بن خديج: أنه كان يقول: «أحص العدة وصم كيف شئت».
٣١٢ - ٣١٣ - وعن ابن عباس وأبي هريرة؛ قالا: «لا بأس بقضاء رمضان متفرقًا».
٣١٤ - وروى سعيد عن أنس بن مالك: أنه سُئل عن قضاء رمضان؟
[ ١ / ٣٤٦ ]
فقال: «إنما قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ فإذا أحصى العدة؛ فلا بأس بالتفريق».
٣١٥ - وعن مجاهد؛ قال: «أما نحن أهل مكة: فلا نرى بالتفريق بأسًا».
وهذه الآثار تعضد الأحاديث المتقدمة وتجعلها حجة عند من لا يقول بالمرسل المجرد.
٣١٦ - وقد روي عن سالم عن ابن عمر: أنه كان يقول: «صمه كما أفطرته».
٣١٧ - ٣١٨ - وعن ابن عباس: أنه كان لا يرى بالتفريق بأسًا، وكان ابن عمر يقضيه متتابعًا.
٣١٩ - وعن الحارث عن علي؛ قال: «من كان عليه صوم من رمضان؛ فليقضه متصلًا ولا يفرقه».
[ ١ / ٣٤٧ ]
وهذا محمول على الاستحباب؛ لأنه قد تقدم عن ابن عمر خلاف ذلك.
وأيضًا؛ فإن القضاء لا يزيد على الأداء، وفعل الصوم أداء لا تجب فيه الموالاة؛ فإنه لو أفطر أثناء الشهر لعذر أو غيره؛ بنى على صومه وقضى ما أفطره؛ إذا لم يشترط الموالاة في الأصل؛ ففي البدل أولى.
نعم؛ لما كان صوم الشهر واجبًا وأيامه متوالية؛ وجبت الموالاة للفعل تبعًا للموالاة في الوقت؛ فإذا فات الوقت؛ سقطت الموالاة الواجبة فيه. . . .
ولأن الصوم وإن وجب جملة؛ فهو دين في الذمة، وقضاء الدين يجزئ متتابعًا. . .، ولأنه إذا جاز تأخيره كله إلى شعبان؛ فتأخير بعضه أولى.
الفصل الثاني: أنه ليس له أن يؤخره إلى رمضان آخر إلا لعذر؛ مثل أن يمتد به المرض أو السفر إلى أن يدخل الرمضان الثاني.
فإن أخره إليه لعذر؛ صام رمضان الذي أدركه، وقضى الرمضان الذي فاته بعده، ولا شيء عليه.
قال حرب: سألت أحمد: قلت: رجل أفطر في رمضان من مرض أو علة، ثم صحَّ ولم يقض حتى جاء رمضان آخر؟ قال: يصوم هذا اليوم الذي جاء، ويقضي الذي ترك، ويطعم لكل يوم مسكينًا. قلت: مُدًّا؟ قال: نعم.
قال القاضي: نص عليه في رواية الأثرم والمروذي وحنبل.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وإن امتدَّ العذر إلى آخر الرمضان الثاني؛ صام. . . .
وإن أخره إلى الثاني لغير عذر؛ أتمَّ وعليه أن يصوم الذي أدركه ثم يقضي الأول ويطعم لكل يوم مسكينًا.
وقيل: له أن يؤخره إلى الرمضان الثالث هنا. . . .
وذلك لما احتج به أحمد.
قال في رواية المروذي في الرجل يلحقه شهر رمضان وعليه شهر رمضان قبله: إن كان فرَّط؛ أطعم عن كل يوم مسكينًا، وإن كان لم يفرط؛ صام الذي أدركه وقضى بعدد ما عليه.
٣٢٠ - رواه عن الحكم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس.
٣٢١ - وعن أبي الخليل، عن عطاء، عن أبي هريرة.
٣٢٢ - وقيس بن سعد، عن عطاء، عن أبي هريرة.
٣٢٣ - وقد روى الدارقطني عن ابن عمر: أنه كان يقول: «من أدركه رمضان وعليه من رمضان شيء؛ فليطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًّا من حنطة».
[ ١ / ٣٤٩ ]
٣٢٤ - وعن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: «من فرّط في صيام شهر رمضان حتى يدركه رمضان آخر؛ فليصم هذا الذي أدركه، ثم ليصم ما فاته، ويطعم مكان كل يوم مسكينًا».
٣٢٥ - وعن مجاهد، عن أبي هريرة؛ فيمن فرط في قضاء حتى أدركه رمضان آخر؛ قال: «يصوم هذا مع الناس، ويصوم الذي فرط فيه، ويطعم
[ ١ / ٣٥٠ ]
لكل يوم مسكينًا».
٣٢٦ - ورواه الدارقطني، عن عطاء، عن أبي هريرة، وقال: إسناد صحيح موقوف.
٣٢٧ - ورواه مرفوعًا من وجهٍ غير مرضي.
٣٢٨ - وقد ذكر يحيى بن أكثم: أنه وجد في هذه المسألة الإِطعام عن ستة من الصحابة لم يعلم لهم منهم مخالفًا، ولأن قضاء الرمضان مؤقت بما بين الرمضانين:
لوجوه:
٣٢٩ - أحدها: ما رواه أحمد: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: أنه قال: «من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه؛ لم يتقبل منه».
[ ١ / ٣٥١ ]
لأن العبادات إما أن تجب مؤقتة أو على الفور؛ فإنها لا تكون على التراخي عندنا؛ كما نذكر إن شاء الله في الحج، فلما لم يجب قضاء رمضان على الفور؛ علم أنه مؤقت.
وبهذا يتبين أن قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لولا حديث عائشة؛ لحُمل على الفور، وحديث عائشة إنما أفاد جواز التأخير إلى شعبان، وما زاد على ذلك؛ لا يعلم جواز التأخير فيه، ومطلق [الأمر] يقتضيه.
وقد احتج أصحابنا بأن عائشة ذكرت أنها كانت تقضيه في شعبان؛ لبيان تضييق وقته في شعبان، وأنها كانت تؤخره إلى آخر وقته، فعُلِم أن وقت القضاء كان محصورًا، وأنها إنما أخرت القضاء شغلًا برسول الله ﷺ، وشعبان وغيره في الشغل سواء، فلولا تضيّق الوقت؛ لأخّرته.
لكن يقال: إنما أخرته إلى شعبان؛ لأن رسول الله ﷺ كان يصوم في شعبان، فتتمكن من الصوم معه.
وكذلك سياق الحديث يدل على ذلك.
الثاني: أن الصوم قد وُسِّع وقته على المسافر والمريض، فهو بالخيرة بين أن يصوم فيه أو فيما بعده، وضيق على الصحيح المقيم.
والعبادة الموسعة يخرج وقتها بدخول وقت مثلها؛ بدليل الصلاة.
٣٣٠ - قال ﷺ: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة: أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى».
[ ١ / ٣٥٢ ]
فإذا كان هذا في الصلاة؛ فهو في الصوم أولى؛ لأن وقت الصلاة الثانية يتسع للصلاتين، ووقت الصوم الثاني لا يتسع لهما.
ولأن الصوم قد استقر في ذمته أعظم من استقرار الصلاة بأول الوقت.
الثالث: أنه إذا أخره إلى الرمضان الثاني عمدًا؛ فقد أخره إلى وقت لا يمكنه فعله فيه، ويجوز أن يدرك ما بعد رمضان، ويجوز أن لا يُدركه، فأشبه تأخير الحج من عام وجوبه إلى العام الذي يليه.
الرابع: أنه إذا أخره إلى رمضان الثاني؛ فإنه يلزمه أن يبدأ بالحاضر قبل الفائت، والعبادات المؤقتة من جنس واحد يجب أن يبدأ بأولها فأولها وجوبًا كالصلاتين المجموعتين والفائتتين والجمرات إذا أخَّر رميها اليوم الثالث.
الخامس: أن الصحابة ﵃ سمَّوه مفرطًا كما تقدم.
والتفريط إنما يكون فيمن أخرها عن وقتها.
وإذا ثبت أنه مؤقت؛ فقد ترك الصوم الواجب في وقته على وجه لا يوجب القضاء، فأوجب الفدية؛ كالشيخ الكبير والعجوز إذا تركا الصوم.
ومعنى قولنا: «لا يوجب القضاء»: أنه لا يجب عليه صوم بترك الصوم بين الرمضانين، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين من أفطر عمدًا؛ فإن نفس ذلك الترك أوجب القضاء فلا يوجب غيره.
[ ١ / ٣٥٣ ]