في هذا الكلام فصول:
أحدها: أن الصوم يفسد بالجماع كما تقدم.
ويفسد بالأكل والشرب؛ فإن حقيقة الصوم هو الإِمساك عن الأكل
[ ١ / ٣٨٣ ]
والشرب والجماع توابع لذلك.
وهذا من العلم العام المستفيض الذي توارثته الأمة خلفًا عن سلف.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ. . .﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٨٧].
فأذن في الرفث والأكل والشرب إلى تبين الفجر، وأمر بإتمام الصيام عن هذه الأشياء إلى الليل.
٣٦٢ - وقال النبي ﷺ: «كل عمل ابن آدم له؛ إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي».
٣٦٣ - وقال: «من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». متفق عليه.
وسواء في ذلك جميع المأكولات والمشروبات من الأغذية والأدوية وغيرها؛ مثل الثلج والبرد.
وسواء في ذلك الطعام والشراب المعتادان، اللذان يحصل بهما الاقتيات وغيرهما.
ولو استفَّ ترابًا أو ابتلع حصاة؛ أفطر.
[ ١ / ٣٨٤ ]
قال أحمد في رواية أبي الصقر: إذا بلع الصائم خاتمًا أو ذهبًا أو فضة أو جوزة بقشرها أو خرزة أو حبة لؤلؤ أو طينًا متعمدًا؛ فعليه القضاء ولا كفارة، ولا قضاء عليه ما لم يتعمد.
٣٦٤ - لأن النبي ﷺ أمر باتِّقاء الكحل الذي يدخل من العين إلى الحلق، وليس في الكحل تغذية، فعلم أنه لا يشترط في الداخل أن يكون مما يغذي في العادة.
الفصل الثاني: أن الواصل إلى الجوف يفطر من أي موضع دخل، لا يختص ذلك بمدخل دون مدخل، كما لم يختص بداخل دون داخل في ذلك.
ولا بُد عند أصحابنا: أن يصل إلى البطن أو ما بينه وبين البطن مجرى نافذ.
هذا كلام أحمد وعامة أصحابه، وهو الذي حرره القاضي في كتبه المعتمدة: أن المفطر وصول الواصل إلى الجوف من أي وضع كان.
فإذا استعط بدهن أو ماء أو غيرها، بأن أدخله في أنفه، فوصل إلى دماغه؛ أفطر، سواء تيقن وصوله إلى حلقه وجوفه أو لم يتحققه؛ بناءً على أن بين الدماغ والجوف مجرى؛ فما يصل إلى الدماغ لا بد أن يصل إلى الحلق ويصل إلى الجوف، والحكمة إذا خفيت؛ أقيمت المظنة مقامها؛ كالنوم مع الحدث.
وذكر القاضي في بعض المواضع وغيره: أن نفس الوصول إلى الدماغ مفطر؛ لأنه جوف يقع الاغتذاء بالواصل إليه، فأشبه الجوف.
[ ١ / ٣٨٥ ]
والصواب الأول، لو لم يكن بين الدماغ والجوف منفذ؛ لم يفطر بالواصل إليه، وإن أنبت اللحم وغذّى؛ كما يقطر في الإِحليل، وكالكحل الذي تتغذَّى بع العين، وليس له نفوذ إلى الحلق؛ كالمراهم التي توضع في أعماق الجراح ونحوها؛ [فإن أنبت اللحم بها؛ فلا تفطر]، ولأن الغذاء الذي به البنية لا بد أن يحصل في المعدة.
قال: في رواية أبي الصقر: إذا استعط، أو وضع على أسنانه دواء، فدخل حلقه؛ فعليه القضاء.
وكذلك أطلق كثير من أصحابنا الاستعاط، وقال: إذا استعط بدهن أو غيره، ووصل إلى دماغه؛ أفطر [وعليه القضاء].
٣٦٥ - لأن النبي ﷺ قال للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا».
فلو لم يكن ما يدخل في الأنف مفطرًا [كما يفطر ما يدخل في الفم]؛ لم ينهه عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائمًا.
ولأن العين تفطر بالداخل منها؛ فلأن يفطر بالداخل من الأنف أولى.
[ ١ / ٣٨٦ ]
لأن ما يدخل من الأنف يحصل به للبدن اغتذاء ونمو، وإن قلَّ؛ كما يحصل بالقليل من الطعام والشراب.
فأما شم الأرواح الطيبة من البخور وغيره؛ فلا بأس به للصائم.
قال أبو علي ابن البناء: ويكره أن يشم ما لا يأمن أن يجتذبه نفسه؛ كالمسك والكافور السحيق ونحوه.
ومن ذلك الأذن: فإذا قطر في أذنه دهنًا أو غيره، فوصل دماغه؛ أفطر.
قال في رواية حنبل: الصائم إن لم يخف أن يدخل مسامعه وحلقه الماء؛ فلا بأس أن ينغمس فيه.
ذكره أصحابنا، وهو قياس قول أحمد: فإنه يفطر بما يدخل من العين؛ فمن الأذن أولى.
٣٦٦ - وعن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب؛ قال: «لا بأس أن يكتحل الصائم، ولكن لا يستعط، ولا يُصَيِّرْ شيئًا». رواه حرب.
لأنه واصل إلى الدماغ فيفطر؛ كما لو وصل من الأنف والعين أولى.
فعلى هذا: لا يكره أن يغتسل ويغوص [في] الماء ويغيب فيه. قاله القاضي وغيره.
وكلام أحمد مقيد بما إذا لم يخف أن يدخل الماء مسامعه، وهو الصواب.
ومن ذلك العين: فإذا اكتحل بما يصل إلى حلقه: إما لرطوبته
[ ١ / ٣٨٧ ]
كالأشياف، أو لحدَّته؛ كالذرور والطيب؛ أفطر.
وإن شك في وصوله؛ فالأصل صحة الصوم، لكن لا يكتحل بما يخشى دخوله
وقال القاضي وابن عقيل: يكره الكحل مطلقًا.
قال في رواية حنبل في الكحل للصائم: إن كان فيه طيب يدخل حلقه؛ فلا.
ولا يكتحل نهارًا؛ لأنه ربما وصل إلى حلقه، والطيب كذلك.
والذرور يدخل إلى حلقه، فإن خشي على عينه؛ تعالَجَ ويقضي إذا لم يجد بُدًّا.
وهذا عندنا على الجهد، ولا يعين على نفسه.
وقال في رواية الأثرم: الصائم لا يكتحل بالصبر وما أشبهه، هذا يوجد طعمه، فأما الإِثمد؛ فما خفّ منه وجعله عند الإِفطار؛ فهو أسهل.
وقال في رواية أبي الصقر: إذا علم أنه قد دخل؛ فعليه القضاء، وإلا؛ فلا شيء عليه.
فقد بيَّن أن القضاء لا يجب إلا مع تيقن الدخول، وأمر باجتناب ما يخشى دخوله.
٣٦٧ - وذلك لما روى عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ: أنه أمر بالإِثمد المروَّح عند النوم، وقال: «ليتقه الصائم».
[ ١ / ٣٨٨ ]
رواه أبو داوود، وقال: قال لي يحيى بن معين: وهو حديث منكر، وعبد الرحمن: قيل: هو ضعيف، [وقال الرازي:] هو صدوق.
وقد روي ما يصحح هذا الحديث:
٣٦٨ - فروى إسحاق بن راهوية، عن أبي نعيم، عن عبد الرحمن بن النعمان، عن أبي النعمان الأنصاري، عن أبيه، عن جده؛ قال: وكان جدي قد أتى به رسول الله ﷺ، فمسح رأسه، وقال: «لا تكتحل نهارًا وأنت صائم واكتحل ليلًا». قال أبو النعمان: جدي يقول: لا تكتحل نهارًا.
قال إسحاق: الأمر فيه على ما قال جد أبي النعمان – وكانت له صحبة -: «لا تكتحل نهارًا وأنت صائم»، وهذا أصح شيء في هذا الباب، وذلك أن معناه حسن.
[ ١ / ٣٨٩ ]
ورواه [البخاري]، عن عبد الرحمن بن نعمان الأنصاري، عن أبيه، عن جده؛ قال: وكان جدي قد أتى به رسول الله ﷺ، فمسح رأسه، وقال: «لا تكتحل بالنهار وأنت صائم، واكتحل ليلًا بالإِثمد؛ فإنه يجلو البصر وينبت الشعر».
فروايته عنه موقوفًا ومرفوعًا يدل على أن له أصلًا.
وأيضًا؛ فإن الكحل الحاد يصل إلى الجوف، ويظهر الكحل بعينه إذا تنخعه الإِنسان على اللسان، فعلم أن في العين منفذًا يصل منه، وإذا كان فيها منفذًا وصل بالداخل منه كسائر المنافذ.
وأيضًا؛ فإن الدمع يخرج من العين، والدمع محله الدماغ، فعلم أن في العين منافذ ينزل منها الدمع.
فإن قيل: دخول الكحل وخروج الدمع من المسام التي في العين، والمسام ليست كالمنافذ التي يحصل الفطر بالداخل منها، بدليل أنه لو اغتسل بالماء أو دهن رأسه أو طيب بدنه؛ فإنه يجد في حلقه برودة الماء وطعم الدهن ولا يفطر، والعرق يخرج من هذه المسام كما يخرج الدمع من العين.
قيل: الداخل من العين جسم الكحل، وهو الذي يوجد عند التَّنخع، فأما الذي يجده من الدهن والماء؛ فإنما هو برده وطعمه، وذلك العرض الذي فيه لا جسمه، والعرق يخرج من ظاهر الجسد لا من باطنه، فصار كما لو كان بدنه مجروحًا، فداواه بدواءٍ؛ فإن المفطر لا بد أن يدخل إلى داخل البدن، والكحل بهذه المثابة؛ بخلاف الدهن والماء ونحوهما.
٣٦٩ - فإن قيل: فقد روى أبو عاتكة، عن أنس بن مالك؛ قال: جاء
[ ١ / ٣٩٠ ]
رجل إلى النبي ﷺ؛ قال: اشتكت عيني، أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: «نعم». رواه الترمذي، وقال: إسناده ليس بالقوي، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأبو عاتكة ضعيف.
٣٧٠ - وعن بقية بن الوليد؛ قال: ثنا الزبيدي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: «اكتحل رسول الله ﷺ وهو صائم». رواه ابن ماجه.
[ ١ / ٣٩١ ]
٣٧١ - وقد تقدم عن علي: أنه قال: «لا بأس أن يكتحل الصائم».
٣٧٢ - وعن عبد الله بن أبي بكر؛ قال: «كان أنس بن مالك يكتحل وهو صائم». رواه أبو داود وغيره.
قيل: أما المرفوع؛ فضعيف، وحديث أنس وعائشة قضية في عين.
والظاهر أن الكحل كان مما لا يدخل إلى الحلق؛ لأنه فسر في الحديث الذي تقدم أنه أمر بالإِثمد المروح؛ الذي فيه طيب تبدو رائحته، ففرق بين المروح وغيره.
قال ابن أبي موسى: وإن اكتحل باليسير من الإِثمد غير المطيب بالمسك ونحوه؛ لم يفطر.
٣٧٣ - وقد روي عن ابن رافع مولى النبي ﷺ؛ قال: «نزل رسول الله ﷺ خيبر ونزلت معه، فدعا بكحل إثمد غير ممسك، واكتحلت معه في رمضان».
[ ١ / ٣٩٢ ]
ومن ذلك: الدبر؛ فلو احتقن أو أدخل دهناَ أو غيره إلى مقعدته؛ أفطر.
فأما إن قطر في إحليله؛ فقال أصحابنا: لا يفطر.
قال أحمد في رواية أحمد بن الحسين في الرجل يصيب في إحليله الدهن بالدواء: أرجو أن لا يكون عليه شيء ما لم يصل إلى البطن.
والأشياف في المقعدة يصل إلى البطن، وهذا خلاف ذاك.
فعلى هذا يكره أن يكتحل. قاله القاضي؛ لأنه يخاف من الفطر.
والصحيح: أنه إذا غلب ظنه أنه لا يصل إلى حلقه؛ لم يكره؛ فقد فرق بين القُبُل والدبر بأن ما يدخل الدبر يصل إلى البطن؛ بخلاف ما يدخل [من] الإِحليل.
قال: أصحابنا الفطر إنما هو بما يصل إلى البطن أو إلى ما بينه وبين الطريق طريق؛ لأن الصوم هو الإِمساك عن الأكل والشرب ونحوهما مما يصل إلى المعدة، والواصل من العين والأذن يصل إلى الدماغ، وبين الدماغ والبطن مجرى يصل منه إلى البطن، وليس بين المثانة مجرى إلى الجوف، وما يحصل منها من البول؛ فإنما يحصل بالرشح كالعرق يخرج من البدن، فإذا لم يصل منها إلى الجوف؛ لم يفطر؛ كمن أخذ في فمه ماءً لم يفطره؛ فإن علم أنه رشح منه
[ ١ / ٣٩٣ ]
شيء إلى البطن؛ فهل يكون كالعين؟. . . .
فإن أدخل في دبره عودًا أو بقي طرفه خارجًا، أو ابتلع خيطًا طرفه بيده، ثم أخرجه، فقال أصحابنا: يفطر.
وظاهر كلامه في العود يدخل البطن. . . .
قال ابن أبي موسى: ومن داوى جرحه بيابس أو رطب، فوصل إلى جوفه؛ أفطر.
ومن ذلك أن يداوي المأمومة أو الجائفة بدواء يصل إلى الجوف لرطوبته، فأما [الدواء اليابس]؛ فهو لا يصل إلى الجوف في العادة، فإن وصل إليه؛ فهو والرطب سواء؛ لأنه لا فرق بين الواصل من المخارق المعتادة وغير المعتادة. . . .
فإن جرح نفسه أو جرحه غيره باختياره فوصل إلى جوفه؛ أفطر، سواء استقر النصل في جوفه أو لم يستقر؛ لأنه ذاكر لصومه وصل إلى جوفه باختياره ما أمكنه الاحتراز منه.
[ ١ / ٣٩٤ ]