في هذا الكلام فصول:
أحدها: أن المريض والمسافر يباح لهما الفطر:
لقوله ﷾: ﴿. . . كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
[ ١ / ٢٠٧ ]
ثم قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥].
وقد استفاضت الأحاديث عن رسول الله صلى اله عليه وسلم بإباحة الصوم للمسافر؛ فالمريض أولى، وهذا مما أجمع عليه المسلمون في الجملة.
الفصل الثاني: أن السفر المبيح للفطر هو السفر المبيح للقصر على ما مضى؛ لأن ابن عمر وابن عباس كانا يقصران في أربعة برد فما فوق ذلك.
ولأن السفر المطلق هو السفر الذي يتكرر فيه الشد والحل، وذلك هو مسافة القصر، وأما المريض المبيح؛ قال ابن أبي موسى والخرقي: هو الذي يزيد في مرضه.
وكذلك المريض الذي لا يطيق الصيام أو الذي يزيد الصوم في مرضه؛ له أن يفطر، وإن تحمَّل وصام وأجزأه.
قال في رواية صالح: والمريض يفطر إذا لم يستطع. قيل: مثل الحُمَّى؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى؟
وقال في رواية عبد الله: إذا كان تخاف المرأة اللوزتان تفطر إذا كانت تخاف على نفسها.
وقال أبو بكر: والمريض إذا خشي على نفسه أو على بعض أعضائه التلف
[ ١ / ٢٠٨ ]
يفطر.
وإذا احتاج إلى أن يفطر ببعض أسباب الفطر جاز له غيره مثل أن يحتاج إلى كحل عينه أو إلى الجماع لإزالة الشبق.
وهل يُخرَّج على هذا فطر المسافر بالجماع ويفرق بين من جاز له الفطر وحرم عليه؟
قال فيما إذا احتاج إلى مداواة عينه: يفطر ويعالجها.
وفي معنى المريض الصحيح الذي يخاف من الصوم مرضًا أو جهدًا شديدًا، مثل مَنْ به عطاش لا يقدر في الحر على الصوم، وهو يقدر عليه في الشتاء، أو امرأة قد حاضت والصوم يجهدها.
قال في رواية ابن هانئ: الجارية تصوم إذا حاضت، فإن أجهدها فلتفطر ولتقض.
قال أصحابنا: ولا كفارة في ذلك بخلاف الحامل.
قال القاضي: إن كانت تخاف المرض بالصيام؛ جاز لها الفطر، وإن لم تخف من المرض، لم يبح لها الفطر؛ لأن هذا نادر ليس بمعتاد لخوف المشقة فيه، وكلام أحمد يقتضي. . . .
وإن خاف من الصوم ضعفًا عن عدوه في الحضر أو لم يقدر على تحصيله. . . .
الفصل الثالث: أن المريض يستحب له الفطر، ويكره له الصوم، فإن صام؛ أجزأه.
[ ١ / ٢٠٩ ]
١٧٠ - عن أبي العلاء بن الشخير، عن عائشة: «أنه أجهدها العطش وهي صائمة، فأمرها رسول الله ﷺ أن تفطر وتقضي مكانه يومين». رواه حرب بإسناد جيد، وكذلك المسافر يستحب له الفطر ويجزيه.
قال أبو عبد الله في رواية المروذي: قد سافروا مع النبي ﷺ، وقالوا: كان منا الصائم ومنا المفطر. والذي نختار أن يفطر، وإن صام في السفر؛ أجزأه. قال أبو سعيد: «سافرنا مع النبي ﷺ، فمنا الصائم ومنا المفطر، ولم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم».
وحديث عمر ليس له إسناد.
ولكن حديث ابن عباس: «لما بلغ الكديد أفطر»، وهو آخر الفعل من النبي ﷺ، وكذا بأمره بالإِفطار.
وقال النبي ﷺ: «ليس من البر الصوم في السفر».
وقال في رواية حنبل: لا يعجبني الصيام في السفر؛ لأن النبي ﷺ قال:
[ ١ / ٢١٠ ]
١٧١ - ١٧٢ - «ليس من البر الصوم في السفر»، وكان عمر وأبو هريرة يأمرانه بالإِعادة.
[ ١ / ٢١١ ]
ويتوجه أن لا يكره إذا لم يكن فيه مشقة، ولا فعله تعمقا، وإنما جاز له الأمران.
١٧٣ - لما روى أبو سعيد وجابر؛ قالا: سافرنا مع رسول الله ﷺ: «فيصوم الصائم ويفطر المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض». رواه مسلم.
١٧٤ - وعن أبي سعيد؛ قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة
[ ١ / ٢١٢ ]
مضت من رمضان، فمنا من صام، ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم». رواه أحمد ومسلم والترمذي.
وفي رواية: «كنا نغزو مع النبي ﷺ في رمضان، فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلم يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم».
يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن.
١٧٥ - وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «كنا نسافر مع رسول الله ﷺ، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم». أخرجاه في «الصحيحين».
١٧٦ - وعن عائشة ﵂؛ قالت سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر؟ فقال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر».
وفي رواية: أنه قال للنبي ﷺ: أصوم في السفر؟ وكان كثير الصوم، فقال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر». رواه الجماعة.
[ ١ / ٢١٣ ]
وفي رواية؛ قال: يا رسول الله! إني رجل أسرد الصوم.
١٧٧ - وعن أبي الدرداء؛ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة». رواه الجماعة إلا النسائي والترمذي.
ولأنه ﷺ في غزوة الفتح صام في رمضان حتى بلغ الكديد، ثم أفطر حتى قدم مكة، فصام في السفر وأفطر. وقد تقدم.
١٧٨ - ولهذا قال ابن عباس: «لا يعب على من صام في السفر، ولا على من أفطر؛ فقد صام رسول الله ﷺ وأفطر».
وفي لفظ: «صام رسول الله ﷺ في السفر فمن شاء صام، ومن شاء أفطر». متفق عليه.
وإنما اخترنا له الفطر لقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولأنه آخر الأمرين من النبي ﷺ؛ فإنه أفطر في أثناء غزوة الفتح، ثم لم يزل مفطرًا، ثم لم يسافر بعدها في رمضان، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ، ولهذا كانت الأحوال التي في آخر عمره أفضل من الأحوال التي في أول عمره.
[ ١ / ٢١٤ ]
١٧٩ - وعن معمر بن أبي حبيبة: أنه سأل سعيد بن المسيب عن الصيام في السفر، فحدثه عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ غزوتين في شهر رمضان يوم بدر ويوم الفتح، فأفطرنا فيهما». رواه أحمد والترمذي، وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
١٨٠ - وعن حمزة بن عمرو الأسلمي؛ أنه قال: يا رسول الله! أجد مني قوة على الصوم في السفر، فهل عليَّ جناح؟ فقال: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه». رواه مسلم والنسائي.
ورواه أبو داوود ولفظه: قلت: يا رسول الله! إني صاحب ظهر
[ ١ / ٢١٥ ]
أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإني ربما صادفني هذا الشهر (يعني: رمضان)، وأنا أجد القوة، وأنا شاب، فأجد بأن أصوم يا رسول الله أهون علي من أن أؤخره فيكون دينًا، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أو أفطر؟ قال «أي ذلك شئت يا حمزة».
فقد أخبر النبي ﷺ أنه به قوة على الصوم، وأنه أيسر عليه من الفطر، وخيَّره النبي ﷺ، وقال: «هي رخصة من الله، من أخذ بها فحسن»، والحسن هو المستحب، «ومن أحب أن يصوم؛ فلا جناح عليه»، ورفع الجناح إنما يقتضي الإباحة فقط، وهذا بين لمن تأمله.
١٨١ - وعن جابر بن عبد الله؛ قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحامًا، ورجل قد ظلل عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم. فقال: «ليس من البر الصيام في السفر». رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه.
وفي رواية النسائي: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها».
١٨٢ - وعن كعب بن عاصم الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: «ليس
[ ١ / ٢١٦ ]
من البر الصيام في السفر». رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
قال سفيان بن عيينه: تفسيره: ليس من صام بأبر ممن فطر.
١٨٣ - وعن ابن عمر عن النبي ﷺ؛ قال: «ليس من البر الصوم في السفر». رواه الأثرم.
[ ١ / ٢١٧ ]
والبر هو العمل الصالح، فقد بين أن الصوم في السفر ليس بعمل صالح، بل هو من المباح؛ فلا حاجة بالإنسان إلى أن يجهد نفسه به.
١٨٤ - وقد صح عنه ﷺ أنه قال: «إذا مرض العبد أو سافر؛ يقول الله ﷿ لملائكته: اكتبوا لعبدي ما كان يعمل وهو صحيح مقيم». رواه البخاري:
فإذا سافر في رمضان وأفطر؛ كتب له صوم رمضان، ثم إذا قضاه؛ كتب له صوم القضاء؛ فلا يكون في الصوم زيادة فضل.
ولا يصح أن يقال: إنما هذا فيمن شق عليه الصوم في السفر، لأن الحديث خارج على هذا السبب؛ لأنه قد روي مبتدأ غير خارج على سبب.
ولأن اللفظ عام، لا يجب قصره على سببه؛ بل يحمل على عمومه.
ولأن التظليل ليس فيه دليل على المشقة التي تضره حتى يجب معها الفطر.
ولأنه لو كان ذلك لأجل المشقة خاصة؛ لكان الصوم إثمًا، ولقيل: إن من الإِثم الصوم في السفر، فإن نفي البر ليس يلزم منه وجود الإِثم، لأن بينهما مرتبة ثالثة.
ولأنه قد قال في الحديث: «عليكم برخصة الله التي أرخص لكم فاقبلوها»، والرخصة عامة لجميع الناس.
[ ١ / ٢١٨ ]
ولأنه لما كان الصوم في الجملة مظنة المشقة؛ بيَّن أنْ لا برَّ في الصوم فيه لإِفضائه إلى هذا الضر، وإن تخلف عنه في بعض الصور.
١٨٥ - وأيضًا؛ تقدم ما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ؛ قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يكره تؤتى معصيته». رواه أحمد وابن خزيمة في
[ ١ / ٢١٩ ]
[ ١ / ٢٢٠ ]
«صحيحه».
١٨٦ - وعن محمد بن المنكدر؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يحب أن تؤتى فريضته».
١٨٧ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه».
١٨٨ - وعن ابن عمر وابن عباس؛ قالا: «إن الله يحب أن تؤتى مياسره كما يحب أن تؤتى عزائمه». رواهن ابن أبي شيبة.
١٨٩ - وعن عائشة ﵂؛ قالت: «ما خُيَّر رسول الله ﷺ
[ ١ / ٢٢١ ]
بين أمرين؛ إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماَ؛ كان أبعد الناس منه».
١٩٠ - وقال ﷺ في وصيته لمعاذ وأبي موسى: «يسرا ولا تعسرا».
١٩١ - وعن بشر بن حرب؛ قال: سألت عبد الله بن عمر، قلت: ما تقول في الصوم في السفر؟ قال: تأخذ إن حدثتك؟ قلت: نعم. قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج من هذه المدينة؛ قصر الصلاة، ولم يصم حتى يرجع إليها». رواه أحمد.
١٩٢ - وعن أبي طعمة؛ قال: كنت عند ابن عمر، إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن! إني أقوى على الصيام في السفر. فقال ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه الإِثم مثل جبال عرفة». رواه أحمد وفي إسناده ابن لهيعة.
[ ١ / ٢٢٢ ]
١٩٣ - وأيضًا: ما روى أنس بن مالك الكعبي؛ قال: أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ، فانتهيت [أو قال:] فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وهو يأكل، قال: «اجلس فأصب من طعامنا هذا». فقلت: إني صائم. قال: «اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصيام، إن الله وضع شطر الصلاة (أ: نصف الصلاة) والصوم عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى»، والله لقد قالهما جميعًا أو احدهما، فتلهفت نفسي أن لا أكون أكلت من طعام رسول الله ﷺ. رواه
[ ١ / ٢٢٣ ]
[ ١ / ٢٢٤ ]
[ ١ / ٢٢٥ ]
الخمسة، وقال الترمذي: حديث حسن.
وفي رواية لأحمد والنسائي: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى وعن المرضع».
فأخبره النبي ﷺ أن الصوم موضوع عنه؛ استدعاء منه للفطر بعد أن أخبره أنه صائم، ودعاه بعد أن أخبره أنهه صائم.
١٩٤ - ١٩٥ - وعن أبي أمية الضمري وعبد الله بن الشخير عن النبي
[ ١ / ٢٢٦ ]
[ ١ / ٢٢٧ ]
[ ١ / ٢٢٨ ]
ﷺ؛ قال: «إن الله وضع عن المسافر الصيام ونصف الصلاة». رواهما النسائي.
١٩٦ - وأيضًا: عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب؛ قال: سمعت رجلًا سأله: أتمُّ الصلاة والصوم في السفر؟ فقال: لا. قال: إني أقوى على ذلك. فقال: كان رسول الله ﷺ أقوى منك، قد كان يفطر ويقصر الصلاة في السفر. وقال رسول الله ﷺ: «خياركم من قصر الصلاة في السفر وأفطر». رواه سعيد والأثرم وغيرهما.
وهذا مع أنه من مراسيل سعيد؛ فقد احتج به، واحتجاجه يدل على صحته عنده.
١٩٧ - ورواه النجاد عن جابر مسندًا.
[ ١ / ٢٢٩ ]
١٩٨ - وعن ابن عمر: أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الصيام في السفر؟ فنهاه، فقال: إن ذلك عليَّ يسير. فقال: «أنت أعلم باليسير أم الله؟ يقول الله ﷿: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، إن الله تصدق برمضان على مرضى أمتي ومسافريهم؛ فأيكم يحب أن يتصدق بصدقة ثم ترد عليه؟!». رواه أبو حفص.
١٩٩ - وقد روى عمر عن النبي ﷺ: أنه قال في القصر: «صدقة تصدق الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدقته». رواه مسلم.
وأيضًا؛ فإن عامة الصحابة على ذلك:
٢٠٠ - عن أبي جمرة؛ قال: سألت ابن عباس عن الصوم في السفر؟ فقال: «عسر ويسر، خذ بيسر الله تعالى». رواه أبو سعيد الأشج.
[ ١ / ٢٣٠ ]
٢٠١ - وعن أبي سلمة؛ قال: «نهتني عائشة أن أصوم في السفر». رواه سعيد.
[ ١ / ٢٣١ ]
وقد تقدم عن ابن عمر الأمر بالفطر.
٢٠٢ - وعن سعيد بن جبير؛ قال: كان ابن عمر لا يستأذنه في السفر، فصحبه رجل، فدعاه إلى طعامه، قال: إني صائم. قال: «من صحبنا؛ فليقتد بنا، ومن لا؛ فليعتزلنا؛ فإن في الأرض سعة». رواه البغوي.
٢٠٣ - وعن ابن عمر: «أنه كان لا يصوم في السفر رمضان ولا غيره، وإذا أقام قلما فطر».
[ ١ / ٢٣٢ ]
٢٠٤ - وعنه: «أنه جاء إليه رجل، فقال: أصوم في السفر؟ قال: لا. قال: إنه صوم كنت أصومه. قال: إن هذا يريد أن يتبع هواه، إني لأظنك عراقيًّا».
[ ١ / ٢٣٣ ]
٢٠٥ - وعن مجاهد؛ قال: قال ابن عمر: «يا مجاهد! لا تصم في السفر؛ فإنهم يقولون: كفوا صاحبكم، أعينوا صاحبكم، حتى يذهبوا بأجرك».
٢٠٦ - وعن عمرو بن دينار؛ قال: «سمعت رجلًا من بني تميم يحدث عن أبيه أنه صام رمضان في السفر، فأمره عمر أن يقضيه».
وعن محرر بن أبي هريرة؛ قال: «صمت رمضان في السفر، فأمرني أبو هريرة أن أعيد في أهلي».
٢٠٧ - وعن عمار مولى بني هاشم، عن ابن عباس ﵄: فيمن صام رمضان في السفر: «لا يجزيه». رواه أبو إسحاق الشالنجي.
[ ١ / ٢٣٤ ]
٢٠٨ - ٢٠٩ - وعن عثمان بن أبي العاص وأنس: «الصوم أفضل». رواه سعيد.
[ ١ / ٢٣٥ ]
ولأن الفطر جائز بغير خلاف من غير كراهة، والصوم قد كرهه جماعة من الصحابة، وأمروا بالقضاء كما تقدم، ولأن الفطر أيسر وأخف، والله يريد اليسر ولا يريد بنا العسر، ويجب أن يؤتى ما أرخصه، والمفطر يجمع له أجر الصائم وأجر القضاء كما تقدم، ولأنه رخصة من رُخَص السفر، فكان اتباعها أولى من الأخذ بالثقيل؛ كالقصر والمسح.
فإن قيل: هذا يبقى الصوم في ذمته بخلاف الذي يقصر الصلاة.
قلنا: إذا قام واتسع له وقت؛ قضاه، وإلا؛ فلا شيء عليه.
ولأن الصوم في السفر مظنة سوء الخلق والعجز عن مصالح السفر، وأن يصير الإِنسان كَلًاّ على أصحابه، ولو لم يغيره، لكن الفطر بكل حال أعون له على السفر، وسعة الخلق، وإعانة الرفقاء، وغير ذلك من المصالح التي هي أفضل من الصوم.
وبهذا يتبين أن الفطر أرفق له بكل حال، ولأن في الفطر قبولًا للرخصة، وبراءة من التعمق والغلو في الدين، وشكر الله على ما أنعم به من الرخصة.
فإن من صام؛ فهل يكره له الصوم؟
على روايتين:
إحداهما: يكره. كما نقله حنبل.
وقال في رواية الأثرم: أنا أكره أن يصوم في السفر؛ فكيف بقضاء رمضان في السفر؟ وهو اختيار الخرقي وأبي طالب وغيرهما:
لقوله: «ليس من البر الصوم في السفر»، وما ليس ببر لا يكون عبادة، فيكره أن يشغل زمانه بغير عبادة.
ولما تقدم عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ: «صام حتى بلغ كراع
[ ١ / ٢٣٦ ]
الغميم، فصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب، والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم، وصام بعضهم، فبلغه أن أناساَ صاموا، فقال: أولئك العصاة». رواه مسلم وغيره.
ولأن من الصحابة من يأمره بالإِعادة.
والثانية: لا يكره. كما نقله المروذي.
وهو اختيار ابن عقيل؛ لما تقدم من أنه لم يكن يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، والكراهة عيب، وأن النبي ﷺ صام في السفر هو وابن رواحة في يوم شديد الحر، وأنه لو كره له الصوم؛ لعادت الرخصة مشقة.
والصحيح: أنه إن شق عليه الصوم، بأن يكون ماشياَ أو لا يجد عشاءً يقويه أو بين يديه عدو يخاف الضعف عنه بالصوم أو يصير كَلَاّ على رفقائه أو يسوء خلقه ونحو ذلك؛ كره له الصوم، وكذلك إن صام تعمقًا وغلوًا، بحيث يعتقد أن الفطر نقص في الدين ونحو ذلك، وعلى هذا يحمل على ما روي عن عمر وابن عباس وأبي هريرة من أمر الصائم بالإِعادة على سبيل الاستحباب
[ ١ / ٢٣٧ ]
عقوبة له، وكذلك حديث ابن عمر وغيره.
وأما من صام وهو مرفه من غير تغير في حاله؛ فلا بأس بصومه، وذلك لأن النبي ﷺ إنما أمرهم بالفطر وسماهم عصاة حين شق عليهم الصوم مشقة شديدة ولم يفطروا.
٢١٠ - وعن أبي سعيد؛ قال: «أتى رسول الله ﷺ على نهر من ماء السماء، والناس صيام في يوم صائف مشاة، ونبي الله ﷺ على بغلة له، فقال: اشربوا أيها الناس! قال: فأبوا، فقال: إني لست مثلكم، إني أيسركم، وإني راكب. فأبوا، فثنى رسول الله ﷺ فخذه، فنزل وشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب». رواه أحمد.
فقد فرق رسول الله ﷺ بين الراكب والماشي.
٢١١ - وعن سلمة بن المحبق الهذلي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من كانت له حمولة تأوي إلى شبع؛ فليصم رمضان حيث أدركه». رواه أحمد وأبو داوود.
وفي رواية لأبي داوود: «من أدركه رمضان في السفر».
فأمر بالصوم من له زاد وراحلة دون غيره.
[ ١ / ٢٣٨ ]
٢١٢ - وعن أبي سعيد؛ قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة، ونحن صيام. قال: فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله ﷺ: «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم». فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر، فقال: «إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فافطروا». فكانت عزيمة، فأفطرنا، ثم رأيتنا نصوم بعد مع رسول الله ﷺ في السفر. رواه أحمد ومسلم وأبو داوود، ولفظه: قال أبو سعيد: لقد رأيتني أصوم مع النبي ﷺ قبل ذلك وبعد ذلك، فأمرهم النبي ﷺ بالفطر لما أرادوا أن يصبحوا العدو، وكانت عزيمة.
وأما الإِعراض عن الفطر تعمقًا وتنطعًا أو استعظامًا للفطر وإكبارًا له؛ فمثل:
٢١٣ - ما روت عائشة قالت: «رخص رسول الله في أمر، فتنزه عنه ناس من الناس، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فغضب حتى بان الغضب على وجهه، فقال: ما بال أقوام يرغبون عن ما رخص لي فيه؛ فوالله؛ إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية». متفق عليه.
٢١٤ - كما أراد جماعة من أصحاب النبي ﷺ أن يتبتَّلوا، وقال أحدهم:
[ ١ / ٢٣٩ ]
أما أنا فأصوم لا افطر. وقال الآخر: أما أن أقوم لا أنام. وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم. وقال الآخر: أما أنا فلا آتي النساء. فبلغ النبي ﷺ أمرهم، فقال: «لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
وأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧].
والأكل في السفر من طيبات ما أحل الله لنا؛ فمن اجتنبه تنزهًا عنه كالذي يجتنب اللحم والنساء كان داخلًا في هؤلاء، وبهذا وشبهه مرقت الخوارج من الدين، وعلى هذا الوجه أنكر دحية بن خليفة الكلبي وأبو بصرة على الذين رغبوا عن الفطر، ورأوه مكروهًا، وكذلك ابن عمر أنكر على من رأى به قوة على الفطر؛ فلا يشرع في حقه.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ومن هذا الباب قوله ﷺ: «لأواصلنَّ وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم».
ولهذا أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور.
٢١٥ - وعلى هذا يخرج ما روى أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر». رواه ابن ماجه.
٢١٦ - ورواه النجاد من حديث يزيد بن عياض، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وأبيه عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله ﷺ قال: «صائم رمضان في السفر كمفطره في الحضر».
[ ١ / ٢٤١ ]
٢١٧ - ورواه النسائي موقوفًا على عبد الرحمن.
[ ١ / ٢٤٢ ]
يعني: من صامه معتقدًا وجوبه، والتشبيه به في الإِثم لا في وجوب القضاء.
[ ١ / ٢٤٣ ]
فإن قيل: فهلَاّ أوجبتم عليه القضاء، لا سيما وقد استشهد أحمد في رواية حنبل بقول عمر وأبي هريرة.
قلنا:. . . .
مسألة: