في هذا الكلام فصول:
أحدها: أن صيام رمضان فرض في الجملة، وهذا من العلم العام الذي توارثته الأمة خلفًا عن سلف، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ الآيات [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥].
٢ - وأما السنة؛ فقوله ﷺ في حديث ابن عمر: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت».
٣ - وقوله في حديث جبريل: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا».
[ ١ / ٢٦ ]
٤ - وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: كان رسول الله ﷺ يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجل، فقال: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر». قال: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: «الإسلام: أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإنك إن لا تراه؛ فإنه يراك» وذكر الحديث. متفق عليه.
٥ - وعن أبي هريرة: أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته؛ دخلت الجنة. قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». قال: والذي نفسي بيده؛ لا أزيد على هذا شيئًا ولا أنقص منه. فلما ولَّى؛ قال النبي ﷺ: «من سرَّهُ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة؛ فلينظر إلى هذا». متفق عليه.
٦ - وعن طلحة بن عبيد الله؛ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دَوِيَّ صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا؛ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «خمس صلوات في اليوم والليلة». فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا؛ إلا تطَّوع». قال رسول الله ﷺ" «وصيام
[ ١ / ٢٧ ]
رمضان». قال: هل عليَّ غيره؟ قال: «لا؛ إلا تطَّوع». قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا؛ إلا تطَّوع». قال: فأدبر الرجل، فقال: والله؛ لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله ﷺ: «أفلح إن صدق».
٧ - وعن أبي جمرة عن ابن عباس ﵄: أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ؛ قال: «من القوم (أو: من الوفد؟»). قالوا: ربيعة. قال: «مرحبًا بالقوم (أو: بالوفد) غير خزايا ولا ندامى». فقالوا: يا رسول الله! إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر؛ فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة. قال: فأمرهم بأربع وأنهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس». ونهاهم عن أربع، عن الجنتم والدباء والنقير والمزفت، وربما قال: المقير. قال: «احفظوهن، وأخبروا بهن من ورائكم». رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
وقد أجمعت الأمة إجماعًا ظاهرًا على وجوب صيام شهر رمضان، وأنه الشهر التاسع من شهور العام بين شعبان وشوال، والأفضل أن يقال: جاء شهر
[ ١ / ٢٨ ]
رمضان، وصمنا شهر رمضان؛ موافقة للفظ القرآن وأكثر الأحاديث.
فأما إطلاق رمضان عليه:
فقال القاضي وغيره: يكره إطلاق هذا الاسم عليه من غير قرينة تدل على أن المراد به الشهر؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٨ - ولما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ [قال]: «لا تقولوا جاء رمضان؛ فإن رمضان اسم الله، ولكن قولوا: جاء شهر رمضان».
[ ١ / ٢٩ ]
رواه أحمد بن عدي.
وفي رواية: «لا تقولوا جاء رمضان؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا: جاء شهر رمضان».
٩ - وقد روي عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ سئل عن شهر رمضان؟ فقال: «أرمض الله فيه ذنوب المؤمنين فغفرها لهم».
١٠ - وقالت: قال رسول الله ﷺ: «لا تسموا رمضان؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله ﷿؛ فانسبوه إليه كما نسبه لكم في القرآن». رواه ابن شاهين.
وظاهر الأثر المذكور يقتضي كراهة إطلاق رمضان عليه بكل حال؛ لأنه نهى أن يقال: جاء رمضان، ومعلوم أن هذه قرينة، ونهى عن تسمية رمضان.
[ ١ / ٣٠ ]
١١ - وقد روى أبو سعيد الأشج وغيره عن مجاهد: أنه كره أن يقول: رمضان، ويقول: شهر رمضان؛ كما سمى الله شهر رمضان.
ولعل وجه هذا 'ن كان له أصل أن يكون الله ﷾ لما كان يرمض الذنوب في هذا الشهر على الشهر فيحرقها ويفنيها؛ كان هذا من أسمائه، لكن على هذا التقدير لا يُسمى الشهر رمضان، لا مطلقًا ولا مقيدًا؛ لأن الاسم لله سبحانه، اللهم إلا أن يُقال: الاسم مشترك يُسمَّى به الله سبحانه ويسمى به الشهر، فيجوز مع القرينة أن يُعنى به الشهر؛ كما قد قيل مثل هذا في الرب والملك والسيد ونحو هذا.
وقال غيره من أصحابنا [كـ] ابن الجوزي: لا يكره تسميته رمضان بحال.
١٢ - وهذا هو المعروف من كلام أحمد؛ فإنه دائمًا يطلق رمضان ولا يحترز عن ذلك؛ لما روي عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جاء رمضان؛ فتحت أبواب الجنة». متفق عليه.
١٣ - وعنه أيضًا: قال رسول الله ﷺ: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ إلا أن يكون رجلًا كان يصوم صومًا؛ فليصمه». رواه الجماعة.
[ ١ / ٣١ ]
١٤ - وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ؛ قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه». متفق عليه.
١٥ - وعمن سمع في فلق فِيِّ رسول الله ﷺ: أنه قال: «من صام رمضان. متفق عليهما.
١٦ - ١٨ - وعن أبي أيوب وجابر وثوبان، عن النبي ﷺ: «من
[ ١ / ٣٢ ]
صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال » وذكر الحديث. رواه مسلم وغيره.
١٩ - وعن سلمة بن المحبق؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من كانت له حمولة تأوي إلى شبع؛ فليصم رمضان حيث أدركه». وفي لفظ: «من أدركه رمضان في السفر». رواهما أبو داوود.
٢٠ - ٢١ - وعن أبي هريرة وعن عائشة: أن رجلًا قال: يا رسول الله! أصبت أهلي في رمضان. متفق عليهما.
وهذا كثير في الحديث عن النبي ﷺ.
وأما عن أصحابه؛ فأكثر من أن يُحصى.
[ ١ / ٣٣ ]
قالوا: ولأنه لم يذكر أحد في أسماء الله رمضان، ولا يجوز أن يُسمى به إجماعًا.
والحديثان المتقدمان لا أصل لهما: أما الأول؛ فإن مداره على أبي معشر، والثاني مداره على إسماعيل بن أبي زياد الشامي عن هشام بن عروة.
وأما قوله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾؛ فكقولهم: شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر، وهو من باب إضافة الاسم العام إلى الخاص؛ كما يقال: يوم الأحد ويوم الخميس.
قال بعض أهله. . .: ما كان في أوله رأس الشهور؛ فإن الغالب أن يذكر بإضافة الشهر إليه دون ما لم يكن كذلك، فيقولون: المحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، شهر ربيع الآخر، رجب، شعبان، شهر رمضان.
[ ١ / ٣٤ ]
وأما اشتقاقه:
فقال القاضي: قيل: سُمي رمضان لأنه يرمض الذنوب؛ أي: يحرقها ويهلكها. وقد تقدم الرواية بذلك.
٢٢ - وعن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أتدرون لأي شيء سُمي شعبان؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «لأنه يتشعب فيه خير كثير، وإنما سُمي رمضان لأنه يرمض الذنوب (يعني: يحرق الذنوب)». رواه ابن شاهين وغيره.
وهذا المعنى لا يخالف ما يذكره أهل اللغة؛ فإنهم يزعمون أن أسماء الشهور لما نقلوها عن اللغة القديمة؛ سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، فسُمي بذلك؛ كما سموا شوالًا؛ لأن الإِبل تشول
[ ١ / ٣٥ ]
بأذنابها، وسموا شعبان؛ لانشعاب القبائل فيه، وغير ذلك.
وهذا لأن الرمض شدةُ وقعِ الشمس على الرمل وغيره، والأرض رمضا، ورمِضَ يومنا يرمض رمضًا: اشتد حرُّه، ورمضت قدمي، ورمض الفصيل: أصابه حرُّ الرمضا.
فاجتمع في رمضان أن وقت التسمية كان زمن حر، ثم إن الله فرض صومه، والصوم فيه العطش والحرارة، ثم إنه يوجب التقوى فتحرق الذنوب وتهلكها، وقد يُلهم الله خلقه أن يسموا الشيء باسم لمعنى يعلمه هو [ويبينه فيما بعد] وإن لم يعلموا ذلك حين الوضع والتسمية؛ كما سموا النبي ﷺ محمدًا.
وغير مستنكر أن يكون ما اشتق منه الاسم قد تضمن معاني كثيرة، يفطن بعض لبعضها.
وأيضًا؛ فإن هذه التسمية لغوية شرعية، فجاز أن يكون له باعتبار كل واحد من التسميتين معنى غير الآخر، وقد قيل: هو اسم موضوع لغير معنى؛ كسائر الشهور.
وقيل: شرع صومه دون غيره ليوافق اسمه معناه، وقد سمي بذلك لأن الله حين فرضه كان وقت الحر. وهذا ضعيف؛ لأن تسميته رمضان متقدمة على فرضه، ولأنه لما فُرض؛ كان في أوائل الربيع الذي تسميه العرب الصيف؛ فإن أول رمضان فُرض كانت فيه وقعة بدر، وقد أنزل الله عليهم فيها ماءً من البسماء، والقيظ العظيم لا ينزل فيه مطر.
[ ١ / ٣٦ ]